عبادتها في جزيرة العرب فيما سبق.
9 - إساف ونائلة: صنمان من أصنام قريش، حيث يقال إنهما جاءا لطواف بيت الله، فهمّا أن يفجرا في الحرم فمسخا حجرين فوضعا عند الكعبة، ثم أخرجا منها فنصبا على الصفا والمروة مقابل البيت من أجل أن يتعظ بهما الناس، ويكونا عبرة لكل معتبر، فلما طال مكثهما، وعبدت الأصنام، وصارا صنمين يعبدان فيما يعبد من أصنام.
وقد ذكرنا أن الذي حولهما صنمين هو عمرو بن لحي حيث راح يدعو الناس إلى عبادتهما، وجاء بعده قصي بن كلاب فحول هذين الصنمين عن موضعهما، وصار يذبح عندهما في المكان الذي فيه بئر زمزم، وعلى أثر ذلك راح الناس يطوفون بإساف ونائلة بادئين بالأول ومنتهين بنائلة، ثم كانوا بعد ذلك يحلقون رؤوسهم عندهما، ويهدون إليهما النذور ويذبحون العتائر بإزائهما في المكان الذي يقال له الحطيم.
وقيل: إن إسافًا ونائلة صنمان قديمان في البيت، عبدا منذ القدم، ولا يصح قول من قال: إن إسافًا فجر بنائلة أو هم بالفجور، كما قيل، ولكنه مخالف لما روته عائشة، وقد سبق بيانه.
وقد وصف الأزرقي هذين الصنمين فقال: إنهما كانا يرتديان ثوبًا، فإذا ما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 554)
بليت هذه الثياب خلعوا عليهما ثياباً غيرها، وذكر أيضًا: أن الحائض والنفساء لم يكن بمقدورهن التمسح بهما ما داما هكذا.
10 - مجاود الريح ومطعم الطير: وهما من الأصنام التي نصبها عمرو بن لحي ـ كما سبق بيانه ـ، وكانا على الصفا والمروة مقابل الكعبة.
11 - الأصنام السبعة التي كانت في منى، وقد سبق بيانه.
12 - هبل: وهو أعظم أصنام قريش، كان موضعه في جوف الكعبة، وقيل على ظهرها، وقيل على البئر المحاذية لها إذ كان يجمع عنده ما يهدى للكعبة. وهو من العقيق الأحمر المصنوع على هيئة الإنسان، ويحكى أنه كان مكسور اليد فجعلت قريش له يدًا من ذهب.
ويقال: إن أول من نصبه في الكعبة رجل يقال له خزيمة، ويقال: إن عمرو بن لحي الذي حمل بقية الأصنام السابقة هو الذي حمله من مدينة البلقاء أو من هيت بأرض الجزيرة، فنصبه على البئر التي في بطن الكعبة، ثم أمر الناس بعبادته، فكان الرجل منهم إذا قدم من سفره بدأ به طوافه بالبيت، ثم حلق رأسه عنده. وكانوا يستقسمون عنده بالأزلام ويضربون عنده بالقداح للوصول إلى نتيجة؛ ما طلبًا واستفسارًا لحكم الغيب.
وهذا التقدير لهبل من قريش خاصة إنما كان من أجل التقرب إليه والتبرك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 555)
به، ومن أجل التماس الشفاعة والدعاء.
13 - ذو الخلصة: قيل: إن أول من نصبه من العرب باسفل مكة عمرو بن لحي، وأن المشركين كانوا (يلبسونه القديد، ويهدون إليه الحنطة والشعير، ويصبون عليه اللبن ويذبحون له، ويعلقون عليه بيض النعام).
وقال ابن الكلبي: (كان مروة بيضاء منقوشة، عليها كهيئة التاج، وكان بتبالة، بين مكة واليمن على مسيرة سبع ليال من مكة، وكان سدنتها بنو أمامة من باهلة بن أعصر، وكانت تعظمها وتهدي لها خثعم وبجيلة وأزد السراة، ومن قاربهم من بطون العرب من هوازن).
