أشهر الأقوال في الفرق بين التفسير والتأويل:
اختلف العلماء في بيان الفروق بين التفسير والتأويل، وتعددت أقوالهم في ذلك وتضاربت.
وسنذكر أهمّ هذه الأقوال، ثم نتبعها بما نراه راجحا إن شاء الله.
أورد الدكتور محمد حسين الذهبي رحمه الله في مقدمة «التفسير والمفسرون».
سبعة أقوال في الفرق بينهما (1).
1 - التفسير والتأويل: مصطلحان مترادفان بمعنى واحد، فلا فرق بينهما، ومعناهما بيان القرآن وشرح آياته وفهمها.
وهذا قول أبي عبيدة معمر بن المثني ومن معه.
وهذا قول مرجوح لأن التفسير والتأويل مصطلحان قرآنيان، فلا بد من ملاحظة الفروق بينهما، فلا ترادف في كلمات القرآن، ولن نجد فيه كلمتين بمعنى واحد، قد يكون بينهما تقارب شديد في المعني، بحيث تخفي الفروق بينهما على كثير من الناس، لكنّ المتدبرين يقفون على فروق دقيقة خفية بينها.
2 - التفسير: بيان معاني القرآن من باب الجزم والقطع، وذلك لوجود دليل لدي المفسر، يعتمد عليه في الجزم والقطع.
والتأويل: بيان معاني القرآن من باب الاحتمال وغلبة الظن والترجيح، لعدم وجود دليل لدي المؤول يعتمد عليه في الجزم والقطع.
وهذا قول أبي منصور الماتريدي.
3 - التفسير: بيان معاني الألفاظ القرآنية الظاهرة، التي وضعت لها في اللغة. كتفسير الصراط بالطريق، والصيّب بالمطر.--------------------------------------------
(1) انظر التفسير والمفسرون للذهبي: 1/ 19 - 22.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 170)
والتأويل: بيان باطن الألفاظ القرآنية، والإخبار عن حقيقة المراد بها.
والمثال على هذا الفرق قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (1) فهذه الآية لها تفسير وتأويل.
تفسيرها: أن المرصاد من الرصد والمراقبة. أي: إن الله مطلع على كل ما يعمل الظالمون، يراها ويعلمها ويرصدها، ويسجلها عليهم ليحاسبهم عليها.
وتأويلها: تحذر الآية من التهاون بأمر الله، والغفلة عن الأهبة والاستعداد للعرض عليه يوم القيامة.
وهذا قول أبي طالب التغلبي.
4 - التفسير هو: فهم الآيات على ظاهرها، بدون صرف لها عنه.
والتأويل هو: صرف الآيات عن ظاهرها إلي معنى آخر، تحتمله الآيات، ولا يخالف الكتاب والسنة، وذلك عن طريق الاستنباط.
وهو قول البغوي والكواشي.
5 - التفسير: هو الاقتصار على الاتباع والسماع والرواية، والاكتفاء بما ورد من مأثور في معاني الآيات.
والتأويل: استنباط المعاني والدلالات من الآيات، عن طريق الدراية والتدبر وإعمال الفكر والنظر.
وهذا قول أبي نصر القشيري، وهو الذي رجّحه الدكتور الذهبي (2).
6 - التفسير هو: بيان المعاني القريبة التي تؤخذ من الآيات، من كلماتها وجملها وتراكيبها، عن طريق الوضع واللغة.
والتأويل هو: بيان المعاني البعيدة التي تلحظ من الآيات، وتوحي بها--------------------------------------------
(1) سورة الفجر: 14.
(2) انظر التفسير والمفسرون: 1/ 22.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 171)
كلماتها وجملها وتراكيبها عن طريق الإشارة واللطيفة والإيحاء.
ومال إلي هذا القول الآلوسي في تفسيره «روح المعاني».
أما إيراد الذهبي لرأي الراغب الأصفهاني في التفسير والتأويل فسنأخذه من مقدمة تفسيره «جامع التفاسير» بعد قليل إن شاء الله.
ومما عرضه الإمام السيوطي في «الاتقان في علوم القرآن» من الفروق بين التفسير والتأويل- إضافة إلي ما ذكرناه سابقا:
7 - التفسير: أكثر استعماله في الألفاظ والمفردات.
والتأويل: أكثر استعماله في المعاني والجمل.
8 - التفسير: بيان ألفاظ القرآن التي لا تحتمل إلا معنى واحدا.
والتأويل: توجيه لألفاظ القرآن التي تحتمل عدة معان، إلي معنى واحد، اعتمادا على الأدلة في ذلك (1).
