شاء» (1).
الحالة الثالثة: الجمع بين الأقوال.
ومن أمثلتها:
1 - في قوله تعالى: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} (2) روى أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس «أنه قال في الكوثر: هو الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه، قال أبو بشر: فقلت لسعيد: فإن ناساً يزعمون أنه نهر في الجنة، فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه» (3).
2 - وروى الزهري عن ابن المسيب قال: «لما طعن عمر قال كعب: لو أن عمر دعا الله لأَخَّر في أجله، فقال الناس: سبحان الله! أليس قد قال الله: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ}؟ (4)، فقال كعب: أوليس قد قال الله: {وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ} (5)، قال الزهري: فنرى أن--------------------------------------------
(1) انظر (ص 566).
(2) سورة الكوثر آية (1).
(3) جامع البيان (24/ 682).
(4) سورة الأعراف من الآية (34).
(5) سورة فاطر من الآية (11).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 482)
ذلك ما لم يحضر الأجل فإذا حضر لم يؤخر، وليس أحد إلا وله أجل مكتوب» (1).
3 - وقيل له: «إن سعيد بن جبير وعكرمة اختلفا في رجل من المستهزئين، فقال سعيد: هو الحارث بن غيطلة، وقال عكرمة: هو الحارث بن قيس، فقال: صدقا؛ كانت أمه تسمى غيطلة وأبوه قيس» (2).
وإذا انتقد الصحابة والتابعون قولاً في تفسير آية فإما أن يبينوا وجه نقده وسببه، والأسباب متعددة، وشواهدها كثيرة جداً، وقد أفردت في فصل خاص، وإما أن يكتفوا بنقده وتضعيفه دون بيان السبب، وشواهده كثيرة جداً وقد مر بعضها.--------------------------------------------
(1) تفسير عبد الرزاق (2/ 111)، ومصنفه (11/ 224 - 225).
(2) جامع البيان (14/ 148).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 483)
ثالثاً
الرجوع عن القول
رجوع المفسر عن رأيه يعتبر نقداً له؛ إذ لو كان صحيحاً عنده لم يرجع عنه، وقد ذكر الأصوليون أن المجتهد إذا كان له في مسالة قولان، وعلم المتأخر منهما، فالمتأخر هو المعتمد، ويعتبر ناسخاً للقول الأول؛ لما فيه من الرجوع عنه، وهذا قول أكثرهم، ومن قال: إن المعتمد الأول - على ضعف هذا القول - اشترط بأن لا يصرح برجوعه عن قوله الأول، والشواهد الآتية جاء التصريح في أغلبها برجوع قائليها عن أقوالهم، وقد جاء عن الشافعي أنه قال: «ليس في حل من روى عني القديم» (1)، ومن أمثلته:
1 - رجوع ابن عباس عن رأيه في عدة الحامل المتوفى عنها، وكان يرى أنها تعتد بأبعد الأجلين؛ مستدلاً بقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} (2)، وقوله: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ--------------------------------------------
(1) البحر المحيط للزركشي (6/ 304)، وانظر في هذه المسألة: المسودة (ص 526)، وروضة الناظر (3/ 1013)، والإحكام للآمدي (4/ 201)، وشرح مختصر الروضة (3/ 625)، وشرح الكوكب المنير (4/ 494)، وإرشاد الفحول (ص 263).
(2) سورة البقرة من الآية (234).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 484)
حَمْلَهُنَّ} (1)، فلما بلغته السنة رجع عن قوله (2).
2 - وعن إبراهيم قال: «مر بي عكرمة، فسألته عن البطشة الكبرى، فقال: يوم القيامة، فقلت: إن عبد الله بن مسعود كان يقول: يوم بدر، وأخبرني من سأله بعدُ، فقال: يوم بدر» (3).
قال ابن حجر: «هذا يوجب الثناء على عكرمة؛ إذ كان يظن شيئاً فبلغه عمن هو أولى منه خلافه، فترك قوله لأجل قوله» (4).
