Arabic source text

📘 আদ-দিরায়াহ ফী বায়ানি দাওয়াবিতি নাকদির রিওয়ায়াহ ইনদাস সাহাবাহ (আবদুল কাদির আল-মুহাম্মাদী)

📘 الدراية في بيان ضوابط نقد الرواية عند الصحابة (عبد القادر المحمدي)

📘 আদ-দিরায়াহ ফী বায়ানি দাওয়াবিতি নাকদির রিওয়ায়াহ ইনদাস সাহাবাহ (আবদুল কাদির আল-মুহাম্মাদী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
الدراية في بيان ضوابط نقد الرواية عند الصحابة (عبد القادر المحمدي)القسم: علوم الحديث
الكتاب: الدراية في بيان ضوابط نقد الرواية عند الصحابة
المؤلف: أبو ذر عبد القادر بن مصطفى بن عبد الرزاق المحمدي
عدد الأجزاء: 1
[البحث غير مطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 29 رمضان 1435

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1)

الدراية في بيان ضوابط نقد الرواية عند الصحابة رضي الله عنهم
الأستاذ الدكتور عبد القادر مصطفى المحمدي
أستاذ الحديث في كلية أصول الدين

‌‌المقدمة
إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمداً عبده ورسوله، أما بعد:
فمثلما أنّ الملائكة أمناء الله في السماء، فالصحابة الكرام هم أمناء الله تعالى في الأرض، إذ وقعت على كاهلهم مهمة جسيمة، وأمانة خطيرة، هي نقل دين الله تعالى وتبليغه للناس، فكانوا وزراء النبي صلى الله عليه وسلم في تبليغ رسالته، فطوّفوا الأرض شرقاً وغرباً فما استكانوا وما وهنوا في حفظ الدين وتبليغه.
وهذا التكليف خصيصة من الله تعالى إذ اختار لنبيه صلى الله عليه وسلم أصحاباً هم خير جيلٍ ظهر في التاريخ، آووا ونصروا وبذلوا وضحوا، ولم يدخروا نفيساً في سبيل الله تعالى.
وكان من أهم المهام التي قام بها الصحابة الكرام هي حفظ أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ونقلها للناس، ولمّا كان هذا الحديث المنقول ديناً يتعبد به كان الصحابة لا يقبلون كل حديث يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا، بل تعاملوا مع الرويات وفق ضوابط ثابتة، يلحظ المتتبع أنها مشتركة بينهم في الغالب الأعم، حاولنا في بحثنا هذا الموسوم (الدراية في بيان ضوابط نقد الرواية عند الصحابة رضي الله عنهم)، حاولنا من خلاله استقراء الضوابط الرئيسة التي اعتمدها الصحابة الكرام في قبول الرواية أو ردها في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته.
والمشكلة الأساس التي يعالحها بحثنا: هي لما كان كثير من الجهلة والمنتحلين يثيرون اشكالات حول نقل الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم وطريقة وصولها إلينا، زاعمين أنْ لم تكن للصحابة ضوابط للتثبت في نقل الأحاديث، وأنّ بعض الصحابة توسعوا في رواية الأخبار وتناقلها دون استيثاق من صحة صدورها من النبي صلى الله عليه وسلم، فأردرنا في هذه الدراسة المقتضبة تسليط الضوء على منهج الصحابة الكرام في التثبت في قبول الرويات، واستقراء الضوابط التي اعتمدوها في نقدهم للرواية.
وأما عن أهم الدراسات التي سبقتني في هذا الموضوع، فقد وجدت أنّ غالب الدراسات التي تحدثت عن موضوع النقد عند المحدثين تعرضت لمنهج التابعين وأتباع التابعين ومن بعدهم في مسالك النقد الحديثي، ونادراً من تطرق إلى ضوابط الصحابة الكرام في النقد، ربما لصعوبة توجيه النصوص وفق قواعد عامة أو

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 2)

لسبب آخر، فالذي اردناه ههنا وضع بصمة معينة في هذا الطريق، وفتح باب لباحث متخصص متوسع يستفيض بالبحث والجمع، ولا أخالها مهمة صعبة إن شاء الله تعالى.
وقد وجدت بعض الأساتذة والباحثين قد تطرقوا إلى الأسس العامة للنقد عند اهل الحديث، ومن انفعها كتاب (مقاييس نقد متون السنة) للدكتور مسفر الدميني، وكتاب (توثيق السنة في القرن الثاني الهجري اسسه واتجاهاته)، للدكتور رفعت فوزي، وكتاب: (منهج النقد في علوم الحديث) للدكتور نور الدين عتر، و (حوار حول منهج المحدثين في نقد الروايات سنداً ومتناً)،للشيخ عبد الله بن ضيف الله الرحيلي، وكتاب (منهج النقد عند المحدثين)،للدكتور محمد علي قاسم العمري، و (أسباب تفوق الصحابة في رضي الله عنهم في ضبط الحديث) للأستاذين د. سلطان العكايلة ود. محمد عيد الصاحب، وهي كتب قيمة ونافعة، لكنها لا تتحدث في مناهج المحدثين ومسالكهم في النقد، ولا تتطرق إلى مناهج الصحابة وضوابطهم، إلا نزراً قليلاً، وأعمق من تحدث عن ذلك الدكتور الدميني، فجزاهم الله كل الخير على ما قدموا.
وهكذا حاولنا في هذا البحث أن نأصل لمسالة في غاية الأهمية، تيبن من خلالها الدور الكبير للصحابة الكرام في التنقيب والتفتيش عن الرواية ومسالك نقدهم لها.
وجاء البحث في ثلاثة مباحث رئيسة:
ففي المبحث الأول: بينا مفهوم الصحبة، وتعرضنا لدورهم في كتابة السنة وحفظها. وجاء في أربعة مطالب: في المطلب الأول: عرفنا بالصحابي، وبينا أقوال أهل العلم فيه. وفي المطلب الثاني: بينّا طرق ثبوت الصحبة. وخصصنا المطلب الثالث: لذكر الأدلة على فضلهم ومنزلتهم من الكتاب والسنة. أما المطلب الرابع فتحدثنا فيه عن مراتب الصحابة، وعقيدة أهل السّنّة في تفضيل الصّحابة. وجاء المبحث الثاني في بيان جهود الصحابة في تدوين السنة، وتطرقنا لبعض الصور المتميزة لهذه الجهود.
أما المبحث الثالث فخصصناه في ضوابط النقد عند الصحابة الكرام، وجاءت في خمسة ضوابط:
ففي الضابط الأول: تحدثنا عن عرضهم الرواية على النبي صلى الله عليه وسلم حال حياته. وفي الضابط الثاني: تعرضنا لعرضهم الرواية على القرآن الكريم. أما الضابط الثالث: فخصصناه لعرض الرواية على المحفوظ من السنة النبوية (بعد وفاته صلى الله عليه وسلم).وفي الضابط الرابع: ذكرنا عرضهم الرواية على كبار الصحابة. أما الضابط الخامس: فكان في عرضهم الرواية على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.وجاء الضابط السادس: في تحريهم من صاحب القصة، ثم ختمنا بأهم النتائج.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 3)

واخيراً نقول: هذا جهد المقل وبضاعة مزجاة، فإن كانت صواباً فما هي إلا بتوفيق الله وحده وإن كانت الاخرى فمن ضعفي وتقصيري، والحمد لله رب العالمين.

