هوية الحق هو وجوده، ومن حيث اختلاف الصورة فيه هو أعيان الممكنات).
5 - ابن سبعين: ومن الأقوال الدالة على كونه من أصحاب وحدة الوجود ما يلي:
قوله: (فإن عرفته في كل شيء عين كل شيء لا الصورة المتعينة لم تجهله في صورة أصلاً).
6 - العفيف التلمساني ـ الفاجر ـ: والذي يدل على أنه كان من أصحاب وحدة الوجود:
ما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية ـ (مر التلمساني ومعه شخص بكلب، فركضه الآخر برجله، فقال: لا تركضه، فإنه منه).
7 - أبو الحسن الشاذلي: شيخ الطريقة الشاذلية المعروفة حيث قال:
(من أطاعني في كل شيء بهجرانه لكل شيء أطعته في كل شيء بأن أنجلي له في كل شيء حتى يراني أقرب إليه من كل شيء، هذه هي طريق أولى، وهي طريق السالكين، وطريق كبرى، من أطاعني في كل شيء، بإقباله على كل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 862)
شيء لحسن إرادة مولاه في كل شيء أطعته في كل شيء بأن أنجلي له في كل شيء حتى يراني كأني عين كل شيء).
8 - النابلسي الحنفي: حيث كان هو من أكثر الناس دفاعًا عن عقيدة وحدة الوجود.
ومما يدل عليه صراحة كتابه: (جواب عبد الغني)، وقد جاء فيه في تفسير قوله تعالى: (وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ). أي: الذين ألهاهم التكاثر، أي: التكاثر عن الوحدة، حتى زاروا المقابر، أي حتى ماتوا على كثرة أعيانهم ولم يرجعوا إلى العين الوحدة).
9 - التجاني: من أقواله في وحدة الوجود:
(كذلك صاحب اليقين سلبه الله صورة الغير والغيرية ولم يبق في حسه وشهوده وإدراكاته وذوقه إلا الحق محضًا سبحانه وتعالى من كل وجه وبكل اعتبار، كما قال بعض العارفين:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 863)
فلم يبق إلا الله لا شيء غيره … فما ثم موصول ولا ثم بائن
وقال أيضًا: (فكل عابد أوساجد لغير الله في الظاهر فما عبد ولا سجد إلا لله تعالى، لأنه هو المتجلي في تلك الألباس … ).
10 - أشرف علي التهانوي الديوبندي الحنفي الملقب عند أغلب الأحناف بحكيم الأمة: حيث قال نقلاً عن الشيخ إمداد الله: (قيل لموحد: إذا كان الحلوي والخرء شيئًا فكل الحلوى والخرء جميعاً، فجعل هذا الموحد شكله شكل الخنزير، فأكل الخرء، ثم حول نفسه من صورة الخنزير إلى صورة الآدمي، فأكل الحلوى).
فعلق عليه أشرف علي التهانوي بقوله: (إن هذه المعترض على هذا الموحد كان غبيًا، ولذلك تكلف هذا الموحد هذا التصرف، وإلا فالجواب ظاهر، وهو أن الحلوى والخرء متحدان في الحقيقة لا في الأحكام والآثار).
11 - الشيخ إمداد الله: إمام الديوبندية الحنفية وشيخهم الأول في التصوف: حيث قال: (أعجبني بعض الأمور الطيبة في الحرمين:
منها: عقيدة وحدة الوجود انتشرت كثيرًا في الناس وارتكزت فيهم حتى الأطفال … ).
نقول: لقد كان هذا ـ إن صح قوله ـ في عصر الظلمات قبل قيام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله بدعوته السلفية، نحمد الله عز وجل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 864)
الذي أزال عن هذه الديار تلك الخبائث والرذائل والشرك والكفر والبدع بمثل هذا المجدد، وأقرت عيون السلفية بدعوته المباركة.
12 - البريلوي: حيث زعم: أن الرسول صلى الله عليه وسلم جزء من نور الله، وأن الكون إنما هو من نوره صلى الله عليه وسلم، حتى وصل الأمر إلى كون المخلوق جزءًا من الخالق. أقول: وليس هذا إلا عقيدة وحدة الوجود.
فهذه نماذج من شرك المتصوفة بتعطيل الصانع عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد.
