واحتج له بعض أصحابه بقوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) وهذا قد نواه عن زيد فلا يقع عن عمرو. قال: ولو كان الحج واقعا عن نفسه لحصل بلا نية. (وقد خصت النية بأن لا صحة لعمل من أعمال الدين إلا بنية).
ومما يجب عليك أن تحكمه في هذا الباب تقدمة المعرفة بأمور منها:
أن تعرف الشيء الذي تعبدت به، وأن تعلم أنك مأمور به، وأن تطلب موافقة الآمر فيما تعبدت به، فإنك إذا لم تعلم صفة ما أمرت به لم يتأت لك فعله على الوجه الذي تعبدت به، ومن فعل المأمور به من غير أن يعرف أنه مأمور به أو في جملة المأمورين به لم يكن في فعله مطيعا للآمر، ومن عرف الآمر ثم لم يقصد بفعله المأمور به موافقة الآمر لم يكن ممتثلا لأمره وهذا جملة من أمر علم النية وما يدخل في معناها.
وقد يستدل من هذا الحديث في مواضع من أحكام المعاملات وما يتصل بها مما ليس من باب العبادات المحضة، منها أن يستدل به على أنه من أكره على الكفر فتكلم به على التقية وهو ينوي معنى يخالف ظاهر القول الذي جرى على لسانه أنه لا يكفر به، فكذلك من أكره على يمين بظلم أو أكره على طلاق إذا ألحد في النية إلى غير
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
معنى فساد النكاح ونيته، كما ينوي أن تكون طالقا من وثاق أو نحوه، وقد يطلقها بلفظ من ألفاظ الكنايات يحتمل معنى وقوع البينونة فيكون ما نوى من العدد. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لركانة حين طلق امرأته البتة: كم أردت؟
ويدخل في هذا المعنى ما ينويه الإنسان في يمينه مما يخالف باطن معناه ظاهر الاسم فيسقط عنه الحنث، كمن قال: والله ما رأيت زيدا، وهو ينوي أنه لم يصب رئته، وما كلمت عمرا، يريد ما جرحته، ونحو ذلك من الكلام المحتمل للمعاني المختلفة.
وقد يستدل به على أن كل ما يحتال به في العقود والبياعات من غش وخلابة واستفضال صرف أو ربا، أن جميع ذلك باطل في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
حق الدين، لأنه إنما قصد به التوصل إلى المحظور والأمر المحرم، لا يجوز أن يستباح به الشيء المحظور في حق الدين، وقد استدل به بعضهم على أن طلاق السكران غير واقع، إذا كان لا يدري ما يقول، وهذا الاستدلال فيه بعد وضعف؛ لأن موضع النية من الطلاق خالٍ وجوبا وسقوطا إلا أن يكون إيقاعُه الطلاق بلفظ من ألفاظ الكناية فيتعلق بالنية.
وقد زعم قول أن الاستدلال بهذا الحديث في غير نوع العبادات غيرُ صحيح، لأن الحديث إنما جاء في اختلاف مصارف وجوه العبادات لاختلاف النيات لها، فإذا أخرج إلى غير نوع ما جاء فيه لم تسر دلالته إليه، فأما عوام الفقهاء فإنهم إنما ينظرون إلى اتساع لفظ الكلام واحتمال الاسم لما يصلح صرفه إليه من المعاني ويراعون الأسباب التي يخرج عليها الكلام، ولا يقصرونه على نوعه حتى لا يتعداه إلى غيره.
وقوله: (فمن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله فهجرته إلى الله وإلى رسوله) فمعناه أن من قصد بالهجرة قصد القربة إلى الله عز وجل لا يخلطها بشيء من (الدنيا) وطلب أرب من آرابها، فهجرته إلى الله ورسوله أي فهجرته مقبولة عند الله وعند رسوله،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
وأجره واقع على الله عز وجل، (ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)، يريد أن حظه من هجرته هو ما قصده من دنيا، ولا حظ له في الآخرة.
ويروى أن هذا إنما جاء في رجل كان يخطب امرأة بمكة فهاجرت إلى المدينة فتبعها الرجل رغبة في نكاحها فقيل له: مهاجر أم قيس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
(من كتاب كيف كان بدء الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم
(2) باب
2/ 2 - قال أبو عبد الله: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي، فيفصم عني، وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول).
قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا.
قوله: (يفصم عني) معناه يقلع عني وينجلي ما يتغشاني منه، وأصله من الفَصْم وهو القطع. ومنه قول الله تعالى: {لا انفصام لها} أي لا انقطاع لها. ويقال: إن أصل الفصم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
الصدق والشق من غير إبانة، وأما القَصْم -بالقاف- فهو الكسر حتى يبين وينفصل، والمعنى أن الوحي كان إذا ورد عليه تصعَّده، له مشقة ويغشاه كرب وذلك لثقل ما يلقى عليه من القول وشدة ما يأخذ به نفسه من جمعه في قلبه وحسن وعيه وحفظه، فيعتريه لذلك حال كحال المحموم، وهو معنى ما جاء في رواية أخرى أنه كان يأخذه عند الوحي الرُّحَضاء أي البُهْر والعرق، ولذلك كان يتفصد جبينه، أي يسيل عرقا كما يفصد العرق فسيل منه الدم، وبيان هذا في قوله عز وجل: {إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا}. وقوله: {لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه}. قال ابن عباس: كان يستذكر مخافة أن ينفلت منه.
وأما قوله: (يأتيني مثل صلصلة الجرس) فإنه يريد، والله أعلم، أنه صوت متدارك يسمعه ولا يتثبته عند أول ما يقرع سمعه حتى يتفهم ويستثبت فيتلقفه حينئذ ويعيه، ولذلك قال: (وهو أشده علي).
وجملة الأمر فيما كان يناله من الكرب عند نزول الوحي هي شدة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
الامتحان له ليبلو صبره ويحسن تأديبه، فيرتاض لاحتمال ما كلفه من أعباء النبوة، وحسن الاضطلاع للنهوض به إن شاء اله، وقد روى أبو عبد الله فيما يشبه هذا حديثا في كتاب المناسك كتبناه هاهنا، إذ كان مشاكلاً لهذا الحديث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
(17) [باب غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب]
3/ 1536 - قال أبو عبد الله: قال أبو عاصم، أخبرنا ابن جريج قال: أخبرنا عطاء أن صفوان بن يعلى أخبره أن يعلى قال لعمر: أرني النبي حين يوحى إليه؟ قال: فبينما النبي صلى الله عليه وسلم بالجعرانة ومعه نفر من أصحابه جاءه رجل فقال يا رسول الله: كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمخ بطيب؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء الوحي فأشار عمر إلى يعلى فجاء يعلى، وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوب قد أظل به، فأدخل رأسه فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم محمر الوجه، وهو يغط، ثم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
سري عنه فقال: أين الذي سأل عن العمرة) وذكر الحديث.
هذا شبيه في المعنى لما تقدم ذكره في الحديث الأول من صعوبة الأمر عليه في تلقي الوحي عند وروده وضعف القوة البشرية عن احتماله، هذا إلى ما استشعره من الخوف والوجل لوقوع تقصير فيما أمر به من حسن ضبطه، والشفق من اعتراض خلل دونه. وقد أنذر صلى الله عليه وسلم وخوف بما ترتاع له النفس، ويعظم به وجل القلوب في قوله تعالى: {ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين} الاية. وكان قد ابتُلي أيضا بما ألقاه الشيطان في أمنيته، في سورة (النجم)، إلى أن أنزل الله عذره، وآمنه من تبعته في قوله: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته} الآية. وقد يحق لما هذا سبيله من عظم الشأن أن يستعد له بأشد ما يكون من الاحتفال، وأن يستفرغ له واسع النفوس، ويبلغ به غاية الاجتهاد وأن يرى كل ما يلقاه صاحبه من تعب ومشقة جللا دونه، فهذا والله أعلم، وجهه ومعناه دون ما يزعمه الجهال الذين لا روية لهم في العلم ولا بصيرة لهم بالدين من ترهات الأباطيل التي لا أصل لها ولا طائل فيها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)
(3) [باب]
4/ 3 - قال أبو عبد الله: حدثني يحيى بن بكير قال: حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد حتى جاءه الحق وهو فيه، فجاءه الملك فقال: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ. إلى أن قال: فأخذني فغطني الثالثة. ثم أرسلني فقال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم} فرجع بها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)
رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة فقال: زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة -وأخبرها الخبر- (لقد خشيت على نفسي). فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق)، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب العبراني، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، وذكر بقية الحديث.