‌‌المبحث الأول: مفهوم الصحبة، ودور الصحابة في كتابة السنة النبوية وحفظها.
‌‌المطلب الأول: من هو الصّحابيّ.
‌‌أولاً: الصّحابيّ لغة: قال ابن سيدة:" الصُحبة - المعاشرة صحِبَه صُحبة وصَحابة وصِحابة وَصَاحبه والصاحب - المعاشِر" (1).
‌‌ثانياً: الصّحابيّ في اصطلاح المحدثين:
قال الحافظ العراقي:" فالعبارة السالمة من الاعتراض أن يقال الصحابي من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مسلما ثم مات على الإسلام؛ ليخرج من ارتد ومات كافراً" (2).
وقال ابن حجر:"وهو من لقي النبيَّ صلى الله عليه وسلم مؤمناً به، ومات على الإسلام، ولو تخللت ردة في الأصح. والمراد باللقاء: ما هو أعم: من المجالسة، والمماشاة، ووصول أحدهما إلى الآخر، وإن لم يكالمه، ويدخل فيه رؤية أحدهما الآخر، سواء كان ذلك بنفسه أم بغيره. والتعبير باللقي أولى من قول بعضهم: الصحابي من رأى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يخرج ابن أم مكتوم، ونحوه من العميان، وهم صحابة بلا تردد" (3).
وقال السّيوطيّ:" ولا يشترط البلوغ على الصّحيح، وإلا لخرج من أجمع على عدّه في الصّحابة" (4).
فالصحابي هو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم حال حياته ومات على الاسلام.
وقولنا: (من لقي النّبيّ صلى الله عليه وسلم): يشمل كل من لقيه في حياته، وأمّا من رآه بعد موته قبل دفنه صلى الله عليه وسلم فلا يكون صحابيّا كأبي ذؤيب الهذليّ الشّاعر فإنه رآه قبل دفنه (5).
وقولنا: (مسلماً): خرج به من لقيه كافراً وأسلم بعد وفاته، كرسول قيصر فلا صحبة له.
وقولنا: (ومات على إسلامه): خرج به من كفر بعد إسلامه ومات كافراً (6).--------------------------------------------
(1) ابن سيدة، المخصص 3/ 429.
(2) المصدر نفسه 2/ 120.
(3) ابن حجر، نزهة النظر ص140 - 141.
(4) السيوطي، تدريب الرّاوي 2/ 211.
(5) ينظر: ابن عبد البر، الاستيعاب 4/ 1648.
(6) ينظر: ابن حجر، نزهة النظر 2/ 140.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 4)

أما من ارتدّ بعده ثم أسلم ومات مسلماً، فقال العراقيّ: "فيهم نظر، لأن الشّافعيّ وأبا حنيفة نصّا على أن الردّة محبطة للصّحبة السابقة، كقرّة بن ميسرة والأشعث بن قيس" (1).
وجزم الحافظ ابن حجر ببقاء اسم الصّحبة له كمن رجع إلى الإسلام في حياته، كعبد اللَّه بن أبي سرح (2).

‌‌المطلب الثاني: طرق ثبوت الصحبة (3):
‌‌أولاً: التّواتر، وهو رواية جمع عن جمع يستحيل عادة تواطؤهم على الكذب، كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وبقيّة العشرة المبشّرين بالجنّة- رضي الله عنهم.
‌‌ثانياً: الشّهرة أو الاستفاضة، كما في أمر ضمام بن ثعلبة، وعكاشة بن محصن، وياسر والد عمار رضي الله عنهم.
‌‌ثالثاً: أن يروى عن آحاد الصّحابة أنّه صحابي، كما في "حممة بن أبي أحممة الدّوسي" الّذي مات بأصبهان مبطوناً فشهد له أبو موسى الأشعريّ أنه سمع النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم حكم له بالشهادة، هكذا ذكره أبو نعيم في تاريخ أصبهان (4).
‌‌رابعاً: أنْ يخبر أحد التّابعين بأنّه صحابي بناءً على قبول التّزكية من واحد عدل وهو الرّاجح.
‌‌خامساً: أن يخبر هو عن نفسه بأنّه صحابيٌّ بعد ثبوت عدالته ومعاصرته، فإنّه بعد ذلك لا يقبل ادّعاؤه بأنّه رأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم أو سمعه، لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: " أرأيتكم ليلتكم هذه، فإنّه على رأس مائة سنة منه لا يبقى أحد ممّن على ظهر الأرض أحد " (5).--------------------------------------------
(1) العراقي، شرح الألفية 2/ 120.
(2) ابن حجر، نزهة النظر ص141،وينظر: العراقي، شرح الألفية 2/ 120.
(3) ينظر: ابن حجر، نزهة النظر ص140،والسخاوي، فتح المغيث 4/ 90 - 91، والسيوطي، تدريب الراوي 2/ 108 وأبو شهبة، الوسيط، ص767.
(4) أبو نعيم، تاريخ اصبهان 1/ 99.
(5) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (116)، ومسلم، المسند الصحيح 4/ 1965 (2537) وغيرهما.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 5)

يريد بهذا انخرام ذلك القرن، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في سنة وفاته، ومن هذا المأخذ لم يقبل الأئمّة قول من ادّعى الصّحبة بعد الغاية المذكورة. وقد ذكر الحافظ ابن حجر ضابطا يستفاد منه معرفة جمع كثير من الصّحابة يكتفى فيهم بوصف يتضمّن أنهم صحابة، وهو مأخوذ من ثلاثة آثار (1):
أحدها: أنهم كانوا لا يؤمّرون في المغازي إلا الصّحابة، فمن تتبّع الأخبار الواردة من الرّدة والفتوح وجد من ذلك الكثير.
ثانيها: أن عبد الرّحمن بن عوف قال: كان لا يولد لأحد مولود إلا أتى به النبي صلى الله عليه وسلم فدعا له، وهذا أيضا يوجد منه الكثير.
ثالثها: أنه لم يبق بالمدينة ولا بمكّة ولا الطّائف ولا من بينها من الأعراف إلا من أسلم وشهد حجّة الوداع، فمن كان في ذلك الوقت موجوداً اندرج فيهم، لحصول رؤيتهم للنبيّ صلى الله عليه وسلم وإن لم يرهم هو.

