ونصوص الكتاب معظمها كلي عام وإجمالي كما رأينا فانفتح بذلك طريق قياس غير المنصوص على ما هو منصوص، وإعطاؤه حكمه عند اتحاد العلة أو السبب فيهما، ووقائع القياس في فقه الشريعة الإسلامية لا يمكن حصرها فإن منها يتكون الجانب الأعظم من الفقه ولا يزال القياس يعمل باستمرار في كل حادثة جديدة في نوعها لا نص عليها، ومن أمثلة ذلك أنه ورد في الشريعة نصوص كثيرة في أحكام البيع أكثر مما ورد بشأن الإجارة فقاس الفقهاء كثيرًا من أحكام الإجارة على أحكام البيع لأنها في معناه إذ هي في الحقيقة بيع المنافع، وكذلك ورد في الشريعة الإسلامية نصوص وأحكام بشأن وصي اليتيم عَيَّنَتْ وضعه الحقوقي ومسئوليته وصلاحيته، فقاس الفقهاء على أحكام الوصي وأحكام متولي الوقوف للشبه المستحكم بين الوظيفتين كما قاسوا كثيرًا من أحكام الوقف نفسه على أحكام الوصية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
أولا: الاستصلاح:
الاستصلاح هو بناء الأحكام الفقهية على مقتضى المصالح المرسلة وهي كل مصلحة لم يرد في الشرع نص على اعتبارها ولم يرد فيه نص على إلغائها.
فهي إنما تدخل في عموم المصالح التي تتجلى في اجتلاب المنافع واجتناب المضار تلك المصالح التي جاءت الشريعة الإسلامية لتحقيقها بوجه عام، ودلت نصوصها وأصولها على لزوم مراعاتها والنظر إليها في تنظيم سائر نواحي الحياة ولم يحدد الشارع لها أفرادًا ولا أنواعًا، ولذا سميت (مرسلة) أي مطلقة غير محدودة فإذا كانت المصلحة قد جاء بها نص خاص بعينها ككتابة القرآن صيانة له من الضياع، وكتعليم القراءة والكتابة، فعندئذ تكون من المصالح المنصوص عليها لا من المصالح المرسلة ويعتبر حكمها ثابتًا بالنص لا بقاعدة الاستصلاح، وإذا قام الدليل على إلغاء مصلحة معينة كالاستسلام للعدو مثلا، فقد يظهر أن فيه مصلحة حفظ النفس من القتل، ولكن هذه المصلحة لم يعتبرها الشارع، بل ألغاها لمصلحة أرجح منها وهي حفظ كرامة الأمة وعزتها، وبالتالي فهي تعتبر مصلحة ملغاة لا مصلحة مرسلة، وعمومًا يمكن أن نقول: إن العوامل التي تدعو الفقيه إلى الاستصلاح هي:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
1- جلب المصالح: وهي الأمور التي يحتاج إليها المجتمع لإقامة حياة الناس على أقوم أساس.
2- درء المفاسد: وهي الأمور التي تضر بالناس أفرادًا أو جماعات سواء كان ضررها ماديًّا أو خلقيًّا.
3- سد الذرائع: أي منع الطرق التي تؤدي إلى إهمال أوامر الشريعة أو الاحتيال عليها أو تؤدى إلى الوقوع في محاذير شرعية ولو عن غير قصد.
