وقد روى البغوي في تفسيره عن ابي امامة رضي الله عنه مرفوعا. ما من رجل يرفع صوته بالغناء الا بعث الله عليه شيطانين احدهما على هذا المنكب والآخر على هذا المنكب فلا يزالان يضربانه بأرجلهما حتى يكون هو الذي يسكت.
ورواه الحافظ ابو الفرج ابن الجوزي ولفظه ما من رجل يرفع عقيرة صوته بالغناء الا بعث الله له شيطانين يرتدفانه اعني هذا من ذا الجانب وهذا من ذا الجانب ولا يزالان يضربانه بأرجلهما في صدره حتى يكون هو الذي يسكت.
وروى الطبراني عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما من راكب يخلو في مسيره بالله وذكره الا ردفه ملك ولا يخلو بشعر ونحوه الا كان ردفه شيطان» ، قال المنذري والهيثمي اسناده حسن .. وذكر ابن الجوزي وابن رجب عن ابن مسعود رضي الله عنه انه قال «اذا ركب الانسان الدابة ولم يسم ردفه الشيطان وقال له تغنه فان لم يحسن الغناء قال تمنه» واذا كان الغناء جالبا للشياطين ومبعدا للملائكة فلا شك انه فن قبيح.
الوجه الثاني عشر ان الغناء سبب لأنواع العقوبات في الدنيا والآخرة قال الله تعالى (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين، وإِذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في اذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم) وقد تقدم قول ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم وجماعة من التابعين ان لهو الحديث هو الغناء. وقد حلف ابن مسعود رضي الله عنه على ذلك وكرر الحلف ثلاث مرات وهو الصادق البار في يمينه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)
وقد ورد الوعيد الشديد لاهل الغناء والمعازف في أكثر من عشرين حديثاً ذكرتها في كتابي «فصل الخطاب في الرد على أبي تراب» فلتراجع هناك، وفي اكثرها الوعيد لهم ولشاربي الخمر بالخسف والقذف والمسخ. وما كان الامر فيه هكذا فهو من الفنون القبيحة.
الوجه الثالث عشر ان الغناء يغير العقل وينقص الحياء ويهدم المروءة ولهذا يرقص اهله كما ترقص القرود والدباب ويتمايلون كما يتمايل المجانين والسكارى ويصفقون كما تصفق النساء ولا يرون بهذه الروعونات بأسا. ومن له ادنى عقل لا يخفى عليه قبح هذه الأفعال ومضادتها للعقل وللحياء والمروءة. فالغناء اذاً فن قبيح.
قال الحافظ ابو الفرج ابن الجوزي رحمه الله تعالى الغناء يخرج الانسان عن الاعتدال ويغير العقل وبيان هذا ان الانسان اذا طرب فعل ما يستقبحه في حال صحته من غيره من تحريك رأسه وتصفيق يديه ودق الارض برجليه الى غير ذلك مما يفعله اصحاب العقول السخيفة. والغنا يوجب ذلك بل يقارب فعله فعل الخمر في تغطية العقل، فينبغي أن يقع المنع منه انتهى.
الوجه الرابع عشر ان الغناء من لذات الفساق كما ان الزنا وشرب الخمر من لذاتهم ايضا. فهل يقول عاقل ان الزنا فن جميل لانه لذيذ الى النفس او ان شرب الخمر فن جميل لانه لذيذ الى المفتونين به. كلا لايقول هذا عاقل ابدا.
وكذلك لا يقول عاقل ان الغناء فن جميل من اجل التذاذ الفساق به. الوجه الخامس عشر ان النبي صلى الله عليه وسلم قال «ان الله جميل يحب الجمال» رواه الامام احمد ومسلم والترمذي من حديث
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب.
وهذا الحديث من اوضح الادلة على ان الغناء فن قبيح لانه مسخطة للرب تبارك وتعالى ومرضاة للشيطان ولانه صوت الشيطان ومزماره. فهل يقول عاقل ان الله تعالى يحب صوت الشيطان ومزماره وانه فن جميل.
