الثاني: التبرك الممنوع. وهو التبرك الذي لم يرد الشرع بجوازه، أو ورد الشرع بخلافه.
وله نوعان:
أ- التبرك الشركي: وهو ما كان فيه طلب الخير والنماء من غير الله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، أو أن يعتقد المتبرِّك، أن المتبرَّك به غير الله تعالى يعطي الخير والنماء فوق الأسباب العادية.
وهذا النوع من التبرك يرجع إلى عقيدة التصرف في الكون لغير الله سبحانه وتعالى. ومن المظاهر في العصر الحديث: ما يقولون: إن فلانًا لمبارك، أو الشيخ فلان مبارك، أو أن القبر الفلاني يتبرك به، أو مثل هذا الكلام الذي يدور بين المتصوفة في مشايخهم وأوليائهم. بل ترى بعضهم يسافرون إلى بغداد أو أجمير أو دلهى طلبًا للبركة من قبر أوليائهم ومشايخهم.
ب- التبرك البدعي: وهو ما لم يكن فيه طلب الخير والنماء من غير الله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله، بل كان فيه طلب الخير والنماء من الله، ولكن بواسطة شيء لم يرد به الكتاب السنة. كطلب البركة من الله بواسطة غلاف الكعبة، أو طلب البركة من الله بواسطة استلام الحجرة النبوية، ونحوها، أو طلب البركة من الله تعالى بواسطة تمر المدينة النبوية، ونحوها مما هو معروف.
وهذا التبرك البدعي ربما يتطور حتى يكون شركًا في العبادة، وذلك إذا صرفوا لها بعض العبادات بسبب المبالغة في تعظيمهم والافتتان بها.
والتبرك الذي أردنا إيراده هاهنا هو التبرك الشركي، إذ هو لا شك في كونه من الشرك بالله عز وجل في قدرته الكاملة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 941)
الفرع الخامس: الشرك في الربوبية بالأنداد في صفة القدرة الكاملة لغير الله لدى أصحاب الروحية الحديثة:
وذلك؛ لأنهم يعتقدون في الأرواح بأنها تحل لهم جميع المشاكل، وقد سبق بيان مذهبهم في ذلك في المبحث الأول، ومما يشكل عليهم أو يتشبثون به من الشبه ما يلي:
قولهم: إن هذه الأرواح في أغلب الأحيان تعطينا حلولاً كافيةً لمشكلاتنا، فالأرواح عندها القدرة الكاملة على حلول المشكلات؛ كإشفاء المريض، وإلا من أين يحصل لنا هذه الأمور؟
إن هذا المذهب ألصق بالمطلب الذي بعده، فإن هؤلاء يرون أن هذه الأرواح يعلمون الغيب، وما هذه التصرفات إلا لعلمهم الغيب ومعرفتهم بحقيقة الأمور، ولهذا فإننا نؤجل الرد عليهم إلى المطلب الثاني ـ عند بيان الشرك في الربوبية بالأنداد في صفة العلم المحيط بكل شيء ـ، وإنما يرد عليهم هنا على قولهم بمقدرة هذه الأرواح على حل المشاكل وتوصيف أشياء من الطب وما يتبع ذلك.
فنقول في الرد عليهم:
أ- إن ادعاء وجود الحلول الكافية لدى هؤلاء فيه شرك بالله في قدرته الكاملة، وليس هناك أي دليل لهم على ذلك، بل هي مجرد دعوى، بل بعضهم ربما يحل الشيطان بعض المشاكل لما عنده من الحيل لتنفيذ خططه، سواء كان بسرقة أو باستعانة الشياطين الأخر، وربما يسرق أموال الغير ليرضي
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 942)
بها صاحبه، كما ذكره شيخ الإسلام في بعض مصنفاته.
وأما ما يذكرون بأنهم يصفون الوصفة الطيبة فيشفون بهذه الأدوية فلا تمنع أن يكون من الجنات لديهم بعض المعرفة بالطب، ثم ليس هذا مطردًا في جميع المرضى، بل قد يكون بعضهم وصف لهم بعض الأدوية ولكنه ما شفي بهذا، والواقع خير دليل على هذا.
