أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة. وحينئذ فلا تكون قد أمرت كما جاءت ولا يقال حينئذ بلا كيف، إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول انتهى.
وذكر شيخ الإسلام أيضاً ما رواه أبو القاسم اللالكائي في كتابه المشهور في «أصول السنة» بإسناده عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة أنه قال اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب عز وجل من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه، فمن فسر اليوم شيئاً منها فقد خرج مما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وفارق الجماعة فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا، فمن قال بقول جهم فقد فارق الجماعة. لأنه قد وصفه بصفة لاشيء.
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية: محمد بن الحسن أخذ عن أبي حنيفة ومالك وطبقتهما من العلماء وقد حكى هذا الإجماع وأخبر أن الجهمية تصفه بالأمور السلبية غالباً أو دائماً، وقوله من غير تفسير. أراد به تفسير الجهمية المعطلة الذين ابتدعوا تفسير الصفات بخلاف ما كان عليه الصحابة والتابعون من الإثبات.
وذكر الشيخ أيضاً ما رواه البيهقي وغيره بإسناد صحيح عن أبي عبيد القاسم بن سلام أنه قال في أحاديث الصفات هي عندنا حق حملها الثقات بعضهم عن بعض، غير أنا إذا سئلنا عن تفسيرها لا نفسرها وما أدركنا أحداً يفسرها.
قال شيخ الإسلام: وأبو عبيد أحد الأئمة الأربعة الذين هم الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد، وله من المعرفة بالفقه واللغة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
والتأويل ما هو أشهر من أن يوصف. وقد كان في الزمان الذي ظهرت فيه الفتن والأهواء، وقد أخبر أنه ما أدرك أحداً من العلماء يفسرها أي تفسير الجهمية انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
وما ذكره محمد بن الحسن عن الفقهاء من الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه، وقوله أيضاً أنهم لم يصفوا، فالمراد به أنهم لم يكيفوا الصفة. بل أمروا ما جاء في الآيات والأحاديث كما جاء، وهذا هو معنى ما رواه الخلال بإسناده عن سفيان بن عيينة قال سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]، كيف استوى، قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ المبين، وعلينا التصديق.
وروى البيهقي وغيره عن يحيى بن يحيى قال كنا عند مالك بن أنس فجاء رجل فقال: يا أبا عبد الله {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]، كيف استوى، فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء، ثم قال: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعاً، ثم أمر به أن يخرج.
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى فقول ربيعة ومالك الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب، موافق لقول الباقين أمروها كما جاءت بلا كيف، فإنما نفوا علم الكيفية ولم ينفوا حقيقة الصفة، ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا. الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول، ولما قالوا أمروها كما جاءت بلا كيف فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلوماً بل مجهولاً بمنزلة حروف المعجم انتهى.
وقال أبو بكر الآجري في كتاب «الشريعة» باب «الإيمان بأن الله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
عز وجل خلق آدم على صورته بلا كيف» ثم روى في الباب عدة أحاديث، منها حديث سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله تعالى خلق آدم على صورته».
ومنها حديث سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقبحوا الوجه فإن الله تعالى خلق آدم على صورته».
ومنها حديث ابن عجلان عن سعيد - يعني المقبري- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «لا تقل قبح الله وجهك ولا وجه من أشبه وجهك فإن الله عز وجل خلق آدم على صورته» ورواه أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله عز وجل خلق آدم على صورته».
ومنها حديث الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تقبحوا الوجه فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن عز وجل»
قال الآجري: هذه من السنن التي يجب على المسلمين الإيمان بها ولا يقال فيها: كيف؟ ولم؟ بل تستقبل بالتسليم والتصديق وترك النظر كما قال من تقدم من أئمة المسلمين. حدثنا أبو نصر محمد بن كردي قال حدثنا أبو بكر المروذي قال: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله عن الأحاديث التي تردها الجهمية في الصفات والأسماء والرؤية وقصة العرش فصححها وقال: «تلقتها العلماء بالقبول» تسلم الأخبار كما جاءت.
وقال أبو بكر المروذي وأرسل أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة إلى أبي عبد الله يستأذنانه في أن يحدثنا بهذه الأحاديث التي تردها الجهمية فقال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
أبو عبد الله: حدثوا بها فقد تلقتها العلماء بالقبول. وقال أبو عبد الله تسلم الأخبار كما جاءت.