كلا لا يقول هذا الا من اعمى الله بصيرته فصار يرى الباطل في صورة الحق والقبيح في صورة الحسن. وقد قيل:
يقضى على المرء في أيام محنته … حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن
وابلغ من هذا قول الله تعالى (ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا اولئك الذين لم يرد الله ان يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم).
(فصل)
واما قوله يتعشقه كل انسان بفطرته. وتهيم به كل نفس بطبيعتها فجوابه من وجوه:
احدها ان يقال ان الغناء مزمار الشيطان وصوته فلا يتعشقه وتهيم به نفسه الا من استفزه الشيطان وغلب عليه كما قال الله تعالى (واستفزز من استطعت منهم بصوتك) وقد ثبت عن مجاهد انه قال صوته هو الغناء والمزامير. ومجاهد انما تلقى التفسير عن حبر الامة وترجمان القرآن ابن عباس رضي الله عنهما كما قال محمد بن اسحاق حدثنا ابان ابن صالح عن مجاهد قال عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته الى خاتمته اوقفه عند كل آية منه واسأله عنها ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
وروى ابن جرير عن ابي مليكة قال رأيت مجاهدا سأل ابن عباس رضي الله عنهما عن تفسير القرآن ومعه ألواحه قال فيقول له ابن عباس رضي الله عنهما اكتب حتى سأله عن التفسير كله.
ولهذا قال سفيان الثوري اذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به.
الوجه الثاني انه لا يتعشق الغناء ويستبيحه الا الفساق. قال الامام احمد رحمه الله تعالى حدثنا اسحاق ابن عيسى الطباع قال سألت مالك بن انس عما يترخص فيه اهل المدينة من الغناء فقال انما يفعله عندنا الفساق. قال الحافظ ابن رجب وكذا قال ابراهيم بن المنذر الحزامي وهو من علماء اهل المدينة المعتبرين.
الوجه الثالث ان اهل التقوى ينفرون من سماع الغناء والمزامير اشد النفرة ويبغضونها غاية البغض وقد قال الله تعالى في نعتهم (والذين لا يشهدون الزور واذا مروا باللغو مروا كراما).
قال محمد بن الحنفية الزور اللهو والغناء. وقال مجاهد لا يسمعون الغناء وقال ثعلب الزور ههنا مجالس اللهو وقال الزجاج قيل الزور ههنا مجالس الغناء.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى والمعنى لا يحضرون مجالس الباطل واذا مروا بكل ما يلغي من قول وعمل أكرموا أنفسهم أن يقفوا عليه أو يميلوا اليه ويدخل في هذا اعياد المشركين كما فسرها به السلف والغناء وانواع الباطل كلها. قال وتأمل كيف قال سبحانه لا يشهدون الزور ولم يقل بالزور لأن يشهدون بمعنى يحضرون فمدحهم على ترك حضور مجالس الزور فكيف بالتكلم به وفعله. والغناء من اعظم الزور انتهى.
وروى ابن جرير وابن ابي حاتم عن ابراهيم بن ميسرة ان ابن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
مسعود رضي الله عنه مر بلهو فلم يقف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد اصبح ابن مسعود وامسى كريما ثم تلا ابراهيم بن ميسرة (واذا مروا باللغو مروا كراما).
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم انه سد اذنيه لما سمع صوت الزمارة وعدل راحلته عن الطريق. قال الامام احمد رحمه الله تعالى حدثنا الوليد حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى عن نافع مولى ابن عمر ان ابن عمر رضي الله عنهما سمع صوت زمارة راع فوضع اصبعيه في اذنيه وعدل راحلته عن الطريق وهو يقول يا نافع اتسمع فأقول نعم فيمضي حتى قلت لا فوضع يديه واعاد راحلته الى الطريق وقال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع صوت زمارة راع فصنع مثل هذا. اسناده صحيح. وقد رواه ابو داود في سننه عن احمد بن عبيد الله الغداني عن الوليد بن مسلم فذكره بنحوه، وبوب عليه بقوله «باب كراهية الغناء والزمر» وقد رواه ابن الجوزي من طريق الامام احمد ثم قال اذا كان هذا فعلهم في حق صوت لا يخرج عن الاعتدال فكيف بغناء اهل الزمان وزمورهم.