وهو اسم لثلاثة فروع:
1 - الحلول: وقد سبق الرد عليه عند الرد على الجهمية الحلولية.
2 - الاتحاد الخاص: وسيكون الكلام في الرد عليه في النوع الثاني.
3 - وحدة الوجود أو الاتحاد العام: وسيرد على هذا الاعتقاد في الفرع الثالث.
فإن قيل: ما وجه ذكر هؤلاء المتصوفة في العصر الحاضر، وقد ماتوا وفاتوا وبادوا؟
يقال: لا عبرة بكونهم قد مضوا، بل العبرة بوجود أفكارهم بعد موتهم أيضًا: فهؤلاء الذين ذكرتهم الآن ـ وسيأتي ذكر الآخرين منهم ـ إنما ذكرتهم لسببين اثنين:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 865)
الأول: إن أفكار هؤلاء الأساطين موجودة برمتها عند المتصوفة بدون أي تعديل، بل ربما تطورت إلى أودية وشعاب.
الثاني: إن هؤلاء المشايخ هم مشايخ التصوف في القديم، ومشايخ التصوف في الحاضر، فما من متصوف إلا وهو يبجل هؤلاء المذكورين، ويذكرهم بأنهم أولياء الله، فلينظر العاقل إلى نفسه، بأنه لو كان الأمر في المشايخ والأساطين هكذا ـ بأنهم مبتلون بالشرك بالله، فما بال أتباعهم؟ .
الفرع الثاني: الاتحاديون، والردود عليهم:
أما الاتحاد فيمكن أن يجاب عنه بما يلي:
1 - قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ: (الخالق والمخلوق إذا اتحدا، فإن كانا بعد الاتحاد اثنين ـ كما كان قبل الاتحاد ـ فذلك تعدد وليس اتحاد، وإن كانا استحالا إلى شيء ثالث كما يتحد الماء واللبن والنار والحديد … لزم من ذلك أن يكون الخالق قد استحال وتبدلت حقيقته كسائر ما يتحد مع غيره فإنه لابد أن يستحيل، وهذا ممتنع على الله تعالى منزه عنه، لأن الاستحالة تقتضي عدم ما كان موجودًا، والرب تعالى واجب الوجود بذاته، وصفاته اللازمة له صفات كمال، فعدم شيء منها نقص يتعالى الله عنه، ولأن اتحاد المخلوق بالخالق يقتضي أن العبد متصف بالصفات القديمة اللازمة لذات الرب، وذلك ممتنع على العبد المحدَث المخلوق، فإن العبد يلزمه الحدوث والافتقار والذل، والرب تعالى يلازمه القدم والغنى والعزة، وهو ـ سبحانه ـ قديم غني عزيز يستحيل عليه نقيض ذلك، فاتحاد أحدهما بالآخر: يقتضي أن يكون الرب متصفًا بنقيض صفاته من الحدوث والفقر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 866)
والذل، والعبد متصفًا بنقيض صفاته من القدم والغنى الذاتي، وكل ذلك ممتنع).
2 - أن يقال في الرد عليهم: إن هذا القول ليس له دليل من الشرع ولا مستند من العقل، بل هذه عقيدة دخيلة في الإسلام من الديانة الهندوسية والديانة النصرانية، وكفى كون هذه العقيدة من هاتين الديانتين أن تكون باطلة.
الفرع الثالث: أصحاب وحدة الوجود:
سبق معنا بيان المقصود بأصحاب وحدة الوجود، بأنه لم يذهب إلى هذا المذهب إلا بعض المتصوفة. وفيما يلي بعض الردود على أفكارهم وآرائهم.
1 - إن هذا الاعتقاد من الاعتقادات الدخيلة في الإسلام، حيث إنه لا دليل له من الشرع ولا مستند له من العقل، وإنما يوجد مثل هذا الاعتقاد في الديانة الهندوسية، وبعض الديانات المنحرفة.
2 - وقد ناقش شيخ الإسلام هذا المذهب وبين أنه يقوم على أصلين هما:
أ- أن المعدوم ثابت في العدم.
ب- وجود الأعيان نفس وجود الحق.
