ومنه قوله {ذَلِكَ الْكِتَابُ} أي: هذا الكتاب؛ لأن الكتاب قريب، ولذا تكثر الإِشارة إليه بإشارة القريب، كقوله: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} وقوله: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ} الآية. وأمثال ذلك كثيرة في القرآن. ومن إطلاق إشارة البعد على القريب قول خفاف بن ندبة السلمي:
فإن تَكُ خيلي قد أصيب صَميمها … فعمدًا على عيني تيمَّمتُ مالكًا
أقول له والرُّمح يأطرُ مَتْنه … تأمَّل خفافًا إنني أنا ذَلِكا
فقد أشار إلى نفسه إشارة البعيد، ومعلوم أنه لا يمكن أن يكون بعيدًا من نفسه. قالوا: واللام تأتي بمعنى علي كقوله: {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} أي: فعليها، وقوله تعالى: {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ} أي: على الأذقان. ومنه قول الشاعر، وقد قدمناه في أول سورة هود:
هتكت له بالرمح جيبَ قميصِه … فخرَّ صريعًا لليديْن ولِلْفَم
وفي الحديث "واشترطي لهم الولاء".
أو أن المراد: ذلك الحكم بالهدي والصوم مشروع لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أقرب أقوال أهل العلم عندي للصواب في هذه المسألة: أن أهل مكة لهم أن يتمتعوا، ويقرنوا وليس عليهم هدي؛ لأن قوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} الآية، عام بلفظه في جميع الناس من أهل مكة، وغيرهم، ولا يجوز تخصيص هذا العموم إلَّا بمخصص يجب الرجوع إليه، وتخصيصه بقوله: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} لا يجب الرجوع إليه، لاحتمال رجوع الإِشارة إلى الهدي والصوم، لا إلى التمتع كما

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 358)