4- تغير الزمان: أي اختلاف أحوال الناس وأوضاع العامة عما كانت عليه، فكل واحد من هذا العوامل الأربعة يدعو إلى سلوك طريق الاستصلاح باستحداث الأحكام المناسبة المحققة لغايات الشرع ومقاصده في إقامة الحياة الاجتماعية على أصلح منهاج، ومن أمثلة العمل بالاستصلاح ما أحدثه عمر بن الخطاب - الخليفة الثاني رضي الله عنه من إنشاء الديوان لضبط عطاء الجند وأرزاقهم ومدة خدمتهم، ثم عمت الدواوين في مصالح أخرى، ومن هذا القبيل أيضًا في عصرنا الحاضر تنظيم السير في الطرق الداخلية والخارجية بأنظمة خاصة بعد حدوث السيارات، منعًا للدهس والاصطدام وصيانة لأرواح الناس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
ثانيًا: العرف:
العرف هو: الشيء المعروف المألوف المستحسن الذي تتلقاه العقول السليمة بالقبول ومنه قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} ويفهم من هذا التعريف أنه لا يتحقق وجود العرف في أمر من الأمور إلا إذا كان مطردًا بين الناس في المكان الجاري فيه أو غالبًا بحيث يكون معظم أهل هذا المكان يرعونه ويجرون على وفقه كتعارف الناس اليوم مثلًا في بلاد الشام على أن المهر الذي يسمى للمرأة في عقد النكاح يكون ثلثاه معجلًا وثلثه مؤجلًا إلى ما بعد الوفاة أو الطلاق، فيجب أن يتحقق في تكوين العرف اعتقاد مشترك بين الجمهور وهذا لا يكون إلا في حالة الاطراد أو الغلبة على الأقل وإلا كان تصرفًا فرديًّا لا عرفًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
وإذا كان العرف والعادات إلى اليوم تعد في نظر الحقوقيين مصدرًا من أهم المصادر للقوانين الوضعية ذاتها، فيستمد منه واضعوها كثيرًا من الأحكام المتعارفة، ويبرزونها في صورة نصوص قانونية يُزَال بها الغموض والإبهام الذي لا يجليه العرف في بعض الحالات، فإن الشريعة الإسلامية كذلك جاءت فأقرت كثيرًا من التصرفات والحقوق المتعارفة بين العرب قبل الإسلام وهذبت كثيرًا ونهت عن كثير من تلك التصرفات، كما أتت بأحكام جديدة استوعبت بها تنظيم الحقوق والالتزامات بين الناس في حياتهم الاجتماعية على أساس وفاء الحاجة والمصلحة والتوجيه إلى أفضل الحلول والنظم لأن الشرائع الإلهية إنما تبغي بأحكامها المدنية تنظيم مصالح البشر وحقوقهم فتقر من عرف الناس ما تراه محققًا لغايتها وملائمًا لأسسها وأساليبها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
ومعظم العلماء يستدلون على مكانة العرف الفقهية في بناء الأحكام الشرعية بأثر قد روى عن عبد الله بن مسعود وهو من كبار فقهاء صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن» ، والاجتهادات الفقهية في الإسلام متفقة على اعتبار العرف وإن كان بينها شيء من التفاوت في حدوده ومداه، وقد أقام الفقهاء -وخاصة منهم رجال المذهب الحنفي- كبير وزن للعرف في ثبوت الحقوق وانتهائها بين الناس في نواحي شتى من المعاملات وضروب التصرفات، واعتبروا العرف والعادة أصلًا هامًّا ومصدرًا عظيمًا واسعًا تثبت الأحكام الحقوقية بين الناس على مقتضاه في كل ما لا يصادم نصًّا تشريعيًّا خاصًّا يمنعه فالعرف دليل شرعي كاف في ثبوت الأحكام الإلزامية والالتزامات التفصيلية بين الناس حيث لا دليل سواه بل إنه يترك به القياس إذا عارضه لأن القياس المخالف في نتيجته للعرف الجاري يؤدي إلى حرج فيكون ترك الحكم القياسي والعمل بمقتضى العرف هو من قبيل الاستحسان المقدم على القياس، أما إذا عارض العرف نصًّا تشريعيًّا آمرًا بخلاف الأمر المتعارف عليه كتعارف الناس في بعض الأوقات على تناول بعض المحرمات كالخمور وأكل الربا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
فعرفهم مردود عليهم لأن اعتباره إهمال لنصوص قاطعة، واتباع للهوى وإبطال للشرائع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
أهم المراجع والمصادر
- المدخل الفقهي العام (الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد) للأستاذ مصطفى أحمد الزرقاء الطبعة التاسعة مطابع ألف باء - الأديب دمشق 1967 - 1968م.
- تاريخ الفقه الإسلامي د. عمر سليمان الأشقر. مكتبة الفلاح الكويت 1402 1982م.
- المدخل للفقه الإسلامي (تاريخه وقواعده - مبادئه العامة) د. عبد الله الدرعان مكتبة التوبة الرياض 1413هـ - 1993م.
- تاريخ الفقه الإسلامي د. أحمد فراج حسين الدار الجامعية بيروت 1989م.
- دراسة تاريخية للفقه وأصوله والاتجاهات التي ظهرت فيها د. مصطفى سعيد الخن الشركة المتحدة للتوزيع دمشق 1404هـ 1984م.
- المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية د. عبد الكريم زيدان مطبعة العالي بغداد 1389هـ 1969م.
- المدخل في التعريف بالفقه الإسلامي وقواعد الملكية والعقود فيه للأستاذ محمد مصطفى شلبي دار النهضة العربية بيروت 1401هـ 1981م.
- الشريعة الإسلامية بدران أبو العينين بدران مطبعة م. ك الإسكندرية 1393هـ 1973م.
-أصول الفقه محمد أبو زهرة دار الفكر العربي.
- تاريخ الفقه الإسلامي أشرف على مراجعته وتصحيحه وتهذيبه محمد علي السايس دار المعارف 1986م.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
- تعريف عام بالعلوم الشرعية د. محمد الزحيلي دار طلاس دمشق 1988م.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)