أما الأصل الأول: فقد نشأ عند ابن عربي من علم الله الأشياء قبل إيجادها، فرأى أنها لابد أن تكون ثابتة في العدم، وإلا لما علمت وتعلق بها العلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 867)
وهذه شبهة واهية، لأن علم الله الشيء لا يستلزم ثبوته في العدم، فالإنسان يعلم الموجود والمعدوم الممكن والمعدوم المستيحل … فهذه أمور نتصورها نوع تصور، ولا يكون لها ثبوت في الخارج، فثبوت الشيء في العلم والتقدير ليس ثبوتًا لعينه في الخارج … والذي عليه أهل السنة والجماعة وعامة عقلاء بني آدم من جميع الأصناف، أن المعدوم ليس في نفسه شيئًا، وأن ثبوته ووجوده وحصوله شيء واحد.
وأما الأصل الثاني: وهو قولهم: إن وجود الأعيان نفس وجود الحق وعينه، فقد ذكر شيخ الإسلام: أن هذا الأصل انفردا به عن جميع مثبتة الصانع من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس والمشركين، وأن هذا هو حقيقة قول فرعون والقرامطة المنكرين لوجود الصانع.
فمن فهم هذا فهم جميع كلام ابن عربي نظمه ونثره وما يدعيه من أن الحق يغتذي بالخلق، لأن وجود الأعيان معتمد بالأعيان الثابتة في العدم، ولهذا يقول بالجمع من حيث الوجود، وبالفرق من حيث الماهية والأعيان، ويزعم أن هذا هو سر القدر، لأن الماهيات لا تقبل إلا ما هو ثابت لها في العدم في أنفسها فهي التي أحسنت وأساءت، وحمدت وذمت، والحق لم يعطها شيئًا إلا ما كانت عليه في حال العدم.
فكلامه تضمن شيئين:
إنكار وجود الحق.
وإنكار خلقه لمخلوقاته.
فهو منكر للرب الذي خلق فلا يقر برب ولا بخلق، ومنكر لرب العالمين،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 868)
فلا رب ولا عالمون مربوبون، إذ ليس إلا أعيان ثابتة ووجودها قائم بها، فلا الأعيان مربوبة ولا الوجود مربوب، ولا الأعيان مخلوقة، ولا الوجود مخلوق، وهو يفرق بين المظاهر والظاهر والمجلي والمتجلي، لأن المظاهر عنده هي الأعيان الثابتة في العدم، وأما الظاهر فهو وجود الخلق.
وقد أبطل شيخ الإسلام هذا الأصل بقوله: هذه الأعيان المعدومة الثابتة في العدم هل خلقها الله وجعلها موجودة بعد أن كانت معدومة؟ أم لم يخلقها فلا تزال معدومة؟
فإن كان الأول: امتنع أن تكون هي إياه، لأن الله لم يكن معدومًا فيوجد.
وإن كان الثاني: وجب أن لا يكون شيء لم يكن موجودًا وهذا تبطله المشاهدة والعقل والشرع، ولا يقوله عاقل، ولا يقبله عقل.
وأما قولهم: ظهر الحق وتجلى، وهذه مظاهر الحق ومجاليه، وهذا مظهر إلهي ومجلي إلهي، فقال شيخ الإسلام: أتعني به أن عين ذاته حصلت هناك؟ أو تعني أنه صار ظاهرًا متجليًا لها بحيث تعلمه؟ أو تعني أنه ظهر لخلقه بها وتجلى بها؟
فإن عنيت الأول: فهو باطل، فقد صرحت بأن عين المخلوقات ـ حتى النجاسة منها ـ هي ذات الله أو هي وذات الله متحدتان، أو ذات الله حالة فيها، وهذا الكفر أعظم من كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم، وأن الله ثالث ثلاثة، وأن الله يلد ويولد، وأن له بنين وبنات.
وإن عنيت أنه صار ظاهرًا متجليًا لها، فهذا حقيقة أمر صار معلومًا لها، ولا ريب أن الله يصير معروفًا لعبده لكن كلامك في هذا باطل من وجهين:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 869)
1 - إنك جعلته معلومًا للمعدومات التي لا وجود لها لكونه قد علمها، واعتقدت أنها إذا كانت معلومة يجوز أن تصير عالمة، وهذا عين الباطل.
