-يعني البخاري- عن هذا الحديث فقال: كلاهما عندي صحيح. اهـ.
فترى الترمذي نقل عن البخاري تصحيح هذا الحديث. وقال النووي في [شرح المهذب]: وأما حديث عاصم عن علي رضي الله عنه فرواه أبو داود، وغيره بإسناد حسن أو صحيح، عن علي، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. اهـ.
وقال الشوكاني في [نيل الأوطار]: وحديث علي هو من حديث أبي إسحاق، عن الحارث الأعور، وعاصم بن ضمرة. وقد تقدم أن البخاري قال: كلاهما عنده صحيح، وقد حسنه الحافظ. اهـ. محل الغرض من كلام الشوكاني.
الوجه الثاني: أنه يعتضد بما رواه الدارقطني من حديث محمد بن عبد الله بن جحش، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر معاذًا حيث بعثه إلى اليمن أن يأخذ من كل أربعين دينارًا دينارًا. الحديث ذكره ابن حجر في [التلخيص] وسكت عليه.
وبما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ولا في أقل من عشرين مثقالًا من الذهب شيء" قال النووي: غريب. اهـ.
الوجه الثالث: المناقشة بحسب صناعة علم الحديث والأصول، فنقول: سلمنا أن الحارث الأعور ضعيف كما تقدم في المائدة وإن وثقه ابن معين، فيبقى عاصم بن ضمرة الذي روى معه الحديث، فإن حديثه حجة، وقد وثقه ابن المديني، وقال النسائي:
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 516)
ليس به بأس وقال فيه ابن حجر في [التقريب]: عاصم بن ضمرة السلولي الكوفي؛ صدوق.
وتعتضد روايته برواية الحارث وإن كان ضعيفًا، وبما ذكرنا عن محمد بن عبد الله بن جحش، وعمرو بن شعيب، فبهذا تعلم أن تضعيف الحديث بضعف سنده مردود.
وقد قدمنا عن الترمذي أن البخاري قال: كلاهما صحيح.
وقد قدمنا أن النووي قال فيه: حسن، أو صحيح.
ونقل الشوكاني، عن ابن حجر: أنه حسنه.
أما ما أعله به ابن المواق من أن جرير بن حازم لم يسمعه من أبي إسحاق؛ لأن بينهما الحسن بن عمارة، وهو متروك، فهو مردود؛ لأن الحديث ثابت من طرق متعددة صحيحة إلى أبي إسحاق، وقد قدمنا أن الترمذي قال -وذكر طرفًا منه-: هذا الحديث رواه الأعمش، وأبو عوانة وغيرهما، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، ورواه سفيان الثوري، وابن عيينة، وغير واحد، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي. اهـ.
فترى أن أبا عوانة، والأعمش، والسفيانين، وغيرهم، كلهم رووه عن أبي إسحاق. وبه تعلم بأن إعلال ابن المواق له بأن راويه عن أبي إسحاق الحسن بن عمارة -وهو متروك- إعلال ساقط؛ لصحة الحديث إلى أبي إسحاق. فإذا حققت رد تضعيفه بأن عاصمًا صدوق، ورد إعلال ابن المواق له، فاعلم أن إعلال ابن حزم له بأن المرفوع رواية الحارث، وهو ضعيف، وأن رواية
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 517)
عاصم بن ضمرة موقوفة على علي، مردود من وجهين:
الأول: أن قدر نصاب الزكاة، وقدر الواجب فيه، كلاهما أمر توقيفي لا مجال للرأي فيه والاجتهاد، والموقوف إن كان كذلك فله حكم الرفع، كما عُلِمَ في علم الحديث والأصول.
قال العلوي الشنقيطي في [طلعة الأنوار]:
وما أتى عن صاحب مما منع … فيه مجال الرأي عندهم رفع
وقال العراقي في [ألفيته]:
وما أتى عن صاحب بحيث لا … يقال رأيًا حكمه الرفع على
ما قال في المحصول نحو من أتى … فالحاكم الرفع لهذا أثبتا
. . . إلخ.
الثاني: أن سند أبي داود الذي رواه به حسن، أو صحيح، كما قاله النووي، وغيره، والرفع من زيادات العدول، وهي مقبولة. قال في [مراقي السعود]:
والرفع والوصل وزيد اللفظ … مقبولة عند إمام الحفظ
. . . إلخ.