‌‌المطلب الثالث: فضلهم ومنزلتهم في الكتاب والسنة:
نصَّ القرآن الكريم على فضلهم وتزكيتهم في آيات كثيرة منها:
قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ، وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً، ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (2). وغيرها من الآيات.
وفي نصوص السّنّة النبويّة المشرّفة أمثلة كثيرة منها:
عن أبي سعيد عن النّبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تسبّوا أصحابي، فو الّذي نفسي بيده لو أنّ أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه" (3).
وعن عبد اللَّه بن مغفّل المزنيّ قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "اللَّه اللَّه في أصحابي، اللَّه اللَّه في أصحابي لا تتّخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبّهم فبحبّي أحبّهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى اللَّه، ومن آذى اللَّه فيوشك أن يأخذه" (4).--------------------------------------------
(1) ابن حجر، الإصابة 1/ 161.
(2) سورة التوبة/ 100.
(3) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (3673) ومسلم، المسند الصحيح 4/ 1967 - 1968 (2541).
(4) أخرجه أحمد، المسند 4/ 87، التّرمذي، الجامع 5/ 653،وغيرهما.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 6)

وعن عمران بن حصين قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:" خير أمّتي القرن الّذي بعثت فيهم، ثمّ الَّذين يلونهم، ثمّ الّذين يلونهم" (1).قال ابن عبّاس:" أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم اصطفاهم اللَّه لنبيه عليه السلام" (2).
فالصحابة كلهم عدول، وهم أمناء الله في أرضه، أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي بردة، عن أبيه، قال: صلينا المغرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء قال فجلسنا، فخرج علينا، فقال: "ما زلتم هاهنا؟ " قلنا: يا رسول الله صلينا معك المغرب، ثم قلنا: نجلس حتى نصلي معك العشاء، قال:" أحسنتم أو أصبتم " قال فرفع رأسه إلى السماء، وكان كثيراً ما يرفع رأسه إلى السماء، فقال: «النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون (3).
قال الإمام النّوويّ: "الصّحابة كلهم عدول، من لابس الفتن وغيرهم بإجماع من يعتدّ به" (4).
وقال أبو زرعة الرّازيّ:" إذا رأيت الرّجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، وذلك أنّ الرسول حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدى ذلك كله إلينا الصحابة، وهؤلاء الزّنادقة يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسّنّة فالجرح بهم أولى" (5).
قال ابن الصّلاح: "ثم إنّ الأمة مجمعة على تعديل جميع الصّحابة، ومن لابس الفتن منهم فكذلك بإجماع العلماء الذين يعتدّ بهم في الإجماع؛ إحسانا للظّنّ بهم ونظراً إلى ما تمهد لهم من المآثر، وكأن اللَّه سبحانه وتعالى أتاح الإجماع على ذلك لكونهم نقلة الشّريعة" (6).
قال الخطيب البغداديّ في الكفاية مبوباً على عدالتهم:"ما جاء في تعديل اللَّه ورسوله للصّحابة، وأنه لا يحتاج إلى سؤال عنهم، وإنما يجب فيمن دونهم كل حديث اتّصل إسناده بين من رواه وبين النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يلزم--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم، المسند الصحيح 4/ 1964 (2535)، وغيره.
(2) البغوي، شرح السنة 14/ 68.
(3) المصدر نفسه 4/ 1961 (2531).
(4) النووي، التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث ص92.
(5) ابن عساكر، تاريخ دمشق 38/ 32.
(6) ابن الصلاح، مقدمة علوم الحديث ص295.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 7)

العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله، ويجب النّظر في أحوالهم سوى الصّحابي الّذي رفعه إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل اللَّه لهم، وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم في نص القرآن" (1).
والأخبار في هذا المعنى تتّسع، وكلها مطابقة لما ورد في نصّ القرآن، وجميع ذلك يقتضي طهارة الصّحابة والقطع على تعديلهم ونزاهتهم، فلا يحتاج أحد منهم مع تعديل اللَّه تعالى لهم، المطّلع على بواطنهم إلى تعديل أحد من الخلق له.

‌‌المطلب الرابع: مراتب الصحابة، وعقيدة أهل السّنّة في تفضيل الصّحابة.
قد أجمع أهل السّنّة والجماعة على أنّ أفضل الصّحابة بعد النّبيِّ صلى الله عليه وسلم على الإطلاق: أبو بكر ثم عمر رضي الله عنهما.
قال القرطبي:"ولم يختلف أحد في ذلك من أئمّة السّلف ولا الخلف، فقال: ولا مبالاة بأقوال أهل التّشيّع ولا أهل البدع، فإنهم بين مكفر تضرب رقبته، وبين مبتدع مفسق لا تقبل كلمته" (2).
وقال البيهقيّ:" روينا عن أبي ثور عن الشّافعيّ، قال: ما اختلف أحد من الصّحابة والتابعين في تفضيل أبي بكر وعمر وتقديمهما على جميع الصّحابة، وإنما اختلف من اختلف منهم في عليّ وعثمان" (3).
وقال العلّامة ابن الهمّام:" فضل الصّحابة الأربعة على حسب ترتيبهم في الخلافة، إذ حقيقة الفضل ما هو فضل عند اللَّه تعالى، وذلك لا يطلع عليه إلاّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقد ورد عنه ثناؤه عليهم كلهم، ولا يتحقّق إدراك حقيقة تفضيله عليه السلام لبعضهم على بعض إن لم يكن سمعيّا يصل إلينا قطعيّا في دلالته إلا الشاهدين لذلك الزمان، لظهور قرائن الأحوال لهم، وقد ثبت ذلك لنا صريحاً ودلالة كما في صحيح البخاريّ من حديث عمرو بن العاص حين سأله عليه السلام: من أحبّ النّاس إليك من الرّجال؟ فقال: "أبوها". يعني عائشة رضي الله عنها وتقديمه في الصّلاة على ما قدّمنا مع أن الاتّفاق على أن السّنّة أن يقدم على القوم أفضلهم علما، وقراءة، وخلقاً، وورعاً، فثبت أنّه كان أفضل الصّحابة، وصحّ من حديث ابن عمر في صحيح البخاريّ قال:"كنا في زمن النّبيِّ صلى الله عليه وسلم لا نعدل بأبي بكر أحداً ثم عمر ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نفاضل بينهم" (4).وصحّ فيه من حديث محمّد بن الحنفيّة: قلت لأبي: "أيّ النّاس خير--------------------------------------------
(1) الخطيب، الكفاية ص47.
(2) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 8/ 148.
(3) البيهقي، الاعتقاد ص369.
(4) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (3494).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 8)