وهذه الأمور التي كان صلى الله عليه وسلم بدئ بها من صدق الرؤيا، وحب العزلة عن الناس، والخلوة في غار حراء، والتعبد فيه ومواظبة الصبر عليه الليالي ذوات العدد، وإنما هي أسباب ومقدمات أرهصت لنبوته، وجعلت مبادئ لظهورها ورؤيا الأنبياء وحي. قال عبيد بن عمير: رؤيا الأنبياء وحي. ونزع بقوله عز وجل: {إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر}.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)
وكان صلى الله عليه وسلم تنام عيناه ولا ينام قلبه، والخلوة يكون معها فراغ القلب، وهي معينة على الفكر، وقاطعة لدواعي الشغل، والبشر لا ينتقل عن طباعه، ولا يترك ما ألفه من عاداته إلا بالرياضة البليغة والمعالجة الشديدة، فلطف الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في بدء أمره، فحبب إليه الخلوة، وقطعه عن مخالطة البشر ليتناس المألوف من عاداتهم ويستمر على هجران ما لا يحمد من أخلاقهم، وألزمه شعار التقوى، وأقامه مقام التعبد بين يديه ليخشع قلبه وتلين عريكته لورود الوحي، فيجد فيه مَرادا سهلا، ولا يصادفه حَزنا وعرا، وعلى هذا المعنى كان، والله أعلم، مطالبة الملك إياه بالقراءة، ومعالجته إياه بالغط وشدة الضغط، فإن الآدمي إذا بلغ منه هذا المبلغ في أمر سمح به إن كان في وسعه، أو تكلف منه بعض ما حمل منه إن لم يكن ذلك من طبعه، فجُعلت هذه الأسباب مقدمات لما أرصد له من الشأن ليرتاض بها ويستعد لما ندب له منه، ثم جاءه التوفيق والتيسير، وأمد بالقوة الإلهية، وبُزت منه النقائص البشرية، وجمعت له الفضائل النبوية صلى الله عليه وسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
وقوله: (مثل فلق الصبح) يريد ضياء الصبح (إذا انفق وتميز عن ظلمة الليل، وظهر نوره وانبلج يقال: فلق الصبح)، وفرق الصبح، وهذا الأمر أبين من فلق الصبح.
وقوله: فيتحنث معناه: يتعبد، وقيل للتعبد التحنث، لأنه يلقي به الحنث عن نفسه، ونظيره في الكلام التحوب والتأثم، أي إلقاء الحوب والإثم عن النفس.
قالوا: وليس في كلامهم تفعَّل الرجل إذا ألقى الشيءَ عن نفسه غيرُ هذه.
وقوله: (فأخذني فغطني) يريد الضغط الشديد، ومنه الغط في الماء، ومن ذلك غطيط البَكْر وغطيط النائم وهو ترديد النفس إذا لم تجد مساغا مع انضمام الشفتين، ومعنى الغط في هذا الحديث الخنق، وقد جاء في غير هذه الرواية فأخذني فسأبني، والسأب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
الخنق.
ويرجف فؤاده أي يخفِق، والرجف: شدة الحركة. ومنه الحديث (أنه كان على حرا فرجف الجبل).
وزملوني يريد دثروني، وتزمل الرجل بالثوب إذا اشتمل به.
وقلها: وتكسب المعدوم، صوابه: وتكسب المُعْدِم، لأن المعدوم لا يدخل تحت الأفعال، يريد أنك تعطي العائل وترفُده، وفيه لغتان يقال: كسبت الرجل مالا وأكسبته، وأفصحهما بحذف الألف، وأنشدني أبو عمر عن أبي العباس في إثبات الألف:
فأكسبته مالا وأكسبني حمدا.