فهذه بعض أسماء الأصنام والأوثان والتماثيل والأنصاب المعبودة لدى العرب من دون الله جل وعلا من الآلهة الأرضية، ولا شك أن هذه المعبودات الأرضية كانت أكثر بكثير مما ذكرته هاهنا، فقد ذكرها المعتنون بتاريخ العرب قبل الإسلام وأصحاب المعاجم كابن إسحاق وابن الكلبي وابن هشام، وأبو الفرج الأصفهاني، والأزرقي، وياقوت الحموي، وابن الأثير، وابن كثير، وابن منظور، والفيروز آبادي، والزبيدي، والنويري، والآلوسي، وجواد علي، وغيرهم. وإنما المقصود هنا ذكر بعض النماذج من هذه الأصنام الأرضية.
ولكن مع استقصاء المعتنين بتأريخ العرب قبل الإسلام ذكر الأصنام والأوثان، والمعبودات الأرضية، لابد أن يفوتهم الكثير منها، فإن المعروف من تأريخ العرب أنه كان لكل قبيلة عربية تقريبًا، ولأهل كل دار، صنم عبدوه،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 556)
(فإذا أراد الرجل منهم سفرًا تمسح به حين يركب فكان ذلك آخر ما يصنع حين يتوجه إلى سفره، وإذا قدم من سفره تمسح به، فكان ذلك أول ما يبدأ به قبل أن يدخل على أهله). هذا ما ذكره أصحاب السيرة.
ويؤيده ما جاء في صحيح البخاري بأنه (لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وجد حول البيت ثلاثمائة وستين صنمًا، فجعل يطعن بعود في يده ويقول: (جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا). وهي تتساقط على رؤوسها، ثم أمر بها فأخرجت من المسجد وحرقت).
3 - عبادة بيوت الأصنام من دون الله عز وجل:
والمقصود ببيوت الأصنام تلك الأماكن التي كانت تضم بعضًا من آلهة العرب المعبودة من أصنام وتماثيل، وسواها من الأوثان والأنصاب، بحيث إنها مهوى أفئدة المشركين ومحجتهم التي إليها ينظرون، وكانوا يوجهون إليها أنواعًا من العبادات كالطواف والعكوف والذبح والنذر والنحر وغيرها.
وكان يشرف عليها حجبة وسدنة، وكانوا يهدون إليها أنواعًا من الهدايا الجميلة والتحف الثمينة. ولا شك أن توجيههم أنواعًا من العبادات لهذه البيوت سواء كان للأصنام الموجودة في داخلها أو كان للبيوت وحدها ـ كما كان هناك بعض البيوت تعظم لذاتها ـ كل هذا داخل في الشرك بالله جل وعلا؛
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 557)
لأنه صرف أنواع من العبادة لغير الله جل شأنه، ولهذا سمى الرسول صلى الله عليه وسلم بعض هذه البيوت بالطاغية.
وهذه البيوت هي كالتالي:
1 - كعبة نجران: وهي الكعبة التي كانت لبني الحارث كعب بنجران في بلاد اليمن. قال ابن الكلبي: (وكان لبني الحارث بن كعب كعبة بنجران يعظمونها).
2 - كعبة سنداد: قال ابن الكلبي: (وكان لإياد كعبة أخرى بسنداد، من أرض بين الكوفة والبصرة في الظَّهر). ثم استدرك ابن الكلبي فقال: (وقد سمعت أن هذا البيت لم يكن بيت عبادة، وإنما كان منزلاً شريفاً). أي إنما هو مجرد قصر بين الحيرة والأبلة، كانت تحج إليه إياد.
3 - القليس: الذي بناه أبرهة الأشرم باليمن ـ بصنعاء ـ بالرخام وجيد الخشب، وكتب إلى ملك الحبشة (إني قد بنيت لك كنيسة لم يبن قبلها أحد قط، ولست تاركًا العرب حتى أصرف حجهم عن بيتهم الذي يحجون إليه).
