(فصل)
واما قوله فلا حرج اذاً على عمر ان يهوى الغناء ويصبو اليه ولا يغتمز ذلك فيه ولا ينقص من دينه وفضله فجوابه من وجهين، احدهما ان يقال لو ان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى هوى الغناء وصبا اليه لغمز ذلك فيه ونقص من دينه وفضله كما غمز الغناء في الذين هووه وصبوا اليه.
وقد قدمنا عن الامام مالك انه سئل عما يترخص فيه اهل المدينة من الغناء فقال انما يفعله عندنا الفساق. وكذا قال ابراهيم بن المنذر الحزامي وهو من علماء اهل المدينة المعتبرين.
وقد قال الله تعالى في صفة عباده المتقين (والذين لا يشهدون الزور وإِذا مروا باللغو مروا كراماً) قال محمد بن الحنفية الزور اللهو والغناء وقال مجاهد لا يسمعون الغناء وقال ثعلب الزور ههنا مجالس اللهو وقال الزجاج قيل الزور ههنا مجالس الغناء.
وفي هذه الآية الكريمة دليل على ان الغناء يغمز في اصحابه وينقص من دينهم. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم انه نهى عن الغناء وسماه الصوت الأحمق الفاجر وأخبر انه ملعون في الدنيا والآخرة، وفي هذا دليل على ان الغناء يغمز في أصحابه وينقص من دينهم.
الوجه الثاني انه قد تقدم في اول هذه النبذة ما ثبت عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى من ذم الغناء وانكاره وفيه رد لما يتوهمه من قل علمه من ان عمر رحمه الله تعالى كان يهوى الغناء ويصبو اليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
(فصل)
وأما قوله: وليس ببدع أن يهفو عمر الى الغناء ويشرب فؤاده حبه وهو قد نشأ في بيئة غنائية فياضة بالالحان والايقاع مفعمة بحذاق المغنين والمغنيات فجوابه من وجوه. أحدها أن يقال قد ثبت عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى انه كان يذم الغناء وينكره اشد الانكار ومن كان كذلك لا يظن به انه كان يهفو الى الغناء فضلا عن ان يشرب فؤاده حبه. ومن ظن هذا بأمير المؤمنين فقد ظن به ظن السوء.
الوجه الثاني ان عمر رحمه الله تعالى قد نشأ عند ابيه ولم يعرف عن ابيه انه كان يميل الى الغناء والمغنين. وكان عمه عبد الملك شديد الذم للغناء. قال ابو يوسف حدثنا ابراهيم بن المنذر الحزامي عن ابيه ان عبد الملك بن مروان قال قبح الله الغناء ما اوضعه للمروءة واجرحه للعرض واهدمه للشرف واذهبه للبهاء.
واذا علم هذا فقول صاحب النبذة ان عمر بن عبد العزيز قد نشأ في بيئة غنائية كذب لا اصل له.
الوجه الثالث ان عمر رحمه الله تعالى كان منذ صغره حريصاً على العلم والأدب وكان قد جمع القرآن وهو صغير.
قال الزبير بن بكار حدثني العتبي قال ان أول ما استبين من رشد عمر بن عبد العزيز حرصه على العلم ورغبته في الادب وذلك ان أباه ولي مصر وهو حديث السن يشك في بلوغه فأراد أبوه اخراجه معه الى مصر من الشام فقال يا أبت أوغير ذلك لعله يكون أنفع لي ولك قال وما هو قال ترحلني إلى المدينة فأقعد الى فقهائها وأتأدب بآدابهم فعند ذلك أرسله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
ابوه الى المدينة وارسل معه الخدام فقعد مع مشايخ قريش وتجنب شبابهم وما زال ذلك دأبه حتى اشتهر ذكره فلما مات ابوه اخذه عمه امير المؤمنين عبد الملك بن مروان فخلطه بولده وقدمه على كثير منهم وزوجه بابنته فاطمة. قال العتبي ولم يكن حاسد عمر بن عبد العزيز ينقم عليه شيئا سوى التنعم والاختيال في المشية.
وقال الضحاك بن عثمان الخزامي كان ابوه قد جعله عند صالح بن كيسان يؤدبه فلما حج ابوه اجتاز به في المدينة فسأله عنه فقال ما علمت احدا الله اعظم في صدره من هذا الغلام.