3 - وفي قوله تعالى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} (5).
اختلف سعيد بن جبير مع مجاهد وطاوس، فعن أبي بشر عن سعيد قال: «{الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ}: هو الزوج، وقال مجاهد وطاوس: هو الولي، قال: قلت لسعيد: فإن مجاهداً وطاوساً يقولان: هو الولي؟ قال سعيد: فما تأمرني إذاً؟ ثم--------------------------------------------
(1) سورة الطلاق من الآية (4).
(2) انظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير (1/ 419).
(3) جامع البيان (21/ 27).
(4) هدي الساري (ص 428) باختصار.
(5) سورة البقرة من الآية (237).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 485)
قال: أرأيت لو أن الولي عفا وأبت المرأة، أكان يجوز ذلك؟ ، فرجعت إليهما فحدثتهما، فرجعا عن قولهما وتابعا سعيداً» (1).
وفي رواية: «فكلماه في ذلك، فما برحا حتى تابعا سعيداً» (2).
4 - وعن الشعبي: «أن رجلاً تزوج امرأة فوجدها دميمة فطلقها قبل أن يدخل بها، فعفا وليها عن نصف الصداق، قال: فخاصمته إلى شريح، فقال لها شريح: قد عفا وليك، ثم إنه رجع بعد ذلك، فجعل الذي بيده عقدة النكاح الزوج» (3).
5 - وعن السدي قال: «قلت لإبراهيم: أرأيت قول الله: {لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ} (4)؟ ، قال: الشك، قلت: لا، قال: فما تقول أنت؟ ، قلت: القوم بنوا مسجداً ضراراً، وهم كفار حين بنوا، فلما دخلوا في الإسلام جعلوا لا يزالون يذكرون، فيقع في قلوبهم مشقة من ذلك فتراجعوا له، فقالوا: يا ليتنا لم نكن فعلنا، وكلما ذكروه وقع من ذلك في قلوبهم مشقة وندموا،--------------------------------------------
(1) سنن سعيد بن منصور (3/ 887)، وجامع البيان (4/ 329) واللفظ له، والسنن الكبرى للبيهقي (7/ 251).
(2) مصنف ابن أبي شيبة (4/ 281).
(3) جامع البيان (4/ 320).
(4) سورة التوبة من الآية (110).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 486)
فقال إبراهيم: استغفر الله» (1).
ولم ينته الحديث عن نقد الأقوال، فالفصل الآتي تتمة لهذا الفصل، وهو في الأسس التي يعتمد عليها الصحابة والتابعون رضي الله عنهم في نقد الأقوال، وبالله التوفيق.--------------------------------------------
(1) الدر المنثور (/279 - 280)، وينظر الطبري (11/ 700 - 701)، ولمزيد أمثلة انظر الدر المنثور (2/ 81).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 487)
الباب الرابع أسس نقد التفسير عند الصحابة والتابعين وأثره
وفيه فصلان:
الفصل الأول: أسس نقد التفسير عند الصحابة والتابعين.
الفصل الثاني: أثر نقد الصحابة والتابعين للتفسير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 488)
الفصل الأول أسس نقد التفسير عند الصحابة والتابعين
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الأسس المتعلقة بالرواية.
المبحث الثاني: الأسس المتعلقة بالدراية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 489)
المبحث الأول الأسس المتعلقة بالرواية
وفيه:
أولاً: مخالفة القرآن الكريم.
ثانياً: مخالفة السنة النبوية.
ثالثاً: مخالفة سبب النزول.
رابعاً: مخالفة التاريخ.
خامساً: الطعن في صحة نقل التفسير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 490)
والمراد بالأسس المتعلقة بالرواية الأسس التي يعتمد فيها الناقد بشكل أساس على المنقول، وليس المراد بالرواية الاصطلاح الشائع بين المفسرين والذي تدخل فيه أقوال الصحابة والتابعين رضي الله عنهم التي هي محل بحثنا.