الفرع السادس: مظاهر الشرك في الربوبية بالأنداد لدى بعض الناس ادعاء إثبات صفة القدرة الكاملة الثابتة لله تعالى لغيره سبحانه بالتمائم والرقى ولبس الخيط والحلقة ونحوها:
لقد سبق الكلام على مسألة التمائم والرقى ولبس الخيط والحلقة متى تكون هذه الأشياء شركًا بالله جل شأنه ومتى لا؟ وما هي الأدلة الدالة على عدها من الشرك؟ . وهنا نشير إلى أن هذه الظاهرة موجودة بصفة عامة في أغلب العالم الإسلامي في الوقت الحاضر، وأغلب من يستعمل هذه التمائم والرقى ويلبسون الخيط والحلقة يعتقدون فيها النفع والضر لذاتها، وبهذا يقعون في الشرك في الربوبية في قدرته الكاملة.
أما إن لم يعتقدوا فيها إلا على كونها من باب الالتفات إلى الأسباب فهذا شرك أصغر.
الفرع السابع: مظاهر الشرك في الربوبية بالأنداد في صفة القدرة الكاملة لدى السحرة والكهان:
لقد سبق معنا بيان حكم السحر والكهانة والتنجيم، بأنها تكون من
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 943)
الشرك بالله جل وعلا في الربوبية من جهتين:
من جهة إثبات القدرة الكاملة للسحرة والكهنة والمنجمين.
ومن جهة إثبات العلم الشامل المحيط بالمغيبات لهم.
كما سبق معنا بيان كونها من الشرك بالله في العبادة إذا صرف لهم أو لشياطينهم أي أنواع من العبادة.
هنا أريد أن أنبه على أن هؤلاء السحرة والكهنة والمنجمين لهم وجود في جميع الدنيا بشكل عام، وهؤلاء عندهم نفس أنواع الشرك الذي سبق أن تكلمنا عليها عندما بينا أنواع الشرك في الجاهلية لدى العرب.
إن هذه الخصلة من الخصال الموجودة في زماننا هذا عند من يدعون الولاية، فإن منهم من يتعاطى الأعمال السحرية من إمساك الحيات، وضرب السلاح، والدخول في النيران، ونحوها، ويزعم أنها من الكرامات التي تجري على أيدي الصالحين، نتيجة للجهد والسهر والرياضيات.
وهذا أكثر ما يوجد في المتصوفة، بل لك أن تقول: إن التصوف والسحر قرينان، يدل على ذلك أمران:
أحدهما: أن أئمة السحر هم أئمة المتصوفة، فإن جابر بن حيان كبير السحرة، والحلاج الزنديق أكبر منه، وهكذا ابن عربي الملحد وغيرهم من المتصوفة كانوا من السحرة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 944)
ثانيهما: أن من علوم المتصوفة علم الطلسمات، وعلم الحرف، والسيمياء، وهي من علوم السحر.
كما أن الرافضة لا يبعدون كثيرًا عن المتصوفة في هذا الأمر، وذلك أن لهم عناية بالطلاسم واعتقادًا فيها.
كما أن من الناس من يتخذ مهنة السحر وسيلة من وسائل العيش بها، مدعيًا أن ذلك من الطب ونحوه، ومنهم من يتخذ مهنة السحر للإضرار بعباد الله، فتارة يمرضون به وتارة يقتلون، وتارة يفرقون بين المرء وزوجه. وهذا موجود بكثرة.
ومن صور وجود هذه الخصلة: حفلات الزار التي تقام في بعض البلاد، ويذبح من أجلها للشياطين، وينذر لهم.
ومن ذلك ما يسمى بـ (ألعاب السيرك) التي تعتمد في غالبها على السحر.
فهذا بعض ما يدل على وجود هذه الخصلة في هذا العصر.
الفرع الثامن: مظاهر الشرك في الربوبية بالأنداد في صفة القدرة الكاملة لدى المتطيرين والعائفين:
سبق معنا بيان الطيرة والطيرة ووجودهما في الجاهلية، كما تكلمنا في
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 945)
كونها شركًا بالله جل وعلا في الربوبية في صفة القدرة الكاملة لله جل شأنه.
وهنا سيكون الكلام على وجود هذه الخصال في العصر الحاضر، فأقول: هذه الخصلة ما زالت موجودة إلى يومنا هذا، ففي بعض المجتمعات التي يغلب فيها الجهل، لا تزال العيافة موجودة بينهم، فهم يتعيفون من كثير من الطيور، وخاصة البوم، فهم يعتقدون أن هذا الطائر إذا وقع على دار أحدهم، فإنما تنعي إليه نفسه، أو أحد أفراد عائلته.