بعد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ فقال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر، وخشيت أن يقول عثمان، قلت: ثم أنت قال: ما أنا إلاّ واحد من المسلمين" (1).فهذا عليّ نفسه مصرّح بأن أبا بكر أفضل النّاس، وأفاد بعد ما ذكرنا تفضيل أبي بكر وحده على الكلّ، وفي بعض ترتيب الثّلاثة، ولما أجمعوا على تقديم عليّ بعدهم دلَّ على إنّه كان أفضل من بحضرته وكان منهم الزّبير وطلحة فثبت أنّه كان أفضل الخلق بعد الثلاثة.
هذا واعتقاد أهل السّنّة تزكية جميع الصّحابة والثناء عليهم، كما أثنى اللَّه سبحانه وتعالى عليهم إذ قال: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ً} (2)." (3).
فمنهج أهل الحق من المسلمين احترام الصحابة، وتوقيرهم، والترضي عنهم أجمعين، ونترك ما شجر بينهم، فهم خير البشر بعد النبيين.

‌‌المبحث الثاني: جهود الصحابة في تدوين السنة:
لم يدخر الصحابة الكرام جهداً في تحمل أمانة الدين وتبليغه، فطوفوا المشارق والمغارب لنشره وتبليغه للناس، باذلين الغالي والنفيس في ذلك، ومن يقرأ التاريخ بإنصاف لا يملك إلا أن يقف لهم بكل احترام وتبجيل، ولا يتنكر لهم إلا جاحد أو حاقد.
ولهم الفضل بعد فضل الله ثم فضل رسوله صلى الله عليه وسلم في إخراجنا من براثن الشرك والوثنية وإدخالنا في هذا الدين العظيم.
ومثلما كان لهم الفضل في الفتوحات الاسلامية، كان لهم الفضل في حفظ السنة النبوية ونشرها بين الناس، ويمكن إيجاز دورهم الكبير في حمل السنة وتبليغها بما يلي:

‌‌1 - حفظ الروايات، وأعني به حفظ الصدر وحفظ الكتاب، إذ تميز كثير من الصحابة بحفظ أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في صدورهم، حتى تفرّغ لها بعضهم -كأصحاب الصفة- فكان جلّ حياته تتبع الروايات وحفظها، وكان من أحفظهم الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه، أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال:": " ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثاً عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب " (4).--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (3468).
(2) سورة آل عمران/ 110.
(3) ابن الهمام، المسايرة 166 - 168.
(4) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (113)، ومسلم، المسند الصحيح 4/ 2298 (3004)، وغيرهما.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 9)

وكان بعض الصحابة يتنابون على حضور مجالس النبيِّ صلى الله عليه وسلم فأخرج الشيخان من حديث عمر صلى الله عليه وسلم أنه قال:"كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل يوماً وأنزل يوماً، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره وإذا نزل فعل مثل ذلك ..... "الحديث (1).وهذا يدل على حرصهم على حفظ حديث النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما عن كتابة الحديث وحفظه في الصدور والسطور، فقد كتب بعض الصحابة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد كان لبعض كبار الصحابة صحف دونوا فيها بعض الأحاديث، وما هذا إلاّ من حرصهم عليه، وهو جهد كبير في حماية الحديث من الضياع أو النسيان، إذ كتب أسيد بن حضير الأنصاري رضي الله عنه بعض الأحاديث النبوية، وقضاء أبي بكر وعمر وعثمان، وأرسله إلى مروان بن الحكم (2).
وكتب جابر بن سمرة رضي الله عنه بعض أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث بها إلى عامر بن سعد بن أبي وقاص بناءً على طلبه ذلك منه (3).
وكتب زيد بن أرقم صلى الله عليه وسلم بعض الأحاديث النبوية وأرسل بها إلى أنس بن مالك رضي الله عنه (4).
وكتب زيد بن ثابت في أمر الجَدِّ إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وذلك بناء على طلب عمر نفسه (5).
وجمع سمرة بن جندب ما عنده من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث به إلى ابنه سليمان، وقد أثنى الإمام محمد بن سيرين على هذه الرسالة فقال: "في رسالة سمرة إلى ابنه علمٌ كثير" (6).
ومن ذلك أيضاً حثهم على كتابة الحديث وتقييده، فروى عن عمر بن الخطاب وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه، أنهما كانا يقولان: "قيدوا العلم بالكتاب" (7).
وجاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: "من يشتري مني علماً بدرهم" (8).--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (89)،ومسلم، المسند الصحيح 2/ 1111 (1479)، وغيرهما.
(2) ينظر: أحمد، المسند 4/ 226.
(3) أخرجه أحمد، المسند 5/ 89، ومسلم، المسند الصحيح 3/ 1453 (1822).
(4) ينظر: أحمد، المسند 4/ 370 - 374، وابن حجر، تهذيب التهذيب 3/ 394.
(5) الدارقطني، السنن 4/ 93 - 94.
(6) ابن حجر، تهذيب التهذيب 4/ 236 - 237، وينظر: أبو داود، السنن (456).
(7) ابن نقطة، تقييد العلم ص: 92،وابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله1/ 72.
(8) أبو خيثمة، العلم 1/ 38.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 10)

قال أبو خيثمة:"يقول: يشتري صحيفةً بدرهمٍ يكتب فيها العلم" (1).