قال الآجري: سمعت أبا عبد الله الزبيري وقد سئل عن معنى هذا الحديث، فذكر مثل ما قيل فيه ثم قال أبو عبد الله نؤمن بهذه الأخبار التي جاءت كما جاءت ونؤمن بها إيماناً ولا نقول، كيف؟ ولكن ننتهي في ذلك إلى حيث انتهي بنا فنقول في ذلك ما جاءت به الأخبار كما جاءت انتهى كلام الآجري رحمه الله تعالى.
وقد ذكرت في هذا الوجه من أقوال أكابر العلماء المتقدمين ما ينبغي العمل به في آيات الصفات وأحاديث الصفات وهو الإيمان بها من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. وفيما ذكرته عنهم كفاية لمن كان حريصاً على اتباع السلف الصالح. والأخذ بما كانوا عليه في باب الأسماء والصفات.
فصل
ومن زلات ابن خزيمة أيضاً نفرته من إثبات خلق آدم على صورة الرحمن وتأويله لحديث الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عمر رضي الله عنهما قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقبحوا الوجه فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن».
قال ابن خزيمة وقد افتتن بهذه اللفظة التي في خبر عطاء عالم ممن لم يتحر العلم وتوهموا أن إضافة الصورة إلى الرحمن في هذا الخبر من إضافة صفات الذات فغلطوا في هذا غلطاً بيناً وقالوا مقالة شنيعة مضاهية لقول المشبهة أعاذنا الله وكل المسلمين من قولهم.
قال: والذي عندي في تأويل هذا الخبر إن صح من جهة النقل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
موصولاً فإن في الخبر عللاً ثلاثاً - ثم ذكر العلل وقد تقدم ذكرها والجواب عنها فليراجع (1) - قال فإن صح هذا الخبر مسنداً. بأن يكون الأعمش قد سمعه من حبيب بن أبي ثابت وحبيب قد سمعه من عطاء بن أبي رباح. وصح أنه عن ابن عمر على ما رواه الأعمش فمعنى هذا الخبر عندنا أن إضافة الصورة إلى الرحمن في هذا الخبر إنما هو من إضافة الخلق إليه لأن الخلق يضاف إلى الرحمن إذ الله خلقه. وكذلك الصورة تضاف إلى الرحمن لأن الله صورها، ألم تسمع قول الله عز وجل: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} [لقمان: 11]، فأضاف الله الخلق إلى نفسه إذ الله تولى خلقه، وكذلك قوله عز وجل: {هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً} [هود: 64]، فأضاف الله الناقة إلى نفسه وقال: {تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ} [هود: 64]، وقال: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} [النساء: 97]، وقال: {إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِه} [الأعراف: 128]، فأضاف الله الأرض إلى نفسه إذ الله تولى خلقها وبسطها، وقال: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30]، فأضاف الفطرة إلى نفسه إذ الله فطر الناس عليها، فما أضاف الله إلى نفسه على مضافين إحداهما (2) إضافة الذات والأخرى (3) إضافة الخلق. فتفهموا هذين المعنيين لا تغالطوا.
قال فمعنى - الخبر إن صح من طريق النقل مسنداً - فإن ابن آدم خلق على الصورة التي خلقها الرحمن حين صور آدم ثم نفخ فيه الروح قال الله جل وعلا: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} [الأعراف: 11]، والدليل على صحة هذا التأويل أن أبا موسى محمد بن المثنى قال: حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو قال: حدثنا المغيرة -وهو ابن عبد الرحمن- عن أبي--------------------------------------------
(1) ص21 - 37.
(2) إحداهما، والأخرى: كذا هو في «كتاب التوحيد» ولعله خطأ مطبعي، وصوابه، أحدهما، والآخر.
(3) إحداهما، والأخرى: كذا هو في «كتاب التوحيد» ولعله خطأ مطبعي، وصوابه، أحدهما، والآخر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
الزناد عن موسى بن أبي عثمان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خلق الله آدم على صورته وطوله ستون ذراعاً» حدثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم قال: حدثنا عبد الرزاق قال: حدثنا همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا به أبو هريرة عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر أحاديث، وقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خلق الله آدم على صورته وطوله ستون ذراعاً فلما خلقه، قال: اذهب فسلم على أولئك النفر وهم نفر من الملائكة جلوس فاسمع ما يجيبونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك قال: فذهب فقال: السلام عليكم فقالوا: السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله قال: فكل من يدخل الجنة على صورة آدم طوله ستون ذراعاً فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن».
