3 - في حديث معاذ عندما أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال «أيُّما رجُلٍ ارتدَّ عنِ الإسلامِ فادعُهُ فإن عادَ وإلَّا فاضرِب عنقَهُ وأيُّما امرأةٍ ارتدَّت عنِ الإسلامِ فادعُها فإن عادَت وإلَّا فاضرب عنقَها»(1)، قال الحافظ ابن حجر: سنده حسن(2).
4 - قتل أبو بكر رضي الله عنه في خلافته امرأة ارتدت، والصحابة متوافرون فلم ينكر ذلك عليه أحد(3). قال ابن حجر أخرج الدارقطني أثر أبي بكر من وجه حسن(4).
وذهب أبو حنيفة رحمه الله إلى أن المرأة المرتدة لا تقتل، بل تحبس ويضيق عليها حتى تتوب أو تموت، واستدل بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل الكافرة التي لا تقاتل أو تحرض على القتال(5).
روى أبو داود بسنده عن رباح بن ربيع قال: «كنَّا معَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في غَزوةٍ فرأى النَّاسَ مُجتَمَعينَ علَى شيءٍ فبعثَ رجلًا، فقال: انظرْ علامَ اجتمعَ هؤلاءِ؟ فجاءَ فقالَ: علَى امرأةِ قَتيلٍ. فقالَ: ما كانت هذِهِ لتقاتِلَ قالَ: وعلَى المُقدِّمةِ خالدُ بنُ الوليدِ فبعثَ رجلًا. فقالَ: قُلْ لخالدٍ لا يقتلَنَّ امرأةً ولا عَسيفًا»(6).
والراجح رأي الجمهور؛ وهو قتل المرتدة؛ لقوة أدلته، وسلامتها من الإيراد عليها، ولأن كل واحد من أدلة الجمهور صالح للاحتجاج به على قتل المرتدة بانفراده، فكيف بها مجتمعة؟--------------------------------------------
(1) فتح الباري، 12/ 172، نيل الأوطار 7/ 193.
(2) المصدر السابق فتح الباري.
(3) المصدر السابق.
(4) المصدر السابق.
(5) المبسوط 10/ 108 و 109، رد المحتار 4/ 247.
(6) سنن أبي داود، 3/ 12 تحقيق الدعاس وعادل السيد، العسيف: الأجير والتابع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
وأما ما احتج به أبو حنيفة من نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل المرأة، فيجاب عليه بأن المراد به المرأة الكافرة الأصلية؛ فإنه قال ذلك حين رأى امرأة مقتولة، وكانت كافرة أصلية، وكذلك نهي الذين بعثهم إلى ابن أبي الحقيق(1) عن قتل النساء(2).
ولم يكن فيهم مرتد، ويخالف الكفر الأصلي الطارئ؛ بدليل أن الرجل يقر عليه، ولا يقتل أهل الصوامع، والشيوخ، والمكافيف، ولا تجبر المرأة على تركه بضرب ولا حبس، والكفر الطارئ بخلافه(3).
بل إن الديانات الأخرى تجرم الردة، وترتب على المرتد كثيراً من الأحكام، التي يتوافق كثير منها مع الشريعة الإسلامية في مذهب بعض طوائف تلك الديانات، وتقترب من الشريعة الإسلامية في مذهب طوائف أخرى. فقد ساوت الديانة اليهودية في قانون الأحوال الشخصية للإسرائيليين بين زنا المرأة وخروجها من اليهودية، وأنه تقع الفرقة بذلك بين الزوجين، وأن خروج المرأة من دينها مسقط لحقوق الزوجية التي تنبني على الطلاق(4).
وطائفة الأنجيليين من النصارى يرون أنه: (إذا اعتنق أحد الزوجين ديانة أخرى جاز للطرف الآخر أن يطلب الطلاق)(5).
كما في المادة 18/ 2 من نظام الأحوال الشخصية.--------------------------------------------
(1) هو سلام بن أبي الحقيق، أبو رافع اليهودي، وكان فيمن حزب الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت الأوس قبل أحد قتلت كعب بن الأشرف في عداوته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتحريضه عليه، فاستأذنت الخزرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل سلام بن أبي الحقيق، وهو بخيبر، فأذن لهم فقتلوه، سيرة ابن هشام 4/ 235.
(2) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الجهاد 9/ 77، وانظر: مصنف عبد الرزاق 5/ 202.
(3) المغني 12/ 266.
(4) انظر المواد: 177 و 178 و 305 من نظام الأحوال الشخصية للإسرائيليين. نقلاً عن أحكام الردة والمرتدين ص 428.
(5) أحكام الردة والمرتدين ص 428، للدكتور جبر محمود فضيلات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
وجاء في المادة 14 من أنظمة الأرثوذكس أن (لكل من الزوجين أن يطلب الطلاق إذا ارتد الزوج الآخر عن الديانة النصرانية)(1).
وفي مجموعة (1055) قد نصت في المادة (49) منها على أنه يفسخ الزواج إذا خرج أحد الزوجين عن الدين المسيحي)(2).