‌‌2 - تدوينهم الحديث في صحف:
أخرج البخاري بسنده عن ثمامة أنّ أنساً رضي الله عنه حدّثه أنّ أبا بكر رضي الله عنه كتب له -في زكاة الحيوان-التي أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم:" ومن بلغت صدقته بنت مخاض وليست عنده وعنده بنت لبون فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين فإن لم يكن عنده بنت مخاض على وجهها وعنده ابن لبون فإنه يقبل منه وليس معه شيء " (2).
وأخرج مسلم في صحيحه أنّ علياً رضي الله عنه سُئل: أخصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء؟ فقال:" ما خصنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء لم يعم به الناس كافة، إلاّ ما كان في قراب سيفي هذا، قال: فأخرج صحيفة مكتوب فيها: " لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من سرق منار الأرض، ولعن الله من لعن والده، ولعن الله من آوى محدثا" (3).
ومن هذه الصحف أيضاً:
* صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص، المعروفة بالصحيفة الصادقة.
عن مجاهد قال: "أتيت عبد الله بن عمرو فتناولت صحيفة من تحت مفرشه، فمنعي، قلت: ما كنت تمنعني شيئاً، قال: هذه الصادقة، هذه ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بيني وبينه أحد" (4).
هذه الصحف الثلاث كلها كتبت في حياته صلى الله عليه وسلم، وهناك غيرها كثير مما كتب في حياته صلى الله عليه وسلم.
* صحيفة عبد الله بن أبي أوفى، ذكرها الإمام البخاري في كتاب الجهاد من "صحيحه، فأخرج بسنده من طريق سالم أبي النضر، أنّ عبد الله بن أبي أوفى، كتب فقرأته: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا لقيتموهم فاصبروا" (5)--------------------------------------------
(1) المصدر نفسه.
(2) البخاري، الجامع الصحيح (1380).
(3) مسلم، المسند الصحيح 3/ 1567 (1978).
(4) ابن نقطة، تقييد العلم ص 84، وابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله 1/ 73، وهي صحيفة مشهورة، وينظر: الإمام أحمد، المسند 2/ 158 - 226.
(5) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (2678)،وينظر: ابن حجر: فتح الباري 6/ 45.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 11)

‌‌3 - دقتهم وتحريهم وأمانتهم: أخرج مسلم من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه، قال: كانت علينا رعاية الإبل فجاءت نوبتي فروحتها بعشي فأدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما يحدث الناس فأدركت من قوله: «ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين، مقبل عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة» قال فقلت: ما أجود هذه فإذا قائل بين يدي يقول: التي قبلها أجود فنظرت فإذا عمر قال: إني قد رأيتك جئت آنفا، قال: " ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ - أو فيسبغ - الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبد الله ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء " (1).
‌‌4 - احتياط الصحابة والتابعين في رواية الحديث:
ومن هذا ما رواه عمرو بن ميمون قال: ما أخطأني ابن مسعود عشية خميس إلا أتيته فيه قال: فما سمعته بشيءٍ قط قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) فلما كان ذات عشية قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فنكس، قال: فنظرت إليه، فهو قائم محللة أزرار قميصه، قد اغرورقت عيناه، وانتفخت أوداجه، قال: أو دون ذلك، أو فوق ذلك، أو قريباً من ذلك أو شبيهاً بذلك" (2).
وبدأ التحذير من الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم في وقت مبكر، فاوّل من حذر منه هو النبي صلى الله عليه وسلم نفسه فأخرج البخاري من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه " إنّ كذبا علي ليس ككذب على أحد من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " (3).
وكذا كان الصحابة يحتاطون جداً في رواية الحديث خشية من التحريف أو التبديل، فكان بعضهم لشدة حذره يمتنع عن الرواية، وكان بعضهم يقول عقب الحديث (أو نحوه، أو بعناه ..).
ولهذا كان الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم يحتاطون جداً من قبول الأحاديث، أورد الحافظ الذهبي عند ترجمة أبي بكر الصديق رضي الله عنه:"وكان أوّل من احتاط في قبول الأخبار، فروى ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب أن الجدة جاءة إلى أبي بكر تلتمس أن تورث، فقال: ما أجد لك في كتاب الله شيئا، ما علمت أنّ رسول لله صلى الله عليه وسلم ذكر لك شيئا، ثم سأل الناس، فقام المغيرة فقال: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيها السدس فقال له: هل معك أحد؟ فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك، فأنفذه لها أبو بكر رضي الله عنه " (4).--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم، المسند الصحيح1/ 209 (234).
(2) أخرجه ابن ماجه، السنن (23).
(3) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (1229).
(4) الذهبي، تذكرة الحفاظ 1/ 2، والدهلوي، حجة الله البالغة 1/ 141.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 12)

وقال في ترجمة عمر رضي الله عنه:"وهو الذي سنَّ للمحدثين التثبت في النقل، وربما كان يتوقف في خبر الواحد إذا ارتاب، فروى الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد أن أبا موسى سلم على عمر من وراء الباب ثلاث مرات، فلم يؤذن له، فرجع، فأرسل عمر في أثره، فقال: لم رجعت؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا سلم أحدكم ثلاث، فلم يجب، فليرجع"، قال: لتأتيني على ذلك ببينة أو لأفعلن بك، فجاء أبو موسى منتقعا لونه ونحن جلوس، فقلنا: ما شأنك؟ فأخبرنا، وقال: فهل سمع أحد منكم؟ فقلنا: نعم، كلنا سمعه، فأرسلوا معه رجلا منهم حتى أتى عمر فأخبره، أحبَّ عمر أن يتأكد عنده خبر أبي موسى بقول صاحب آخر، ففي هذا دليل على أن الخبر إذا رواه ثقتان كان أقوى وأرجح مما انفرد به واحد، وفي ذلك حض على تكثير طرق الحديث لكي يرتقي عن درجة الظن إلى درجة العلم، إذ الواحد يجوز عليه النسيان والوهم، ولا يكاد يجوز ذلك على ثقتين لم يخالفهما أحد، وقد كان عمر من وجله أن يخطئ الصاحب على رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرهم أن يقلوا الرواية عن نبيهم، ولئلا يتشاغل الناس بالأحاديث عن حفظ القرآن" (1).
وهذا الاحتياط لا يعني انهم كتموا شيئاً من السنة كما يروج له أهل البدع ويطبل به اذنابهم عبر وسائل الأعلام، فالصحابة أعرف الناس بأثم من كتم شيئاً من الدين، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ً} (2).
ولا سيما أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول:" من كتم علماً يعلمه جاء يوم القيامة ملجماً بلجام من نار" (3).
وأخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن الأعرج قال: قال أبو هريرة: إنكم تقولون أكثر أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم والله الموعد أنكم تقولون ما بال المهاجرين لا يحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الأحاديث وما بال الأنصار لا يحدثون بهذه الأحاديث وأنّ أصحابي من المهاجرين كانت تشغلهم صفقاتهم في الأسواق وان أصحابي من الأنصار كانت تشغلهم أرضوهم والقيام عليها وإنّي كنت امرأ معتكفاً وكنت أكثر مجالسة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحضر إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا وأنّ النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا يوما فقال:" من يبسط ثوبه حتى أفرغ من حديثي ثم يقبضه إليه فإنه ليس ينسى شيئا سمعه مني أبداً". فبسطت ثوبي أو قال: نمرتي ثم قبضته إليَّ--------------------------------------------
(1) الذهبي، تذكرة الحفاظ 1/ 6 - 7.
(2) سورة البقرة/159.
(3) أخرجه أحمد، المسند 2/ 499.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 13)