فهذا البيت وإن كان العرب ـ خصوصًا عرب الشمال ـ لم يعترفوا به إلا أن عرب اليمن ـ عرب الجنوب ـ قد لقي عند بعضهم القبول، فلذا ذكرته هاهنا.
4 - رُضاء أو رُضى: وهو بيت لبني ربيعة بن كعب من تميم، وكان من البيوت المعظمة لدى بعض العرب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 558)
5 - رئام: وهو بيت لحمير بصنعاء، وكانوا ينحرون عنده ويكلمون منه. أما تسميته بهذا الاسم فقد تكون مشتقة من رأم الأنثى لولدها، إذ كانوا يأتونه ليلتمسوا منه الرحمة، ولينالوا البركة والشفاعة.
6 - ذو الخلصة: وهو بيت من بيوت الشرك المعروفة عند البعض، وإن كان صنمًا عند البعض الآخر، ومنهم ابن الكلبي، وكان لدوس وخثعم وبجيلة ومن والهم من العرب بتبالة إلى الجنوب من مكة مسيرة سبع ليال. وقد رجح الأزرقي: أنه بيت كان يدعى الكعبة اليمانية، كما رجحه ياقوت الحموي في معجم البلدان.
7 - بيت الربة: أو بيت الشمس: وكانوا وقفوا له الكثير من الضياع والما، وكانوا يأتونه كلما مالت الشمس إلى المغيب أو أخذت الزوال، وكانوا يحجون إليه صائمين، فيصلون عنده ويتشفعون، وكان سدنتها بني أوس من تميم.
8 - بسّ: بيت لغطفان، بناه ظالم بن أسعد لما رأى قريشًا تطوف بالكعبة، وتسعى بين الصفا والمرة فذرع البيت، ثم أخذ حجرًا من الصفا وحجرًا آخر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 559)
من المروة، ورجع إلى قومه فبنى بيتًا على قدر البيت، ووضع الحجرين قائلاً: (هذين الصفا والمروة، فاجتزوا بهما عن الحج).
9 - السعيدة: قيل: إنه بيت في أحد، كانت تحج إليه العرب في جاهليتها.
10 - بيت العزى: قيل أن بعض العرب كانوا قد حجوا إليها وطافوا بها وأهدوا لها، وخصّوها بالنذور والأموال لكونه من البيوت المعظمة.
11 - بيت اللات: كما كانت ثقيف تعتبرها قبلة لهم، ويفهم هذا من مصالحتهم لأبرهة الأشرم لما جاء لهدم الكعبة.
فتلك بعض معبودات المشركين التي تم جمعها تحت هذا المبحث.
ونخلص مما تقدم ذكره: بأن أصل شرك العبادة إنما هو من قبيل طلب التقرب إلى الله جل شأنه بعبادة هذه المعبودات، وذلك نتيجة قياس الخالق سبحانه على المخلوق.
فإن المشركين زعموا بعقولهم الفاسدة أن ملوك الدنيا لا يتوصل إليهم إلا بالوجهاء والشفعاء والوزراء الذين يرفعون إليهم حوائج رعاياهم ويطلبون لهم عطفهم، فيكون ذلك تمهيدًا للأمر المطلوب منهم، فظن المشركون أن الله ـ تعالى ـ كذلك، وهذا سوء ظن بالله ـ جل شأنه ـ، وهو من أفسد الأقيسة في العالم، كما سيأتي بيان ذلك في الباب الرابع بمشيئة الله جل وعلا عندما نورد شرك هذه الأمة في الأنداد والعبادة، وعند بيان الشبهات لمشركي زماننا، فإن نفس هذه الشبهة موجودة برمتها لدى القبوريين من هذه الأمة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 560)
المطلب الثالث: أنواع العبادات التي كانوا يوجهونها إلى معبوداتهم:
العرب قبل الإسلام وجهوا جميع أنواع العبادات ـ التي عرفوها بأنها عبادة ـ إلى غير الله جل شأنه، فمن هذه العبادات: العبادات العملية، ومن مظاهرها الكثيرة ما يلي:
1 - الصلاة والصيام ـ حسب اعتقادهم وأهوائهم ـ لهؤلاء الأصنام، وقد سبق معنا ذكر بيت الربة، وكيف كانوا يأتون إليه عند مغيب الشمس، وكيف يأتون إليه وهم صائمون.