قال ابن خزيمة فصورة آدم هي ستون ذراعاً التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن آدم عليه السلام خلق عليها لا على ما توهم بعض من لم يتحر العلم فظن أن قوله على صورته صورة الرحمن صفة من صفات ذاته جل وعلا عن أن يوصف بالموتان والأبشار قد نزه نفسه وقدس عن صفات المخلوقين فقال: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} وهو كما وصف نفسه في كتابه على لسان نبيه لا كصفات المخلوقين من الحيوان ولا من الموتان كما شبه الجهمية معبودهم بالموتان ولا كما شبه الغالية من الروافض معبودهم ببني آدم، قبح الله هذين القولين وقائلهما.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها: أن يقال أما حديث الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو صحيح ثابت، وقد صححه الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وكفى بهذين الإمامين قدوة في تصحيح
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
الحديث والحكم بثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد صححه أيضاً شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية والحافظ الذهبي. وقال ابن حجر رجاله ثقات. وكفى بهؤلاء الحفاظ قدوة في تصحيح الحديث، وفي تصحيح هؤلاء الأئمة النقاد له أبلغ رد على من علله بالعلل الواهية.
الوجه الثاني: أن يقال إن خلق آدم على صورة الرحمن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم في أربعة أحاديث تقدم ذكرها في أول الكتاب (1)، أولها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خلق الله آدم على صورته» وقد روي هذا الحديث من طرق كثيرة عن أبي هريرة رضي الله عنه، والضمير في قوله «على صورته» عائد إلى الله تعالى كما هو مقرر عند أهل السنة والجماعة.
وثانيها: حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن» وهذا نص صريح في أن الله تعالى خلق آدم على صورته. وهذا النص لا يحتمل التأويل، ومن تأوله فقد أبعد النجعة وتكلف غاية التكلف.
وثالثها: حديث أبي يونس الدوسي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإنما صورة الإنسان على صورة وجه الرحمن» وهذا نص صريح في أن الله تعالى خلق الإنسان على صورة وجهه الذي هو صفة من صفات ذاته. وهذا النص لا يحتمل التأويل وفيه أبلغ رد على ابن خزيمة وعلى كل من تأول الحديث بتأويلات الجهمية المعطلة.
ورابعها: حديث أبي رافع الصائغ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه--------------------------------------------
(1) ص 6 - 8 و20 و26 - 27.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
فإن الله تعالى خلق آدم على صورة وجهه» وهذا نص صريح في خلق آدم على صورة وجه الله تعالى، وهذا النص لا يحتمل التأويل، وفي هذه الأحاديث الأربعة أبلغ رد على من تأول حديث ابن عمر رضي الله عنهما على غير تأويله ونفى إضافة الصورة إلى الرحمن وزعم أنها من إضافة الخلق والتصوير إلى الله تعالى.
الوجه الثالث: أن أقول قد ذكرت قريباً قول أهل السنة والجماعة في أحاديث الصفات أنه يجب أن تقابل بالقبول والتسليم وأن تمر كما جاءت من غير تفسير مع اعتقاد أن الله ليس كمثله شيء، ولا يجوز رد شيء من الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصفات وفي غير الصفات ولا النفرة مما هو ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم من نصوص الصفات التي يستوحش منها بعض الناس ولا تقبلها نفوس الجهمية المعطلة.
الوجه الرابع: أن يقال إن الذين قالوا إن إضافة الصورة إلى الرحمن في حديث ابن عمر رضي الله عنهما إنما هو من إضافة صفات الذات لم يغلطوا ولم يضاهوا المشبهة وإنما أثبتوا ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وأمروه كما جاء من غير تفسير عملاً بقول الله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر: 7]، وتصديقاً لقول الله تعالى في صفة رسوله صلى الله عليه وسلم: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5)} [النجم: 3 - 5]، ولا شك أن الغالط في الحقيقة من يغلط الذين يتمسكون بالنصوص الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وينزهونا عن أقوال الجهمية المعطلة وعن تأويلات الذين يزعمون أن ظاهرها غير مراد.