كما أن كثيرًا منهم يتعيف بالغراب، فإذا قابله أول النهار، اعتقد أن مكروهًا يصيبه.
وهكذا ترى الطيرة موجودة إلى يومنا هذا بشكل أوسع، ولها صور كثيرة، منها:
التشاؤم ببعض الأشخاص ذوي العيب؛ كالأعور والأحول والأعرج، وببعض الأشجار؛ كالأشجار المتجرة عن أغصانها، وببعض الأرقام؛ كرقم (13) عند النصارى، ورقم (10) عند الروافض، ورقم (7) عند أهل البادية، وببعض الأصوات، كصوت الغراب والبومة، وبالمقص إذا كان مفتوحًا، وبتقليم الأظافر ليلاً، وبالاغتسال ليلاً بقصد النظافة، وبالضحك الكثير، وبتسمية الأبناء باسم الآباء وهم أحياء، وبمشاهدة ما يسوء أول النهار كحادث مثلاً، أو بمشاهدة بغيض كعدو ونحوه، وبحكة رجل، ورفة العين اليسرى،
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 946)
وببعض الأولاد، وخاصة البنات، وببعض الشهور كصفر وشوال، وببعض الأيام كيوم الجمعة، وبالعطاس، وبالكنس بمكنسة جديدة قبل تقليم أطرافها. وببعض الألوان كالأسود والأزرق، وبشرب الماء عند اصفرار الشمس، وبالعزم على كتابة الوصية، أو الندم على ما وقع منه من ظلامة للناس، ومحاولة التحلل منه، ورد ظلامتهم إليهم، وبذكر العقرب والحية، وغير ذلك من الهوام. فهذه الأمثلة تدل دلالة واضحة على أن هذه الخصلة ما زالت موجودة في هذا العصر.
ولكن متى تكون الطيرة شركًا بالله في الربوبية، ومتى تكون شركًا أصغر؟
إذا اعتقد في المتطير به أن فيه قدرة على جلب النفع أو دفع الضر، فإنه حينئذ يكون من الشرك في الربوبية في القدرة الكاملة. قال في شرح السنن: (وإنما جعل الطيرة من الشرك لأنهم كانوا يعتقدون أن الطيرة تجلب لهم نفعًا أو تدفع عنهم ضرًا إذا عملوا بموجبها، فكأنهم أشركوا مع الله تعالى).
وأما إذا كان مجرد التفات إلى الأسباب فحينئذ تعد من الشرك الأصغر. لأنه (اعتمد على هذا السبب الذي لم يجعله الله سببًا، وهذا يضعف التوكل
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 947)
على الله، ويوهن العزيمة وبذلك يعتبر شركًا من هذه الناحية، والقاعدة: أن كل إنسان اعتمد على سبب لم يجعله الشرك سببًا فإنه مشرك).
فهذه بعض أنواع الشرك بالله جل شأنه في الربوبية في صفته القدرة الكاملة في العصر الحاضر.
وفيما يلي بيان بعض أنواع الشرك بالله جل وعلا في صفته العلم الشامل المحيط في العصر الحاضر.
المطلب الثاني: الشرك بالله جل وعلا في الربوبية في صفته العلم المحيط ومظاهره في العصر الحديث
لقد وقع في هذا النوع من الشرك عدة فرق ونحل في العصر الحاضر. وفيما يلي بيان أبرز من وقع في هذا النوع من الشرك من الفرق والنحل مع الردود على شبهاتها ـ بمشيئة الله ـ في الفروع التالية:
الفرع الأول: مظاهر الشرك بالله جل شأنه في الربوبية في صفته العلم المحيط لدى الشيعة:
الشيعة ترى أن أئمتهم يعلمون المغيبات، ولعل الشيعة هم أول من قالوا بمثل هذا القول في الإسلام، فلهم السبق في هذا الميدان كالميادين الأخرى … حيث يرون أن أئمتهم فوق البشر، وفوق الأنبياء والرسل، بل آلهة يعلمون أعمار الناس وآجالهم، ولا يخفى عليهم خافية، ويملكون الدنيا كلها، ويغلبون على جميع الخلق، ويرتعد الكون من هيبتهم وشدة بأسهم، يدين لهم الملائكة كما دان لهم الأنبياء والرسل، ولا يضاهيهم أحد. وفيما يلي جملة من النصوص من كتب الشيعة تدل على هذا الاعتقاد.