وكذلك فإن الدستور الفرنسي الصادر في إبريل عام 1946 م قد قيد حرية الرأي المنصوص عليها في المادة 14 منه بعدم إساءة استعمال هذا الحق، حتى لا يؤدي ذلك إلى مخالفة المبادئ التي نص عليها إعلان الحقوق الذي تضمنه ذلك الدستور، والمستند إلى المنطق الفردي التقليدي(3).
وفي الشريعة الإسلامية اتفق الفقهاء على أنه إذا ارتد أحد الزوجين بطل عقد الزواج؛ سواء كانت الردة من الزوج أو من الزوجة(4)، وبناءً على أن ما ذهب إليه الكاتب من إنكاره لحجية الأحاديث الشريفة، وإقامة حد الردة وهو قتل المرتد، الذي تطبقه المملكة العربية السعودية ويطبقه كل من يقيم شرع الله على أرضه مصادم للأدلة الشرعية من القرآن والسنة التي سبق بيانها، وقائله يريد أن يشرع في الدين ما لم يأذن به الله، فقوله هذا مخالف لأحكام الشريعة الإسلامية، وليس من الإسلام في شيء، وهو من اتباع الهوى، وسعي في نقض عرى الإسلام عروة عروة. قال تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} [القصص: 50] وقال تعالى:--------------------------------------------
(1) المصدر السابق.
(2) المصدر السابق، ما أوردته عن اليهودية والمسيحية ليس المقصود منه إجراء مقارنة، وإنما المقصود منه بيان أن تجريم المرتد ليس قاصراً على الإسلام ولكنه كذلك في الديانات الأخرى.
(3) الحريات العامة في الإسلام ص 215، للدكتور محمد سليم محمد غزوي.
(4) المبسوط 5/ 49، رد المحتار على الدر المختار 3/ 392، المدونة ج 4 ص 315، الأم للإمام الشافعي 5/ 57، كشاف القناع 5/ 121.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
{يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26]
إن حكم قتل المرتد الذي تطبقه المملكة العربية السعودية وكل من يحكم بالشريعة الإسلامية هو تطبيق لحكم الله المبلغ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس من فتاوى جاهزة كما يقول الكاتب.
وقول الكاتب: (إنه لمن المخجل أن يدافع عدد من الدول الإسلامية عن عقوبة الإعدام).
فإننا نقول له: إن هذا إرجاف وتهويل لا مبرر له، وإن المخجل حقاً أن من ينسب نفسه للإسلام، ويتكلم باسم الإسلام يتنكر لأحكام الإسلام، ويريد أن ينسخ بهواه ما أثبتته الأدلة الشرعية، وأجمع عليه علماء الملة عبر العصور، ويريد أن يلصق بالإسلام ما ليس منه.
وما ذكره عن منظمة العفو الدولية إن صح ما ذكره عنها فجوابنا عليه: أنه لا صحة مطلقاً لما يقال من الرعب والظلم الجاثم على المملكة العربية السعودية، وإنما فيها العدل والأمن والاطمئنان الذي يشهد به القاصي والداني، والذي هو من آثار تطبيق الشريعة الإسلامية. علماً أنه منذ أكثر من خمسة وخمسين عاماً من نشر هذا الكتاب لم يقتل بسبب الردة في المملكة العربية السعودية سوى حالة واحدة، فأين ما تقوله من تكاثر جرائم الإعدام في المملكة بهذا الخصوص؟
إن تطبيق العقوبات التي شرعها الله في كتابه أو على لسان رسوله إنما هي لغرض التقويم والإصلاح، وإنها زواجر وجوابر؛ بمعنى أنه يثاب عليها المسلم في الآخرة، وتزجره في الدنيا.
وبالنسبة للمرتدين فإن المشكلة لا تنتهي عند هذا الحد، بل تطبق عليهم أحكام الردة في المعاملات فلا يرثهم أقاربهم، ولا يرثون من أقاربهم، مما يؤدي إلى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
هدم وحدة أسرته ومعاملاته، فلا ينحصر أثر الردة في الميدان الحقوقي المدني، بل لابد أن يمتد أثرها إلى الجانب الجزائي، لينال المرتد العقوبة الجنائية التي يستحقها؛ فإذا عرف العقوبة، وأنها ستطبق بحقه، لم يقدم على الاستهتار بدين الحق، ولم يتسبب في تشتيت أسرته(1).
ولأن المرتد ترك الحق بعد معرفته، واعتدى على العقيدة التي هي أقوى أسباب الأمن، فالمرتد يقتل لتبديله الدين الحق وتركه له، ومفارقة جماعة المسلمين، ولما كان عثرة في سبيل انتشار الدين وجبت إماطته كما يماط الأذى عن الطريق، وقتله ليس عقوبة على الكفر في ذاته؛ لأن غير المسلمين من اليهود والنصارى قد كفل لهم الإسلام حرية العقيدة وحمايتها من غير إكراه ولا تضييق، فلابد أن يكون هذا القتل عقوبة على الخيانة الكبرى والمكيدة الدينية التي ادعى معها المرتد اعتناق الإسلام، ثم أعلن الخروج منه للطعن فيه والإساءة إليه(2)، وحتى لا يكون الدين ألعوبة للملاحدة والزنادقة فيغتر بهم غيرهم من ضعاف الإيمان ولسد الطريق على العابث الذي يدخل في الدين خداعاً ثم يخرج منه للتنفير منه، كما حاول بعض اليهود هذه الخدعة زمن النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله فيهم قوله تعالى: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [آل عمران: 72] أي لعل المسلمين إذا رأوا ذلك يرجعون عن دينهم.--------------------------------------------
(1) أحكام الجريمة والعقوبة في الشريعة الإسلامية 399 - 403 بتصرف يسير، الحرية في الإسلام ص 55، 54 للسيد محمد الخضر بن الحسين.