الوجه الرابع: اعتضاد الحديث المذكور بإجماع الحجة من علماء المسلمين إلا من شذ عن السواد الأعظم على العمل بمقتضاه، وإجماع المسلمين إذا وافق خبر آحاد، فبعض العلماء يقول: يصير بموافقة الإجماع له قطعيًّا كالمتواتر، وأكثر الأصوليين يقولون: لا
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 518)
يصير قطعيًّا بذلك.
وفرق قوم، فقالوا: إن صرحوا بأن معتمدهم في إجماعهم هو ذلك الخبر أفاد القطع، وإلا فلا. وأشار إلى ذلك في [مراقي السعود] بقوله:
ولا يفيد القطع ما يوافق … الإجماع والبعض بقطع ينطق
وبعضهم يفيد حيث عولا … عليه .................. إلخ
وعلى كل حال فلا يخفى أنه يعتضد بعمل المسلمين به.
الخامس: دلالة الكتاب، والسنة، والإجماع على أن الزكاة واجبة في الذهب. أما الكتاب: فقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35)}.
وأما السنة: فقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدى منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه، ووجهه، وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار" الحديث. هذا لفظ مسلم في صحيحه، وهو صريح في وجوب الحق في الذهب، كالفضة، وقد أجمع على ذلك جميع العلماء، وإذن يكون الحديث المذكور بيانًا لشيء ثابت قطعًا. وقد
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 519)
تقرر في الأصول أن البيان يجوز بما هو دون المبين دلالة وسند، كما أوضحناه في ترجمة هذا الكتاب.
فتحصل أن نصاب الذهب عشرون مثقالًا، وما زاد فبحسابه، وأن الواجب فيه ربع العشر، كالفضة، وأن الذهب والفضة ليس فيهما وقص، بل كل ما زاد على النصاب فبحسابه، خلافًا لمن شذ فخالف في بعض ذلك، والعلم عند الله تعالى.
تنبيه
يجب اعتبار الوزن في نصاب الفضة والذهب بالوزن الذي كان معروفًا عند أهل مكة، كما يجب اعتبار الكيل في خمسة الأوسق التي هي نصاب الحبوب والثمار بالكيل الذي كان معروفًا عند أهل المدينة.
قال النسائي في سننه في "كتاب الزكاة": أخبرنا أحمد بن سليمان، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن حنظلة، عن طاوس، عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "المكيال مكيال أهل المدينة والوزن وزن أهل مكة".
وقال أبو داود في سننه في "كتاب البيوع": حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا ابن دكين، عن حنظلة، عن طاوس، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة".
وقال النووي في [شرح المهذب]: وأما حديث "الميزان ميزان أهل مكة" إلى آخره فرواه أبو داود، والنسائي بأسانيد
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 520)
صحيحة على شرط البخاري، ومسلم من رواية ابن عمر، رضي الله عنهما.
وقال أبو داود: روي من رواية ابن عباس، رضي الله عنهما. اهـ.
قال الخطابي: معنى هذا الحديث الوزن الذي يتعلق به حق الزكاة وزن أهل مكة، وهي دار الإسلام. قال ابن حزم: وبحثت عنه غاية البحث من كل من وثقت بتمييزه؛ وكل اتفق لي على أن دينار الذهب بمكة وزنه اثنتان وثمانون حبة، وثلاثة أعشار حبة من حب الشعير المطلق، والدرهم سبعة أعشار المثقال، فوزن الدرهم سبع وخمسون، وستة أعشار حبة، وعشر عشر حبة، فالرطل مائة وواحد وثمانية وعشرون درهمًا بالدرهم المذكور. اهـ.
وفي القاموس في مادة "م ك ك" والمثقال درهم، وثلاثة أسباع، والدرهم ستة دوانق، والدانق قيراطان، والقيراط طسوجان، والطسوج حبتان، والحبة: سدس ثمن درهم، وهو جزء من ثمانية وأربعين جزءًا من الدرهم. اهـ. وقد قدمنا الكلام على قدر خمسه الأوسق في سورة "الأنعام".
المسألة الثانية: هل يضم الذهب والفضة بعضهما إلى بعض في الزكاة أو لا؟ لم أر في ذلك نصًّا صريحًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، والعلماء مختلفون فيه، وقد توقف الإمام أحمد رحمه الله عن ضم أحدهما إلى الآخر في رواية الأثرم، وجماعة، وقطع في رواية حنبل بأنه لا زكاة عليه حتى يبلغ كل واحد منهما نصابًا.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 521)
وممن قال بأن الذهب والفضة لا يضم بعضهما إلى بعض: الشافعي، وأبو ثور، وأبو عبيد، وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، وشريك. قال ابن قدامة في [المغني]: واختاره أبو بكر عبد العزيز.