1 - يروى في الكافي تحت باب: (إن الأئمة إذا شاءوا أن يعلموا علموا):
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 948)
عن جعفر أنه قال: إن الإمام إذا شاء أن يعلم علم.
2 - وروي تحت باب: (إن الأئمة يعلمون متى يموتون وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم): عن جعفر بن الباقر أنه قال: (أي إمام لا يعلم ما يغيبه وإلى ما يصير، فليس ذلك بحجة الله على خلقه).
فهذه بعض النصوص الدالة على اعتقادهم تجاه أئمتهم بأنهم يعلمون المغيبات، بل لو سألت أي شيعيّ في هذا العصر تراه يجيب بمثل هذا الجواب، ما لم يتلبس بالتقية ـ النفاق ـ.
وهؤلاء في اعتقادهم هذا لم يستندوا لا من الكتاب ولا من السنة، وإنما افتروا على هؤلاء الأئمة الذين هم برآء من مثل هذا الاعتقاد كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب. فهؤلاء مفترون وكاذبون على دعواهم هذه، فلا أشتغل بالرد عليهم، على أمل أن يكون هناك رد مقنع على المتصوفة الذين يعتقدون مثل هذا الاعتقاد تجاه أوليائهم وصلحائهم، يكون ردًا على الشيعة أيضًا.
الفرع الثاني: مظاهر الشرك بالله جل شأنه في الربوبية بالأنداد في صفة العلم المحيط الشامل لدى المتصوفة:
لقد وقع المتصوفة في هذا النوع من الشرك بالله جل شأنه.
وقد سبق معنا: أنهم يعتقدون التصرف في الكون لأرباب التصوف وبالتالي يرون أنهم ينادونهم ويزعمون أن هؤلاء الأولياء يعلمون أحوالهم ونداءاتهم، وقد سبق بيان هذا النوع من الشرك، وإنما المقصود هنا بيان كون الاعتقاد في التصرف والنداء والاستغاثة والاستعانة والنداء لكشف الكربات ودفع البليات وجلب المنافع ودفع المضرات وغيرها لا يتأتى إلا باعتقاد علم
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 949)
الغيب فيمن ينادونهم ويستغيثون ويستنصرون بهم. وهذا واضح.
ثم هناك نصوص صريحة عند المتصوفة تدل على ما قلناه بأنهم يعتقدون علم المغيبات للنبي صلى الله عليه وسلم ولأرباب التصوف. وفيما يلي بيان ذلك من كتبهم.
اعتقادهم علم الغيب للنبي صلى الله عليه وسلم:
غالت المتصوفة يعتقدون علم الغيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فوصفوه بأنه عالم بجميع ما كان ما يكون أزلاً وأبدًا، وأنه يعلم جميع ما في اللوح المحفوظ؛ بل هذا كله من علومه صلى الله عليه وسلم! وأنه صلى الله عليه وسلم يعلم ما في الضمائر والقلوب من الأسرار، وأنه لا تخفى عليه خافية، وأنه لا يخرج من علمه شيء، الكلام ها هنا في عدة أنواع.
النوع الأول: علم ما كان وما يكون.
تعتقد المتصوفة أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم جميع ما كان وما يكون من المخلوقات والموجودات أزلاً وأبدًا، لا تخفى عليه منها خافية.
وهذه العقيدة من أعظم عقائد البريلوية خاصة وصراحة. كما توجد هذه العقيدة عند الآخرين الذين تأثروا بهم من المتصوفة في العصر الحاضر. فقالوا: إن الله تعالى أعطى المصطفى صلى الله عليه وسلم علم الأولين والآخرين، وعلم ما كان وما يكون، وعلم ما في السموات وما في الأرض.
النوع الثاني: علم جميع ما في اللوح المحفوظ وما سطره القلم وزيادة:
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 950)
وأحسن من تمثل هذا القول هو البوصيري حيث قال:
فإن من علومك الدنيا وضرتها … ومن علومك علم اللوح والقلم
وكلهم من رسول الله ملتمس … غرفًا من البحر أو رشفًا من الديم
والبريلوية قالوا بمثل هذا القول، بل زادوا عليه: بأن علم اللوح والقلم سطر من سطور علمه صلى الله عليه وسلم ونهر من بحور علمه بل ذرة منها. ولهذا قال: إنه كان يعلم القرآن قبل ولادته؛ لأنه كان يعلم جميع ما في اللوح المحفوظ.