(2) معالم الشريعة الإسلامية ص 199، للدكتور صبحي الصالح، الحريات العامة في الإسلام ص 68، 69، للدكتور محمد سليم غزوي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
لأن حفظ الدين هو حفظ المجتمع بكامله؛ إذ إن الشريعة بكل ما اشتملت عليه من الأحكام التكليفية إنما هي أثر من آثار العقيدة، فكلما قويت العقيدة تأكد هذا الجانب التشريعي، ورسخت جذوره عن طريق التطبيق العملي، ولهذا فإن حفظ الدين أول الضرورات في المقاصد واجبة الحماية.
ولا مانع من أن يكون حكم قتل المرتد في الإسلام متفقاً مع ما جاء في شريعة عيسى عليه السلام، كما استشهد له الكاتب بما جاء في الإنجيل وهو (فالذي يكفر باسم ربك يقتل ويرجمه جميع أفراد الجالية) (الكتاب 16/ 24) وكذلك ما جاء فيه (فلنعبد آلهة آخرين … نرجمه ويموت) (13: 219)
حكم قتل المرتد لم يلجأ إليه الفقهاء لا في القرون الوسطى، ولا في غيرها، تحت تأثير الإنجيل كما زعم الكاتب؛ لأن الإسلام ناسخ لجميع ما قبله من الأديان، والملل، والشرائع قال تعالى {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19)} (آل عمران: 19)
ولكن هذا حكم الله بلغه رسوله صلى الله عليه وسلم، وطبقه الصحابة رضوان الله عليهم، والمسلمون في جميع العصور، تنفيذاً لأمر الله، وأمر رسوله، كما طبقوا جميع الأحكام الشرعية الأخرى.
ومن الغريب أن يكون تطابق شهادتين موجبا لتساقطهما -في نظر الكاتب- بدلاً من أن يكون موجباً لزيادة الثقة فيهما.
إن قسوة عقوبة الردة تضفي الحماية على التدين الحقيقي فتحول دون عبث العابثين بالأديان عامة؛ لأن ظاهرة الاستهتار التي برزت في ظل الحضارة الصناعية المعاصرة أصبحت تشكل خطراً على جميع الأديان لا على دين واحد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
فأصبحنا نرى من يتظاهر بالخروج من دينه لطلاق امرأة وزواج أخرى، أو لمصلحة معينة، فيسجل دخوله في الإسلام وذلك تهرباً من الالتزامات التي يفرضها عليه ذلك الدين الذي خرج منه، وبعد أن يحقق مصالحه الشخصية يعود إلى دينه الأصلي، مستهتراً بجميع الأديان، متحايلاً للتخلص من الالتزامات بهذه الأساليب؛ فليست الحرية الدينية هي هذا العبث؛ إنما الحرية الدينية أن يدخل الدين مختاراً صادقاً مؤمناً به.
ويعتبر المرتد مهدر الدم من وجهين: أولهما: أنه كان معصوماً بالإسلام، فلما ارتد زالت عصمته فأصبح مهدراً؛ وأساس العصمة بالإسلام قوله صلى الله عليه وسلم «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَقولوا: لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنِّي رسولُ اللهِ فإذا قالوها عَصَموا منِّي دماءَهُم، وأموالَهُم إلَّا بحقِّها، وحسابُهُم على اللهِ»(1).
ثانيهما: أن عقوبة المرتد في الإسلام القتل حداً، وفي القول الآخر أنه يقتل كفراً، وعلى القولين لا يجوز العفو عنها ولا تأخيرها(2) إلا فترة استتابته.--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري بشرحه فتح الباري 1/ 75، صحيح مسلم بشرح النووي 1/ 177.
(2) التشريع الإسلامي الجنائي 1/ 18، لعبد القادر عوده، الحدود في الفقه الإسلامي ص 116 للدكتور عبد الحكيم علي المغربي الموسوعة الفقهية 17/ 131.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
المبحث الثالث حرية الفكر في الشريعة الإسلامية
تعريف الحرية:
تنبئ هذه الكلمة بسائر تصاريفها في اللسان العربي عن معان فاضلة، ترجع إلى معنى الخلوص، يقال حر يحر كظل يظل حرارا بالفتح بمعنى عتق. والاسم: الحرية، والحر: خلاف العبد، والخيار من كل شيء، والحر من الطين والرمل: الطيب، والحرة: ضد الأمة، وتطلق على الكريمة من النساء(1).