وممن قال: إن الذهب والفضة يضم بعضهما إلى بعض في تكميل النصاب: مالك، والأوزاعي، والحسن، وقتادة، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه.
قال مقيده - عفا الله عنه -: والذي يظهر لي رجحانه بالدليل من القولين أن الذهب والفضة لا يضم أحدهما إلى الآخر؛ لما ثبت في بعض الروايات الصحيحة كما رواه مسلم في صحيحه عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليس فيما دون خمسة أواق من الورق صدقة" الحديث. فلو كان عنده أربع أواق من الورق الذي هو الفضة، وما يكمل النصاب من الذهب فإنه يصدق عليه بدلالة المطابقة أنه ليس عنده خمس أواق من الورق، وقد صرح النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث الصحيح أنه لا صدقة في أقل من خمس أواق من الورق؛ وظاهر نص الحديث على اسم الورق يدل على أنه لا زكاة في أقل من خمس أواق من الفضة ولو كان عنده ذهب كثير، ولا دليل من النصوص يصرف عن هذا الظاهر. والعلم عند الله تعالى.
المسألة الثالثة: اختلف العلماء في زكاة الحلي المباح؛ فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا زكاة فيه؛ وممن قال به مالك، والشافعي، وأحمد في أصح قوليهما، وبه قال عبد الله بن عمر بن الخطاب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعائشة،
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 522)
وأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وقتادة، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، والشعبي، ومحمد بن علي، والقاسم بن محمد، وابن سيرين، والزهري، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، وابن المنذر.
وممن قال بأن الحلي المباح تجب فيه الزكاة: أبو حنيفة رحمه الله، وروى عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، وبه قال ابن مسعود، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وميمون بن مهران، وجابر بن زيد، والحسن بن صالح، وسفيان الثوري، وداود، وحكاه ابن المنذر أيضًا عن ابن المسيب، وابن جبير، وعطاء، ومجاهد، وابن سيرين، وعبد الله بن شداد، والزهري.
وسنذكر إن شاء الله تعالى حجج الفريقين، ومناقشة أدلتهما على الطرق المعروفة في الأصول، وعلم الحديث؛ ليتبين للناظر الراجح من الخلاف.
اعلم أن من قال بأن الحلي المباح لا زكاة فيه تنحصر حجته في أربعة أمور:
الأول: حديث جاء بذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الثاني: آثار صحيحة عن بعض الصحابة يعتضد بها الحديث المذكور.
الثالث: القياس.
الرابع: وضع اللغة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 523)
أما الحديث: فهو ما رواه البيهقي في معرفة السنن والآثار من طريق عافية بن أيوب، عن الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا زكاة في الحلي".
قال البيهقي: وهذا الحديث لا أصل له، إنما رُوِيَ عن جابر من قوله غير مرفوع، والذي يروى عن عافية بن أيوب، عن الليث، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعًا لا أصل له. وعافية بن أيوب مجهول، فمن احتج به مرفوعًا كان مغررًا بدينه، داخلًا فيما نعيب به المخالفين من الاحتجاج برواية الكذابين. والله يعصمنا من أمثال هذا.
قال مقيده - عفا الله عنه -: ما قاله الحافظ البيهقي رحمه الله تعالى من أن الحكم برواية عافية المذكور لهذا الحديث مرفوعًا من جنس الاحتجاج برواية الكذابين فيه نظر؛ لأن عافية المذكور لم يقل فيه أحد إنه كذاب، وغاية ما في الباب أن البيهقي ظن أنه مجهول؛ لأنه لم يطلع على كونه ثقة، وقد اطلع غيره على أنه ثقة فوثقه، فقد نقل ابن أبي حاتم توثيقه عن أبي زرعة؛ قال ابن حجر في [التلخيص]: عافية بن أيوب قيل: ضعيف، وقال ابن الجوزي: ما نعلم فيه جرحًا، وقال البيهقي: مجهول، ونقل ابن أبي حاتم توثيقه عن أبي زرعة.