النوع الثالث: علمه صلى الله عليه وسلم محيط بجميع الكون. لم يحجب عن روح رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء، فهو المطلع على عرشه، وعلوه وسفله، ودنياه وآخرته، وناره وجنته، فعلمه محيط بجميع المعلومات الغيبية الملكوتية.
النوع الرابع: أنه صلى الله عليه وسلم حاضر وناظر في كل مكان وزمان، وهو يشاهد العالم كله من المدينة، وأن السماء والأرض والعرش والكرسي مملوءة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، يرى جميع الناس في زمان واحد وفي جميع الأقطار المتباعدة بدون أي إشكال، بل روح النبي صلى الله عليه وسلم حاضر في بيوت أهل الإسلام، وإن القطب يملأ الكون ويكون حاضرًا وناظرًا وشاهدًا في كل مكان في الكون، فما بالك برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل ما يحدث في الكون من المشرق إلى المغرب ومن السماء إلى الأرض حتى قبل إبراهيم بآلاف السنين، فهو صلى الله عليه وسلم يعلمه ويراه من
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 951)
حيث إنه موجود في كل مكان وزمان.
النوع الخامس: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم الأمور الخمسة من وقت الساعة ووقت نزول الغيث، وعلم ما في الأرحام، وأوقات موت الأنفس، وأين تموت. بل كان يعطي علوم هذه الخمسة من يشاء من خدمه.
فهذه عقائد القوم في النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يعلم المغيبات كلها وجلها، وهي لا شك في كونها شرك بالله في الربوبية في صفته العلم المحيط.
اعتقادهم تجاه ـ ما يزعمون أنهم من ـ الأولياء والصالحين:
كما غالت المتصوفة في الرسول صلى الله عليه وسلم وجعلوه عالمًا بكل المغيبات بأشكالها وأنواعها وعالمًا بجميع علوم الدنيا، وعالمًا لما كان وما سيكو، وموجودًا عند كل واحد، وعارفًا بأحوال أمته في كل لحظة ونفس، هكذا غالوا في أوليائهم وصلحائهم وأرباب تصوفهم ومشايخهم أنهم يعلمون أخبار السماء، واعتقد بعضهم فيهم بأنهم يعلمون ما في باطن الأرض، وبعضهم على أنهم يعلمون ما في باطن القلوب، وبعضهم اعتقدوا أن أولياءهم يعلمون الأمور المستقبلية.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 952)
وفيما يلي نقل يسير عن هذا الاعتقاد من بطون كتبهم:
من الصوفية الذين زعموا بأن الأولياء يعلمون الغيب أبو القاسم القشيري، فقد ادعى بأن الإنسان وهو يترقى في درجات السلوك التي وضعها الصوفية لمريدهم قد يصل إلى مرحلة يصبح لا يخفى عليه شيء من هذا الكون، فقد قال وهو يتحدث في بيان درجات السلوك:
(ثم من خلال هذه الأحوال قبل وصوله إلى هذا المقام الذي هو نهاية، وكان يرى جملة الكون يضيء بنور كان له، حتى لم يخف من الكون عليه شيء، وكان يرى جميع الكون من السماء والأرض رؤية عيان ولكنه كان لا يرى في هذا الوقت بعين؛ لأنه شيء ولكن لم يكن هذه رؤية علم بل لو تحرك في الكون ذرة أو نملة).
إذا نظرنا في النص السابق نجد أن القشيري ادعى بأن الإنسان قد يصل إلى مرحلة يرى فيها كل شيء في هذا الكون حتى حركات الذرة والنملة الصغيرة، بمعنى أنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وهذا وصف لا يليق إلا بالله، فما أجرأ المتصوفة على الله وتعديهم على حقوقه ووصف أوليائهم المزعومين بها.
ونقل الكلاباذي عن أبي عبد الله الأنطاكي أنه قال: (إذا جالستم أهل الصدق فجالسوهم بالصدق، فإنهم جواسيس القلوب، يدخلون في أسراركم
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 953)
ويخرجون من هممكم).