أولاً
مخالفة القرآن الكريم
من القواعد المقررة عند الصحابة والتابعين رضي الله عنهم تقديم القرآن الكريم على قول كل أحد، فكل تفسير أو فهم خالف القرآن فهو مردود على صاحبه.
ومن أقوالهم في ذلك:
1 - قول عمر رضي الله عنه: «لا نترك كتاب الله وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، لها السكنى والنفقة، قال الله عز وجل: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ}» (1).
فعمر أخذ بظاهر الآية في أن المطلقة لها النفقة والسكنى، ومنها المطلقة--------------------------------------------
(1) سورة الطلاق من الآية (1)، وأثر عمر في صحيح مسلم، كتاب الطلاق (2/ 1119) برقم (1480/ 46).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 491)
البائن ولم يقبل قول المرأة، وهي فاطمة بنت قيس رضي الله عنها (1)، فقد كانت تقول: لا نفقة لها ولا سكنى، وتتأول الآية التي استدل بها عمر على أنها في الرجعية، وتقول: بيني وبينكم القرآن، قال الله عز وجل: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ} الآية، وتقول: هذا لمن كانت له مراجعة، فأي أمر يحدث بعد الثلاث؟ ! (2).
وتستدل أيضاً بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها نفقة ولا سكنى حين بت زوجها طلاقها (3)، لكنَّ عمر تمسك بعموم الآية، وقال ما قال.
وأياً ما كان الصواب معه في قول عمر أو مخالفيه، فإن المراد بيان مدى تعظيم الصحابة رضي الله عنهم للقرآن، وأنهم لا يقبلون عليه قول أحد، ولا يخرجون عنه إلا بيقين، ولا يظن بعمر رضي الله عنه أنه يرد حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما لأنه لم يتحقق من ثبوته عنه، ولذا أضاف القول إلى من هو دونه، وأشار في كلامه إلى عدم طمأنينته من نقل الرواي، فقال: «لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت» (4)، ولما كانت المرأة عنده بهذه--------------------------------------------
(1) هي فاطمة بنت قيس بن خالد القرشية الفهرية، أخت الضحاك بن قيس، من المهاجرات الأول، كانت ذات عقل، اجتمع في بيتها أصحاب الشورى لما قتل عمر، روى عنها ابن المسيب وعروة.
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (8/ 200)، وأسد الغابة (7/ 230)، وتهذيب التهذيب (4/ 685).
(2) صحيح مسلم، كتاب الطلاق (2/ 1117) برقم (1480/ 41).
(3) المصدر السابق.
(4) قال ابن حجر في فتح الباري (9/ 481) معلقاً على قول عمر رضي الله عنه: «ولقد كان الحق ينطق على لسان عمر، فإن قوله: لا ندري حفظت أو نسيت، قد ظهر مصداقه في أنها أطلقت في موضع التقييد، أو عممت في موضع التخصيص».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 492)
الحال لم يقبل قولها على كتاب الله الذي تحقق من ثبوته ودلالته.
2 - وفسر زيد بن علي رحمه الله (1) الدخان الوارد في قوله تعالى: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} (2) بأنه يجيء قبل يوم القيامة فيأخذ بأنف المؤمن الزكام، ويأخذ بمسامع الكافر، فعارضه بعض الحاضرين بأن الدخان قد مضى، وأنه أصاب الناس جهد حتى جعل الرجل يرى ما بينه وبين السماء دخاناً، ونقل ذلك عن ابن مسعود، فقال زيد رحمه الله: أما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال: «إنكم سيجيئكم رواة فما وافق القرآن فخذوا به، وما كان غير ذلك فدعوه» (3).--------------------------------------------
(1) هو أبو الحسين زيد بن علي بن الحسين بن أبي طالب الهاشمي القرشي المدني، ولد سنة (80)، وخرج في خلافة هشام بن عبد الملك، فقُتل وصُلب بالكوفة سنة (122)، وإليه تُنسب فرقة الزيدية.