2 - السجود: وهذه كانت ظاهرة عامة لدى مشركي العرب، فكانوا يسجدون لأصنامهم.
3 - الحج: وقد سبق بيان حجهم لأصنامهم، ولبعض البيوت المعظمة.
4 - الذبح: وقد بينا أيضًا أن أغلب هؤلاء المشركين كانوا يذبحون وينحرون عند هذه الأصنام والأوثان المعبودة من دون الله.
5 - النذر: كما سبق أن بينا: أن المشركين كانوا ينذرون لأصنامهم كما كانوا ينذرون لله، ولكن سرعان ما يحتالون في وفاء نذر الله ـ تعالى ـ، وقد بين بعض هذه الحيل في كتب السير والتأريخ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 561)
6 - بذل الأموال للأصنام: سواء كانت من النقدية أو غير النقدية من عين أو متاع، وذلك على سبيل الهدية والهبة، أو على سبيل الوفاء بنذر ما، وقد زاد مشركو عرب الجنوب ضريبة معينة، هي العشر مما يكسبه تاجر الطيوب من فضل مال أو أرباح.
ومن هذه العبادات التي كانوا يوجهونها إلى معبوداتهم: العبادات القولية:
ومن مظاهر هذه العبادات القولية: التلبية لهذه الأصنام، فكان لكل صنم تلبية معينة كما يحكيه المعتنون بتاريخ العرب قبل الإسلام.
كما كان العرب يوجهون العبادات القلبية لغير الله سبحانه، بل هذا هو أصل شركهم، فكانوا يصرفون التعظيم والدعاء والاستغاثة والاستعاذة وغيرها إلى غير الله، كما كانوا يخافون ويرجون ويحبون معبوداتهم مثل حب الله أو أشد منه، ودلائل هذا القول مبسوطة في القرآن العظيم والأحاديث النبوية.
المطلب الرابع: طبيعة اعتقاد الجاهليين تجاه معبوداتهم
إذا نظرنا إلى عبادة المشركين لهذه المعبودات ترى أنها تتصف بالآتي:
أولاً: البساطة والسذاجة:
وأبرز الأدلة على أن اعتقاداتهم تجاه هذه المعبودات كانت بسيطة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 562)
وساذجة عبادة أحجار لا تنفع ولا تضر، فعقيدتهم غير ثابتة الأركان ولا تقوم على أساس واضح من أسس الأيدلوجية الواعية، وإنما هي مجرد عقيدة بدائية تنسجم إلى حد بعيد مع حياتهم السياسية والاجتماعية والثقافية البعيدة عن التخصص والتقدم والعمق والشمول. بل أغلب هذه الاعتقادات كانت نتيجة عاطفة شخص أو قبيلة تجاه فلسفة معينة في أشياء معينة، وفيما يلي بيان لما قلناه، فمثلاً:
قضية عبادة الأحجار: فإن بدء عبادة الأحجار كانت نتيجة عاطفة بعض أولاد إسماعيل تجاه أراضي مكة وآثارها، قال ابن الكلبي: (إن إسماعيل عليه السلام لما سكن مكة وولد بها أولادًا فكثروا، حتى ملئوا مكة، ونفوا من كان بها من العماليق ضاقت عليهم مكة، ووقعت بينهم الحروب والعداوات، وأخرج بعضهم بعضًا، فتفسحوا في البلاد والتماس المعاش، فكان الذي حملهم على عبادة الأوثان والحجارة: أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتمل معه حجرًا من حجارة الحرم؛ تعظيمًا للحرم وصبابة بمكة، فحينما حلوا وضعوه وطافوا به، كطوافهم للبيت؛ حبًا للبيت وصبابة به، ثم عبدوا ما استحسنوا ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم وغيره، فعبدوا الأوثان … ).