ومن الصوفية الذين زعموا أن الأولياء يعلمون الغيب عبد الكريم الجيلي؛ فقد زعم بأنه رأى العوالم العلوية والسفلية بعد أن كشف الله له الحجب، وأنه شاهد الملائكة جميعًا وتبادل الحديث معهم والرسل والأنبياء، وإليك نص كلامه في هذا المجال، قال:
((وفي هذا المشهد اجتماع الأنيباء والأولياء بعضهم ببعض أقت فيه يزيد بشهر ربيع الأول سنة ثمانمائة من الهجرة النبوية، فرأيت جميع الرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، والأولياء والملائكة العالين والمقربين وملائكة التسخير، ورأيت روحانية الموجودات جميعها، وكشفت عن حقائق الأمور على ما هي عليه من الأزل إلى الأبد، وتحققت بعلوم الألوهية لا يسع الكون أن نذكرها فيه. ثم زعم بأنه رأى نوحًا عليه السلام في السماء الثانية جالسًا على سرير خلق من نور الكبرياء بين أهل المجد والثناء فسلم عليه. وتمثل بين يديه فرد عليه السلام ورحب به وقام … إلى أن قال: وروحانية الملك الحاكم على جميع ملائكة هذه السماء عجائب من آيات الرحمن وغرائب من أسرار الأكوان لا يسعنا إذاعتها في أهل هذا الزمان. ثم واصل الجيلي افتراءاته فادعى أنه رأى في السماء الثالثة يوسف عليه السلام وأنه دار بينهما حديث، وأنه كان يعلم تلك العلوم التي أخبره بها يوسف قبل أن يتفوه بها.
حيث قال: اجتمعت في هذه السماء مع يوسف عليه السلام، فرأيته على سرير من الأسرار كاشفًا عن رمز الأنوار، عالمًا بحقيقة ما انعقدت عليه أكلة الأحبار، متحققًا بأمر المعاني مجاورًا عن قيد الماء والأواني، فسلمت عليه
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 954)
تحية وافد إليه فأجاب وحيًا ثم رحّب بي. ثم زعم الجيلي أن السماء الرابعة هيَ قاب الشمس وأن فيها إدريس، وأن أكثر الأنبياء في دائرة هذا الفلك المكين مثل عيسى وسليمان وداود وإدريس وجرجيس … وغيرهم.
وهنا كما نرى ذكر الجيلي اسم نبي لم نجد له ذكر في القرآن ولا في السنة فمن أين علم ذلك (جرجيس)؟ .
ثم واصل الجيلي وصفه للسموات وما تحتويها، فقال في وصف السماء الخامسة: (هي سماء الكوكب المسمى بهرام، وحاكم هذه السماء هو الملك المسمى غزرائيل، وهو روحانية المريخ صاحب الانتقام والتوبيخ).
وذكر الجيلي أيضًا أنه رأى في السماء السادسة موسى عليه السلام ودار بينهما حديثٌ طويلٌ، ثم قال إنه رأى في السماء السابعة إبراهيم عليه السلام قائمًا في هذه السماء وله منصة يجلس عليها على يمين العرش من فوق الكرسي وهو يتلو آية (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ).
إلى أن قال: (إنه صعد إلى سدرة المنتهى، وأنه رأى هناك الملائكة وأنها على هيئات مختلفة وأمامهم سبعة ثم ثلاثون ثم ثلاثة ثم ملك مقدم يسمى عبد الله، وأنهم أخبروه أنهم لم يسجدوا لآدم).
ثم بدأ عبد الكريم الجيلي في وصف الأراضي السبعة، فقال:
(وأما الطبقة الأولى من الأرض فأول ما خلقها الله كانت أشد بياضًا من اللبن وأطيب رائحة من المسك فأعبرت لما أهبط آدم عليه السلام عليها بعد أن عصى الله تعالى، وهذه الأرض تسمى أرض النفوس … دورة كرة هذه
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 955)
الأرض مسيرة ألف عام ومائة عام وستة وستون عامًا ومائتا يوم وأربعون يومًا … ثم سلك الإسكندر الجانب الجنوبي … وهو الظلمات حتى بلغ يأجوج ومأجوج وهم في الجانب الجنوبي من الأرض لم تطلع الشمس على أرضهم أبدًا، ثم سلك الجانب الشمالي حتى بلغ محلاً منه لم تغرب الشمس فيه، وهذه الأرض بيضاء على ما خلقها الله تعالى عليه هي مسكن رجال الغيب وملكها الخضر عليه السلام، وهي قريبة من أرض بلغار، وبلغار بلدة في العجم لا تجب فيها صلاة العشاء أيام الشتاء؛ لأن شفق الفجر يطلع قبل غروب شفق المغرب فيها … وهذه الأرض أشرف الأراضي وأرفعها قدرًا لأنها محل النبيين والمرسلين والأولياء والصالحين).