وهذه الأقوال متقاربة كما سنبين بعد قليل إن شاء الله.
الفرق بينهما عند الراغب وأبي البقاء وفرحات:
يطيب لي أن أسجل آراء ثلاثة علماء: قديم ومتأخر ومعاصر، في بيان الفرق بين التفسير والتأويل، ثم أورد بعد ذلك رأيي في المسألة.
الأول: هو الإمام الراغب الأصفهاني، حيث يقول في مقدمة تفسيره «جامع التفاسير».
التفسير أعمّ من التأويل.
وأكثر ما يستعمل التفسير في الألفاظ. والتأويل في المعاني. كتأويل الرؤيا.--------------------------------------------
(1) انظر «الاتقان» للسيوطي بتحقيق الدكتور مصطفي البغا: 2/ 1189 - 1191
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 172)
والتأويل: يستعمل أكثره في الكتب الإلهية. والتفسير يستعمل فيها وفي غيرها.
والتفسير: أكثره يستعمل في مفردات الألفاظ. والتأويل: يستعمل أكثره في الجمل.
فالتفسير:
أ- إما أن يستعمل في غريب الألفاظ نحو: «البحيرة» و «السائبة» و «الوصيلة».
ب- أو في وجيز يبيّن ويشرح، كقوله تعالى: وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ (1).
ج- وإما في كلام مضمّن بقصة، لا يمكن تصوّره إلا بمعرفتها نحو قوله: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ (2).
وقوله: ولَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها (3).
وأما التأويل:
أ: فإنه يستعمل مرة عاما، ومرة خاصا، مثل «الكفر» و «الإيمان».
فالكفر يستعمل تارة في الجحود المطلق، ويستعمل تارة في جحود الباري خاصة. والإيمان يستعمل تارة في التصديق المطلق، ويستعمل في تصديق دين الحق خاصة.
ب: ويستعمل في لفظ مشترك بين معان مختلفة. مثل لفظ «وجد» فإنه يستعمل في الجدة والجديد، ويستعمل في الوجود، ويستعمل في الوجود.--------------------------------------------
(1) سورة البقرة: 43.
(2) سورة التوبة: 37.
(3) سورة البقرة: 189.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 173)
والتأويل نوعان: مستكره ومنقاد.
فالمستكره هو: ما يستبشع إذا سبر بالحجة، ويستقبح بالتدليسات المزخرفة.
وهو على أضرب أربعة:
الأول: أن يكون لفظ عام، فيخصّص في بعض ما يدخل تحته، نحو قوله تعالى: وإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ (1).
حمل بعضهم «صالح المؤمنين» على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقط.
الثاني: أن يلفّق بين اثنين. نحو قول من زعم أنّ الحيوانات كلها مكلفة، محتجا بقوله تعالى: وإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ (2). وقد قال تعالى: وما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ (3) فاستدلّ بعضهم بقوله: إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ على أن الحيوانات مكلفة كما أننا مكلفون.
الثالث: ما استعين فيه بخبر مزور، أو كالمزوّر. كقوله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ (4) قال بعضهم: عنى بالساق: الرجل الجارحة، مستدلا بحديث موضوع، الرابع: ما يستعان به باستعارات واشتقاقات بعيدة.
كما قال بعض الناس: البقر: هو إنسان يبقر عن أسرار العلوم.
والهدهد: هو إنسان موصوف بجودة البحث والتنقير.--------------------------------------------
(1) سورة التحريم: 4.
(2) سورة فاطر: 34.
(3) سورة الأنعام: 38.
(4) سورة القلم: 42.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 174)
فالضرب الأول: أكثر ما يروج على المتفقهة، الذين لم يقووا في معرفة الخاص والعام.
والضرب الثاني: أكثر ما يروج على المتكلم، الذي لم يقو في معرفة شرائط النظم.
والضرب الثالث: أكثر ما يروج على صاحب الحديث، الذي لم يتهذب في شرائط قبول الأخبار.
والضرب الربع: أكثر ما يروج على الأديب، الذي لم يتهذب بشرائط الاستعارات والاشتقاقات.
والمنقاد من التأويل: هو ما لا يعرض فيه البشاعة المتقدمة.
وقد يقع الخلاف فيه بين الراسخين في العلم، لإحدي جهات ثلاثة:
الأولي: الاشتراك في اللفظ، نحو قوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ (1) فهل الْأَبْصارُ من بصر العين، أو بصر القلب؟
الثانية: أمر راجع إلي النظم. نحو قوله تعالى: وأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (2) أو مردود إليه وإلي المعطوف عليه معا:
وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً، وأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ.