وقال ابن الكلبي في موضع آخر: (واستهترت العرب في عبادة الأصنام، فمنهم من اتخذ بيتًا، ومنهم من اتخذ صنمًا، ومن لم يقدر عليه ولا على بناء بيت، نصب حجرًا أمام الحرم وأمام غيره، مما استحسن، ثم طاف به كطوافه بالبيت … فكان الرجل إذا سافر منزلاً، أخذ أربعة أحجار فنظر إلى أحسنها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 563)
فاتخذه ربًا، وجعل ثلاث أثافي لقدره، وإذا ارتحل تركه، فإذا نزل منزلاً آخر، فعل مثل ذلك، فكانوا ينحرون ويذبحون عندها ويتقربون إليها … وكان الذي يفعلون من ذلك في أسفارهم إنما هو للاقتداء منهم بما يفعلون عندها لصبابة بها).
وفي رواية أخرى قال أبو رجاء العطاردي: (لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم فسمعنا به، لحقنا بمسيلمة الكذاب فلحقنا بالنار، قال: وكنا نعبد الحجر في الجاهلية، فإذا وجدنا حجرًا هو أحسن منه نلقي ذلك ونأخذه، فإذا لم نجد حجرًا جمعنا حثية من تراب، ثم جئنا بغنم فحلبناها عليه ثم طفنا به)، وقال أبو رجاء أيضًا: (كنا نعمد إلى الرمل فنجمعه ونحلب عليه فنعبده، وكنا نعمد إلى الحجر الأبيض فنعبده زمانًا ثم نلقيه).
وقال أبو عثمان النهدي: (كنا في الجاهلية نعبد حجرًا، فسمعنا مناديًا ينادي: يا أهل الرحال، إن ربكم قد هلك فالتمسوا ربًا، قال: فخرجنا على كل صعب وذلول، فبينا نحن كذلك نطلبه إذا نحن بمنادٍ ينادي: إنا قد وجدنا ربكم أو شبهه، فإذا حجر، فنحرنا عليه الجزور).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 564)
وقال عمرو بن عبسة: (كنت امرأً ممن يعبد الحجارة، فينزل الحي ليس معهم إله، فيخرج الرجل منهم، فيأتي بأربعة أحجار، فينصب ثلاثة لقدره، ويجعل أحسنها إلهًا يعبده، ثم لعله يجد ما هو أحسن منه قبل أن يرتحل فيتركه ويأخذ غيره).
فهذا مثال دل على سذاجة اعتقاداتتهم تجاه هذه المعبودات، من ضمن أمثلة عديدة.
ثانياً: وهن العقيدة:
كما سبق أن بينا أن اعتقادهم تجاه هذه المعبودات كان متصفًا بالبساطة والسذاجة، هكذا يمكن اتصافه بوهن الأساس وضعف البنيان؛ لأنه يصدر عن عاطفة عديمة الثبات، وقلما يتغلغل في الأعماق أو يرسخ في الأذهان، بل تراه عاطفة متقلبة تحركها الأهواء السانحة وتسيرها المصالح وتقتضيها الضرورة والحاجة، فليس ثمة عند الجاهلي رسوخ في العقيدة، ولا خلوص في النية، ولا تفكر بما وراء المظهر والمادة.
وهو في عقيدته تلك إنما يصدر عن تمسك بالعادة وعن جري في التقليد، واقتفاء بأثر من سبقه إليه، فهو لا يتورع عن سب آلهته وشتمها وضربها، وهذا ما فعله امرؤ القيس مع صنمه، كما لا يتورع أيضًا عن أكلها ـ كما في حادثة بني حنيفة ـ خصوصًا إذا ما كانت هذه الأصنام مصنوعة من التمر والزبيب وقد أضر الجوع بعابدها، كما وإنه لا يحجم أبدًا عن سرقتها، وأخذ اللبن المخصص
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 565)
لها، وهذا ما فعله مالك بن حارثة الأجداري يوم أن شرب اللبن المخصص لسقاية الصنم ود.