ووردت صفة للنفس في كثير من أشعار العرب مثل قول الشاعر:
إن كنت عبداً فنفسي حرة كرما … أو أسود اللون إني أبيض الخلق
وجاء لمعنى استقلال الإرادة، وعدم الخضوع لسلطان الهوى:
وترانا يوم الكريهة أحراراً وفي السلم للغواني عبيدا(2)
ويمكننا تعريف الحرية بأنها حق أصلي منحه الله للإنسان يصدر بموجبه جميع تصرفاته تبعاً لإرادته وفق الضوابط الشرعية.
وموضوع الحرية والحقوق مرتبط كل منهما بالآخر أشد الارتباط؛ لأن الحرية بالإفراد هي حق من حقوق الأفراد، ولأن كل حق لبعض الأفراد هو تحديد لمفهوم الحرية في مقابل حقوق المجموع(3).
وتشمل الحرية مجالات متعددة من ممارسات الإنسان ومعتقداته في الحياة؛ مثل حرية التملك، وحرية العمل، وحرية المسكن، وحرية الفكر.
وسأقتصر في هذا الكتاب على حدود حرية الفكر في الإسلام.--------------------------------------------
(1) لسان العرب، المصباح المنير، تاج العروس، مادة حرر، وانظر: الحرية في الإسلام ص 10 للخضر بن الحسين.
(2) الحرية في الإسلام.
(3) معالم الشريعة الإسلامية ص 186، للدكتور صبحي الصالح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
حرية الفكر:
إن النظر في القرآن الكريم يعطي يقيناً جازماً بأن الإسلام يبني الاعتقاد الصحيح على النظر في الكون، والتفكر والتأمل في أسراره؛ ليصل الإنسان بهذا التفكر إلى الإيمان بالله سبحانه وتعالى، بل والإفادة من كنوز الأرض(1) قال تعالى: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [يونس: 101] وقال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ} [الأنعام: 50] وقال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الجاثية: 13] وتختم آيات كثيرة بعد بيان الأحكام الإسلامية من عقيدة وغيرها بأنها لقوم يعقلون، يتفكرون، يتدبرون، لأولي الألباب ونحوها.
والإسلام لا يجعل التفكير من المباحات التي يباشرها من شاء ويتركها من شاء، بل يجعله واجباً على الإنسان؛ ولذا ندد الله سبحانه وتعالى بالتقليد في أصول العقائد والشرائع؛ لتكون العقيدة عن وعي وإدراك وإذعان(2) فقال سبحانه: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170].
وأما موضوع الحرية وحقوق الإنسان التي ينادي بها الكاتب وما ذكره من (أن كل ما في القرآن يدعو إلى حرية الفكر … الخ).
فنقول له إن الحرية الدينية التي كفلها الإسلام لأهل الأرض لم يعرف لها نظير في جميع القارات، ولم يحدث أن انفرد دين بالسلطة، ومنح مخالفيه في الاعتقاد كل أسباب البقاء والازدهار مثل ما صنع الإسلام.--------------------------------------------
(1) حقوق الإنسان 79 وما بعدها للشيخ محمد الغزالي، الفقه الإسلامي وأدلته 721، للدكتور وهبه الزحيلي.
(2) حقوق الإنسان ص 79، الفقه الإسلامي وأدلته ص 721.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
وإذا كان الإسلام حيث يسود يمنح الآخرين حرية العقل والضمير، فإن الآخرين إذا سادوا سلبوا أتباع الإسلام حقوقهم، وأذاقوهم عذاب الهون.
وهذا القدر من الحرية والعدل الذي قرره الإسلام وأكد عليه في القرآن الكريم منذ أكثر من أربعة عشر قرناً لم تصل إليه -بعد- أي أمة من أمم الأرض التي تدعي أنها رائدة في المحافظة على حقوق الإنسان وحريته، وهو أيضاً ما لم ينتبه إليه واضعو ميثاق حقوق الإنسان، استمع إلى قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8] وفي آية أخرى يقول: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2] ويؤخذ من هذه النصوص الصريحة حرمة التمييز أيضاً في هذه الحقوق وحرمة العدوان عليها بسبب الحقد أو العداء.
ويتضح من جميع هذه النصوص التشريعية في الإسلام وما تضمنته من ضوابط مقدار حرص الإسلام على حقوق الإنسان الأساسية فكرية أو اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية، ولم يتخذ الإسلام من هذه النصوص مواعظ أخلاقية وحسب، بل أوامر تشريعية، وأقام إلى جانبها جميع النصوص التشريعية اللازمة لضمان تنفيذها، وأن الإسلام منذ أكثر من أربعة عشر قرناً قد سبق المنظمات الدولية والدول الحديثة في إعلان هذه الحقوق، بل قد أقام دعوته عليها من أجل خير الإنسان، وأمر القرآن الكريم بذلك فقال: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]، وإنما فعل ذلك من أجل حماية مصالح الإنسان وحقوقه الأساسية وعقائده الدينية.