الثالثة: لغموض المعني، ووجازة اللفظ، نحو قوله تعالى: وإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (3).
والوجوه التي يعتبر بها تحقيق أمثالها، وتقود إلي ترجيح المناسب من--------------------------------------------
(1) سورة الأنعام: 103.
(2) سورة النور: 4 - 5.
(3) سورة البقرة: 227.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 175)
الأقوال المختلفة في التأويل، أن ينظر في المختلف فيه:
1 - فإن كان المختلف فيه أمرا، أو نهيا عقليا، فزع في كشفه إلي الأدلة العقلية، وقد حثّ الله على ذلك في قوله: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ، لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ، ولِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (1).
2 - وإن كان المختلف فيه أمرا شرعيا، فزع في كشفه إلي آية محكمة، أو سنة مبيّنة.
3 - وإن كان من الأخبار الاعتقادية، فزع فيه إلي الحجج العقلية.
4 - وإن كان من الأخبار الاعتبارية، فزع فيه إلي الأخبار الصحيحة، المشروحة في القصص (2).
الثاني: هو الإمام أبو البقاء الكوفي.
قال في كتابه القيم «الكليات» عن التفسير والتأويل:
«التفسير والتأويل: قيل هما واحد، وهو كشف المراد عن المشكل.
وقيل: التأويل: بيان أحد محتملات اللفظ.
والتفسير: بيان مراد المتكلم.
وقيل: التأويل: ما يتعلق بالدراية.
والتفسير: ما يتعلق بالرواية.
وعند الراغب الأصفهاني: التفسير أعمّ من التأويل. وأكثر استعمال التفسير في الألفاظ ومفرداتها، وأكثر استعمال التأويل في المعاني والجمل. وأكثر استعمال التأويل في الكتب الإلهية، والتفسير يستعمل فيها وفي غيرها.
وقال أبو منصور الماتريدي: التفسير: القطع على أنّ المراد من اللفظ--------------------------------------------
(1) سورة ص: 29.
(2) مقدمة «جامع التفسير» للإمام الراغب الأصفهاني بتحقيق أستاذنا الدكتور أحمد فرحات: 47 - 51 بتصرف يسير للتوضيح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 176)
هذا، والشهادة على الله أنه عنى باللفظ هذا، فإن قال دليل مقطوع به فصحيح وإلا فتفسير بالرأي، وهو المنهيّ عنه. والتأويل ترجيح أحد المحتملات بدون القطع والشهادة على الله.
وكلام الصوفية في القرآن ليس بتفسير.
وفي «عقائد النسفي»: النصوص على ظاهرها: والعدول عنها إلي معان يدّعيها أهل الباطن إلحاد.
وفي معنى الظهر والبطن وجوه: أشبهها بالصواب ما قاله أبو عبيد، وهو أنّ القصص التي قصّها الله عن الأمم الماضية وما عاقبهم به، ظاهرها الإخبار بهلاك الأولين، وباطنها وعظ الآخرين، وتحذير لهم، لا يفعلوا فعلهم، كي لا يحلّ به مثل ما حلّ بالأولين.
وفي تفسير أبي حيان: كتاب الله جاء بلسان عربي مبين، لا رمز فيه ولا لغز ولا باطن، ولا إيماء بشيء مما ينتحله الفلاسفة وأهل الطبائع.
وأما ما يذهب إليه بعض المحققين من أنّ النصوص على ظواهرها، ومع ذلك فيها إشارات خفية إلي دقائق تنكشف على أرباب السلوك، يمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة، فهذا من كمال الإيمان، ومحض العرفان.
وتفسير القرآن: هو المنقول عن الصحابة. وتأويله: ما يستخرج منه بحسب القواعد العربية.
فلو قلنا في قوله تعالى: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، ومُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ (1): أريد به إخراج الطير من البيضة كان تفسيرا، ولو قلنا: أريد به إخراج المؤمن من الكافر، والعالم من الجاهل، كان تأويلا» (2).
الثالث: هو أستاذنا الدكتور أحمد حسن فرحات.
فبعد أن سجل أهمّ الأقوال في الفرق بين التفسير والتأويل، قال:--------------------------------------------
(1) سورة الأنعام: 95.
(2) الكليات لأبي البقاء: 261 - 262.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 177)
«والذي نميل إليه: أن التفسير فيه معنى الكشف والبيان والتفصيل.