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (5/ 239)، والمعارف (ص 216)، وتاريخ الإسلام حوادث سنة (121 - 140/ص 105).
(2) سورة الدخان آية (10).
(3) جامع البيان (21/ 16)، ورجاله إسناده إلى زيد بن علي ثقات سوى عاصم بن أبي النجود، فإنه صدوق له أوهام كما في تقريب التهذيب (ص 285)، والحديث مرسل، وقد جاء الحديث في سنن الدارقطني (4/ 209) موصولاً عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال الدارقطني: «هذا وهم، والصواب عن عاصم عن زيد عن علي بن الحسين مرسلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم»، وذكر ابن حجر أنه جاء من طرق لا تخلو من مقال، نقله عنه أبو الطيب آبادي في تعليقه على سنن الدارقطني (4/ 209).
والحديث وإن كان رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم غير ثابت إلا أن المراد بيانه هنا أن الأمر المتقرر لدى الصحابة والتابعين رد كل قول يخالف كتاب الله تعالى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 493)
صور نقد التفسير بالقرآن الكريم
واستدلال الصحابة والتابعين بالقرآن الكريم على ضعف بعض التفاسير له صور:
الصورة الأولى: مخالفة سياق الآية.
وإهمال سياق الآية، واقتطاع النص القرآني، وعزله عما قبله وما بعده سبب لوقوع الخلل في فهم القرآن والخطأ في تفسيره، ويؤكد ابن جرير أنه «غير جائز صرف الكلام عما هو في سياقه إلى غيره، إلا بحجة يجب التسليم لها من دلالة ظاهر التنزيل، أو خبر عن الرسول تقوم به حجة، فأما الدعاوى فلا تتعذر على أحد» (1).
وفي خطورة إهماله يقول ابن القيم: «السياق يرشد إلى تبيين المجمل وتعيين المحتمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتنوع الدلالة، وهذا من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظره وغالط في مناظرته، فانظر إلى قوله تعالى: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} (2)--------------------------------------------
(1) جامع البيان (7/ 675).
(2) سورة الدخان آية (49).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 494)
كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير؟ » (1).
وانتقاد التفسير بالسياق القرآني من القواعد التي يحتكم إليها المفسرون، فيردون به أقوالاً في معاني الآيات:
يقول ابن عطية رداً على قول في تفسير آية: «وهذا القول وإن كانت ألفاظ هذه الآية تقتضيه، فما قبلها وما بعدها يرده ويتبرأ منه، ويختل أسلوب القول به» (2).
ويرد ابن القيم على من قال: إن قوله تعالى: {قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ} (3) يراد به التهديد والوعيد، فيقول: «والسياق يأبى هذا ويمنعه ولا يناسبه لمن تأمله» (4).
والرد بالسياق القرآني ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الاستدلال على ضعف التفسير بما قبل الآية، ويعرف هذا بالسباق.
ومن أمثلته:--------------------------------------------
(1) بدائع الفوائد (4/ 11).
(2) المحرر الوجيز (8/ 139)، وانظر (10/ 123) من الكتاب نفسه.
(3) سورة الحجر آية (41).
(4) التفسير القيم (ص 16)، وانظر البرهان للزركشي (2/ 335).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 495)
1 - قال رجل لعلي رضي الله عنه: «يا أمير المؤمنين أرأيت قول الله: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} (1)، وهم يقاتلوننا فيظهرون ويقتلون؟ ! ، فقال له: ادنه، ادنه! ، ثم قال: {فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا}، يوم القيامة».
وفي رواية أن علياً قال: «ادنه {فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ} يوم القيامة {لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا}» (2).
فبين علي رضي الله عنه أن قوله: {يَوْمَ الْقِيَامَةِ} يمنع أن يكون المراد ما فهمه الرجل من ظهور الكفار على المؤمنين في الدنيا وقتلهم.