واسترسل في مكان آخر ببيان الأفراد والأقطاب إلى أن قال: (فكل أحد من الأفراد والأقطاب له التصرف في جميع المملكة الوجودية، ويعلم كل واحد منهم ما اختلج في الليل والنهار، فضلاً عن لغة الطيور، وقد قال الشبلي: … (لو دبت نملة سوداء على صخرة صماء في ليلة ظلماء ولم أسمعها لقلت: إني مخدوع أو ممكور بي). وقال غيره: (لا أقول: ولم أشعر بها؛ لأنها لا تدب إلا بقوتي وأنا محركها فكيف أقول: لا أشعر بها وأنا محركها؟ ).
إذا نظرنا في النصوص السابقة نجد أن عبد الكريم الجيلي صرح بأن الأولياء يعلمون الغيب بشتى أصنافها، فليس هناك من حاجة تخفى على الأولياء كبرت أو صغرت، وهذا طبعًا حسب زعمه، وإلا فالغيب علمه خاص
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 956)
بالله عز وجل لا يشركه فيه أحد من خلقه.
وقال عبد الكريم الجيلي في مكان آخر وهو يتحدث عن الأولياء: (فإذا كشف الحجاب وفتح لهم الباب علم العوالم بأجمعها على ما هي عليه من تفاريعها من المبدأ إلى المعاد، وعلم كل شيء، كيف هو كائن وكيف يكون، وعلم ما لم يكن ولم لا يكون ما لم يكن، ولو كان ما لم يكن كيف كان يكون، كل ذلك علمًا أصليًا حكميًا كشفيًا ذوقيًا من ذاته لسريانه في المعلومات، علمًا إجماليًا تفصيلاً كليًا جزئيًا مفصلاً في إجماله، ومنهم من تجلى الله عليه بصفة السميع، فيسمع نطق الجمادات والنباتات والحيوانات وكلام الملائكة واختلاف اللغات، وكان البعيد عنه كالقريب).
وهكذا كما رأينا في النصوص السابقة التي أوردتها عن عبد الكريم الجيلي نرى بوضوح كامل بأنه ادعى أن الأولياء يعلمون علم الغيب، وأنه بهذا القول فقد زعم بأن الأولياء يشاركون الله في هذه الخاصية التي أخبرنا الله عز وجل كما سيأتي ـ بأنها خاصة به، وأنه لا يعلم الغيب إلا هو.
ومن الصوفية الذين زعموا أن الأولياء يعلمون الغيب أحمد الرفاعي المتوفى سنة (578 هـ)، فقد قال متحدثًا عن الدرجات التي يمر بها الإنسان حتى يصل إلى مرحلة الغوثية التي إذا وصلها الإنسان يصبح الغيب عنده كالمشاهدة، فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. وهذا نص كلامه:
(إن العبد ما يزال يرتقي من سماء إلى سماء حتى يصل إلى محل الغوث، ثم ترتفع صفته إلى أن تصير صفة من صفات الحق يطلعه على غيبه حتى لا تنبت شجرة ولا تخضر ورقة إلا بنظره، ويتكلم هناك عن الله بكلام لا تسعه عقول
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 957)
الخلائق … وكان يقول: إن القلب إذا تجلى من حب الدنيا وشهوتها صار كالبلور وأخبر صاحبه بما مضى، وبما هو آت من أحوال الناس).
إذا نظرنا إلى النص السابق نجد أن الرفاعي صرح بأن الولي إذا وصل إلى مرحلة الغوثية يطلعه الله على الغيب فلا يخفى عليه شيء، وهذا فيه تقرير عن اعتقادهم علم الغيب في أوليائهم.
كما أن الرفاعي يزعم أن الله اطلعه على سبعة مدائن، وكل سكانها لا يذكرون الله، وهم ليسوا من الجن ولا من الإنس، وأن الله يأمر الملائكة بأخذ ذنوب أمة محمد وقذفها على تلك المدن السبعة، وكل من يصاب منهم بذنب من الذنوب التي ارتكبها فرد من أفراد أمة محمد صلى الله عليه وسلم يصبح من أهل الجنة.