وإن الأمر الذي لا يوافق عليه الكاتب جعله هذه الحرية بدون قيود ولا ضوابط، ولا غاية تنتهي إليها، وهذا لا يكون في أي نظام، أو شرع يحكم به المجتمع الإنساني؛ لا في الشرائع السماوية، ولا في القوانين الوضعية، وما وضعت الشرائع إلا لحد الحدود، وبيان مبتدأ ومنتهى الحقوق والواجبات؛ ولذا فإننا نوضح للكاتب محمد طالبي ومن قد يرى رأيه في إنكاره لإقامة حكم القتل على المرتد أنه ليس في إقامة عقوبة المرتد مصادرة للحرية؛ فإن حرية الفرد في الإسلام مقيدة بأن لا تمس نظام المجتمع، وأسسه العقائدية والاجتماعية، وحرية الفرد في المجاهرة بردته تصطدم بحرية المؤمنين في الحفاظ على إيمانهم وهم جمهور المجتمع فكانت رعاية حريتهم أولى.
ونقول له: إن الحرية التي لا تكون مضبوطة بضوابط الشريعة الإسلامية والتي لا تكون محصورة في المساحة التي تكون فيها نافعة وصالحة، ينجم عنها أسوأ العواقب؛ حيث يستغلها دعاة الحرية الفوضوية فتنقلب إلى فساد وتدمير وتحطيم للفضائل والأخلاق والقيم الدينية والنظم الاجتماعية ومبادئ الحق والعدل؛ حيث يستغل شعار الحرية لتبرير كل فساد.
ومع أن الإسلام منح الإنسان الحرية إلا أنه محكوم بالنظام الذي شرعه خالق هذا الوجود فهي الحرية الوسط، فالفرد حر الحرية التي لا تنفي حرية المجموع ولا تنتقص منها، والجماعة حرة حرية لا تنفي حرية الفرد التي لا تتعارض مع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
حرية الجماعة، وليس لفرد ولا جماعة أن تهدر - بدعوى الحرية - ما تعارفت عليه الأمة من ثوابت القيم والأعراف، ولا ما آمنت به من أصول الشرائع والمعتقدات وثوابتها(1).
إن الحرية المقبولة المعقولة في واقع الناس ذات مجال محدود، وهذا المجال المحدود لا يجوز تجاوزه ولا تعديه، لا في منطق العقل، ولا في منطق مصلحة الإنسان في ذاته، ولا في منطق مصلحة المجتمع البشري.
فإذا تجاوزت الحرية حدودها كانت نذير شؤم وخراب، وفوضى واضطراب، وصراعات بشرية تدمر الحضارات، وتمهد لأن تحل بهم سنة الله في الذين خلوا من قبلهم، إهلاك عام، وعذاب أليم.
أما حرية الاعتقاد، فالإنسان المسؤول المكلف حر في هذه الحياة الدنيا، في أن يؤمن قلبه بما يشاء من حق أو باطل، لكنه ملا حق بالمسؤولية عند الله عز وجل عن اختياره الذي كان حراً فيه، وكانت حريته هي مناط ابتلائه وامتحانه في الحياة الدنيا.
وهي هنا حرية الممتحن المسؤول، وليست حرية مطلقة خالية من المسؤولية والجزاء.
قال تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} [الكهف: 29].
وقال تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256].--------------------------------------------
(1) معالم المنهج الإسلامي ص 89 وما بعدها لمحمد عمارة، نشر الأزهر الشريف والمعهد العالمي للفكر الإسلامي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
إن الإسلام لم يسلب حق الإنسان في الحرية في دخول الدين ابتداءً، وهو ما يفيده قوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}، وأما خروجه منه بعد دخوله فيه بقناعته فإنه يصادم حق الجماعة في استقرار الدين والعقيدة.
إن سلطان الحقوق الإنسانية في الإسلام سلطان اعتقادي يلتزم به المسلم وإن لم يستشعر مراقبة السلطة، بخلاف القوانين الوضعية، أما المصالح التي يعبر عنها بالمقاصد الضرورية وهي: مصلحة الدين، الحياة، العقل، النسل، المال، فهي ترعى تلك الحقوق وتحفظها من آفات التناقض والتصادم.
إن رعاية الحقوق الإنسانية على النهج الذي يضمن لها التناسق ويحميها من آفات التناقض والتصادم، لا يمكن أن تتم إلا بعد الرجوع إلى رعاية ميزان هذه المصالح، طبق ما هو مراعى من سلم الأولويات في ترتيبها، وطبق ما هو مقرر من درجات الحاجة إلى كل منها، من حيث الضرورة القصوى، أو الحاجة الأساسية، أو الأفضلية التحسينية.
فحق الحياة - مثلاً - يجب إلغاؤه عندما يتعارض مع الضروري الذي لابد منه لحفظ مصلحة الدين؛ ولذا شرع الله الجهاد مع أن فيه تضحية بالحياة في سبيل درء الأخطار المحدقة بضروريات الدين(1)، وكذلك أهدرت مصلحة الحياة بالنسبة للمرتد؛ فحكمت الشريعة بقتله للمحافظة على مصلحة أولى منها في الترتيب، وهي حفظ الدين العائد إلى مجموع الأمة.