وأنّ التأويل فيه معنى الرجوع والردّ والصرف والسياسة.
وبناء على ذلك نري أنه لا تعارض بين الأقوال، وأن كلّا من هذه الأقوال يعبّر عن نوع من الأنواع، التي تنطوي تحت التفسير أو التأويل.
فالذي قال: إنّ التفسير هو القطع على أنّ المراد من اللفظ هذا، إنما نظر إلي نوع من التفسير، وهو الذي يعتمد على دليل قطعي، من قرآن أو سنة أو إجماع، وهذه ولا شك إحدي الحالات التي تواجه المفسر.
ومثله الذي قال: التفسير هو بيان مراد المتكلم، أو هو ما يتعلق بالرواية، أو هو بيان موضوع اللفظ.
يلاحظ بأنّ التفسير في كلّ هذه الأقوال فيه معنى الكشف والبيان.
والذي يقول: إن التأويل: هو ترجيح أحد محتملات اللفظ، بدون القطع والشهادة على الله، أو هو ما يتعلق بالدراية، أو هو صرف الآية إلي معنى تحتمله، أو هو المعنى غير المتبادر …
ويلاحظ أنّ كلّ ما ذكر من أنواع وأمثلة، تدخل تحت التأويل، وتحتاج إلي تدبر الكلام، وتقليبه على الوجوه المحتملة، وقد تصرفه عن ظاهره لدليل، وقد تقبل ظاهر الكلام المتبادر مع القول بمعنى آخر غير متبادر. إذ لا تعارض بينهما.
وبناء على هذا: يرجع الاختلاف بين العلماء في هذا إلي اختلاف التنوّع، لا اختلاف التضادّ.
حيث عبّر كلّ واحد منهم عن نوع من أنواع التفسير، أو نوع من أنواع التأويل» (1).--------------------------------------------
(1) التعريف بالقرآن الكريم- على الآلة الكاتبة- لأستاذنا الدكتور أحمد فرحات: 111.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 178)
الراجح في الفرق بين التفسير والتأويل:
لا ننسي أنّ أساس معنى التفسير هو الكشف والبيان والظهور والوضوح.
وأنّ أساس معنى التأويل هو الردّ والرجوع والعود والحمل، وتحديد العاقبة والمآل والغاية والنهاية.
ولا ننسي كلام الإمام الراغب الأصفهاني عن التأويل: «هو ردّ الشيء إلي الغاية المرادة منه علما أو عملا».
إننا مع أستاذنا الدكتور أحمد فرحات في أنه يمكن الجمع بين معظم الأقوال السابقة في بيان الفرق بين التفسير والتأويل، وأنّ الاختلاف في معظمها اختلاف تنوع، لا اختلاف تضادّ.
وننتقل بعد هذا الملاحظة إلي خطوة أخرى في الفرق بين التفسير والتأويل.
إننا نري أنّ فهم القرآن وفقه معانيه واستخراج دلالاته، لا بدّ أن يكون على مرحلتين متدرجتين:
المرحلة الأولي: تفسير القرآن.
المرحلة الثانية: تأويل القرآن.
كلّ ناظر في القرآن، متدبر في آياته، لا بدّ أن يطلع على تفسير القرآن أولا، ويعلم تفسيره من المصادر التفسيرية.
ثم يقوم بعد ذلك بتأويل القرآن، وملاحظة لطائفة، وتسجيل حقائقه، واستخراج دلالاته.
إننا نري أنّ تفسير القرآن لا بدّ أن يسبق تأويله، حتى يكون التأويل صوابا صحيحا. إن أيّ تأويل للقرآن بدون تفسير له، هو تأويل بالرأي غير المعتمد على العلم، وهو مذموم ومنهي عنه.
بناء على هذا التفريق المرحليّ بين التفسير والتأويل، يمكننا أن نجمع بين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 179)
أقوال عديدة، سبق أن أوردناها في التفسير والتأويل.
المرحلة الأولي تفسير القرآن:
نري المفسر فيها يفسر ألفاظ وكلمات القرآن، ويعتمد في تفسيره على الرواية والمأثور، ويورد في تفسير الآية ما في معناها من آيات أخري، ومن أحاديث نبوية صحيحة، ومن أقوال صحابة وتابعين، ومن أسباب نزول، وتفسير غريب، وناسخ ومنسوخ، وتوجيه قراءات، وشواهد أشعار. وهو في عمله هذا يفسر ظاهر الآية، ويورد المعنى القريب المتبادر منها، ونظرا لما عنده من نصوص يورد تفسير الآية من باب الجزم والقطع.