واليك نص كلامه، فقد قال إبراهيم الأعزب: كنت قائمًا في بعض الليالي في موضع هناك للسيد أحمد الرفاعي رضي الله عنه، فأيقظني وقال: أي إبراهيم، ألا أخبرك؟ أظهرني الله سبحانه في هذه الساعة على سبعة مدائن كل مدينة منها بقدر هذه الدنيا سبع مرات، وهي مملوءة من الخلق ليسوا من الجن ولا الإنس وما فيهم من يذكر الله تعالى، وكل ليلة عند غروب الشمس يأمر الله تعالى الملائكة فيأخذون ذنوب أمة محمد صلى الله عليه وسلم وينفضوها على تلك المدائن السبعة، وكل من أصاب منهم ذنبًا فهو من أهل الجنة.
ومن المتصوفة الذين زعموا بأن الأولياء يعلمون الغيب عبد الوهاب الشعراني (973 هـ)، وهاك نماذج من كلامه:
فقد قال الشعراني: في معرض حديثه عن شيخه وأستاذه علي الخواص
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 958)
البرلس: (كان … أميًا لا يكتب ولا يقرأ، وكان … يتكلم على معاني القرآن العظيم والسنة المشرفة كلامًا نفيسًا يحتر فيه العلما! ! ! وكان محل كشفه اللوح المحفوظ عن المحو والإثبات، فكان إذا قال قولاً لابد وأن يقع على الصفة التي قال، كنت أرسل له الناس يشاورونه عن أحوالهم فما كان قط يحوجهم إلى كلام، بل كان يخبر الشخص بواقعته التي أتى لأجلها قبل أن يتكلم، فيتحير الشخص … وسمعت سيدي ـ سيده ـ محمد بن عنان يقول: الشيخ برلس أعطى التصريف في ثلاثة أرباع مصر).
ونقل الشعراني أيضًا عن شيخه علي الخواص أنه قال: (لا يكمل إيمان عبد حتى يصير الغيب عنده كالشهادة في عدم الريب، ويسري منه الإيمان في نفس العالم كله فيأمنوه على القطع على أنفسهم وأموالهم وأهليهم).
وقال الشعراني عن إبراهيم العريان: (أنه كان إذا دخل بلدًا سلم على أهلها كباراً وصغاراً بأسمائهم حتى كأنه تربى بينهم، وكان … يطلع على المنبر ويخطب عرياناً … وكان يخرج الريح بحضرة الأكابر ثم يقول: هذه ضرطة فلان، ويحلف على ذلك فيخجل ذلك الكبير منه).
ففي هذا النص مع ادعاء علم الغيب له من المخازي ما يستحي منه من عنده أدنى مسكة من عقل.
ويقول الشعراني: وأما سيدي علي الخواص فسمعته يقول: (لا يكمل
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 959)
الرجل عندنا حتى يعلم حركات مريده في انتقاله في الأصلاب وهو نطفة من يوم (ألست بربكم) إلى استقراره في الجنة أو في النار).
وهنا ـ كما نرى في هذا النص ـ فقد ساوى هذا الرجل بين علم الله وعلم الأولياء، فماذا بقي لله؟ ! سبحانك هذا بهتان عظيم.
وقال محمد محيي الدين الأحمدي الشناوي حفيد الشعراني الصوفي وهو يتحدث عن مناقب جده الشعراني:
(وكان … يشهد بقلبه تطور أعماله ثم تصعد إلى أماكنها من السموات والأفلاك، ومعرفة الأملاك الذين شاركهم في العمل من حملة العرش ملائكة الستور، والملائكة الذين نصفهم نار ونصفهم ثلج، وذلك لأن أعماله الموافقة لأعمالهم تصعد مع أعمالهم إلى حضرة الله تعالى، ومعلوم أن أهل كل حرفة يعرفون).
ومن الصوفية الذين يزعمون بأن الأولياء يعلمون الغيب على حرازم بن العربي برادة، فقد قال واصفًا شيخه التيجاني: … ومن كماله … ونفوذ بصيرته الربانية وفراسته النورانية التي ظهر مقتضاها في معرفة أحوال الأصحاب، وفي غيرها من إظهار مضمرات وإخبار بمغيبات، وعلم بعواقب الحاجات، وما يترتب عليها من المصالح والآفات، وغير ذلك من الأمور الواقعات.
وقال في رماح حزب الرحيم: (وينبغي على المريد أن يعتقد في شيخه أنه
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 960)