وحق الحرية من تحسينات حق الحياة فإذا تعارض مع ضروري من ضروريات هذا الحق ذاته، أو تعارض مع ضروري من ضروريات مصلحة العقل أو المال مثلاً وجب حجز حق الحرية عندئذ؛ حماية للحق الأهم والأكثر ضرورة.--------------------------------------------
(1) الحقوق والحريات المدنية والسياسية في الإسلام ص 152، 153، للدكتور محمد سعيد رمضان، ضمن حقوق الإنسان في الإسلام بين الخصوصية والعالمية، ضوابط المصلحة لمحمد سعيد ص 248 وما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
إن الحرية التي تتربص بحياة الأبرياء وتهددها، أو التي تعود ممارستها بالضرر على عقول الناس، أو تبديد ممتلكاتهم، أو تتناقض مع مصلحة الدين وحمايته، لا تعتبر -والحالة هذه - حقاً ممتلكاً أو مشروعاً لصاحبه، ومن ثم يجب حجز هذا الحق عنه، حماية لهذا الحق ذاته في مستواه الأكثر أهمية، أو حماية لمصلحة إنسانية تعود إلى حماية حق آخر أسبق منه في سلم الأولويات(1).
ولذا يجب على من يدخل في الإسلام أن يعتقده اعتقاداً جازماً، وفي ذلك منتهى الاحترام للعقيدة التي لا يسمح الإسلام بأن تكون عقيدة سطحية وعرضة لتضليل المضللين.
وحرية اختيار ما يريد الإنسان ويشتهي ويهوى، مما أباح الله في شريعته لعباده من عمل ظاهر أو باطن غير ملاحقة بالمسؤولية والحساب والجزاء ما لم ينجم عنها لدى استعمالها ترك واجب أو فعل محرم أو عدوان على حق الغير فرداً كان أو جماعة، أو ضرر أو إضرار بأحد من الناس، أو البيئة أو غيرها.
وإنما كانت الحرية في هذا المجال غير ملاحقة بالمسؤولية والحساب والجزاء؛ لأن الله سبحانه وتعالى الذي له الخلق والأمر قد منحها ذلك، فأباح لها أن تختار ما تشتهي من أصناف أو أفراد داخلة في دائرة المباحات التي أباحها لعباده، وأنزل فيها إذنا شرعياً ضمن دائرة ما أباح لهم أن يفعلوه أو يتركوه.
وما أباح الله عز وجل للإنسان من سلوك شخصي لا علاقة للمجتمع به، أو لا يمس إنساناً بضرر فلا حق لأحد أياً كان أن يحرمه منه، أو يمنعه عنه(2).
وقوله: (ولم تطعن في صحته أي سلطة دينية رسمية في أي بلد مسلم، وذلك خوفاً من التعرض لنفس مصير سلمان رشدي).--------------------------------------------
(1) الحقوق والحريات المدنية والسياسية ص 253.
(2) الفقه الإسلامي وأدلته 6/ 720 للدكتور وهبة الزحيلي، كواشف زيوف في المذاهب الفكرية المعاصرة ص 31
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
فيظهر من كلام الكاتب أن ما قاله ونشره سلمان رشدي يدخل في حرية الفكر التي ينادي بها الكاتب، والرواية التي نشرها سلمان رشدي تضمنت أبشع وأقذر صورة للافتراءات والأوصاف التي يصف فيها كتابه نبي الإسلام سيدنا محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوجاته أمهات المؤمنين، وغير ذلك من المستنكرات، حتى أنه يتهجم على خليل الله سيدنا إبراهيم بكلمات لا تليق بحرمة الأنبياء، ويصف أمهات المؤمنين زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلمات من سافل الكلام الذي يخرج عن نطاق التعدي على المقدسات الاعتقادية الإسلامية، بصورة تجرمها وتعاقب عليها قوانين جميع البلاد المتمدنة، التي حكمها نظام ودستور وقوانين تحفظ الحقوق والكرامات؛ لأن ما جاء في تلك الرواية يتجاوز نطاق حرية الآراء، ويدخل في نطاق العدوان والإيذاء بالكلام السافل الذي يمس الكرامات المحترمة المصونة(1).
فهل هذا يدخل في حرية الفكر في الإسلام؟ بل في أي دين من الأديان؟ إننا نعجب أشد العجب من استشهاد الكاتب واستنكاره على صدور حكم الردة على سلمان رشدي، وملاحقته بدعوى قضائية جزائية تقام عليه وعلى دار النشر التي نشرت له هذه الرواية، كما صدر بذلك قرار المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة.
فحرية تعبير الإنسان عن أفكاره وآرائه حق له، ما لم يكن مضللاً بباطل واضح البطلان، أو داعياً لضر أو شر أو أذى، أو مشجعاً على إدحاض الحق ونصرة الباطل، ونشر الظلم والعدوان والفساد والإفساد في الأرض(2)، كما فعل سلمان رشدي.--------------------------------------------
(1) القرار الثاني للمجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة من الدورة الحادية عشرة.