الوجه الخامس: أن يقال من زعم أن إضافة الصورة إلى الرحمن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
في حديث ابن عمر رضي الله عنهما إنما هو من إضافة الخلق والتصوير إلى الله تعالى فقد صرف الحديث عن ظاهره وأفسد معناه، وعلى هذا التأويل المستكره لا يكون لآدم مزية على غيره من المخلوقات ولا يكون بينه وبينها فرق مؤثر لأن الله تعالى هو الذي خلق المخلوقات كلها وصورها ولكنه قد خص آدم من بينها بخصائص عظيمة امتاز بها على سائر المخلوقات. منها أنه خلقه بيديه، ومنها أنه خلقه على صورته، ومنها أنه نفخ فيه من روحه، ومنها أنه علمه الأسماء كلها، ومنها أنه أمر الملائكة بالسجود له، فمن أنكر شيئاً من هذه الخصائص فقد بخس آدم حقه وجحد الفضيلة العظيمة التي خصه الله بها وفضله بها على سائر المخلوقات، وهذا من أعظم العقوق لآدم.
الوجه السادس: أن يقال لا يشك أحد من العقلاء أن بني آدم قد خلقوا على صورة أبيهم آدم ولم يخلقوا على صورة غيره من المخلوقات، ولو كان المراد من حديث ابن عمر رضي الله عنهما الإخبار بأن ابن آدم خلق على الصورة التي خلقها الرحمن حين صور آدم ثم نفخ فيه الروح لما كان في الحديث فائدة ولا كان فيه فضيلة خاصة لآدم وذريته وإنما يكون ذلك من تحصيل الحاصل.
الوجه السابع: أن يقال إن ابن خزيمة قد قرر في آخر كلامه قول من أعاد الضمير في حديث الصورة على آدم وذلك واضح في قوله فصورة آدم هي ستون ذراعاً التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن آدم خلق عليها، وقد تقدم قول الإمام أحمد أن هذا قول الجهمية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
فصل
وقد دلت نصوص الأحاديث التي تقدم ذكرها في أول الكتاب (1) على إثبات الصورة لله تعالى والرد على أهل الكلام الباطل الذين ينفون هذه الصفة عن الله تعالى ويتأولونها بالتأويلات المستكرهة، ولا شك أن نفي هذه الصفة عن الرب تبارك وتعالى ينافي الإيمان بالأحاديث الواردة في ذلك، وقد تقدم عن أبي محمد بن قتيبة أنه قال: والذي عندي أن الصورة ليست بأعجب من اليدين والأصابع والعين وإنما وقع الإلف لتلك لمجيئها في القرآن ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد انتهى.
وقد جاء في إثبات الصورة لله تعالى أحاديث صحيحة سوى ما تقدم.
منها ما في الصحيحين وغيرهما من حديث الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي أن أبا هريرة رضي الله عنه أخبره أن ناساً قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب» قالوا لا يا رسول الله، قال: «هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب» قالوا: لا يا رسول الله، قال: «فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك، يجمع الله الناس فيقول من كان يعبد شيئاً فليتبعه فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس ويتبع من كان يعبد القمر القمر ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا--------------------------------------------
(1) ص6 - 8 و20 و26 - 27.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم الله تعالى في صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه» الحديث وفي آخره ذكر آخر أهل الجنة دخولاً وأنه إذا دخلها «قال الله له تمنه فيسأل ربه ويتمنى حتى إن الله ليذكره من كذا وكذا حتى إذا انقطعت به الأماني قال الله تعالى ذلك لك ومثله معه» قال عطاء بن يزيد: وأبو سعيد الخدري مع أبي هريرة لا يرد عليه من حديثه شيئاً حتى إذا حدث أبو هريرة أن الله قال لذلك الرجل ومثله معه قال أبو سعيد وعشرة أمثاله معه يا أبا هريرة، قال أبو هريرة ما حفظت إلا قوله: «ذلك لك ومثله معه» قال أبو سعيد أشهد أني حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «ذلك لك وعشرة أمثاله».