هذا كلّه تشمله المرحلة الأولي، التي هي البداية لفهم القرآن، والتي أسميناها «تفسير القرآن».
ونلاحظ توفّر المعنى اللغويّ الاشتقاقي للتفسير في هذه المرحلة، فالمفسر في عمله يبين معنى الآية ويشرحه ويظهره، ويفسره ويكشف عنه.
واعتماد المفسّر في هذه المرحلة على المعلومات التفسيرية العلمية الصحيحة، وعلى آراء من سبقوه من علماء التفسير، وجهده فيها في المعرفة والاطلاع، بهدف تكوين حصيلة علمية، تؤهله للانتقال للمرحلة الثانية، وتعينه على حسن تأويل القرآن.
المرحلة الثانية تأويل القرآن:
ينتقل إليها المفسر ليكون مؤوّلا للقرآن، وينظر في القرآن على ضوء معلوماته التفسيرية التي حصّلها في المرحلة الأولي.
إنّ المؤوّل في هذه المرحلة: يمعن النظر في الجمل والتراكيب والآيات، ويعتمد في نظره على تدبره وإعمال عقله، وتقليب وجوه الرأي والنظر، وتنفذ نظراته إلي باطن الآية، ويلتفت إلي لطائفها وإشاراتها وإيحاءاتها، ويستخرج حقائقها ودلالاتها، ويلحظ المعنى البعيد غير المتبادر للذهن، وغير الظاهر من الآية، ويسجل التوجيه والرمز والومضة التي تشرق بها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 180)
الآية، ويقف على غرضها ومقصودها، ويزيل ما عليها من لبس أو اشتباه، ويحلّ ما تثيره من غموض أو إشكال.
عمل المؤوّل في المرحلة الثانية عمل ذاتي، وليس اعتمادا على من سبقه كما فعل في المرحلة الأولي، ونتاجه في هذه المرحلة نتاج شخصي، وتأويلاته التي يقدمها هي ثمرة تدبّره للقرآن، ونظره فيه، وشخصيته في هذه المرحلة بارزة واضحة، وجهده الذاتي فيه ملحوظ، ورأيه مسجّل معتبر.
وكما لاحظنا توفّر معنى التفسير اللغوي الاشتقاقي في المرحلة الأولي، فإننا نري توفّر معنى التأويل اللغوي الاشتقاقي في هذه المرحلة.
إنّ التأويل هو الردّ والرجوع، والمؤوّل هنا يحقّق معناه، فعند ما يقدم تأويلاته لا بدّ أن يردّها إلي معلوماته التفسيرية، ويرجع بها إليها، فإن تعارضت تأويلاته مع النصوص التفسيرية ألغاها وتخلي عنها، لأنّها تأويلات باطلة خاطئة.
إن المؤوّل يصحح لنفسه بعد ما يؤول، ويصوّب تأويله على هدي تفسيره، وينظر في تأويله على ضوء تفسيره، ويعيد تأويله إلي تفسيره، ويرده إليه، ويرجع به عليه.
أي: يحاكم المؤوّل المرحلة الثانية «التأويل» إلي المرحلة الأولي «التفسير»، ويردّ التأويل إلي التفسير، ويفهم التأويل على ضوء التفسير.
وجوب تحقق التفسير والتأويل معا:
يجب على كلّ ناظر في القرآن متدبر له، أن يحقق المرحلتين في تعامله مع القرآن، ومحاولة فهمه.
إذا أعمل رأيه في الآيات، وحاول استخراج معانيها، وتأويل حقائقها دون دراسة تفسيرية في التفاسير المأمونة الموثوقة، فإنه سيخطيء في نظره
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 181)
ورأيه وتدبره وتأويله، وهذا هو التأويل بالرأي غير المستند إلي العلم، وهو مذموم وباطل.
إنه في هذه الحالة لم يسلك الطريق الصحيح لحسن فهم القرآن، بل تخطي المرحلة الأولي وتجاوزها ولم يتوقف عندها، وقفز قفزة خاطئة إلي المرحلة الثانية، اعتداد بعقله غير الناضج تفسيريا، وإعمالا لرأيه غير المصوغ صياغة تفسيرية علمية.