(2) أجوبة الأسئلة التشكيكية ص 31 وما بعدها، وأنظر كواشف زيوف ص 226 وما بعدها، للميداني.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
الإسلام جاء إلى الناس عامة، والرسول صلى الله عليه وسلم بعث إلى البشر كافة، وهو رحمة لهم، فهذه الدعوة عالمية لإنقاذ الإنسان، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، ولكن الذين لا يستجيبون لهذه الدعوة لا يكرهون عليها؛ لأن طريق الخير وطريق الغي سبيلان ممهدان قد وضحا أمام الإنسان، وأساس العبادة ما هو إلا الاختيار طوعاً لا كرهاً، ولو شاء الله لجمع الناس جميعاً على الهدى، قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [الأنعام: 35]، ومن حيث الطواعية والاختيار {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256].
وقوله: (كل الشريعة التي هي من عمل الإنسان تركز على استخدام العنف) يجاب عليه بأن الشريعة في الإسلام ليست من عمل الإنسان؛ وإنما هي منزلة من الخالق جل وعلا في كتابه، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم الذي بين الحق تبارك وتعالى، وأن ما يصدر عنه صلى الله عليه وسلم هو وحي من الله مع تزكيته عن الهوى، وذلك في قوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3 - 4].
وأما إذا كان يقصد بالشريعة الأحكام التي اجتهد علماء الشريعة الإسلامية في استنباطها، فيجاب عليه بأن الشريعة الإسلامية لم تترك باب الاجتهاد مفتوحاً لمن شاء، وإنما جعلت له شروطاً يجب توفرها فيمن يتصدى للاجتهاد، فإذا توفرت هذه الشروط واتبع المجتهد قواعد الاجتهاد فحينئذ يجب قبول الأحكام الشرعية التي صدرت منه؛ لأنها بتوفر الشروط المشار إليها تصبح من شرع الله؛ لأن هذا الاجتهاد مرده: إما إلى النصوص من جهة تفسيرها، وبيان المراد منها، أو من جهة ثبوتها بالسند، ويدخل فيها الإجماع؛ لأنه في الغالب كاشف عن نص أثبته، وكان مستنداً له، ويبحث فيه عن أنواعه، وحجية كل نوع، وعن طريق روايته.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
وإما اجتهاد من طريق الرأي، يبحث فيه عن مقصد النصوص لاستنباط أحكام للوقائع التي لم ينص على أحكامها إما من طريق القياس، وإما بإثبات الحكم بعلل دلت عليها النصوص؛ كوجوب إزالة الضرر عند وجوده، ووجوب العمل بالمتيقن به عند الشك، وهو الاستنباط بالمصلحة المرسلة(1).
وأما إذا كان يقصد الكاتب بالشريعة القوانين الوضعية التي يضعها البشر فهذه إن وافقت شريعة الله فهي من حكم الله الذي يجب العمل به، وإن خالفت شرع الله فلا اعتداد بها في الإسلام سواء أدت إلى عنف، أو أدت إلى السفور والإباحة لما حرم الله.
وما استنكره الكاتب على المملكة العربية السعودية لعدم توقيعها على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، واعتبره قيداً على الحرية، فنقول له إن من أسباب عدم توقيع المملكة على الإعلان المذكور أن المادة الثامنة عشرة منه، ونصها:
(لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته، وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر، ومراعاتها، سواء أكان ذلك سراً أم مع الجماعة)، فهذه المادة قد فتحت للإنسان المسلم باباً خطيراً، ومنكراً عظيماً؛ لأنها تتيح له التأثير البالغ على أقدس وأسمى شيء في ذاته، ووجوده، ومصيره، وهو دينه. وهل بعد التأثير على الدين والعقيدة تأثير؟ إن تغيير المسلم دينه يعد في الشريعة الإسلامية ردة لا شبهة فيها.
ولأن مفهوم الدين في الإسلام يختلف عن مفهوم الدين في النظام العلماني الغربي، الذي يحصر نطاقه في العبادات والأمور الشخصية، ولا يجعل له أية سلطة--------------------------------------------
(1) محاضرات في أصول الفقه ص 238 للدكتور أحمد فهمي أبو سنة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
في حكم المجتمع وتسيير نظامه، أما الإسلام فهو عقيدة وشريعة ونظام حياة؛ ومن ثم وجب على الحاكم المسلم أن يصدر في الموافقة أو الرفض بالتوقيع على أي نظام عن مدى ملائمته أو منافرته ومضادته للشريعة الإسلامية، وبناءً على أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان متعارض مع الشريعة الإسلامية فقد رفضت حكومة المملكة العربية السعودية التوقيع عليه.
وإن عدم توقيع المملكة على الإعلان المذكور هو وسام شرف وفخر لها ولولاة الأمر فيها. وهذا واجب على كل مسلم.
والقول بعالمية حقوق الإنسان يمكن أن يناقش بما يلي:
أولاً: هل هذه الحقوق المعلنة إنسانية لأن الإعلان قال إنها كذلك، أم إن الإعلان قال إنها حقوق لأنها كانت حقوقاً قبل الإعلان؟ وبعبارات أخرى: هل الإعلان هو الذي جعل منها حقوقاً أم أنه كان مقراً لكونها حقوقاً؟ هل كان الإعلان منشئاً ومانحاً لها أم كان معبراً عنها؟ لابد أن يكون الأخير هو الصواب.