2 - وقال عروة لعائشة: «ما أبالي أن لا أطوف بين الصفا والمروة! قال الله: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ} (3)، قالت: يا بن أختي ألا ترى أنه يقول: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ}؟ ! ، قال الزهري: فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن--------------------------------------------
(1) سورة النساء من الآية (141).
(2) جامع البيان (7/ 609 - 610)، والمستدرك (2/ 309).
(3) سورة البقرة من الآية (158).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 496)
هشام (1) فقال: هذا العلم» (2).
فعروة رحمه الله فهم من قوله تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} رفع الحرج والإثم عمن لم يطف بين الصفا والمروة، فبينت له عائشة أن سياق الآية يرد هذا الفهم، فالآية نصت على أن الصفا والمروة من شعائر الله، وهذا يقتضي تعظيمهما والطواف بهما، وهذا فهم دقيق من عائشة رضي الله عنها، ولذا أثنى أبو بكر بن عبد الرحمن - وهو من كبار التابعين - عليها.
3 - وتقدم أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس رضي الله عنهما: «يا أعمى البصر أعمى القلب تزعم أن قوماً يخرجون من النار، وقد قال الله جل وعز: } وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا} (3)؟ ، فقال ابن عباس: ويحك اقرأ ما فوقها! هذه للكفار» (4).
والذي فوقها هو قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ--------------------------------------------
(1) المخزومي القرشي، كنيته اسمه، ولد في خلافة عمر، وروى عن عائشة وأم سلمة وأبي هريرة، وهو أحد الفقهاء السبعة، وكان يقال له: راهب قريش لكثرة صلاته، وكان مكفوفاً، توفي سنة (94).
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (5/ 153)، والمعارف (ص 282)، وسير أعلام النبلاء (4/ 416).
(2) جامع البيان (2/ 719)، وأصله في الصحيحين كما سيأتي.
(3) سورة المائدة من الآية (37).
(4) جامع البيان (8/ 407).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 497)
أَلِيمٌ} (1)، فالآيات تتحدث عن الكفار.
4 - ووقع لجابر رضي الله عنه نفس الشيء مع بعض الخوارج، فعن يزيد الفقير قال: «جلست إلى جابر بن عبد الله، وهو يحدث، فحدث أن أناساً يخرجون من النار، قال: وأنا يومئذٍ أنكر ذلك، فغضبت، وقلت: ما أعجب من الناس، ولكن أعجب منكم يا أصحاب محمد! ، تزعمون أن الله يخرج ناساً من النار، والله يقول: {يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ}، فانتهرني أصحابه، وكان أحلمهم، فقال: دعوا الرجل، إنما ذلك للكفار: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ} حتى بلغ: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}».
وفي رواية أن جابراً قال له: «اتل أول الآية» (2).
القسم الثاني: الاستدلال على ضعف التفسير بما بعد الآية، ويعرف هذا بلحاق الآية.--------------------------------------------
(1) سورة المائدة آية (36).
(2) الشريعة للآجري (ص 349)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (3/ 99) واللفظ منه، وعزاه لابن مردويه وابن أبي حاتم، وعزاه في الدر المنثور (2/ 280) إلى ابن المنذر أيضاً، وحديث يزيد الفقير مع جابر أخرجه مسلم في صحيحه، وتقدم (ص 318)، ولمزيد أمثلة على نقد التفسير بسباق الآية انظر الدر المنثور (4/ 194).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 498)
ومن أمثلة هذا القسم:
1 - لما قدم خراج العراق خرج عمر رضي الله عنه مع مولاه، فجعل عمر يعد الإبل فإذا هي أكثر من ذلك، فجعل يقول: «الحمد لله تعالى، ويقول مولاه: هذا والله من فضل الله ورحمته، يشير إلى قوله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} (1)، فقال عمر: كذبت! ليس هذا هو، يقول الله: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} وهذا مما تجمعون» (2).