وما أكثر هؤلاء الذين يهجمون على تأويل القرآن بهذه الصفة، في هذا الزمان، الذين يقفزون للمرحلة الثانية قفزا واسعا في الفراغ! فيفهمون آيات القرآن فهما خاطئا، قائما على المزاجية والهوى، ويقوّلون هذه الآيات ما لم تقله، ويستشهدون بها على ما لا تشهد عليه، ويستخرجون منها ما لا تدلّ عليه، ويؤوّلونها تأويلا باطلا مردودا مستكرها! كذلك لا نري أن يقف الناظر في القرآن عند المرحلة الأولي، وأن يبقي ضمن دائرة تفسير القرآن- على المعنى الذي قررناه- وأن يكتفي بترديد ما وقف عليه في تفسير الآيات من أقوال مأثورة، وأحاديث صحيحة، وروايات في النزول والنسخ والغريب، وأن يكررها وأن ينقلها من تفاسير السابقين إلي تفسيره.
لا نريد للمفسر أن يكون مجرد ناقل لكلام السابقين، ورواية لآرائهم.
وإن كان هناك بعض المفسرين كانوا هكذا، وكتبوا تفاسيرهم هكذا، واكتفوا فيها بتكرار الأقوال السابقة التي أوردها السابقون.
أين جهد المفسر الذاتي؟ وأين شخصيته المستقلة؟ وأين اختياراته.
وترجيحاته؟ وأين تأويلاته واستنتاجاته؟ أين تدبره هو، ونظره هو في القرآن؟
إنّ انتقال الناظر في القرآن من مرحلة المفسر إلي مرحلة المؤوّل ضروري، وإن استخراج الدلالات واللطائف والحقائق من القرآن مطلوب، وإن بناء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 182)
التأويل على التفسير واجب.
وإننا نعلم أن بعض الناظرين في القرآن لا يستطيع الانتقال إلي المرحلة الثانية، فيبقي «يراوح» مكانه في المرحلة الأولي. إنه غير مؤهّل ليكون مؤولا، ولا يملك من عمق النظر وإعمال الفكر ما يعينه ليكون مؤوّلا.
إن التأويل «فتوحات» من الله، و «فيوضات» منه، ومواهب يهبها سبحانه لمن يشاء، ونعم ينعم بها علم من يشاء.
ويتفاوت المؤوّلون في تأويلاتهم، في عمقها وجدّتها وأصالتها وفاعليتها وتأثيرها. وكأنّ المؤوّلين صيادون يريدون اصطياد اللطائف، واقتناص الإشارات والومضات والإيحاءات! هناك صياد يصطاد الصيد القريب، وهناك صياد ينجح في اصطياد السريع الخفي البعيد، وهناك من يصطاد صيدا صغيرا، وهناك من يقتنص الصيد الثمين الغني الوفير.
وهكذا المؤولون في تأويلاتهم للقرآن، والمهمّ هو أن يردّوا هذه التأويلات إلي التفاسير السابقة، وأن يرجعوا بها إليها، وأن يصحّحوها على أساسها.
وهذا يقودنا إلي التذكير بحقيقة: إذا كان التفسير والتأويل مرحلتين متعاقبتين، وإذا كان بعض المفسّرين بقي مع المرحلة الأولي، فإن كلّ مؤول مفسّر، وليس كل مفسّر مؤوّلا.
فلا بد للمؤوّل من أن يكون مفسّرا أولا ليصحّ تأويله، ولكن المفسّر قد لا يتمكن من الارتقاء إلي مستوي التأويل!!.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 183)
الدليل على هذه المرحلية:
قلنا إنهما مرحلتان في فهم القرآن: تفسيره أوّلا، ثم تأويله بعد ذلك، وأنه لا يجوز التأويل قبل التمكن من التفسير، وأن كلّ مؤول مفسر، وليس كل مفسر مؤولا.
والدليل على هذه المرحلية، هو تفاوت الصحابة في فهم معاني القرآن، فمنهم من كان يكتفي بالوقوف مع ظاهر الآيات، ويقدم معناها القريب المتبادر، ومنهم من كان يعمق التدبر فيها، ويدرك إشاراتها وإيحاءاتها، ويقدم المعنى البعيد اللطيف الرشيق غير المتبادر.
في مقدمة هؤلاء عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، الذي
دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم قائلا: «اللهمّ فقّهه في الدين، وعلمه التأويل».
وكان ابن عباس رضي الله عنهما من أعلم الصحابة بتفسير القرآن وتأويله، ولهذا حاز لقب «ترجمان القرآن».
ما كل اصحابة كانوا مؤوّلين للقرآن، وإن كانوا مفسّرين له، أما ابن عباس فقد كان مفسّرا مؤوّلا، رضي الله عنه.