ولا يخفى أن من قال: إنه مجهول يُقدَّم عليه من قال: إنه ثقة؛ لأنه اطلع على ما لم يطلع عليه مدعي أنه مجهول، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، والتجريح لا يقبل مع الإجمال؛ فعافية هذا وثقه أبو زرعة، والتعديل والتجريح يكفي فيهما واحد على الصحيح في الرواية دون الشهادة. قال العراقي في [ألفيته]:
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 524)
وصححوا اكتفاءهم بالواحد … جرحًا وتعديلًا خلاف الشاهد
والتعديل يقبل مجملًا بخلاف الجرح؛ للاختلاف في أسبابه.
قال العراقي في [ألفيته]:
وصححوا قبول تعديل بلا … ذكر لأسباب له أن تنقلا
ولم يروا قبول جرح أبهما … للخلف في أسبابه وربما
استفسر الجرح فلم يقدح كما … فسره شعبة بالركض فما
هذا الذي عليه حفاظ الأثر … كشيخي الصحيح مع أهل النظر
. . . إلخ.
وهذا هو الصحيح؛ فلا شك أن قول البيهقي في "عافية": إنه مجهول أولى منه بالتقديم قول أبي زرعة: إنه ثقة؛ لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ، وإذا ثبت الاستدلال بالحديث المذكور، فهو نص في محل النزاع.
ويؤيد ما ذكر من توثيق عافية المذكور أن ابن الجوزي مع سعة إطلاعه، وشدة بحثه عن الرجال قال: إنه لا يعلم فيه جرحًا.
وأما الآثار الدالة على ذلك: فمنها ما رواه الإمام مالك في [الموطأ] عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه "أن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت تلي بنات أخيها يتامى في حجرها لهن الحلي، فلا تخرج من حليهن الزكاة. وهذا الإسناد عن عائشة في غاية الصحة، كما ترى.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 525)
ومنها ما رواه مالك في [الموطأ] أيضًا عن نافع، عن عبد الله بن عمر أنه كان يحلي بناته وجواريه الذهب، ثم لا يخرج من حليهن الزكاة. وهذا الإسناد عن ابن عمر رضي الله عنهما في غاية الصحة كما ترى.
وما قاله بعض أهل العلم من أن المانع من الزكاة في الأول أنه مال يتيمة، وأنه لا تجب الزكاة على الصبي، كما لا تجب عليه الصلاة؛ مردود بأن عائشة ترى وجوب الزكاة في أموال اليتامى، فالمانع من إخراجها الزكاة كونه حليًا مباحًا على التحقيق؛ لا كونه مال يتيمة، وكذلك دعوى أن المانع لابن عمر من زكاة الحلي أنه لجوار مملوكات، وأن المملوك لا زكاة عليه، مردود أيضًا بأنه كان لا يزكي حلي بناته مع أنه كان يزوج البنت له على ألف دينار يحليها منها بأربعمائة، ولا يزكي ذلك الحلي، وتركه لزكاته لكونه حليًا مباحًا على التحقيق.
ومن الآثار الواردة في ذلك ما رواه الشافعي: أنا سفيان، عن عمرو بن دينار سمعت رجلًا يسأل جابر بن عبد الله عن الحلي فقال: "زكاته عاريته" ذكره البيهقي في [السنن الكبرى] وابن حجر في [التلخيص] وزاد البيهقي فقال: وإن كان يبلغ ألف دينار، فقال جابر: كثير.
ومنها وما رواه البيهقي عن علي بن سليم قال: سألت أنس بن مالك عن الحلي، فقال: ليس فيه زكاة.
ومنها ما رواه البيهقي، عن أسماء بنت أبي بكر أنها كانت تحلي بناتها الذهب، ولا تزكيه نحوًا من خمسين ألفًا.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 526)
وأما القياس فمن وجهين:
الأول: أن الحلي لما كان لمجرد الاستعمال، لا للتجارة والتنمية ألحق بغيره من الأحجار النفيسة، كاللؤلؤ، والمرجان، بجامع أن كلًّا معد للاستعمال، لا للتنمية.
وقد أشار إلى هذا الإلحاق مالك رحمه الله في [الموطأ] بقوله: فأما التبر، والحلي المكسور الذي يريد أهله إصلاحه ولبسه فإنما هو بمنزلة المتاع الذي يكون عند أهله، فليس على أهله فيه زكاة. قال مالك: ليس في اللؤلؤ، ولا في المسك، والعنبر زكاة.