وسأسوق هنا جملة من القصص تدل على ما قلناه، فمنها:
1 - حادثة (ذو الخلصة): وهي حينما جاءه امرؤ القيس ليستقسم عنده بالأزلام، كان ذلك لما قتلت بنو أسد أباه حجراً، وخرج السهم الذي ينهاه عن الأخذ بالثأر لأبيه، فما كان من الشاعر إلا أن كسر القداح وضرب بها وجه الصنم متهددًا متوعدًا، وقال: (عضضت بأير أبيك! لو كان أبوك قتل ما عوقتني)، ثم غزا بني أسد، فظفر بهم، قال ابن الكلبي: (فلم يستقسم عنده بشيء حتى جاء الله بالإسلام، فكان امرؤ القيس أول من أخفره).
2 - حادثة (فلس): وهي؛ حينما جاءه مالك بن كلثوم حيث أقدم على حل عقال ناقة جارة له، تلك الناقة التي وقفت للصنم وأودعت بفنائه فلا يحل لأحد أخذها، ولا التصرف بها، لكن ابن كلثوم أقدم على حل الناقة وسوقها أمامه ذاهبًا بها، دون أن يحرك الصنم لإله ساكنًا، ولا أن يقدر على الانتقام ممن اجترأ على حرمته، ونال من قداسته، واستلب ما كان موقوفاً له، وهذه الحادثة ـ كما يقولون ـ حملت الشاعر الجاهلي عدي بن حاتم على تخليه عن عبادة فلس، لأن فلسًا بزعمه (أهين على يد مالك، فلم يثأر الإله لكرامته وقداسته).
3 - حادثة (سعد): وهي؛ حينما قدم إليه رجل من المشركين لينال البركة ولينيخ إبله بفنائها، لكن سرعان ما نفرت هذه الناقة، لدى رؤيتها الدم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 566)
المهراق، فضربت في الأرض بعيدًا، الأمر الذي دفع بالرجل إلى القول متبرئًا من سعد وممن يعبد سعدًا:
أتينا إلى سعد ليجمع شملنا … فشتتنا سعد فلا نحن من سعد
وهل سعد إلا صخرة بتنوفة … من الأرض لا يدعى لغي ولا رشد
4 - حادثة صنم بني حنيفة: وهي؛ أن هذا الصنم كان مصنوعًا من الحيس، فعبدوه حينًا من الدهر، فأصابت بنو حنيفة سنة من الجوع، فلم يتورعوا عن أكله فيما أكلوه ذلك العام، فقال قائل:
أكلت بنو حنيفة ربها … زمن التقحم والمجاعة
لم يحذروا من ربهم … سوء العقاب ولا البشاعة
فهذه الحوادث كلها إن دلت على شيء فهو أن حرارة العقيدة ما كانت تتغلغل في أعماق هؤلاء الجاهليين، بل هي ظلت عقيدة واهية الأساس، خاضعة للأهواء، متقلبة سرعان، ما تضعف وتزول عندما تصادم بشيء يستطيع أن يزيلها.
فهؤلاء العرب في جاهليتهم كانوا يتبعون هواهم، تجاه عبادة هذه المعبودات، وقد ورد الإنكار الشديد في كتاب الله تعالى لمن جعل إلهه هواه فيتبعه في كل ما يملي عليه.
قال تعالى: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا).
قال تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ).
قال ابن عباس رضي الله عنه: (ذلك الكافر؛ اتخذ دينه بغير هدى من الله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 567)
ولا برهان)
وقال قتادة: (هو الكافر؛ لا يهوى شيئًا إلا ركبه لا يخاف الله).
وقال ابن كثير: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) أي إنما يأتمر بهواه فمهما رآه حسنًا فعله، ومهما رآه قبيحًا تركه).
والمقصود: بيان أن عبادة العرب لهؤلاء المعبودات ما كانت عن دليل ولا برهان، وما كان عندهم رسوخ في العقيدة، بل هي واهية البنيان والأساس، وذلك؛ نتيجة اتباعهم الهوى تجاه معبوداتهم، فإن هذا هو مصير كل من اتبع هواه بغير هدى من الله.