روي الإمام البخاري في كتاب التفسير من صحيحه عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: «كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم تدخل هذا معنا، ولنا أبناء مثله؟
فقال عمر: إنه من علمتم.
فدعاه ذات يوم، فأدخله معهم.
فما رئيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم.
قال: ما تقولون في قول الله: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والْفَتْحُ؟
فقال بعضهم: أمرنا نحمد الله ونستغفره، إذا نصرنا وفتح علينا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 184)
وسكت بعضهم، فلم يقل شيئا.
فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟
فقلت: لا.
قال: فما تقول؟
قلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعلمه له، فقال له: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والْفَتْحُ، وذلك علامة أجلك، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ، إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً.
قال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول» (1).
لقد أجري عمر بن الخطاب رضي الله عنه امتحانا لابن عباس وبعض الصحابة، في فهمهم لسورة النصر، فالصحابة كانوا مفسّرين لها، لكنّ ابن عباس كان مؤوّلا لها.
أخبر ابن عباس رضي الله عنهما أن عمر كان يقدّمه، ويدخله مع أشياخ بدر، مع أنه شاب، وهؤلاء شيوخ، وتقديم عمر له لما لاحظه من فطنته وذكائه وبعد نظره ورجاحة عقله.
ولما لاحظ العباس اهتمام عمر بابنه عبد الله رضي الله عنهم، أوصاه قائلا: يا بنيّ: إن عمر يدنيك، فلا تفشينّ له سرّا، ولا تغتابن عنده أحدا، ولا يسمع منك كذبا، ولا تبتدئه بشيء حتى يسألك عنه.
ولما رأي بعض أشياخ بدر إشراك عمر لابن عباس معهم، وجدوا ذلك في نفوسهم، فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه لعمر: لم تدخل هذا معنا، ولنا أبناء مثله؟
فأجابه عمر قائلا: إنه من قد علمتم.--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري: 65 كتاب التفسير: 4 باب قوله فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ.
حديث رقم: 4970.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 185)
وهذه إشارة من عمر إلي فطنة ابن عباس وذكائه وعلمه ومعرفته.
وفي رواية ثانية أنّ بعض المهاجرين قالوا لعمر: ألا تدعو أبناءنا كما تدعو ابن عباس؟
فقال لهم عمر: ذاك فتي الكهول، وإن له لسانا سئولا، وقلبا عقولا.
وأراد عمر أن يبين لهؤلاء الصحابة علم ابن عباس وفطنته، فدعاهم ودعاه يوما.
وفهم ابن عباس قصد عمر من الدعوة، ولهذا قال: فما رئيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم.
وفي رواية أخري: أن عمر قال لهم: سأريكم اليوم منه، ما تعرفون به فضله! ولما اجتمعوا عند عمر، طلب منهم تفسير سورة النصر: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والْفَتْحُ، ورَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ، إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً.
لقد نظروا في آيات السورة نظرة ظاهرية، ولاحظوا المعنى القريب المتبادر منها: عند ما يأتي الله بنصره، ويفتح البلدان أمام الاسلام، فعلى الرسول عليه الصلاة والسلام أن يسبح الله، وأن يحمده، وأن يستغفره، والله تواب يتوب على عباده.
هل كلامهم هذا خطأ أم صواب؟
لقد كان صوابا، فهذا هو معنى السورة، وهذا ما تأمر به.
لكن هؤلاء الصحابة كانوا مفسّرين للسورة، فسّروا كلماتها تفسيرا ظاهريا قريبا، وكان تفسيرهم لها صحيحا، لكنه مجرد تفسير.
أما ابن عباس فقد كان يعرف من السورة ما قالوه، ويعرف أنّ هذا هو ظاهرها، ولكنه تجاوز هذا الظاهر، وانتقل من تفسيرها القريب إلي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 186)
خطوة أخرى أرفع وأسمي وأبعد، وقدّم تأويلا للسورة تأويلا مستنبطا من موضوعها وهدفها وسياقها.
إن الله أعلم رسوله صلى الله عليه وسلم بقرب دنوّ أجله، إن النصر والفتح علامة على قرب الأجل، فعليه الإكثار من حمد الله وتسبيحه واستغفاره، استعدادا للارتحال عن هذه الدنيا ومغادرتها.
وقال ابن عباس في رواية أخري: لما نزلت إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والْفَتْحُ نعيت إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه، فأخذ بأشدّ ما كان قط، اجتهادا في أمر الآخرة.