ثانياً: هل هذه الحقوق جامعة مانعة بحيث لا يمكن أن يزاد عليها ولا ينقص منها أم إن ذلك ممكن؟ لابد أن يكون ممكناً، فلا أحد يقول عن اجتهاد بشري إنه قد كتب له الكمال، وإذا كان الأمر كذلك فلابد أن يكون للداعي إلى إضافة أو حذف شيء منها حجة يعتمد عليها، فماذا يمكن أن يقول إذا لم يكن لهذه الحقوق المعلنة مستند غير كونها مما أعلنته هيئة الأمم المتحدة؟
ثالثاً: القول بعالميتها إما بناءً على إرسائها على قاعدة فلسفية مشتركة بين جميع الأمم، وهذا غير ممكن، وإما بناءً على إرسائها على فلسفة غربية، وحينئذ تفقد صفة العالمية، بل واتهم القائلون به بأنهم عملاء للاستعمار الثقافي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
إن الأسس التي يقوم عليها التزام الناس بما يلتزمون به مما جاء في الإعلان هي:
أ - إن بعضهم - ككثير من الغربيين وكالمسلمين - يجد لكثير منها أسساً في ثقافته الخاصة.
ب- إن بعضهم يلتزم بها تقليداً للغرب؛ لأنه يرى أن الحضارة الغربية هي حضارة العصر، فكما أنهم يحاولون أن ينهجوا نهج الغربيين في عاداتهم وتقاليدهم وأفكارهم، فكذلك يحاولون تقليدهم في التزامهم بهذه الحقوق(1).
وإذا اعتقد الإنسان أن في القرآن، أو في السنة ما يتناقض مع مسائل عصرية يراها مهمة وضرورية لتحقيق مصالح الناس؛ فإنه بهذا يبطل إيمانه بأن القرآن كلام الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يمكن أن يعتقد الإنسان بإخلاص أن القرآن كلام الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يعتقد مع ذلك أن فيهما ما هو باطل أو مضر.
إن كثيراً من الغربيين يفترضون أن تصوراتهم ينبغي أن تكون هي التصورات العالمية التي تتجاوز الثقافات، وهذا الافتراض لا يلزم الآخرين بأن يعتقدوا أن التصورات الغربية هي التصورات العالمية أو المطلقة.
والحرية الدينية الواردة في المادة المذكورة هي أيضاً مما يختلف فيه التصور الإسلامي عن التصور الغربي؛ إن التصور الغربي يفسر الدين تفسيراً يجعله محصوراً في إطار النظام العلماني، وبما أن الدولة الإسلامية دولة تقوم على الدين، لا على العلمانية، فمن حقها أيضاً أن تجعل حرية الدين وحرية الاعتقاد وحرية--------------------------------------------
(1) الإسلام وحقوق الإنسان مناقشة لأفكار غريبة ص 5 و 6 بتصرف قليل، للدكتور جعفر شيخ إدريس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
الممارسة في نطاق نظامها الديني، لكن شيوع النظام العلماني جعل الناس ينسون هذه الحقيقة، ويفترضون أن النظام العلماني هو النظام الوحيد المناسب للبشرية، فما يبيحه هو المباح، وما يحرمه هو المحرم، وهذا أمر ينكره المسلم الملتزم بدينه(1).
إن حقوق الإنسان في الإسلام من الثوابت التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي، فهي ليست حقوقاً دستورية فحسب، وهي ليست نتاجاً فكرياً يمثل مرحلة من تطور العقل الإنساني، وليست حقوقاً طبيعية كما يعبر عنها في القانون الوضعي، ولكنها في التعاليم الإسلامية واجبات دينية محمية بالضمانات التشريعية والتنفيذية، وليست وصايا تدعى الدول لاحترامها والاعتراف بها من غير ضامن لها، بل هي مرتبطة بالإيمان بالله، وتقواه، يكلف بها الفرد والمجتمع كل في نطاقه وفي حدود المسؤولية التي ينهض بها، وبذلك فإن الفرد في المجتمع الإسلامي يتشرب هذه الحقوق ويتكيف معها بحيث تصبح جزءاً من مكوناته النفسية والعقلية والوجدانية، ويحافظ عليها؛ لأن في المحافظة عليها أداء لواجب شرعي، ولا يجوز له أن يفرط فيها؛ لأن التفريط فيها تقصير في أداء هذا الواجب(2).
بل إن الارتباط بين هذه الحقوق وبين الإيمان بالله وتقواه هو مصدر قوة هذه الحقوق في الإسلام.
وإنه من الخطر الكبير في مفهومنا الإسلامي إضعاف هذا الارتباط، وذلك لأن مفعول «العقيدة الإلهية» في ذلك أقوى من مفعول «القانون المادي»، خاصة ونحن نرى أن معظم الاضطراب والشذوذ في حياة الناس في العالم المتقدم مادياً،--------------------------------------------
(1) حقوق الإنسان والقضايا الكبرى ص 4، 5 للأستاذ كامل الشريف.
(2) حقوق الإنسان في التعاليم الإسلامية ص 8، 9 للدكتور عبد العزيز التويجري.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)