الثاني من وجهي القياس: هو النوع المعروف بقياس العكس، وأشار له في [مراقي السعود] بقوله في كتاب الإستدلال:
منه قياس المنطقى والعكس … ومنه فقد الشرط دون لبس
وخالف بعض العلماء في قبول هذا النوع من القياس، وضابطه: هو إثبات عكس حكم شيء لشيء آخر لتعاكسهما في العلة.
ومثاله: حديث مسلم "أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر" الحديث. فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث أثبت في الجماع المباح أجرًا، وهو حكم عكس الجماع الحرام؛ لأن فيه الوزر، لتعاكسهما في العلة؛ لأن علة الأجر في الأول إعفاف امرأته ونفسه، وعلة الوزر في الثاني كونه زنى.
ومن أمثلة هذا النوع من القياس عند المالكية: احتجاجهم
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 527)
على أن الوضوء لا يجب من كثير القيء بأنه لما لم يجب من قليله لم يجب من كثيره، عكس البول، لما وجب من قليله وجب من كثيره.
ومن أمثلته عند الحنفية قولهم: لما لم يجب القصاص من صغير المثقل لم يجب من كبيره، عكس المحدد، لما وجب من صغيره وجب من كبيره.
ووجه هذا النوع من القياس في هذه المسألة التي نحن بصددها هو أن العروض لا تجب في عينها الزكاة، فإذا كانت للتجارة والنماء وجبت فيها الزكاة، عكس العين، فإن الزكاة واجبة في عينها، فإذا صبغت حليًا مباحًا للاستعمال، وانقطع عنها قصد التنمية بالتجارة صارت لا زكاة فيها، فتعاكست أحكامها لتعاكسهما في العلة.
ومنع هذا النوع من القياس بعض الشافعية، وقال ابن محرز: إنه أضعف من قياس الشبه.
ولا يخفى أن القياس يعتضد به ما سبق من الحديث المرفوع، والآثار الثابتة عن بعض الصحابة، لما تقرر في الأصول من أن موافقة النص للقياس من المرجحات.
وأما وضع اللغة فإن بعض العلماء يقول: الألفاظ الواردة في الصحيح في زكاة العين لا تشمل الحلي في لسان العرب.
قال أبو عبيد: الرقة عند العرب الورق المنقوشة ذات السكة السائرة بين الناس، ولا تطلقها العرب على المصوغ، وكذلك قيل
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 528)
في الأوقية.
قال مقيده - عفا الله عنه -: ما قاله أبو عبيد هو المعروف في كلام العرب. قال الجوهري في صحاحه: الورق الدراهم المضروبة، وكذلك الرقة، والهاء عوض عن الواو. وفي القاموس: الورق -مثلثة، وككتف-: الدراهم المضروبة، وجمعه أوراق ووراق كالرقة.
هذا هو حاصل حجة من قال: لا زكاة في الحلى.
وما ادعاء بعض أهل العلم من الاحتجاج لذلك بعمل أهل المدينة، فيه أن بعض أهل المدينة مخالف في ذلك، والحجة بعمل أهل المدينة عند من يقول بذلك، كمالك إنما هي في إجماعهم على أمر لا مجال للرأي فيه، لا إن اختلفوا، أو كان من مسائل الاجتهاد، كما أشار له في [مراقي السعود] بقوله:
وأوجبن حجية للمدني … فيما على التوقيف أمره بنى
وقيل: مطلقًا. . إلخ.
لأن مراده بالمدني الإجماع المدني الواقع من الصحابة، أو التابعين، لا ما اختلفوا فيه كهذه المسألة، وقيده بما بنى على التوقيف، دون مسائل الاجتهاد في القول الصحيح.
وأما حجة القائلين بأن الحلى تجب فيه الزكاة فهي منحصرة في أربعة أمور أيضًا.
الأول: أحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أوجب الزكاة في الحلي.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 529)
الثاني: آثار وردت بذلك عن بعض الصحابة.
الثالث: وضع اللغة.
الرابع: القياس.
أما الأحاديث الواردة بذلك، فمنها ما أورده أبو داود في سننه: حدثنا أبو كامل، وحميد بن مسعدة "المعنى" أن خالد بن الحارث حدثهم، ثنا حسين، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده "أن امرأة أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها: أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟ قال: فخلعتهما، فألقتهما إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: هما لله عز وجل ولرسوله".