ثالثاً: تعصبهم لمعبوداتهم:
سبق أن قلنا: أن العرب كانت عقيدتهم واهية البنيان غير قائمة على أسس متينة، فهذا من جهة، ولكن من جهة ثانية فإننا لا نعدم وسيلة العثور على مواقف أخرى قد تبدو متناقضة مع ما شهدناه من مواقف دالة على ضعف العقيدة ووهنها، أعني بذلك تلك المواقف الدالة على شدة تمسك الجاهلي بعقيدته، والتعصب لآلهته تعصبًا يفدي بمقتضاه بنفسه وماله وبنيه، وكل ما يملكه في الدنيا، وإلا فكيف يمكننا أن نفسر موقف أبي سفيان (قبل إسلامه) المعادي جدًا، والمتشدد لأبعد حدود التشدد، وكذلك موقف أبي لهب وغيره من سادات قريش وصناديدها، من الإسلام ومن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لهم؟ ألم يكونوا أشد الناس تعصبًا لآلهتهم المزعومة؟ ألم تقل حمنة بنت أبي سفيان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 568)
لابنها سعد بن أبي وقاص الزهري حين بلغها نبأ إسلامه: (أليس قد أمر الله بالبر، والله لا أطعم طعامًا ولا أشرب شرابًا حتى أموت أو تكفر)؟ .
أليس هؤلاء هم الذين قاتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحملوا معهم الأصنام في المعارك؟ أليس هم الذين قالوا: اعل هبل؟ أليس هم الذين قالوا: لنا العزى ولا عزى لكم؟ .
إذن، وكما نرى فإن بعض مشركي الجاهلية ـ ولا سيما من كان منهم من صف السادة والمستكبرين ـ كانوا جد متعصبين لآلهتهم، وجد متمسكين بما أورثوا من عبادتها عن الآباء والأجداد، إنهم محكومون بالتعصب لها؛ ذودًا عن مصالحهم، وحفاظًا على مكاسبهم ـ بزعمهم ـ، كيف لا، وهم من الأسياد أو السدنة أو ممن أوكل بهم حفظ الآلهة، وأسند إليهم ما يزعمون من شرف الدفاع عنها، ولهذا قالوا: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ).
رابعًا: تقليدهم لآبائهم في عبادة هذه المعبودات:
سبق معنا: أن مشركي العرب ما كان اعتقادهم يستند إلى أسس قوية ولا عن قناعة نفسية تامة، كما هو واضح في الأمثلة التي تم إيرادها، ولكن ما الذي حملهم إذن على عبادتها؟ لقد أجاب القرآن على هذا السؤال فقال: (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ) فما هو إلا التقليد الأعمى لآبائهم وكبرائهم. ولهذا سيقولون يوم القيامة: (إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 569)
وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 570)
المبحث الثاني أسباب الشرك قديمًا
ذكرنا فيما سبق: أن حقيقة الشرك: تشبيه الخالق بالمخلوق، وتشبيه المخلوق بالخالق، وقد وجد هذا التشبيه والتشبه لسببين اثنين، هما:
1 - الغلو في المخلوق.
2 - إساءة الظن برب العالمين نتيجة عدم معرفة قدر الله جل شأنه. فما قدروا الله حق قدره فأساءوا الظن به سبحانه.
أما السبب الأول الذي هو الغلو: فإنه يكون بتنزيل المخلوق منزلة فوق منزلته، فيصرف له شيء من حقوق الله، وهذا الأمر جلي وواضح في جميع الأمم المشركة بالله تعالى، فإنه ـ كما قال شيخ الإسلام ـ إن أوائل المشركين (صنفان: قوم نوح، وقوم إبراهيم، فقوم نوح كان أصل شركهم العكوف على قبور الصالحين ثم صوروا تماثيلهم ثم عبدوهم. وقوم إبراهيم كان أصل شركهم عبادة الكواكب والشمس والقمر).