ومنها ما في الصحيحين وغيرهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو حديث أبي هريرة الذي تقدم ذكره وفيه «وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله تبارك وتعالى في صورة غير صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم الله تعالى في صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه» الحديث. وفي رواية للبخاري في «كتاب التوحيد» قال: «فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا».
ومنها ما رواه الإمام أحمد والترمذي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: احتبس علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة عن صلاة الصبح - فذكر حديث المنام بطوله وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إني قمت من الليل فتوضأت وصليت ما قدّر لي فنعست في صلاتي حتى استثقلت فإذا أنا بربي تبارك وتعالى في أحسن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
صورة» الحديث. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح سألت محمد بن إسماعيل - يعني البخاري- عن هذا الحديث فقال: هذا حديث حسن صحيح.
ومنها ما رواه الإمام أحمد والترمذي أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أتاني ربي الليلة في أحسن صورة» قال: أحسبه في المنام. الحديث قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
ومنها ما رواه ابن أبي عاصم في «كتاب السنة» عن جابر بن سمرة رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى تجلى لي في أحسن صورة» الحديث. وهو طرف من حديث المنام الطويل، ورجال هذا الحديث رجال الصحيح.
ومنها ما رواه ابن أبي عاصم أيضاً في «كتاب السنة» عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تراءى لي ربي في أحسن الصورة» الحديث وإسناده حسن.
ومنها ما رواه ابن أبي عاصم أيضاً في «كتاب السنة» عن ثوبان رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ربي أتاني الليلة في أحسن صورة».
ومنها ما رواه ابن أبي عاصم أيضاً في كتاب «السنة» عن أم الطفيل امرأة أبي بن كعب قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «رأيت ربي في المنام في أحسن صورة» وهذا الحديث والذي قبله يشهد لهما ما تقدم من حديث معاذ وابن عباس وجابر بن سمرة وأبي أمامة رضي الله عنهم وقد قال أبو عبد الله ابن منده في «الرد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
على الجهمية» روي هذا الحديث عن عشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ونقلها عنهم أئمة البلاد من أهل الشرق والغرب انتهى.
وإذا علم هذا فقد روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رؤيا الأنبياء في المنام وحي» وروى ابن جرير في تفسيره وابن أبي عاصم في «كتاب السنة» عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كانت رؤيا الأنبياء وحياً» وروى البخاري في صحيحه عن عبيد بن عمير قال: «إن رؤيا الأنبياء وحي» ثم قرأ {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} [الصافات: 102]، وروى الإمام أحمد في مسنده وابن أبي عاصم في كتاب السنة بأسانيد صحيحة عن معاذ بن جبل رضي الله عنه موقوفاً «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ما رأى في يقظته أو نومه فهو حق» وفي رواية لأحمد قال: «رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم حق».
وإذا علم أن رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وحي وحق وعلم أيضاً ما تقدم ذكره في الأحاديث الصحيحة من إثبات الصورة لله تعالى فليعلم أنه يجب الإيمان بهذه الصفة وإمرارها كما جاءت من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. وقد تلقاها الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقابلوها بالقبول والتسليم وأمروها كما جاءت، ثم تلقاها التابعون عن الصحابة وقابلوها بالقبول والتسليم وأمروها كما جاءت، ثم تلقاها أتباع التابعين ومن بعدهم من أكابر العلماء وقابلوها بالقبول والتسليم وأمروها كما جاءت، وخرجها أكابر المحدثين في الصحاح وكتب السنة وقابلوها بالقبول والتسليم وأمروها كما جاءت، ثم خلف من بعدهم خلف سلكوا مسلك أهل الكلام الباطل الذي ذمه السلف، وحذروا منه فخاضوا في تأويلها وصرفها عن ظاهرها بما سنح
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
لهم من الاحتمالات والتأويلات المستكرهة، وقد تقدم قول ابن عبد البر أن السلف رووا أحاديث الصفات وسكتوا عنها وهم كانوا أعمق الناس علماً وأوسعهم فهماً وأقلهم تكلفا. ولم يكن سكوتهم على عي، فمن لم يسعه ما وسعهم فقد خاب وخسر انتهى.