فوالله ما نسيت شيئا سمعته منه وأيم الله لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم بشيء أبداً ثم تلا: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى} الآية (1) ". (2).
وأخرج مسلم من حديث أبي أيوب رضي الله عنه، أنه قال حين حضرته الوفاة: كنت كتمت عنكم شيئا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: "لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقا يذنبون يغفر لهم" (3).
والسبب الرئيس في تأخير تبليغ الحديث هو إما اكتفاءً بغيره من الصحابة ممن روى الحديث أو ربما اجتهاداً من الصحابي أنّ الحديث قد يتخذه بعض الناس ذريعة في تقصيرهم في العبادة، ومن ذلك انّ معاذ بن جبل رضي الله عنه حين حضرته الوفاة قال: اكشفوا عني سجف القبة، أحدثكم حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال مرة: أخبركم بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم،لم يمنعني ان أحدثكموه إلاّ أنْ تتكلوا سمعته يقول: "من شهد أنْ لا إله إلاّ الله مخلصاً من قلبه أو يقيناً من قلبه لم يدخل النار أو دخل الجنة". وقال مرة:"دخل الجنة ولم تمسه النار " (4).فالاحتياط والتثبت لا يتعارض مع التبليغ، والصحابة الكرام رضي الله عنهم بلّغوا ما سمعوا وأدوا ما يجب عليهم تأديته، ولم يكتموا شيئاً من الدين.

‌‌المبحث الثالث: ضوابط نقد الرواية عند الصحابة الكرام:
من خلال التتبع للأحاديث النبوية نجد أن الصحابة الكرام كانت لهم سبل متعددة يتبعونها من أجل ضبط قبول الرواية أو ردها، وهو ينم عن حرصهم على سنة نبيهم، وحمايتها من الدخلة والمنتحلين، ولاسيما أن الله تعالى تكفل بحفظ الكتاب الكريم، وصار على عاتقهم حماية السنة النبوية، فكانوا أحق بحمل هذه الأمانة وأهلها، فهم خير جيلٍ عرفه التاريخ.
ومن هذه الضوابط:--------------------------------------------
(1) سورة البقرة/159.
(2) أخرجه أحمد، المسند 2/ 274.
(3) أخرجه مسلم، المسند الصحيح 4/ 2015 (2748).
(4) اخرجه احمد، المسند 5/ 235.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 14)

‌‌الضابط الأول: عرض الرواية على النبي صلى الله عليه وسلم حال حياته:
وهذا من أعظم أسباب حماية السنَّة، فهم وإنْ كانوا خير ناس، ولم يفشي بينهم الكذب، إلاّ أنهم تحرجوا من كثرة التحديث، والقبول من كل أحد، فكان بعضهم يأتي النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن أمر ينسب إليه صلى الله عليه وسلم،ومن ذلك:
ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة، قال: كنا قعوداً حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، معنا أبو بكر، وعمر في نفر، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين أظهرنا، فأبطأ علينا، وخشينا أن يقتطع دوننا، وفزعنا، فقمنا، فكنت أوّل من فزع، فخرجت أبتغي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتيت حائطا للأنصار لبني النجار، فدرت به هل أجد له باباً؟ فلم أجد، فإذا ربيع يدخل في جوف حائط من بئر خارجة - والربيع الجدول - فاحتفزت، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "أبو هريرة" فقلت: نعم يا رسول الله، قال: "ما شأنك؟ " قلت: كنت بين أظهرنا، فقمت فأبطأت علينا، فخشينا أن تقتطع دوننا، ففزعنا، فكنت أول من فزع، فأتيت هذا الحائط، فاحتفزت كما يحتفز الثعلب، وهؤلاء الناس ورائي، فقال: "يا أبا هريرة" وأعطاني نعليه، قال: "اذهب بنعلي هاتين، فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أنْ لا إله إلاّ الله مستيقناً بها قلبه، فبشره بالجنة". فكان أوّل من لقيت عمر، فقال: ما هاتان النعلان يا أبا هريرة؟ فقلت: هاتان نعلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعثني بهما من لقيت يشهد أنْ لا إله إلاّ الله مستيقناً بها قلبه، بشرته بالجنة، فضرب عمر بيده بين ثديي فخررت لاستي، فقال: ارجع يا أبا هريرة، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجهشت بكاء، وركبني عمر، فإذا هو على أثري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما لك يا أبا هريرة؟ " قلت: لقيت عمر، فأخبرته بالذي بعثتني به، فضرب بين ثديي ضربة خررت لاستي، قال: ارجع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عمر، ما حملك على ما فعلت؟ " قال: يا رسول الله، بأبي أنت، وأمي، أبعثت أبا هريرة بنعليك، من لقي يشهد أنْ لا إله إلاّ الله مستيقناً بها قلبه بشره بالجنة؟ قال: "نعم ".قال: فلا تفعل، فإني أخشى أن يتكل الناس عليها، فخلهم يعملون، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فخلهم" (1).
فعمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يقبل الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم من أبي هريرة رضي الله عنه أولاً، حتى عرضه على النبي صلى الله عليه وسلم ليتأكد من صحة الخبر، وهذا لا يعني تهمة لأبي هريرة، فربما لو جاء بهذا الخبر من جاء من الصحابة لتثبت عمر رضي الله عنه من النبي صلى الله عليه وسلم، اللهم إلاّ ابا بكر الصديق، لعظم مكانته عندهم، وقد مرت أمثلة تؤيد ذلك.--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم، المسند الصحيح 1/ 59 (31)،وغيره.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 15)