قولها: وتحمل الكل: أي تعين الضعيف والمنقطع به، والكَل:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)
ما لا يغني نفسه، ولا يستقل بأمرها، ومنه قيل للعيال: كل.
وقوله: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى، يريد جبريل عليه السلام. وأخبرني أبو عمر قال: أخبرنا أبو العباس عن عمرو بن أبي عمرو الشيباني عن أبيه قال: الناموس صاحب سر الخير، والجاسوس صاحب سر الشر. ويقال: إن أصله مأخوذ من قولك: نامست الرجل إذا ساررته، فقيل منه: ناموس، على بناء فاعول، وقيل: هو مقلوب من ناسمته فقدم الميم على السين.
وقوله: (يا ليتني فيها جذعا) معناه: ليتني بقيت حيا إلى وقت مخرجك، وأيام دعوتك، وكنتُ فيها شابا بمنزلة الجذع من الخيول، لقول الآخر:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)
يا ليتني فيها جذعْ .... أخُب فيها وأضعْ
قوله: (فيها) على التأنيث، أضمر ما الدعوة أو النبوة أو الدولة، ونصب جذعا على معنى ليتني كنت جذعا، فأضمر (كنت) لأن ليت قد شغل بالمكني، فلم يبق له عمل فيما بعده.
وقوله: أنصرك نصرا مؤزرا، أي بليغا مقوى، من الأزر وهو القوة والظهر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)
(6) [باب]
5/ 7 - قال أبو عبد الله: حدثنا أبو اليمان - الحكم بن نافع - قال: أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أعبد الله بن عباس أخبره أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجارا بالشام في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مادَّ فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه ودعا بترجمانه فقال: أيكم أقرب نسبا من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقلت: أنا. ثم قال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
لترجمانه قل لهم: إني سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كذبني فكذبوه، فوالله لولا الحياء أن يأثِروا عليَّ كذبا لكذبته عنه، ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب. قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قبله قط؟ قلت: لا. قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا. قال: فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون. قال: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا. قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا. ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها. قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم. قال: فكيف كان قتاله إياكم؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال. ينال منا وننال منه. قال: بماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة.
فقال للترجمان: قل له: سألتك عن نسبه، فذكرت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها، وسألتك: هل أحد منكم قال هذا القول قبله؟ فذكرت أن لا. فقلت: لو كان أحدٌ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
قال هذا القول قبله لقلت: رجل يأتيني [يأتسي] بقول قيل قبله. وسألتك: هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا. قلت: فلو كان من آبائه ملك قلت: رجل يطلب ملك أبيه. وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله. وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه وهم أتباع الرسل. وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم. وسألتك: أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا. وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب، وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت أن لا. وكذلك الرسل لا تغدر، وسألتك بم يأمرك؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف. وإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظن أنه منكم، ولو أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه.
قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إليه فدعا بكتابه فقرأه فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
الروم، السلام على من اتبع الهدى. أما بعد فإني لأدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم اليريسيين، و {يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} إلى قوله {اشهدوا بأنا مسلمين}.
قال أبو سفيان: فلما قال ما قال، وفرغ من قراءة الكتاب كثر عنده الصخب، وارتفعت الأصوات فأخرجنا. فقلت لأصحابي حين أخرجنا: لقد أمِر أمرُ ابن أبي كبشة، إنه يخافه ملك بني الأصفر.
وفي هذا الحديث أن هرقل أذن لعظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت ثم اطلع، فقال: يا معشر الروم: هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد غلقت، وذكر الحديث.
إذا تأملت معاني هذا الحديث الذي وقع في الفصل الأول من مسألته عن أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأطواره وما استقراه من أوصافه تبينت حسن ما استوصف من أمره، واستبرأه من جوامع شأنه، ولله دره من رجل ما كان أقله [؟] لو ساعد معقوله مقدوره.
فأما قوله في كتابه (إلى عظيم الروم) فمعناه إلى من تعظم الروم وتقدمه عليها، ولم يكتب إلى ملك الروم، بما يقتضيه هذا اسم من المعاني التي لا يستحقها من ليس من أهل دين الإسلام،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)