قلت واعظم من ذلك ما فشى في زماننا من الحان الغناء واصوات المعازف التي تفعل في نفس من اصغى اليها نحو ما تفعل الخمر فهذه اولى بأن تسد عنها المسامع وان يبتعد عن سماعها غاية البعد. وما اصعب ذلك في زماننا فالله المستعان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
(فصل)
وأما قوله يتوق اليه الملك في قصره. ويشتاقه الصعلوك في كوخه. فجوابه من وجهين:
احدهما ان يقال ليس كل الملوك يتوقون الى الغناء ولا كل الصعاليك يشتاقون اليه وانما يتوق اليه ويشتاقه من قل نصيبه من التقوى من ملك وصعلوك وغيرهما من سائر اصناف الناس.
الوجه الثاني ان يقال ليس كل ما يتوق اليه الملوك ويشتاقه غيرهم من الناس يكون مباحا بل منه ما يكون مباحا ومنه ما يكون محرما كالغناء والمزامير وغيرها من المحرمات التي يشتاق اليها من استزله الشيطان واغواه.
وليست العبرة في حل الاشياء او حرمتها باهواء الناس وشهواتهم وانما العبرة في ذلك بالكتاب والسنة فما شهدا له بالحل فهو حلال وما شهدا له بالتحريم فهو حرام ولو تاقت إِليه أنفس الملوك أو غيرهم من الناس. وقد قام الدليل من الكتاب والسنة على تحريم الغناء والمزامير فلا يلتفت الى ما خالفه من اهواء الناس وشهواتهم.
(فصل)
واما قوله وهو غذاء الارواح وسلسبيل القلوب وصقال النفوس وروضة الاذهان.
فجوابه أن يقال هذا من قلب الحقائق فإِن هذه الصفات لا تنطبق على الغناء وانما تنطبق على القرآن فهو غذاء ارواح المؤمنين وسلسبيل قلوبهم وصقال نفوسهم وروضة اذهانهم. واما سماع المكاء والتصدية فانه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
فساد للارواح والقلوب والنفوس والاذهان لانه صوت احمق فاجر ملعون في الدنيا والآخرة وهو صوت الشيطان وقرآنه ورقية الزنا ومنبت النفاق في القلوب وجالب الشياطين ومبعد الملائكة وصنو الخمر في الصد عن ذكر الله وعن الصلاة. الى غير ذلك من صفاته الذميمة وما كان كذلك فهو شر محض.
(فصل)
واما قوله وهو بعد متعة مشروعة لا يأباها الدين ولا تنكرها الشريعة ما دام لا يكتنفه رفث ولا فسوق ولا شراب.
فجوابه من وجوه:
احدها ان ما زعمه من كون الغناء متعة مشروعة قول باطل معلوم البطلان بالضرورة من الدين. وكيف يكون الغناء متعة مشروعة والله تبارك وتعالى قد ذمه في مواضع من كتابه وتوعد من اختاره بالعذاب المهين. وكذلك قد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسماه الصوت الاحمق الفاجر واخبر انه صوت ملعون في الدنيا والآخرة.
الوجه الثاني ان يقال انما يتمتع بالغناء الفساق الذين لا يبالون بارتكاب المحرمات. وقد تقدم قول مالك وابراهيم بن المنذر الحزامي في ذلك.
والذي شرع هذه المتعة للفساق هو ابليس وأولياؤه. وقد روى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما انه ذكر عن اهل الجاهلية الاولى ان ابليس صنع مزمارا فانتابه الناس يستمعون اليه وصار ذلك سببا لتبرج النساء للرجال وظهور الفاحشة فيهم.
وذكر ابن جرير ايضا ان الذي اتخذ الملاهي رجل من ولد قابيل يقال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
له ثوبال اتخذ في زمانه مهلائيل بن قينان آلات اللهو من المزامير والطبول والعيدان فانهمك ولد قابيل في اللهو وتناهى خبرهم الى من بالجبل من نسل شيث فنزل منهم قوم وفشت الفاحشة وشرب الخمر.
الوجه الثالث ان في كلام صاحب النبذة كذبا ظاهرا على الدين والشريعة المحمدية حيث زعم ان الدين لا يأبى الغناء وان الشريعة لا تنكره. وقد تقدم من الآيات والاحاديث ما يكفي في رد قوله.