وروى ابن ابي خيثمة عن داود بن ابي هند قال دخل علينا عمر بن عبد العزيز من هذا الباب - واشار الى باب من ابواب مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فقال رجل من القوم بعث الفاسق لنا بابنه هذا يتعلم الفرائض والسنن ويزعم انه لن يموت حتى يكون خليفة ويسير سيرة عمر بن الخطاب. قال داود والله ما مات حتى رأينا ذلك فيه.
واذا كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى منذ صغره مقبلا على العلم والادب ومجالسة المشايخ ومجانبة الشبان فكيف يظن به انه كان يهفو الى الغناء ويحبه حباً شديداً. هذا بهتان عظيم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
(فصل)
واما قوله: وقد سبقت المدينة سائر المدن الاسلامية الى الغناء وشاع اللهو والقصف بين اهلها.
فجوابه ان يقال انما شاع اللهو والقصف في فساق اهل المدينة لا في خيارهم كما هو معلوم عند اهل العلم بالاخبار. وقد تقدم عن الامام مالك انه سئل عما يترخص فيه اهل المدينة من الغناء فقال انما يفعله عندنا الفساق. قال الحافظ ابن رجب وكذا قال ابراهيم بن المنذر الحزامي وهو من علماء اهل المدينة المعتبرين.
(فصل)
واما قوله: وهذه شذرة تصور لك الحياة الغنائية بالمدينة في ذلك العهد وتريك ان حياة المرح واللهو والطرب كانت تساير فيها حياة الفقه والحديث والورع والتقوى جنبا لجنب.
فجوابه ان يقال ان مسايرة حياة المرح واللهو والطرب لحياة الفقه والحديث والورع والتقوى ليست بحجة على جواز المرح والغناء واللهو والطرب. ولم يزل الفساق من اول الامر يسايرون المتقين حنبا لجنب ولم يكن ذلك دليلا على جواز افعالهم السيئة وقد قال الله تعالى (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون) وقال تعالى (ولا تمش في الارض مرحا انك لن تخرق الارض ولن تبلغ الجبال طولا) وقال تعالى (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا اولئك لهم عذاب مهين) وقد فسر ابن مسعود وابن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
عباس رضي الله عنهم وغير واحد من التابعين لهو الحديث بالغناء وحلف ابن مسعود رضي الله عنه على ذلك ثلاث مرات.
وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم انه نهى عن الغناء وسماه الصوت الاحمق الفاجر واخبر انه ملعون في الدنيا والآخرة. وهذا يدل على تحريم الغناء والتشديد فيه وفي ذلك رد على من رام الترخيص فيه بالشبه الباطلة.
(فصل)
واما ما ذكره عن الامام مالك انه غنى وسمع ذلك منه حسين بن دحمان الاشقر فهو كذب على مالك.
وقد قدمنا ان صاحب الأغاني غير موثوق بنقله لأنه شيعي ومتهم بالكذب.
وايضا فحسين بن دحمان الاشقر مجهول لا يدرى من هو فلا يعتمد على نقله. وكذلك من نقل ذلك عن حسين لا يدرى من هم. فهذا خبر ساقط مردود.
ويكفي في رده ما رواه الامام احمد عن اسحاق بن عيسى الطباع قال سألت مالك بن انس عما يترخص فيه اهل المدينة من الغناء فقال انما يفعله عندنا الفساق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
(فصل)
وأما قوله: وملاك القول ان عمر بن عبد العزيز نشأ في ظلال هذه الاريكة الفينانة وسمع بلابلها المغردة واطيارها المرنة ووهب الله له حنجرة موسيقية فشدا ولحن وتغنى وترنم.
فجوابه ان يقال هذا كذب على عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى لانه قد ثبت عنه ذم الغناء والانكار على من يفعله وقد تقدم بيان ذلك في أول هذه النبذة فليراجع. والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله واصحابه ومن تبعهم باحسان الى يوم الدين. وسلم تسليما كثيرا.
حرره الفقير الى الله تعالى حمود بن عبد الله التويجري.
في 23/ 12/ 1385 هـ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)