2 - إنه إذا علم أن الشيء سيكون، لم يجز أن يكون هذا قبل وجوده عالمًا قادرًا فاعلاً، وأن هذا ليس حكم جميع الكائنات المعلومة، بل بعضها هو الذي يصبح منه العلم.
وأما إن قلت: إن الله يعلم بها لكونها آيات دالة عليها، فهذا حق، لكنك لم تقل هذا الوجهين:
1 - إنها لا تصير آيات إلا بعد أن يخلقها ويجعلها موجودة، لا في حال كونها معدومة معلومة، وأنت لم تثبت أنه خلقها ولا جعلها موجودة، ولا أنه أعطي شيئًا خلقه، بل جعلت نفسه هو هي المتجلية لها.
2 - إنك قد صرحت بأنه تجلى لها وظهر لها، لا أنه دل بها خلقه وجعلها آيات تكون تبصرة، والله قد أخبر في كتابه أنه يجعل في هذه المصنوعات آيات ..
وإذا كان عندهم أن المرئي بالعين هو الله، فهذا كفر صريح باتفاق المسلمين، ولا سيما إذا قيل: ظهر فيها وتجلى، فإن اللفظ يصير مشتركًا بين أن تكون ذاته فيها أو تكون قد صارت بمنزلة المرآة التي يظهر فيها مثال المرئي، وكلاهما باطل، فإن ذات الله ليس في المخلوقات، ولا نفس ذاته ترى في المخلوقات كما يرى المرئي في المرآة.
ولكن ظهورها: دلالتها عليه شهادتها له، وأنها آيات له على نفسه وصفاته سبحانه وتعالى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 870)
ويقول في معرض رده على القائلين بأن الوجود واحد بمعنى: أن الموجودات اشتركت في مسمى الموجود: ( … فهذا صحيح، لكن الموجودات المشتركات في مسمى الواحد لا يكون وجود هذا عين وجود هذا، بل هذا اشتراك في الاسم العام الكلي، كالاشتراك في الأسماء التي يسميها النحاة اسم الجنس ويقسمها المنطقيون إلى جنس ونوع وفصل وخاصة وعرض عام. فالاشتراك في هذه الأسماء: هو مستلزم لتبائن الأعيان، وكون أحد المشتركين ليس هو الآخر، وهذا ما يعلم به أن وجود الحق مباين لوجود المخلوقات، فإنه أعظم من مباينة هذا الموجود لهذا الموجود، فإذا كان وجود الفلك مباينًا مخالفًا لوجود الذرة والبغوضة، فوجود الحق تعالى أعظم مباينة لوجود كل مخلوق … فإن الوحدة المعينة الشخصية تمتنع في الشيئين المتعددين، ولكن الوجود واحد في نوع الوجود بمعنى أن اسم الموجود عام يتناول كل واحد، كما أن اسم الجسم والإنسان ونحوهما يتناول كل جسم وكل إنسان، وهذا الجسم ليس هو ذاك، وهذا الإنسان ليس هو ذاك، وكذلك هذا الموجود ليس هو ذاك).
وقال: (ولهذا اتفق أئمة المسلمين على أن الخالق بائن من مخلوقاته ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، بل الرب رب والعبد عبد (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 871)
فهذه بعض الردود على القائلين بوحدة الوجود، والأمر لا يحتاج إلى كثرة الردود، بل تصور حقيقة مذهب هؤلاء كافٍ في إدراك بطلانه وسخافته.
ولكن هل يوجد لديهم أي شبة يتشبثون بها؟ نعم، قد وجد عندهم بعض الشبه، حيث استندوا على آرائهم الفاسدة ببعض النصوص الشرعية.
بعض منها صحيحة، ولكن الاستدلال بها باطل، وبعض منها باطلة من أساسها.
أهم الشبه التي يستند إليها أصحاب وحدة الوجود:
الشبهة الأولى: تشبثهم بالحديث الذي فيه (أن الله يجمع الناس ويظهر لهم فينكرونه، ويظهر لكل أمة بصورة لا تعرفها فتنكره، فيعود فيظهر لكل أمة بالصورة التي عبدوه عليها في الأرض فيسجد الكل … ).
هكذا ذكروه كأنه لفظ الحديث، واستدلوا به على وحدة الوجود، على أنه يظهر لكل عابد على صورة معبوده في الدنيا، لأنه ما عبد إلا هو.