فاستدل عمر بآخر الآية: {خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} على خطأ فهم مولاه، فالأموال التي قال فيها المولى: هذا والله من فضل الله ورحمته مما يجمع الناس، والآية تدل على أن المشار إليه، والذي أمرنا بالفرح به خير مما يجمعون، والمشار إليه هو قوله تعالى في الآية التي قبلها: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} (3).
2 - وعن مصعب بن سعد (4)
قال: «كنت أقرأ على أبي حتى إذا بلغت هذه--------------------------------------------
(1) سورة يونس من الآية (58).
(2) تفسير ابن أبي حاتم (6/ 1960)، ومسند الشاميين للطبراني (2/ 125)، والدر المنثور (3/ 309).
(3) سورة يونس من الآية (57).
(4) ابن أبي وقاص الزهري القرشي المدني، يكنى أبا زرارة، روى عن علي وطلحة، وعنه مجاهد والحكم، وحديثه في الكتب الستة، توفي سنة (103).
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (5/ 126)، وتهذيب التهذيب (4/ 84).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 499)
الآية: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا} (1) قلت: يا أبتاه أهم الخوارج؟ ، قال: لا يا بني اقرأ الآية التي بعدها: {أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} (2)، قال: هم المجتهدون من النصارى كان كفرهم بآيات ربهم بمحمد ولقائه، وقالوا: ليس في الجنة طعام ولا شراب، ولكن الخوارج هم الفاسقون الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون» (3).
وفي رواية أن مصعباً لما سأل أباه عن هذه الآية، وقال له: «هم الحرورية؟ ، قال: لا هم اليهود والنصارى، أما اليهود فكذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم، وأما النصارى فكفروا بالجنة، وقالوا: لا طعام فيها ولا شراب، والحرورية {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيْثَاقِهِ} (4)، وكان سعد يسميهم الفاسقين» (5).
والقول بأن الخوارج هم الأخسرون أعمالاً قال به علي رضي الله عنه، فقد سأله ابن--------------------------------------------
(1) سورة الكهف آية (103).
(2) سورة الكهف آية (105).
(3) المستدرك للحاكم (2/ 370).
(4) سورة الرعد من الآية (25).
(5) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب قوله: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا} (5/ 235).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 500)
الكواء، فقال: من { … بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا}؟ قال: ويلك، منهم أهل حروراء (1).
قال ابن حجر: «ولعل هذا هو السبب في سؤال مصعب أباه عن ذلك» (2).
وقد أنكر سعد رضي الله عنه أن يكون المراد بهم الخوارج مستدلاً بالآية التي بعدها، والتي بينت أن الأخسرين أعمالاً كافرون بآيات الله ولقائه، وبين وجه كفر المعنيين بها، فاليهود كذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم، والنصارى كفروا بالجنة، فنظر إلى الآيات متكاملة، ويبدو أنه كان لا يكفر الخوارج، ولذا جاء في رواية البخاري أن سعداً كان يسميهم الفاسقين.
وفي رواية أنه لما سئل هذا السؤال قال: «لا، ولكنهم أصحاب الصوامع، والحرورية قوم زاغوا فأزاغ الله قلوبهم» (3).
أما علي رضي الله عنه فنظر إلى عموم اللفظ من جهة أن «فيهم من معنى الآية بقدر ما فعلوا، لأنهم يرتكبون أمراً شنيعة من الضلال، ويعتقدون أنها هي معنى الكتاب والسنة، فقد ضل سعيهم وهو يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وإن كانوا في ذلك أقل--------------------------------------------
(1) تفسير عبد الرزاق (1/ 348)، وجامع البيان (15/ 426)، وفي الدر المنثور (4/ 253) أن علياً لما سئل قال: «لا أظن إلا أن الخوارج منهم».
(2) فتح الباري (8/ 425).
(3) جامع البيان (15/ 424)، والمستدرك (2/ 370)، والدر المنثور (4/ 253).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 501)