وقد وردت الادلة الكثيرة من الكتاب والسنة بتحريم الغناء والمعازف. وجاء في ذلك آثار كثيرة عن الصحابة والتابعين وتابعيهم وعن الائمة الاربعة وغيرهم من العلماء. وحكى غير واحد الاجماع على ذلك وقد ذكرت ذلك مستقصى في كتابي «فصل الخطاب في الرد على ابي تراب» فليراجع هناك ففيه رد لقول صاحب النبذة ان الغناء متعة مشروعة لا يأباها الدين ولا تنكرها الشريعة. ونكتفي ههنا بايراد حديثين صحيحين في ذلك. احدهما ما رواه البخاري في صحيحه والاسماعيلي والطبراني وابن حبان والبيهقي وغيرهم عن عبد الرحمن بن غنم الاشعري رضي الله عنه قال حدثني ابو عامر او ابو مالك الاشعري رضي الله عنه والله ما كذبني سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف» وهذا الحديث واضح في تحريم الغناء لان الاستحلال انما يكون للشيء المحرم. وقد قرن استحلاله باستحلال الزنا وشرب الخمر ولبس الحرير في حق الذكور وهذا يدل على غلظ تحريمه.
والمعازف جمع معزف ويقال ايضا معزفة بكسر الميم وفتح الزاي فيهما قال الجوهري المعازف الملاهي والعازف اللاعب بها والمغني وقد عزف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
عزفا. وقد تقدم قول ابي زبيد:
وكان العزيف فيها غناء … للندامى من شارب مسمود
قال ابن حجر العسقلاني ويطلق على الغناء عزف وعلى كل لعب عزف.
الثاني ما رواه الامام احمد وابن ابي شيبة والبخاري في التاريخ الكبير وابن ماجه في سننه وابن حبان في صحيحه عن عبد الرحمن بن غنم الاشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ليشربن ناس من امتي الخمر يسمونها بغير اسمها يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات يخسف الله بهم الارض ويجعل منهم القردة والخنازير».
وهذا الحديث يدل على تحريم الغناء واستعمال المعازف والاستماع اليها وان ذلك من الكبائر لشدة الوعيد عليه.
الوجه الرابع ان الغناء محرم لذاته سواء اكتنفه رفث او فسوق او شراب او لم يكتنفه. واذا اكتنفه شيء مما ذكر كان اعظم لتحريمه لجمعه بين امرين محرمين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
(فصل)
واما قوله: دع عنك ما يتشدق به المتزمتون من ان الدين يحظره وان الشرع لا يبيحه.
فجوابه من وجهين. احدهما ان يقال ان الذين يحرمون الغناء ليسوا بالمتشدقين ولا بالمتزمتين كما رماهم بذلك صاحب النبذة بغياً وظلماً. وانما هم متمسكون بما جاء عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في ذلك ومتبعون لخيار هذه الأمة من الصحابة والتابعين وأئمة العلم والهدي من بعدهم. ومن سار على الصراط المستقيم فليس بمتشدق ولا متزمت وانما المتشدق من اتبع غير سبيل المؤمنين وجادل بالباطل ليدحض به الحق كصاحب النبذة واشباهه.