ومشركوا العرب شركهم لا يخلوا عن هذين الأمرين. ولكن كل هذا ناتج عن الغلو في المخلوقات. فمثلاً: إن قوم نوح إنما صوروا تماثيلهم للاقتداء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 571)
بهم في بداية الأمر، ثم لما رفع العلم وغلب الجهل ظن أن هؤلاء كانوا قومًا صالحين فلابد من العكوف على قبورهم كي ينالوا مرضات الرب سبحانه، فعكفوا على قبورهم، ثم دب إليهم إبليس بأن الأولين كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر فعبدوهم. فلم يحصل هذا الشرك في هؤلاء القوم إلا نتيجة الغلو في بعض المخلوقات.
وشرك قوم إبراهيم عليه السلام أيضًا ناتج عن الغلو في بعض المخلوقات؛ فإن (قومًا من الأوائل اعتقدوا أن الكواكب تفعل أفعالاً تجري في النفع والضر مجرى أفعال الإله على حسب ما يعتقده بعض أهل التنجيم، فاتخذوا عبادتها دينًا، وأراد ملوكهم ورؤساؤهم توكيده في أنفسهم، والزيادة فيه من عندهم، وذلك؛ أن الملك يحتاج إلى الدين كحاجة المال والرجال، لأن الملك لا يثبت إلا بالبيعة، والبيعة لا تكون إلا بالأيمان والأيمان لا يكون إلا لأهل الأديان، إذ لا يصح أن يحلف الرجل إلا بدينه ومعبوده، ومن لا يعتقد دينًا لا يوثق بيمينه، … إلى غير ذلك مما يتعلق من أمر الملك بالدين، فصنعوا لهم الأصنام على صور الكواكب التي يعبدونها).
فهؤلاء غلوا في الأجرام السماوية، وظنوا أنها تنفع وتضر وأن شفاعتهن مقبولة عند الباري تعالى، ولهذا قالوا: (لا سبيل لنا إلى الوصول إلى جلاله إلا بالوسائط، فالواجب علينا أن نتقرب إليه بتوسطات الروحانيات القريبة منه، وهم الروحانيون المقربون المقدسون عن المواد الجسمانية، وعن القوى الجسدانية، بل قد جبلوا على الطهارة، فنحن نتقرب إليهم ونتقرب بهم إليه،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 572)
فهم أربابنا وآلهتنا وشفعاؤنا عند رب الأرباب وإله الآلهة، فما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى … ).
قال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ في تيسير العزيز الحميد بعد أن ذكر قصة أصنام قوم نوح: (فتبين أن مبدأ الشرك بالصالحين هو الغلو فيهم، كما أن سبب الشرك بالنجوم هو الغلو فيها، واعتقاد النحوس فيها والسعود، ونحو ذلك. وهذا هو الغالب على الفلاسفة ونحوهم، كما أن ذلك هو الغالب على عباد القبور ونحوهم، وهو أصل عبادة الأصنام؛ فإنهم عظموا الأموات تعظيمًا مبتدعًا، فصوروا صورهم، وتبركوا بها، فآل الأمر إلى أن عبدت الصور، ومن (هي) صورته، وهذا أول شرك حدث في الأرض، وهو الذي أوحاه الشيطان إلى عباد القبور في هذه الأزمان؛ فإنه ألقى إليهم أن البناء على القبور والعكوف عليها من محبة الصالحين وتعظيمهم، وأن الدعاء عندها أرجى في الإجابة من الدعاء في المسجد الحرام والمساجد، فاعتادوها لذلك، فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى الدعاء به والإقسام على الله به).
وهذا الغلو له عدة أوجه، منها:
1 - بغية التبرك من الأشياء والأماكن المقدسة كما هو حال عبادة الأحجار بمكة؛ حيث إ نهم لما ظعنوا من مكة أخذوا أحجارًا من الحرم تبركًا وحنانًا إلى مكة، ولكن بعد مرور الزمن نسوا القصد فعبدوا هذه الأحجار.
2 - تلاعب الشيطان بكل قوم على قدر عقولهم؛ فطائفة دعاهم إلى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 573)