أَرسل من أَهل حمص، وكانا قد اكتتبا من اليهود شيئًا في صحيفة، فأَخذاها معهما يستفتيان فيها أَمير المؤمنين عمر، فلما قدما عليه قالا: إِنا بأَرض أَهل الكتاب، وإِنا نسمع منهم كلامًا تقشعرُّ منه جلودنا، أَفنَأخُذُ منه ونترك؟ فقال: سأحدثكما … ثم ذكر قصته لما كتب شيئًا أعجبه من كلام اليهود، وقرأه عليه، فغضب الرسول صلى الله عليه وسلم، وصار يمحوه بريقه، ويقول: "لَا تتَبِعُوا هَؤُلَاءِ؛ فَإِنَّهُمْ قَد هَوَّكُوا، وَتَهَوَّكُوا" (1)، حتى محا آخِرَهُ، حَرْفًا حَرْفًا، ثم قال عمر: "فلو علمت أنكما كتبتما منه شيئًا جعلتكما نكَالًا لهذه الأمة" قالا: "والله ما نكتبُ منه شيئًا"، ثم خرجا بصحيفتيهما، فَحَفَرَا لها، وَعَمَّقَا في الحفر، ودفناها، فكان آخر العهد منها (2).
ونقل الحافظ في "الفتح" عن الإمام الشافعي رحمه الله ئعالى- قوله في حديث: "حدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ": "من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يُجِيزُ التحدث بالكذب؛ فالمعنى: حدثوا عن بني إسرائيل بما لا تعلمون كَذِبَهُ، وأما ما تجوزونه فلا حرج عليكم في التحدث به عنهم، وهو نظير قوله: "إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ، وَلَا تكَذِّبُوهُمْ"، ولم يرد الإذن (3) ولا المنع من التحدث بما يُقطع بصدقه" (4).--------------------------------------------
(1) أي: شَكُّوا، وشككوا غيرهم.
(2) "تفسير القرآن العظيم" للحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى- (4/ 412 - 413)، ط. المنار.
(3) أي: "فِيمَا عُلِمَ كَذِبُهُ"؛ لتستقيم العبارة.
(4) "فتح الباري"، (6/ 499).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 183)