ولقد كان ابن عباس موفّقا في هذا التأويل للسورة، وفي الالتفات لهذا المعنى الخفي البعيد الذي توحي به، وقد أشاد عمر بفهمه، ووافقه عليه، وقال له: ما أعلم منها إلا ما تقول.
ثم توجّه عمر للصحابة الجالسين فقال لهم: كيف تلومونني على حبّ ما ترون؟
قال الامام ابن حجر بعد شرحه للحديث: «فيه جواز تحديث المرء عن نفسه بمثل هذا، لإظهار نعمة الله عليه، وإعلام من لا يعرف قدره لينزل منزلته، وغير ذلك من المقاصد الصالحة، لا للمفاخرة والمباهاة، وفيه جواز تأويل القرآن بما يفهم من الإشارات، وإنما يتمكن من ذلك من رسخت قدمه في العلم» (1).
تشير سورة النصر إلي ارتباط حياة الرسول صلى الله عليه وسلم علي الأرض بهذا الدين، فهو رسول الله، ومهمته هي تبليغ الاسلام ونصرته وجهاد أعدائه، فإذا ما نصر الله دينه، ومنح المسلمين الفتح، فقد تحققت مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم بنجاح كبير، وبذلك تنتهي حياته علي الأرض، المرتبطة بمهمته الدعوية الجهادية.--------------------------------------------
(1) انظر شرح ابن حجر للحديث في فتح الباري: 8/ 735 - 736.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 187)
ولذلك توحي هذه السورة للرسول صلى الله عليه وسلم بقرب انتهاء أجله، وعليه بعد النصر والفتح الإكثار من التسبيح والتحميد والاستغفار، استعدادا للانتقال إلي الدار الآخرة.
هذا ما فهمه ابن عباس رضي الله عنهما من السورة، وهذا ما وافقه عليه عمر بن الخطاب، وبذلك كان ابن عباس مؤولا لها وليس مجرد مفسر، وكان تأويله مرحلة ثانية بعد التفسير الظاهري للسورة.
ألم يفهم الرسول صلى الله عليه وسلم من السورة هذه الإشارة؟
روي الامام البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما صلى النبيّ صلى الله عليه وسلم صلاة، بعد أن نزلت عليه إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والْفَتْحُ إلا يقول فيها: سبحانك ربّنا وبحمدك، اللهم اغفر لي» (1).
ثم كم عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه السورة؟
لقد نزلت عليه سورة النصر لما حجّ حجة الوداع. قال ابن عمر رضي الله عنهما: «نزلت هذه السورة في أوسط أيام التشريق في حجة الوداع، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه الوداع» (2).
وكانت وفاته صلى الله عليه وسلم بعد ثلاثة أشهر من نزول هذه السورة. حيث كانت وفاته يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة! ولابن عباس رضي الله عنهما موقف آخر مع عمر بحضور بعض الصحابة، قدّم فيه تأويلا لآية من القرآن، وليس مجرد تفسير لها.
روي الإمام البخاري في كتاب التفسير من صحيحه عن عبيد بن عمير--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري: 65 كتاب التفسير: 110 باب: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والْفَتْحُ.
حديث رقم: 4967.
(2) فتح الباري: 8/ 736.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 188)
قال: قال عمر رضي الله عنه يوما لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: «فيم ترون هذه الآية نزلت؟ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ، وأَصابَهُ الْكِبَرُ، ولَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ، فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ، كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (1).
فقالوا: الله أعلم! فغضب عمر وقال: قولوا نعلم، أو لا نعلم!! فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين! قال عمر: يا ابن أخي: قل ولا تحقر نفسك! قال ابن عباس: ضربت مثلا لعمل.
قال عمر: أيّ عمل؟
قال ابن عباس: لعمل.
قال عمر: لرجل غني، يعمل بطاعة الله عز وجل، ثم بعث الله له الشيطان، فعمل بالمعاصي حتى أغرق عمله» (2).
وفي رواية ثانية أوردها ابن حجر في فتح الباري: «أنّ ابن عباس قال لعمر: ضربت مثلا لعمل.
فقال له عمر: أي عمل؟
قال ابن عباس: شيء ألقي في روعي. عنى بها العمل: ابن آدم أفقر ما يكون إلي جنته إذا كبر سنة وكثر عياله، وابن آدم أفقر ما يكون إلي عمله يوم يبعث!--------------------------------------------
(1) سورة البقرة: 266.
(2) صحيح البخاري: 65 كتاب التفسير: 47 باب: أيود أحدكم. حديث رقم: 4538.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 189)