ولقد أحسن الراجز حيث يقول:
وكل خير في اتباع من سلف … وكل شر في ابتداع من خلف
فصل
وقد دلت الأحاديث التي تقدم ذكرها (1) على أن الله تعالى خلق آدم على أحسن صورة وفي هذا أبلغ رد على المقالة الخبيثة التي تنسب إلى داروين وتسمى نظرية النشوء والتطور والارتقاء. فقد جاء في هذه المقالة الخبيثة أن الإنسان أصله قرد وأنه بعد النشوء والتطور والارتقاء صار إلى هذه الصورة الموجودة عليها بنو آدم اليوم. وهذا كفر صريح لما فيه من التكذيب بما أخبر الله به في كتابه وما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الثابتة عنه، فقد جاء في آيات كثيرة من القرآن أن الله تعالى خلق آدم من طين وأنه خلقه بيديه ونفخ فيه من روحه وعلمه الأسماء كلها وأمر الملائكة بالسجود له. وهذه فضائل عظيمة خص الله بها آدم دون سائر المخلوقات. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث التي تقدم ذكرها: «أن الله خلق آدم على صورته» وفي بعض الروايات «على صورة وجهه» وفي بعضها «على صورة الرحمن» وهذه فضيلة عظيمة جداً خص الله بها آدم دون سائر المخلوقات، وقد تضمنت المقالة الدارونية نفي هذه الفضيلة العظيمة عن آدم عليه الصلاة والسلام--------------------------------------------
(1) ص6 - 8 و20 و26 - 27.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
ونفي الفضائل المذكورة قبلها عنه، وهذا من أعظم المحادة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ومن أعظم العقوق لآدم حيث قد جعله الدارونيون منفصلاً من القردة التي هي من أخبث الحيوانات طبعاً وأشدها قبحاً وتشويهاً في الخلقة، فقاتل الله من قال بهذه المقالة الخبيثة ومن تلقاها بالقبول وقدمها على ما أخبر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم عن ابتداء خلق آدم عليه الصلاة والسلام.
وقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله عز وجل خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض جاء منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك والخبيث والطيب والسهل والحزن وبين ذلك» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وصححه أيضاً الحاكم والذهبي، وفي هذا الحديث أبلغ رد على من قال بالنشوء والتطور والارتقاء في بني آدم.
فصل
وقد عقد الرازي في كتابه الذي سماه «أساس التقديس» فصلاً في إثبات الصورة لله تعالى وأورد فيه حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي جاء فيه «أن الله خلق آدم على صورته» وحديث ابن عمر رضي الله عنهما الذي جاء فيه «أن الله خلق آدم على صورة الرحمن» وتأول الحديثين على طريقة أهل الكلام الباطل المذموم عند السلف واستشهد في كلامه بتأويل ابن خزيمة للحديثين، وقد رد عليه وعلى ابن خزيمة بحر العلوم وسيف الله المسلول على أهل البدع. شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
قدس الله روحه ونور ضريحه في كتاب الذي سماه «نقض أساس التقديس» بكلام مفصل مبسوط واضح بيّن لا يوجد مثله في كلام غيره من العلماء (1). ولعظم فائدته رأيت أن أذكر ملخصه في هذه النبذة لعل الله تعالى أن ينفع به من قرأه ومن سمعه ويكون سبباً لإطراح أقوال أهل الكلام الباطل وتأويلاتهم المستكرهة في حديث الصورة.
قال الرازي: الفصل الأول في إثبات الصورة. اعلم أن هذه اللفظة ما وردت في القرآن، لكنها واردة في الأخبار، فالخبر الأول: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله خلق آدم على صورته» وروى ابن خزيمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يقولن أحدكم لعبده قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته».
والجواب (2) اعلم أن الهاء في قوله صلى الله عليه وسلم: «على صورته» يحتمل أن تكون عائدة على شيء غير صورة آدم وغير الله--------------------------------------------
(1) قد طبع من رد شيخ الإسلام على الرازي مجلدان كبيران في مطبعة الحكومة بمكة المكرمة بأمر الملك فيصل بن عبد العزيز رحمه الله تعالى وذلك في سنة 1391 هـ وسنة 1392 هـ ووضع عليهما هذا الاسم: «بيان تلبيس الجهمية، في تأسيس بدعهم الكلامية» أو «نقض تأسيس الجهمية» وقد بقي من الكتاب بقية لم تزل مخطوطة إلى الآن، وهي التي فيها الرد على كلام الرازي فيما يتعلق بحديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي جاء فيه: «إن الله خلق آدم على صورته» وحديث ابن عمر رضي الله عنهما الذي جاء فيه: «إن الله خلق آدم على صورة الرحمن» وقد وضع على هذه القطعة المخطوطة هذا الاسم: «نقض أساس التقديس» نسأل الله تعالى أن ييسر طبعها وينفع بالكتاب كل من قرأه أو سمعه. وهو موجود في مكتبة جامعة الملك سعود بالرياض.