فكان عمر - الملهم- قد اجتهد في احتمال استغلال بعض ضعاف القلوب لهذا الحديث في التسويف في الاعمال، والتقصير في الطاعات (الاتكال)،كما عبر عنه عمر رضي الله عنه، فأقره النبيُّ صلى الله عليه وسلم على اجتهاده.
وقد فعل مثل فعل عمر رضي الله عنه بعض الصحابة، ومن ذلك انّ معاذ بن جبل رضي الله عنه حين حضرته الوفاة قال: اكشفوا عني سجف القبة أحدثكم حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ". وقال مرة: أخبركم بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمنعني ان أحدثكموه إلاّ أنْ تتكلوا سمعته يقول: "من شهد ان لا إله الا الله مخلصا من قلبه أو يقينا من قلبه لم يدخل النار أو دخل الجنة" وقال مرة:"دخل الجنة ولم تمسه النار " (1).
قال النووي:" وأما دفع عمر رضي الله عنه له-يريد أبا هريرة- فلم يقصد به سقوطه وإيذاءه بل قصد رده عما هو عليه وضرب بيده في صدره ليكون أبلغ في زجره " (2).
وهنا نكتة عظيمة وهي سماع النبيِّ صلى الله عليه وسلم لرأي أصحابه والنزول عنده! وهذا في منتهى الرحمة والتواضع النبوي، وهو تربية لأمته من بعده.
قال القاضي عياض:" وليس فعل عمر ومراجعة النبيِّ صلى الله عليه وسلم في ذلك اعتراضاً عليه ورد الأوامر، إذ ليس فيما وجّه به أبا هريرة (3) غير تطييب قلوب أمته وبشراهم، فرأى عمر أنّ كتم هذا عنهم أصلح لهم، وأذكى لأعمالهم، وأوفر لأجورهم ألاّ يتكلوا، وأنه أعود بالخير عليهم من مُعَجَّلة هذه البشرى، فلما عرض ذلك على النبيِّ صلى الله عليه وسلم صوّبه له، وقد يكون رأي عمر للعموم وأمر النبيِّ صلى الله عليه وسلم للخصوص، وخشى عمر إنْ حصل فى الخصوص أنْ يفشو ويتسع. وفى هذا الحديث من الفقه والذى قبله: إدخال المشورة على الإمام من أهل العلم والدين ومن وزرائه وخاصته .. " (4).
وتأمل بعد قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ، وكان رديفه على الرحل:"يا معاذ بن جبل. قال: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: يا معاذ. قال: لبيك يا رسول الله وسعديك- ثلاثا- قال: "ما من أحد يشهد أنْ لا إله--------------------------------------------
(1) اخرجه أحمد، المسند 5/ 235.
(2) النووي، شرح مسلم 1/ 228.
(3) في المطبوع (معاذ)،والصواب ما أثبتناه، وهو في إحدى نسخ الكتاب كما نبه المحقق في الهامش.
(4) القاضي عياض، إكمال المعلم شرح صحيح مسلم1/ 264.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 16)

إلَاّ الله وأنَّ محمداً رسول الله، صدقاً من قلبه، إلَاّ حرمه الله على النار". قال يا رسول الله: أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: "إذا يتكلوا " وأخبر بها معاذ عند موته تأثماً" (1).
قال الحافظ:"فكأن قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ أخاف أنْ يتكلوا كان بعد قصة أبي هريرة فكان النهي للمصلحة لا للتحريم فلذلك أخبر به معاذ لعموم الآية بالتبليغ والله أعلم" (2).
وهنا يتضح أنّ خشية التكاسل والاتكال إنما كانت متوقعة من ضعاف الإيمان أو المؤلفة قلوبهم، والدليل أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خصّ بها بعض أصحابه كأبي هريرة، ومعاذ.
قال المهلب:" فيه أنه يجب أن يُخَصَّ بالعلم قوم لما فيهم من الضبط وصحة الفهم، ولا يبذل المعنى اللطيف لمن لا يستأهله من الطلبة ومن يخاف عليه الترخص والاتكال لقصير فهمه، كما فعل صلى الله عليه وسلم " (3).

‌‌الضابط الثاني: عرض الرواية على القرآن الكريم.
وهذا الضابط في الأصل استعمله الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم،إذ لو كان النبي صلى الله عليه وسلم حيّاً لردوا اختلافهم إليه.
ومن أمثلة هذا الضابط، وأمثلته كثيرة: ما أخرجه أحمد في مسنده عن قتادة عن أبى حسان الأعرج انّ رجلين دخلا على عائشة فقالا: إنّ أبا هريرة يحدث أنّ نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار". قال: فطارت شقة منها في السماء وشقة في الأرض، فقالت: والذي أنزل القرآن على أبي القاسم ما هكذا كان يقول، ولكن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:"كان أهل الجاهلية يقولون الطيرة في المرأة والدار والدابة". ثم قرأت عائشة: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ} (4) إلى آخر الآية" (5).
وقد وقع اختلاف واضح بين أهل العلم في هذا الحديث بين مقّرٍ ونافٍ له، والحديث لم ينفرد به أبو هريرة، بل رواه ابن عمر رضي الله عنه (6) وغيره، وليس الموضع موضع دراسته، وأنقل هنا كلام الإمام القرطبي في توجيه--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (128) و (129)،من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(2) ابن حجر، فتح الباري 1/ 228.
(3) ابن بطال، شرح صحيح البخاري 1/ 207.
(4) سورة الحديد /22.
(5) أخرجه أحمد، المسند 6/ 246.
(6) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (5438) وغيره.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 17)

الحديث، إذ قال:"ولا يظن بمن قال هذا القول: أن الذي رخص فيه من الطيرة بهذه الأشياء الثلاثة هو على نحو ما كانت الجاهلية تعتقد فيها، وتفعل عندها، فإنَّها كانت لا تقدم على ما تطيرت به، ولا تفعله بوجه بناء على أن الطيرة تضر قطعًا، فإنَّ هذا ظن خطأ، وإنما يعني بذلك: أن هذه الثلاثة أكثر ما يتشاءم الناس بها لملازمتهم إياها، فمن وقع في نفسه شيء من ذلك فقد أباح الشرع له أن يتركه، ويستبدل به غيره مما تطيب به نفسه، ويسكن له خاطره، ولم يُلزمه الشرع أن يقيم في موضع يكرهه، أو مع امرأة يكرهها، بل قد فسح له في ترك ذلك كله، لكن مع اعتقاد أن الله تعالى هو الفعَّال لما يريد، وليس لشيء من هذه الأشياء أثر في الوجود" (1).
ومنه ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي إسحاق، قال: كنت مع الأسود بن يزيد جالساً في المسجد الأعظم، ومعنا الشعبي، فحدث الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، ثم أخذ الأسود كفاً من حصى فحصبه به، فقال: ويلك تحدث بمثل هذا، قال عمر:"لا نترك كتاب الله وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، لها السكنى والنفقة، قال الله عز وجل: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} (2) " (3).
فعمر رضي الله عنه عرض خبر فاطمة بنت قيس على القرآن الكريم، فرآه يخالفه، فالقرآن نصّ على السكنى للمطلقة، وفاطمة روت حادثة لها مع النبي صلى الله عليه وسلم معارضة لهذا، فعمر رضي الله عنه ردّ حديثها معللاً ذلك بانها واحدة لعلها نسيت أو اخطأت في نقلها أو فهمها للحديث، وللعلماء في الحديث أقوال فلتنظر في محلها.
ومنه ما أخرجه الطبراني من حديث طارق بن شهاب قال: سألت عبد الله عن امرأة أرادت أن تجعل من حجها عمرة فقال:" ألم تسمع الله يقول: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} (4) ما أرى هؤلاء إلا أشهر الحج " (5).
والحقيقة أنّ هذا المنهج (عرض الرواية على القرآن الكريم) قد علّمه النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه، فمنه ما أخرجه تمام الرازي في فوائده بسنده عن أم مبشر، قالت: كنت في بيت حفصة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا--------------------------------------------
(1) القرطبي، المفهم لما أشكل من تلخيص شرح مسلم 18/ 104.
(2) سورة الطلاق/1.
(3) أخرجه مسلم، المسند الجامع 2/ 1118 (1480).
(4) سورة البقرة/197.
(5) الطبراني، المعجم الكبير9/ 342 (9703).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 18)