قبل الرد على الاستدلال يقال لهم: إن لفظ الحديث لا يدل على ما تقولونه، فإن النص الوارد في الحديث كالتالي:
(عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال ناس: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: ((هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ )) قالوا: لا يا رسول الله. قال: ((فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك، يجمع الله الناس فيقول: من كان يعبد شيئًا ليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 872)
وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفونها فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه ويضرب جسر جهنم)) … ).
فهذا هو الحديث الصحيح الذي أرادوا أن يتصيدوا منه الدليل على قولهم الفاسد.
وللرد عليهم على استدلالهم أقول:
1 - أين فيه: أنه تعالى يظهر لكل أمة بالصورة التي عبدوه عليها؟ .
2 - يثبت الحديث: أن هذا التجلي لن يكون إلا في الآخرة، وهؤلاء يدينون بتلبسه بالصور في الدنيا.
3 - يدين هؤلاء: أن الله يتجلى لكل أحد بحسب اعتقاده، فإذا اعتقد في صنم أو كوكب أو عجل تجلى له في صورة معتقده، أما إذا تجلى له في صورة أخرى أنكره، أما العارف المطلق فإنه يعرف الله ـ في زعمهم ـ في كل صورة يظهر بها؛ لأنه يعتقد أن الرب عين كل شيء، هذا في حين يبين الحديث أن المؤمنين أنكروه في صورته الأولى، وعرفوه في صورته الثانية، وهؤلاء هم الرسل والأولياء، وهم ـ باعتراف هؤلاء ـ أكمل العارفين، وهم لم يعرفوه إلا في صورة واحدة، وهذا ينسف أصل دعواهم: وهو أن العارف من يعرف الله في كل صورة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 873)
4 - يزعم الاتحادية: أن الله عين كل شيء، والحديث يثبت وجود قوم مؤمنين، وكافرين ومنافقين، فإذا أخذنا بفكر المتصوفة كان ربهم هو الكافر والمنافق وغير ذلك؛ لأنه عندهم عين كل شيء، وبطلان هذا الفكر واضح جلي.
5 - يثبت الحديث: أن الله سبحانه لن يتجلى إلا في صورة واحدة في كل مرة من المرتين الأولى والثانية، وأما هؤلاء فيدينون بتجلي ربهم فيما لا يتناهى من الصور المتباينة في آن واحد.
6 - لم يبين الحديث كُنه الصورة الأولى، أما الصورة الثانية فعرَّفها الحديث بأنها هي التي رأوه فيها أول مرة، وهذا ينقض قول الحلولية بأنه يظهر لكل أحد في صورة معتقده، كما يبطل قول أهل الوحدة بأن ربهم عين كل شيء.
7 - ما لهؤلاء القوم يستشهدون بما لا يؤمنون به؟ فإنهم يزعمون أنهم يأخذون عن الله مباشرة، ويستنكفون أن يعملوا بالشريعة التي جاء بها رسل الله.
الشبهة الثانية:
استدلالهم بقوله عليه السلام: (( … كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يسعى بها … )).
يقول ابن عربي: (فذكر أن هويته هي عين الجوارح التي هي عين العبد، فالهوية واحدة والجوارح مختلفة).
يقال في الرد عليهم: إن هذا الحديث في الواقع حجة عليهم لا لهم، وذلك من وجوه:
منها:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 874)
1 - إن قوله: ((من عادى لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة)) فأثبت معاديًا محاربًا، ووليًا غير المعادي.
2 - قوله: ((وما تقرب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه)) فأثبت عبدًا متقربًا إلى ربه، وربًا افترض عليه فرائضه.
3 - قوله: ((ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه)) فأثبت متقرِبًا ومتقرَبًا إليه، ومحبًا ومحبوباً غيره.
4 - قوله: ((لئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه))، فأثبت سائلاً ومسئولاً غيره، ومستعيذاً ومستعاذًا به غيره، وهذا كله ينقض قولهم: الوجود واحد.