(2) هذا الجواب للرازي أجاب به عن الحديث وسيأتي كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على هذا الجواب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
ويحتمل أن يكون عائداً إلى آدم عليه السلام ويحتمل أن يكون عائداً إلى الله، فهذه طرق ثلاثة.
الطريق الأول: أن يكون هذا الضمير عائداً إلى غير آدم وإلى غير الله تعالى. وعلى هذا التقدير ففي تأويل الخبر وجهان: الأول: هو أن من قال للإنسان قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فهذا يكون شتماً لآدم فإنه لما كان صورة هذا الإنسان مساوية لصورة آدم كان قوله قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك شتماً لآدم عليه السلام ولجميع الأنبياء وذلك غير جائز فلا جرم نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وإنما خص آدم بالذكر لأنه هو الذي ابتدئت خلقته على هذه الصورة.
الثاني: أن المراد منه إبطال قول من يقول إن آدم كان على صورة أخرى مثل ما يقال أنه كان عظيم الجثة طويل القامة بحيث يكون رأسه قريبا من السماء فالنبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى إنسان معين وقال إن الله تعالى خلق آدم على صورته، أي كان شكل آدم مثل شكل هذا الإنسان من غير تفاوت البتة، فأبطل بهذا البيان وهم من توهم أن آدم كان على صورة أخرى غير هذه الصورة.
الطريق الثاني: أن يكون الضمير عائداً إلى آدم عليه السلام، وهذا أولى الوجوه الثلاثة لأن عود الضمير إلى أقرب مذكور واجب. وفي هذا الحديث أقرب الأشياء المذكورة هو آدم عليه السلام فكان عود الضمير إليه أولى، ثم على هذا الطريق ففي تأويل الخبر وجوه. الأول: أنه تعالى لما عظم أمر آدم فجعله مسجود الملائكة ثم إنه أتى بتلك الزلة فالله لم يعاقبه بمثل ما عاقب به غيره فإنه نقل أن الله أخرجه من الجنة وأخرج معه الحية والطاووس وغيّر خلقهما مع أنه لم يغيّر خلقة آدم بل تركه على الخلقة الأولى إكراماً له وصوناً له من عذاب المسخ. فقوله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق آدم على صورته» معناه خلق آدم على هذه الصورة التي هي الآن باقية من غير وقوع المبدل فيها. والفرق بين هذا الجواب وبين الذي قبله أن المقصود من هذا بيان أنه صلى الله عليه وسلم كان مصوناً عن المسخ، والجواب الأول ليس فيه إلا بيان أن هذه الصورة الموجودة ليس هي إلا التي كانت موجودة قبل من غير تعرض لبيان أنه جعل مصوناً عن المسخ بسبب زلته، مع أن غيره صار ممسوخاً.
الثاني: المراد منه إبطال قول الدهرية الذين يقولون إن الإنسان لا يتولد إلا بواسطة النطفة ودم الطمث فقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق آدم على صورته» ابتداء من غير تقدم نطفة وعلقة ومضغة.
الثالث: أن الإنسان لا يكون إلا في مدة طويلة وزمان مديد وبواسطة الأفلاك والعناصر فقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق آدم على صورته» أي من غير هذه الوسائط، والمقصود منه الرد على الفلاسفة.
الرابع: المقصود منه بيان أن هذه الصورة الإنسانية إنما حصلت بتخليق الله تعالى وإيجاده لا بتخليق القوة المصورة والمولدة على ما يذكره الأطباء والفلاسفة ولهذا قال الله تعالى: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ} [الحشر: 24]، فهو الخالق: أي هو العالم بأحوال الممكنات والمحدثات. والبارئ: أي هو المحدث للأجسام والذوات بعد عدمها. والمصور: أي هو الذي ركب تلك الذوات على صورها المخصوصة وتركيباتها المخصوصة.