يدخل النار إنْ شاء الله أحد شهد بدراً والحديبية". قالت: فقالت حفصة: ألست تسمع الله يقول: {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} (1)، فقال:" أولست تسمعين الله عز وجل يقول: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا} (2) " (3).
وكذا الموقف التاريخي العظيم لأبي بكر الصديق في أوّل امتحان حقيقي للصحابة في وفاة النبي صلى الله عليه وسلم،إذ أخرج البخاري من حديث أمِّ المؤمنين عائشة: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مات وأبو بكر بالسنح، فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم.قالت وقال عمر: والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم. فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله، قال: بأبي أنت وأمي طبت حياً وميتاً، والذي نفسي بيده لا يذيقنك الله الموتتين أبداً، ثم خرج فقال: أيها الحالف على رسلك فلما تكلم أبو بكر جلس عمر فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه، وقال: ألا من كان يعبد محمدا صلى الله عليه وسلم فإنّ محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإنّ الله حي لا يموت. وقال: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ} (4). وقال: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ} (5). . فنشج الناس يبكون ..... " (6).
فالقرآن الكريم البوصلة الصحيحة التي لا يضل من تمسك بها، ولا يزيغ عنها إلا هالك.
وهكذا يجد الباحث أنّ الصحابة الكرام جعلو من القرآن الكريم ضابطاً لهم في قبول الرواية أو ردها، ولا سيما بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

‌‌الضابط الثالث: عرض الرواية على المحفوظ من السنة النبوية (بعد وفاته صلى الله عليه وسلم -).
ومن الضوابط التي اعتمدها الصحابة الكرام في نقد الراويات عرضها على الثابت المحفوظ من الأحاديث، وقد نفعهم في هذا قربهم من النبي صلى الله عليه وسلم ومجالستهم.
ومن ذلك: ما أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة قال: توفيت ابنة لعثمان رضي الله عنه بمكة وجئنا لنشهدها وحضرها ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم وإني لجالس بينهما أو قال--------------------------------------------
(1) سورة مريم /71.
(2) سورة مريم /71.
(3) تمام الرازي، الفوائد (1275).
(4) سورة الزمر/30.
(5) سورة آل عمران/144.
(6) البخاري، الجامع الصحيح (3467).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 19)

جلست إلى أحدهما ثم جاء الآخر فجلس إلى جنبي فقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لعمرو بن عثمان: ألا تنهى عن البكاء؟ فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" إنّ الميت ليعذب ببكاء أهله عليه ". فقال ابن عباس رضي الله عنهما قد كان عمر رضي الله عنه يقول بعض ذلك ثم حدث قال صدرت مع عمر رضي الله عنه من مكة حتى إذا كنا بالبيداء إذا هو بركب تحت ظل سمرة فقال أذهب فانظر من هؤلاء الركب؟ قال فنظرت فإذا صهيب فأخبرته فقال: ادعه لي فرجعت إلى صهيب، فقلت: أرتحل فالحق أمير المؤمنين فلما أصيب عمر دخل صهيب يبكي يقول وا أخاه وا صاحباه. فقال عمر رضي الله عنه: يا صهيب أتبكي عليَّ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إنّ الميت ليعذب ببكاء أهله عليه ". قال ابن عباس رضي الله عنهما فلما مات عمر رضي الله عنه ذكرت ذلك لعائشة رضي الله عنها فقالت: رحم الله عمر والله ما حدّث رسول الله صلى الله عليه وسلم إنّ الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إنّ الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه".وقالت حسبكم القرآن {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (1) قال ابن عباس رضي الله عنهما عند ذلك: والله هو أضحك وأبكى" (2).
قال الحافظ:" وهذه التأويلات عن عائشة متخالفة، وفيه إشعار بأنها لم ترد الحديث بحديث آخر بل بما استشعرته من معارضة القرآن" (3).
قال القرطبي:" قال علماؤنا: وإنما حملها على ذلك أنها لم تسمعه، وأنه معارض للآية. ولا وجه لإنكارها، فإن الرواة لهذا المعنى كثير، كعمر وابنه والمغيرة بن شعبة وقيلة بنت مخرمة، وهم جازمون بالرواية، فلا وجه لتخطئتهم. ولا معارضة بين الآية والحديث، فإن الحديث محمله على ما إذا كان النوح من وصية الميت وسنته، كما كانت الجاهلية تفعل" (4).
وقد وقع خلاف في الحديث بشكل كبير، بعضهم ذهب إلى مذهب السيدة عائشة رضي الله عنها، وبعض ذهب المذهب الآخر، وبعضهم وفّق بينهما كما فعل الإمام البخاري إذ بوب في صحيحه (باب قول النبي صلى الله عليه وسلم "يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه ". إذا كان النوح من سنته) (5).--------------------------------------------
(1) هذه جزء من آية وردت في سورة: الانعام /164والإسراء/ 15،وفاطر/18والزمر/7.
(2) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (1226) و (1228) و (1230)، ومسلم، المسند الصحيح 2/ 641 (927و928و929) وغيرهما.
(3) ابن حجر، فتح الباري 3/ 154.
(4) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 10/ 231.
(5) البخاري، الجامع الصحيح1/ 430 باب 32، وينظر: ابن حجر، فتح الباري 3/ 154.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)