الوجه الثاني ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الغناء وسماه الصوت الاحمق الفاجر وقرنه بالنياحة واخبر انه ملعون في الدنيا والآخرة. وأخبر أيضا ان أقواماً من أمته يستحلونه وان الله يخسف بهم الارض ويجعل منهم القردة والخنازير. وقرن استحلاله باستحلال الزنا والخمر ولبس الحرير للرجال. فهل يقول صاحب النبذة ان هذا تشدق وتزمت. وهل يقول ايضا ان اقوال الصحابة والتابعين وتابعيهم في ذم الغناء والمنع عنه كلها تشدق وتزمت. أم ماذا يجيب به عن كلامه السيء الذي لم يتأمل فيه وفيما يترتب عليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
(فصل)
واما قوله وحسبنا في تفنيد زعمهم ما ورد في الحديث الشريف عن عائشة رضي الله عنها انها زفت امرأة الى رجل من الانصار فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم يا عائشة ما كان معكم لهو فان الانصار يعجبهم اللهو. وفي رواية فهلا بعثتم معها جارية تضرب بالدف وتغني. وقال صاحب العقد الفريد. واحتجوا في اباحة الغناء واستحسانه بقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة اهديتم الفتاة الى بعلها قالت نعم قال فبعثتم معها من يغني قالت لا قال او ما علمت ان الانصار قوم يعجبهم الغزل. الا بعثتم معها من يقول:
اتيناكم اتيناكم … فحيونا نحييكم
ولوا الحبة السمرا … ء لم تحلل بواديكم
فجوابه من وجوه. احدها ان النبي صلى الله عليه وسلم انما رخص للنساء في الغناء في ايام الافراح كالاعياد والاعراس كما دل عليه هذا الحديث وحديث عائشة رضي الله عنها في غناء الجاريتين عندها في يوم العيد ولم يرخص لهن مطلقا وهذا يرد قول من استدل به على جواز الغناء على الاطلاق كالصوفية وابن حزم ومن نحا نحوهم كصاحب النبذة واشباهه ممن يرى حل الغناء المحرم.
قال شيخ الاسلام ابو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى اما من يصلح له اللعب فيرخص له في الأعياد كما كانت الجاريتان تغنيان والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع، فمن استدل بجواز الغناء للصغار في يوم العيد على انه مباح للكبار من الرجال والنساء على الاطلاق فهو مخطئ انتهى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
الوجه الثاني ان النبي صلى الله عليه وسلم انما رخص في الغناء في ايام الافراح للنساء خاصة ولم يرخص فيه للرجال.
وقد روى ابو نعيم في الحلية من حديث الربيع بن خيثم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يتغنى من الليل فقال لا صلاة له حتى يصلي مثلها ثلاث مرات. وهذا الحديث يدل على التشديد على الرجال في الغناء. ويدل على ذلك ايضا ما رواه ابن أبي الدنيا الخ.
وروى ابن ابي الدنيا من طريق يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن عمر قال حدثني نافع ان ابن عمر رضي الله عنهما مر على قوم محرمين وفيهم رجل يتغنى فقال الا لا سمع الله لكم الا لاسمع الله لكم.
الوجه الثالث ان الذي وردت الرخصة فيه للنساء في ايام الافراح هو مجرد انشاد الاشعار مع الضرب على الدفوف من غير تلحين ولا تطريب في الانشاد ولا تأنق في الضرب بالدفوف ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها في الحديث الصحيح وليستا بمغنيتين. قال الحافظ ابن حجر فنفت عنهما من طريق المعنى ما اثبتته لهما باللفظ لان الغناء يطلق على رفع الصوت.
قلت وهذا احد الوجوه التي فسر بها قول النبي صلى الله عليه وسلم «ما اذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به» متفق عليه من حديث ابي هريرة رضي الله عنه.
قال الخطابي يجهر به. زعم بعضهم انه تفسير لقوله يتغنى به، قال وكل من رفع صوته بشيء معلناً به فقد تغنى به.
وقال ابو عاصم اخذ بيدي ابن جريج فوقفني على اشعب فقال غن ابن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
أخي ما بلغ من طمعك فقال بلغ من طمعي انه ما زفت بالمدينة جارية الا رششت بابي طمعا ان تهدى الي. يريد اخبره معلنا به غير مسر انتهى.
وذكر ابن منظور في لسان العرب عن الاصمعي انه قال كل من رفع صوته ووالاه فصوته عند العرب غناء. وكذا قال ابن الاثير في النهاية.
ثم ذكر الحافظ ابن حجر ان الغناء يطلق على الترنم الذي تسميه العرب النصب بفتح النون وسكون المهملة. وعلى الحداء. قال ولا يسمى فاعله مغنيا وانما يسمى بذلك من ينشد بتمطيط وتكسير وتهييج وتشويق بما فيه تعريض بالفواحش او تصريح.