الخامس: قد تذكر الصورة ويراد بها الصفة يقال شرحت له صورة هذه الواقعة وذكرت له صورة هذه المسألة. والمراد من الصورة في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
كل هذه المواضع الصفة. فقوله: «إن الله خلق آدم على صورته» أي على جملة صفاته وأحواله. وذلك لأن الإنسان حين يحدث يكون في غاية الجهل والعجز ثم لا يزال يزداد علمه وقدرته إلى أن يصل إلى حد الكمال. فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن آدم خلق من أول الأمر كاملاً تاماً في علمه وقدرته. وقوله: «خلق الله آدم على صورته» معناه أنه خلقه في أول الأمر على صفته التي كانت حاصلة له في آخر الأمر. وأيضاً فلا يبعد أن يدخل في لفظ الصورة كونه سعيداً أو شقياً كما قال صلى الله عليه وسلم: «السعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه» فقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق آدم على صورته» أي على جميع صفاته من كونه سعيداً أو عارفاً أو تائباً أو مقبولاً من عند الله.
الطريق الثالث: أن يكون ذلك الضمير عائداً إلى الله تعالى وفيه وجوه. الأول المراد منه الصفة لما بيناه فيكون المعنى أن آدم عليه السلام امتاز عن سائر الأشخاص والأجسام بكونه عالماً بالمعقولات قادراً على استنباط الحرف والصناعات، وهذه صفات شريفة مناسبة لصفات الله من بعض الوجوه فصح قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق آدم على صورته» بناء على هذا التأويل.
فإن قيل المشاركة في صفات كمال تقتضي المشاركة في الإلهية، قلنا: المشاركة في بعض اللوازم البعيدة مع حصول المخالفة في الأمور الكثيرة لا تقتضي المساواة في الإلهية ولهذا المعنى قال الله تعالى: {وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى} [الروم: 27]، وقال صلى الله عليه وسلم «تخلقوا بأخلاق الله» (1).
الثاني: أنه كما يصح إضافة الصفة إلى الموصوف فقد يصح--------------------------------------------
(1) هذا حديث موضوع وسيأتي التنبيه على ذلك في كلام شيخ الإسلام رحمه الله، تراجع صفحة 89.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
إضافتها إلى الخالق والموجود فيكون الغرض من هذه الإضافة الدلالة على أن هذه الصورة ممتازة عن سائر الصور بمزيد الكرامة والجلالة.
الثالث: قال الشيخ الغزالي: ليس الإنسان عبارة عن هذه البنية بل هو موجود ليس بجسم ولا جسماني ولا تعلق به بهذا البدن إلا على سبيل التدبير أو التصرف، فقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق آدم على صورته» أي نسبة ذات آدم إلى هذا البدن كنسبة الباري إلى العالم من حيث أن كل واحد منهما غير حال في هذا الجسم وإن كان مؤثراً فيه بالتصرف والتدبير.
قال: الخبر الثاني ما رواه ابن خزيمة في كتابه الذي سماه «التوحيد» بإسناده عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن» قال: واعلم أن ابن خزيمة ضعف هذه الرواية، ويقول: إن صحت هذه الرواية فلها تأويلان، الأول: أن يكون المراد من الصورة الصفة على ما بيناه. الثاني: أن يكون المراد من هذه الإضافة بيان شرف هذه الصورة كما في قوله بيت الله وناقة الله.
قلت (1): هذا الحديث أخرجوه في الصحيحين من وجوه. ففي الصحيحين عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خلق الله آدم على صورته وطوله ستون ذراعاً ثم قال اذهب فسلم على أولئك الملائكة فاسمع ما يجيبونك به فإنها تحيتك وتحية ذريتك فقال: السلام عليكم فقالوا: السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله فكل من يدخل الجنة على صورة آدم» قال في رواية جعفر (2) ومحمد بن--------------------------------------------
(1) هذا أول كلام شيخ الإسلام في رده على الرازي وما قبله فكله من كلام الرازي.
(2) كذا في المخطوطة والصواب، يحيى بن جعفر، وروايته عند البخاري، وأما رواية محمد بن رافع فهي عند مسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)