وقال النسائي في سننه: أخبرنا إسماعيل بن مسعود، قال: حدثنا خالد، عن حسين، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده "أن امرأة من أهل اليمن أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبنت لها في يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال: أتؤدين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أيسرك أن يسورك الله عز وجل بهما يوم القيامة سوارين من نار؟ ! قال: فخلعتهما، فألقتهما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: هما لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -".
أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان قال: سمعت حسينًا قال: حدثني عمرو بن شعيب، قال جاءت امرأة، ومعها بنت لها، وفي يد ابنتها مسكتان، نحوه. مرسل.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 530)
قال أبو عبد الرحمن: خالد أثبت من المعتمر. اهـ.
وهذا الحديث الذي أخرجه أبو داود والنسائي من طريق حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب: أقل درجاته الحسن، وبه تعلم أن قول الترمذي رحمه الله: لا يصح في الباب شيء. غير صحيح؛ لأنه لم يعلم برواية حسين المعلم له عن عمرو بن شعيب، بل جزم بأنه لم يرو عن عمرو بن شعيب إلا من طريق ابن لهيعة، والمثنى بن الصباح، وقد تابعهما حجاج بن أرطأة، والجميع ضعاف.
ومنها ما رواه أبو داود أيضًا: حدثنا محمد بن عيسى، ثنا عتاب -يعني ابن بشير- عن ثابت بن عجلان، عن عطاء، عن أم سلمة قالت: كنت ألبس أوضاحًا من ذهب، فقلت: يا رسول الله أكنز هو؟ فقال: ما بلغ أن تؤدى زكاته، فزكي فليس بكنز. وأخرج نحوه الحاكم، والدارقطني، والبيهقي. اهـ.
ومنها ما رواه أبو داود أيضًا: حدثنا محمد بن إدريس الرازي، ثنا عمرو بن الربيع بن طارق، ثنا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن أبي جعفر أن محمد بن عمرو بن عطاء أخبره، عن عبد الله بن شداد بن الهاد أنه قال: دخلنا على عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: "دخل عليَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرأى في يدي فتخات من ورق، فقال: ما هذا يا عائشة؟ ! فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله، قال: أتؤدين زكاتهن؟ قلت: لا، أو ما شاء الله، قال: هو حسبك من النار".
حدثنا صفوان بن صالح، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا سفيان،
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 531)
عن عمر بن يعلى. فذكر الحديث نحو حديث الخاتم. قيل لسفيان: كيف تزكيه؟ قال: تضمه إلى غيره. اهـ. وحديث عائشة هذا أخرج نحوه أيضًا الحاكم، والدارقطني، والبيهقي. اهـ.
وأخرج الدارقطني عن عائشة من طريق عمرو بن شعيب، عن عروة، عنها قالت: لا بأس بلبس الحلي إذا أعطى زكاته. اهـ.
قال البيهقي رحمه الله: وقد انضم إلى حديث عمرو بن شعيب حديث أم سلمة، وحديث عائشة، وساقهما.
ومنها ما رواه الإمام أحمد عن أسماء بنت يزيد بلفظ قالت: "دخلت أنا وخالتي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعلينا أساور من ذهب، فقال لنا: أتعطيان زكاته؟ فقلنا: لا، قال: أما تخافان أن يسوركما الله بسوار من نار؟ ! أديا زكاته". اهـ.
وروى الدارقطني نحوه من حديث فاطمة بنت قيس، وفي سنده أبو بكر الهذلي، وهو متروك، اهـ. قاله ابن حجر في [التلخيص].
وأما الآثار: فمنها ما رواه ابن أبي شيبة، والبيهقي من طريق شعيب بن يسار قال: كتب عمر إلى أبي موسى أن مر من قبلك من نساء المسلمين أن يصدقن من حليهن اهـ. قال البيهقي: هذا مرسل، شعيب بن يسار لم يدرك عمر. اهـ.
وقال ابن حجر في [التلخيص]: وهو مرسل. قاله البخاري. وقد أنكر الحسن ذلك فيما رواه ابن أبي شيبة قال: لا نعلم أحدًا من الخلفاء قال: "في الحليِّ زكاة".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 532)
ومنها ما رواه الطبراني، والبيهقي، عن ابن مسعود: أن امرأته سألته، عن حلي لها، فقال: إذا بلغ مائتي درهم ففيه الزكاة، قالت: أضعها في بني أخ لي في حجري؟ قال: نعم.