قلت ويطلق الغناء ايضا على مجرد الانشاد لما روى الزبير بن بكار من طريق زيد بن اسلم عن ابيه ان عمر رضي الله عنه قال للحطيئة كأني بك عند شاب من قريش قد كسر لك نمرقة وبسط لك اخرى وقال يا حطيئة غننا فاندفعت تغنيه بأعراض الناس. قال اسلم فرأيت الحطيئة بعد ذلك عند عبيد الله بن عمر وقد كسر له نمرقة وبسط له اخرى وقال يا حطيئة غننا فاندفع حطيئة يغني. فقلت له يا حطيئة اتذكر يوم عمر حين قال لك ما قال ففزع وقال رحمه الله ذلك المرء لو كان حيا ما فعلنا هذا فقلت لعبيد الله اني سمعت أباك يقول كذا وكذا فكنت انت ذلك الرجل. واذا علم هذا فالغناء الجائز الذي وردت الرخصة فيه للنساء في ايام الافراح لا يخرج عن احد الاقسام الجائزة كما يدل لذلك قول عائشة رضي الله عنها وليستا بمغنيتين. وقد جزم الحافظان ابو الفرج ابن الجوزي وابو موسى المديني وغيرهما من اكابر العلماء ان غناء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
الجاريتين عند عائشة رضي الله عنها كان مجرد انشاد لا تلحين فيه ولا تطريب. وهو ظاهر ما رواه جعفر بن محمد عن الامام احمد رحمه الله تعالى كما سيأتي.
وقال ابن الأثير في النهاية وابن منظور في لسان العرب وفي حديث عائشة رضي الله عنها وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث أي تنشدان الاشعار التي قيلت يوم بعاث وهو حرب كانت بين الانصار ولم ترد الغناء المعروف بين اهل اللهو واللعب وقد رخص عمر رضي الله عنه في غناء الاعراب وهو صوت كالحداء انتهى.
ومع ان غناء الجاريتين كان مجرد انشاد فقد اضطجع النبي صلى الله عليه وسلم على الفراش وتسجى بثوبه وحول وجهه. وهذا اوضح دليل على كراهته لذلك فانه كان يكره الشعر. قالت عائشة رضي الله عنها كان ابغض الحديث اليه رواه الامام احمد وابو داود الطيالسي وابن جرير وابن ابي حاتم.
وروى عنه صلى الله عليه وسلم انه قال «الشعر من مزامير ابليس» رواه البيهقي وغيره من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه.
وقد اقر صلى الله عليه وسلم ابا بكر الصديق رضي الله عنه على تسمية الشعر مزامير الشيطان كما في حديث عائشة رضي الله عنها المتفق على صحته.
وإِذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يبغض الشعر المجرد من الغناء ويسميه مزامير الشيطان فكيف يظن به انه كان يقر الغناء ويبيحه.
وكذلك لا ينبغي ان يظن بأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها انها كانت تستمع إلى الغناء المحرم وانما كانت تستمع الى ما يجوز استماعه من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
انشاد الاشعار بدون تلحين وتطريب.
وقد ثبت عنها رضي الله عنها إِنكار الغناء والمنع عنه. فروي البخاري في الادب المفرد والبيهقي باسناد صحيح عنها رضي الله عنها ان بنات أخيها خفضن فألمن من ذلك فقيل لها يا أم المؤمنين ألا ندعو لهن ما يلهيهن قالت بلى فأرسلوا الى فلان المغني فأتاهم فمرت به عائشة رضي الله عنها في البيت فرأته يتغنى ويحرك رأسه طربا وكان ذا شعر كثير فقالت أف شيطان اخرجوه اخرجوه فأخرجوه.
وهذا الحديث يرد قول من زعم ان الجاريتين كانتا تغنيان بالغناء المعروف عند اهل اللهو واللعب.
وقد قال ابو بكر الخلال اخبرنا منصور بن الوليد ان جعفر بن محمد حدثهم قال قلت لابي عبد الله احمد بن حنبل. حديث الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها عن جوار يغنين أي شيء هذا الغناء قال غناء الركب أتيناكم أتيناكم.
وقال الامام احمد رحمه الله تعالى حدثنا اسود بن عامر حدثنا ابو بكر عن الاجلح عن ابي الزبير عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها اهديتم الجارية إلى بيتها قالت نعم قال فهلا بعثتم معها من يغنيهم يقول:
اتيناكم اتيناكم … فحيونا نحييكم
فان الانصار قوم فيهم غزل.