والحديث حق، وظاهره على أن الولي لكمال طاعته لله ومحبته له، يبقى عمله لله، فما يسمعه مما يحبه الحق أحبه، وما يسمعه مما يبغض الحق أبغضه، وما يراه مما يحبه أحبه، وما يراه مما يبغضه أبغضه، فيبقى محبوب الحق محبوبه، ومكروه الحق مكروهه، ومأمور الحق مأموره، وولي الحق وليه، وعدو الحق عدوه.
وعلى الأوجه كلها لا متمسك فيه للاتحادية، ولا القائلين بالوحدة.
الشبهة الثالثة:
استدلالهم بقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 875)
يقول النابلسي: (فقد أخبر تعالى: أن نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم هو الله تعالى وتقدس، وبيعته وبيعة الله ويده التي مدت للبيعة هي يد الله تعالى، كما سمعت من الآية الشريفة).
يقال في الرد على هذه الشبهة كما قال شيخ الإسلام: (إن قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ) لم يرد بك أنك أنت الله، وإنما أراد أنك أنت رسول الله ومبلغ أمره ونهيه، فمن بايع فقد بايع الله، كما أن من أطاعك فقد أطاع الله، ولم يرد بذلك أن الرسول هو الله، ولكن الرسول أمر بما أمر الله به فمن أطاعه فقد أطاع الله، … ومن ظن في قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ) أن المراد به أن فعلك هو فعل الله، أو المراد: أن الله حال فيك ونحو ذلك فهو مع جهله وضلاله ـ بل كفره وإلحاده ـ فقد سلب الرسول خاصيته وجعله مثل غيره، وذلك؛ أنه لو كان المراد به أنه خالق لفعلك لكان هناك قدر مشترك بينه وبين سائر الخلق، وكان من بايع أبا جهل فقد بايع الله، ومن بايع مسيلمة فقد بايع الله، … وعلى هذا التقدير: فالمبايع هو الله أيضًا فيكون الله قد بايع الله! ).
فهذه بعض الشبهات التي يستندون إليها في الشرك بالله جل شأنه في الربوبية بتعطيل معاملة الصانع عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد.
بقي أن نجيب على شبهة كبرى للبريلوية، وهي:
الشبهة الرابعة:
أن الرسول صلى الله عليه وسلم نور وليس ببشر، وأنه مخلوق من نور الله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 876)
هذه الشبهة مكونة من جانبين:
أولاً: ادعاؤهم أن النبي صلى الله عليه وسلم نور.
ثانيًا: ادعاؤهم أنه جزء من نور الله، وجميع الخلائق من نور محمد صلى الله عليه وسلم.
أما الجانب الأول: فهو قولهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم نور، وأنه لا يوجد له ظل لكونه نورًا، وأنه جاء متنقلاً من أصلاب آبائهم من آدم إلى عبد الله بن عبد المطلب، فهذا القول قد قال به كثير من المتصوفة، قديمًا وحديثًا.
ومعلوم أن هذا القول من الأقوال المبتدعة ونتيجة للغلو، ومخالفة لصريح القرآن والسنة، والكلام على هذا الموضوع سيكون في غير هذا الموضع.
وأما الجانب الثاني: وهو قولهم: إن محمدًا صلى الله عليه وسلم جزء من نور الله، وأن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 877)
جميع الكائنات من نوره، فهذه هي العقيدة الاتحادية التي نحن بصدد ذكرها وردها.
وفيما يلي بيان القائلين بهذا القول والردود المقنعة عليها، بمشيئة الله.
ممن قال بذلك من المتصوفة:
ابن عربي الحاتمي، وعبد الكريم الجيلي، وأبو الحسن بن عبد الله البكري، والبريلوي، ومحمد عثمان عبده البرهاني، والملا علي القاري.
فالنبي صلى الله عليه وسلم عند هؤلاء الغلاة خلق من نور الله تعالى، ثم خلق من نور النبي صلى الله عليه وسلم بقية المخلوقات، فهذا الذي ذهبوا إليه من خلق العالم أو صدوره عن ذات الله تعالى يفسر لنا ما ذهب إليه هؤلاء من القول بوحدة الوجود.
الردود على هذا القول:
1 - إن ما ذهبوا إليه لم يكن وليد أفكارهم، إنما كان مستمدًا من مصادر فلسفية قديمة تأثروا بها ونقلوها إلى المسلمين، وما زال تأثيرها إلى وقتنا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 878)
الحاضر.