قال البيهقي: وقد رُوي هذا مرفوعًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وليس بشيء، وقال: قال البخاري: مرسل. ورواه الدارقطني من حديث ابن مسعود مرفوعًا، وقال: هذا وهم، والصواب موقوف. قاله ابن حجر في [التلخيص].
ومنها ما رواه البيهقي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أنه كان يكتب إلى خازنه سالم أن يخرج زكاة حلي بناته كل سنة.
وما روي من ذلك عن ابن عباس قال الشافعي: لا أدري أيثبت عنه أم لا؟ وحكاه ابن المنذر، والبيهقي عن ابن عباس، وابن عمر، وغيرهما. قاله في [التلخيص] أيضًا.
وأما القياس: فإنهم قاسوا الحلي على المسكوك والمسبوك، بجامع أن الجميع نقد.
وأما وضع اللغة: فزعموا أن لفظ الرقة، ولفظ الأوقية الثابت في الصحيح يشمل المسوغ، كما يشمل المسكوك. وقد قدمنا أن التحقيق خلافه.
فإذا علمت حجج الفريقين، فسنذكر لك ما يمكن أن يرجح به كل واحد منهما.
أما القول بوجوب زكاة الحلي؛ فله مرجحات:
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 533)
منها: أن من رواه من الصحابة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر، كما قدمنا روايته عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وعائشة، وأم سلمة، وأسماء بنت يزيد، رضي الله عنهم.
وأما القول بعدم وجوب الزكاة فيه فلم يرو مرفوعًا إلا من حديث جابر، كما تقدم، وكثرة الرواة من المرجحات على التحقيق، كما قدمنا في سورة البقرة، في الكلام على آية الربا.
ومنها: أن أحاديثه كحديث عمرو بن شعيب، ومن ذكر معه، أقوى سندًا من حديث سقوط الزكاة الذي رواه عافية بن أيوب.
ومنها: أن ما دل على الوجوب مقدم على ما دل على الإباحة؛ للاحتياط في الخروج من عهدة الطلب، كما تقرر في الأصول، وإليه الإشارة بقول صاحبه [مراقي السعود] في مبحث الترجيح باعتبار المدلول:
وناقل ومثبت والآمر … بعد النواهي ثم هذا الآخر
على إباحة. . . إلخ.
ومعنى قوله: "ثم هذا الآخر على إباحة" أن ما دل على الأمر مقدم على ما دل على الإباحة كما ذكرنا.
ومنها: دلالة النصوص الصريحة على وجوب الزكاة في أصل الفضة، والذهب، وهي دليل على أن الحلي من نوع ما وجبت الزكاة في عينه. هذا حاصل ما يمكن أن يرجح به هذا القول.
وأما القول بعدم وجوب الزكاة في الحلي المباح فيرجح بأن
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 534)
الأحاديث الواردة في التحريم إنما كانت في الزمن الذي كان فيه التحلي بالذهب محرمًا على النساء، والحلي المحرم تجب فيه الزكاة اتفاقًا.
وأما أدلة عدم الزكاة فيه فبعد أن صار التحلي بالذهب مباحًا.
والتحقيق: أن التحلي بالذهب كان في أول الأمر محرمًا على النساء ثم أبيح، كما يدل له ما ساقه البيهقي من أدلة تحريمه أولًا، وتحليله ثانيًا، وبهذا يحصل الجمع بين الأدلة، والجمع واجب إن أمكن كما تقرر في الأصول وعلوم الحديث، وإليه الإشارة بقول صاحب [مراقي السعود]:
والجمع واجب متى ما أمكنا … إلا فللأخير نسخ بينا
ووجهه ظاهر، لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، ومعلوم أن الجمع إذا أمكن أولى من جميع الترجيحات.
فإن قيل: هذا الجمع يقدح فيه حديث عائشة المتقدم، فإن فيه "فرأى في يدي فتخات من ورق" الحديث.
والورق: الفضة، والفضة لم يسبق لها تحريم، فالتحلي بها لم يمتنع يومًا ما.
فالجواب ما قاله الحافظ البيهقي رحمه الله تعالى قال: من قال: لا زكاة في الحلي، زعم أن الأحاديث والآثار الواردة في وجوب زكاته كانت حين كان التحلي بالذهب حرامًا على النساء. فلما أبيح لهن سقطت زكاته.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 535)