وروى ابو بكر الخلال عن عائشة رضي الله عنها قالت كانت عندنا جارية يتيمة من الانصار فزوجناها رجلا من الانصار فكنت فيمن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
اهداها الى زوجها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عائشة ان الأنصاري أناس فيهم غزل فما قلت قالت دعونا بالبركة قال أفلا قلتم:
اتيناكم اتيناكم … فحيونا نحييكم
ولولا الذهب الاحمـ … ـر ما حلت بواديكم
ولولا الحبة السمـ … ـراء لم تسمن عذاريكم
وروى ابن ماجة في سننه باسناد صحيح عن انس بن مالك رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم مر ببعض المدينة فاذا هو بجوار يضربن بدفهن ويتغنين ويقلن:
نحن جوار من بني النجار … يا حبذا محمد من جار
فقال النبي صلى الله عليه وسلم «الله يعلم اني لأحبكن». وروى الامام احمد والبخاري واهل السنن الا النسائي عن خالد بن زكوان قال قالت الربيع بنت معوذ بن عفراء رضي الله عنها جاء النبي صلى الله عليه وسلم يدخل حين بني علي فجلس على فراشي كمجلسك مني فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر اذ قالت احداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد فقال «دعي هذه وقولي بالذي كنت تقولين» قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وزاد ابن ماجة في آخره «ما يعلم ما في غد الا الله».
وروى الطبراني في الاوسط والصغير عن عائشة رضي الله عنها ان النبي صلى الله عليه وسلم مر بنساء من الانصار في عرس لهن وهن يغنين:
واهدى لها كبشاً … تبحبح في المربد
وزوجك في النادي … ويعلم ما في غد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يعلم ما في غد الا الله» قال الهيثمي رجاله رجال الصحيح. وقد رواه الحاكم في مستدركه بنحوه وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وهذا الذي ذكرناه وما اشبهه هو الذي كان الصحابة رضي الله عنهم يترخصون فيه وفي سماعه في ايام الافراح كالاعياد والاعراس. واما الغناء المعروف عند اهل اللهو واللعب وهو ما يطلق عليه اسم الغناء في زماننا فقد كانوا يذمونه ويمنعون منه. وقد ذكرت أقوالهم في ذلك في كتابي «فصل الخطاب في الرد على ابي تراب» فلتراجع هناك.
قال الحافظ ابو الفرج ابن الجوزي روينا عن الشافعي رضي الله عنه انه قال اما استماع الحداء ونشيد الاعراب فلا بأس به. قال ابن الجوزي ومن إِنشاد العرب قول أهل المدينة عند قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم:
طلع البدر علينا … من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا … ما دعا لله داع
قال ومن هذا الجنس كانوا ينشدون اشعارهم بالمدينة وربما ضربوا عليه بالدف عند إِنشاده.
ثم ذكر ان من هذا الجنس ما في حديث عائشة رضي الله عنها في قصة الجاريتين اللتين كانتا تغنيان عندها بغناء بعاث.
ثم ذكر حديث عائشة وحديث جابر رضي الله عنهما في اهداء الجارية الى زوجها. ثم قال فقد بان بما ذكرنا ما كانوا يغنون به وليس مما يطرب ولا كانت دفوفهن على ما يعرف اليوم انتهى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
واذا علم هذا فمن الخطأ الواضح قياس غناء اهل هذه الازمان على ما كان الصحابة رضي الله عنهم يترخصون فيه في ايام الافراح مع عظم الفرق بين الجنسين وكيف يقاس ما يستفز العقول ويفسد القلوب وينبت النفاق فيها ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة على ما ليس كذلك. لقد ضل من قال بهذا القياس الفاسد وبعد عن الصواب غاية البعد.
