الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنْ اللَّهِ؛ فَلِذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ.
قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ عز وجل: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ فَلِذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ، وَقَدْ حَكَى ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِالْفَوَاحِشِ، فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهَا عَلَى الْعُمُومِ وَسَاقَ ذَلِكَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: الْمُرَادُ سِرُّ الْفَوَاحِشِ وَعَلَانِيَتُهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمْلَهَا عَلَى نَوْعٍ خَاصٍّ وَسَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَرَوْنَ بِالزِّنَا بَأْسًا فِي السِّرِّ وَيَسْتَقْبِحُونَهُ فِي الْعَلَانِيَةِ، فَحَرَّمَ اللَّهُ الزِّنَا فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ: مَا ظَهَرَ: نِكَاحَ الْأُمَّهَاتِ، وَمَا بَطَنَ: الزِّنَا. ثُمَّ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ قَالَ: وَلَيْسَ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ بِمَدْفُوعٍ، وَلَكِنَّ الْأَوْلَى الْحَمْلُ عَلَى الْعُمُومِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

‌‌2 - بَاب: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرِنِي أَعْطِنِي.
4638 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَدْ لُطِمَ وَجْهُهُ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِكَ مِنْ الْأَنْصَارِ لَطَمَ فِي وَجْهِي، قَالَ: ادْعُوهُ، فَدَعَوْهُ، قَالَ: لِمَ لَطَمْتَ وَجْهَهُ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي مَرَرْتُ بِالْيَهُودِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ، فَقُلْتُ: وَعَلَى مُحَمَّدٍ؟ وَأَخَذَتْنِي غَضْبَةٌ فَلَطَمْتُهُ، قَالَ: لَا تُخَيِّرُونِي مِنْ بَيْنِ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ {الْمَنَّ وَالسَّلْوَى}.
قَوْلُهُ: (بَابُ: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} الْآيَةَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرِنِي: أَعْطِنِي). وَصَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} قَالَ: أَعْطِنِي. وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: لَمَّا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ قَالَ: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ}
(تَكْمِلَةٌ):
تَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَنْ تَرَانِي} نَفَاةُ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى مُطْلَقًا مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ فَقَالُوا: لَنْ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ لَا فَيَكُونُ النَّفْيُ عَلَى التَّأْيِيدِ. وَأَجَابَ أَهْلُ السُّنَّةِ بِأَنَّ التَّعْمِيمَ فِي الْوَقْتِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، سَلَّمْنَا لَكِنْ خُصَّ بِحَالَةِ الدُّنْيَا الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الْخِطَابُ، وَجَازَ فِي الْآخِرَةِ لِأَنَّ أَبْصَارَ الْمُؤْمِنِينَ فِيهَا بَاقِيَةٌ فَلَا اسْتِحَالَةَ أَنْ يُرَى الْبَاقِي بِالْبَاقِي. بِخِلَافِ حَالَةِ الدُّنْيَا فَإِنَّ أَبْصَارَهُمْ فِيهَا فَانِيَةٌ فَلَا يُرَى الْبَاقِي بِالْفَانِي، وَتَوَاتَرَتِ الْأَخْبَارُ النَّبَوِيَّةُ بِوُقُوعِ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الْآخِرَةِ وَبِإِكْرَامِهِمْ بِهَا فِي الْجَنَّةِ، وَلَا اسْتِحَالَةَ فِيهَا فَوَجَبَ الْإِيمَانُ بِهَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقِ. وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ حَيْثُ تَرْجَمَ الْمُصَنِّفُ: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}
قَوْلُهُ: (جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَدْ لُطِمَ وَجْهُهُ) الْحَدِيثُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَوْلُهُ فِيهِ أَمْ جُزِيَ كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِأَبِي ذَرٍّ،

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 302)