2 - إن هذا القول من معتقدات النصارى في عيسى عليه السلام.
3 - إن هذا القول مما تأثر به المتصوفة من الشيعة؛ حيث ترى الشيعة أكثر الناس مشتغلين بالنور وادعائه في أئمتهم.
4 - إن هذا القول ليس له أي مستند صحيح من النقل ولا دليل صريح من العقل.
شبهات وجوابها:
من الشبهات التي يتشبثون بها في هذا الباب:
استدلالهم ببعض الأحاديث المنسوبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، من ذلك ما يلي:
1 - استدلال هؤلاء الغلاة على قولهم هذا بالحديث المنسوب إلى جابر ابن عبد الله الأنصاري في مواضع متفرقة من كتبهم، ناسبًا تخريجه إلى عبد الرازق الصنعاني في المصنف له، فبعضهم يذكره في بضعة أسطر، وبعضهم في بضع صفحات، وفيما يلي أشمل نص وجد من هذه الروايات الموهومة:
(عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أخبرني عن أول شيء خلقه الله قبل الأشياء؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره، فجعل ذلك النور يدور في القدر حيث شاء الله،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 879)
ولم يكن في ذلك لوح ولا قلم، ولا جنة ولا نار، ولا ملك ولا سماء ولا أرض، ولا شمس ولا قمر، ولا جني ولا إنسي، فلما أراد أن يخلق الخلق، قسم ذلك النور أربعة أجزاء:
1 - فخلق من الجزء الأول: القلم.
2 - ومن الثاني: اللوح.
3 - ومن الثالث: الجنة والنار.
4 - ثم قسم الرابع أربعة أجزاء:
أ- فخلق من الأول: نور أبصار المؤمنين.
ب- ومن الثاني: نور قلوبهم ـ وهو المعرفة بالله ـ.
ج- ومن الثالث: نور أنسهم ـ وهو التوحيد ـ لا إله إلا الله، محمد رسول الله … الحديث).
فهذا الحديث الذي تم نقله الآن فيه قوله: (من نوره)، وهو يدل على أن محمدًا صلى الله عليه وسلم خلق من نور الله.
الردود على هذه الرواية:
لنا على هذه الرواية بحثان من حيث الرواية، ومن حيث 3 الدراية.
أما من حيث الرواية:
فأقدم من رأيت من نسبه إلى مخرج هو القسطلاني، حيث قال: (وروى عبد الرازق بسنده). ولكنه لم يصرح في أي كتاب خرجه بالسند.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 880)
ثم جاء الزرقاني في شرحه للمواهب اللدنية، فنسبه إلى عبد الرزاق في مصنفه، وزاد عليه تخريجًا آخر، فقال: (ولم يذكر الرابع من هذا الجزء، فليراجع من مصنف عبد الرزاق مع تمام الحديث، وقد رواه البيهقي ببعض مخالفة).
هكذا قال الزرقاني، ولكن ما وجدنا في المصنف بعد طول البحث والتنقيب أي حديث يشبهه ـ فضلاً أن يكون هذا موجودًا فيه ـ. فظننت لعل عبد الرزاق أخرجه في تفسيره، فبحثت عنه في تفسيره فلم أجده.
ثم رأيت شيخ الطريقة البرهانية قد أحال تخريجه إلى كتاب جنة الخلد ونسبه إلى عبد الرزاق، وقد بحثت عن هذا الكتاب لعلي أطلع على سند الحديث، ولكن دون جدوى فلم أعثر له على أثر، بل لم أقف على من نسب مثل هذا الكتاب لعبد الرزاق، وكذلك بحثت عن كتب عبد الرزاق الأخرى أيضًا فلم أجد له أثرًا، وقد بحثه غيري أيضًا في مصنفات عبد الرزاق فلم يعثر عليه.
بل قد شهد شاهد من القوم على براءة عبد الرزاق من هذا الحديث. وهو عبد الله بن الصديق الغماري ـ الذي وصفه العلوي المالكي بأنه محدث الدنيا! ! ! ـ حيث قال عبد الله بن الصديق الغماري: معلقًا على قول السيوطي في الحاوي على هذا الحديث: (إنه غير ثابت):
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 881)