الوجه الرابع انه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم انه نهى عن الغناء وسماه الصوت الاحمق الفاجر وقرنه بالنياحة واخبر انه ملعون في الدنيا والآخرة. وقرن استحلاله باستحلال الزنا والخمر ولبس الحرير في حق الذكور وقد تقدمت الاحاديث بذلك. واذا كان الامر في الغناء ما ذكرنا فكيف يظن بالنبي صلى الله عليه وسلم انه رخص فيه. هذا تناقض ينزه عنه آحاد العقلاء فضلا عن الشارع الحكيم.
الوجه الخامس ان يقال ان ما كان احمق فاجرا ملعونا في الدنيا والآخرة فان الشريعة لا تأتي بالرخصة فيه ابدا. ومن زعم ان الشريعة جاءت بالرخصة فيه فقد غلط على الشريعة.
الوجه السادس ان الغناء يطلق على خمسة انواع كما تقدم ايضاح ذلك.
الاول رفع الصوت وموالاته.
والثاني النصب بفتح النون وسكون الصاد المهملة وهو الترنم.
والثالث الحداء.
والرابع انشاد الاشعار. وهذه كلها جائزة.
والخامس ما يكون فيه تمطيط وتكسير وتلحين وتطريب وهذا هو الغناء المحرم وهو الصوت الأحمق الفاجر الملعون في الدنيا والآخرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
وهذا النوع هو المعروف عند اهل الغناء في زماننا وهو الذي يستعمله اهل الاذاعات والتسجيل وغيرهم من المفتونين بصوت الشيطان ومزاميره.
ومن قاس هذا النوع الملعون على الانواع الجائزة واستدل على جوازه بجوازها فقد ابعد النجعة ونادى على كثافة جهله. وهو كمن قاس الميتة على المذكاة والربا على البيع والتحليل الملعون فاعله على النكاح الصحيح وشراب الخمر على الاشربة المباحة وغير ذلك من الاقيسة الفاسدة التي يستعملها من قل نصيبه من العلم والايمان.
الوجه السابع ان غناء الجواري في زمن النبي صلى الله عليه وسلم نوعان احدهما انشاد الاشعار من غير تلحين ولا تطريب وهذا هو الذي فعلته الجاريتان عند عائشة رضي الله عنها في يوم العيد وأقره النبي صلى الله عليه وسلم.
والنوع الثاني رفع الصوت وموالاته بقول:
اتيناكم اتيناكم … فحيونا نحييكم
وهذا هو الذي اذن فيه النبي صلى الله عليه وسلم للجواري وسماه غناء وليس هو مثل غناء المخنثين ومن يحذو حذوهم في التلحين والتطريب. وانما اطلق عليه اسم الغناء من اجل رفع الصوت وموالاته وقد تقدم عن الاصمعي انه قال كل من رفع صوته ووالاه فصوته عند العرب غناء.
واذا علم هذا فالاستدلال بقول اتيناكم اتيناكم وما اشبهه مما روي عن جواري الصحابة على جواز غناء اهل الاذاعات وما اشبهه من الأغاني لا يقول به الا من هو من أجهل خلق الله وأبعدهم عن الصواب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
(فصل)
واما قوله: واحتجوا بحديث عبد الله بن اويس ابن عم مالك قال مر النبي صلى الله عليه وسلم بجارية في ظل فارع وهي تغني:
هل علي ويحكم … ان لهوت من حرج
فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا حرج ان شاء الله.
فجوابه من وجهين. احدهما ان يقال هذا حديث لا يصح لانه منقطع والمنقطع ليس بحجة. وايضا فان المحتجين به لم يذكروا من خرجه من اهل الحديث حتى ينظر في رواته فلعلهم ممن لا يوثق بهم.
الوجه الثاني لو قدرنا صحة هذا الحديث فليس فيه حجة لاهل الغناء لان غناء الجارية ولهوها من جنس ما رخص فيه النبي صلى الله عليه وسلم للجواري وليس هو من جنس غناء المخنثين ومن يحذو حذوهم من اهل الاذاعات والتسجيل وما اشبه ذلك من الغناء الذي يستفز العقول ويفسد القلوب وينبت النفاق فيها ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة.
ولا يجوز قياس هذا النوع على ما رخص فيه النبي صلى الله عليه وسلم للجواري ولا الاحتجاج بجواز النوع المرخص فيه على جواز هذا النوع المحرم لما بين النوعين من التباين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)