على أن ما قاله في معنى الذكر، لا يمنع أن يدخل فيه - على ما أفاد في موضع آخر- الصلوات المفروضات لقوله: (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل.. هود /114) وكذلك النوافل التي هي في حق النبي صلى الله عليه وسلم دائرة بين المفروض وغير المفروض وفي حق غيره لا تتخطى دائرة المسنون والمندوب، كما يشمل ذكر اسم الرب: تبليغ الدعوة والموعظة بتخويف عقابه ورجاء ثوابه (1) ، إلى غير ذلك مما يقرب إلى الله وللسان منه علقة، وفي روح المعاني عن ابن عباس: المراد به توحيد الله عز وجل بقول (لا إله إلا الله) وعنه المراد به تلاوة كتابه وقيل ذكر أسمائه الحسنى (2) ، وهو في معنى ما تقدم.
أما التسبيح الذي يجمل حمل الآيات سالفة الذكر فيه، على ظاهره فمراده - كما مربنا - التنزيه بالقول وبالاعتقاد، عن كل شيئ كان على خلاف ما أخبر به سبحانه وعن كل صفة أو شائبة نقص، والإثبات لكل كمال.--------------------------------------------
(1) ينظر التحرير 29/405مجلد 14.
(2) ينظر الآلوسي18/258مجلد10.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
ومما جاء في فضل الذكر الكثير الوارد في آية الأحزاب، ما روي عن ابن عباس ومجاهد: (أن لا ينسى جلّ شأنه) ، وقيل أن يذكر سبحانه بصفاته العلى وأسمائه الحسنى وينزه عن كلّ ما لا يليق به، وعن مقاتل: هو أن يقال: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) على كل حال، وقال بعضهم: مرجع الكثرة العرف (1) . وفي الحديث عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا ركعتين جميعاً، كتبا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات) (2) ، ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن الأمر في الذكر الكثير ليس قاصراً على عمل الليل كما قد يفهم من الحديث بل إنه ليشمل ويعمّ - على ما أفادة ابن القيم - كل عمل، يقول رحمه الله: "أفضل أهل كل عمل أكثرهم فيه ذكراً لله عز وجل فأفضل الصُّوَّام أكثرهم ذكراً لله في صومهم وأفضل المتصدقين أكثرهم ذكراً لله في صدقتهم وأفضل الحجاج أكثرهم ذكراً لله في حجهم، وهكذا سائر الأعمال ا. هـ" (3) ، ويؤيده ما ذكره ابن أبي الدنيا في حديثه المرسل، عندما سؤل صلى الله عليه وسلم: أي أهل المسجد خير؟ قال: (أكثرهم ذكراً لله عز وجل ، قيل: وأي أهل الجنازة خير؟ قال: (أكثرهم ذكراً لله عز وجل ، قيل: فأي المجاهدين خير؟ قال: (أكثرهم ذكراً لله عز وجل ، قيل فأي الحجاج خير؟ قال: (أكثرهم ذكراً لله عز وجل ، قيل: وأي العوّاد أو العبّاد خير؟ قال: (أكثرهم ذكراً لله عز وجل . قال أبو بكر: (ذهب الذاكرون بالخير كله) (4) .--------------------------------------------
(1) ينظر تفسير ابن كثير3/505 والوابل الصيب ص 152، 153.
(2) رواه أبو داود (1309) بإسناد صحيح، وابن ماجة (1335) ، وابن حبان 645 وصححه.
(3) الوابل الصيب لابن القيم ص 152.
(4) ينظر تفسير ابن كثير3/505 والوابل الصيب 152، 153.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
وفي الحديث الذي رواه أبو الدرداء يقول صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من أن تلقوا عدوّكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (ذكر الله تعالى) (1) ، وعن أبي موسى الأشعري قال: قال صلى الله عليه وسلم: (مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل الحي والميت) (2) ، وفي حديث أبي هريرة قال صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإٍ ذكرته في ملإٍ خير منهم) (3) .--------------------------------------------
(1) رواه الترمذي 3374وأحمد6/447 وابن ماجة بسند صحيح 3790والحاكم وصححه 1/496.
(2) البخاري مع الفتح11/175، 177ومسلم779 بلفظ (مثل البيت الذي يذكرالله فيه والبيت الذي لا يذكرالله فيه مثل الحي والميت) .
(3) رواه البخاري 2675ومسلم 4/2061 والترمذي 3598.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
ومن الأحاديث الحاثّة على التسبيح قوله صلى الله عليه وسلم: (من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده، مائة مرة، لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به، إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد) (1) ، وقوله: (كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) (2) ، وقوله: (لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس) (3) ، وقوله: (من قال سبحان الله وبحمده، في يوم مائة مرة، حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) (4) ، وقوله: (من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وكبر الله ثلاثاً وثلاثين، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) (5) ، وقوله: (أيعجز أحدكم أن يكسب في كل يوم ألف حسنة؟ فسأله سائل من جلسائه، كيف يكسب ألف حسنة؟ قال: يسبح مائة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة، أو يحط عنه ألف خطيئة) (6) ، وقوله حين جاءه فقراء المهاجرين وقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم، يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ولهم فضل من أموالهم يحجون ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون فقال: ألا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة--------------------------------------------
(1) رواه البخاري7/168، 11/173ومسلم 2692وأبو داود 5091 والترمذي 3466وأحمد2/ 515.
(2) رواه البخاري7/ 168، 11/175 ومسلم 2694 والترمذي 3463وابن ماجة 3806.وأحمد2/232.
(3) كناية عن الدنيا، والحديث رواه مسلم 2695 والترمذي 3591.
(4) رواه البخاري 11/168، 169ومسلم 2691 والطبراني1/209 والترمذي 3464.
(5) أورده الإمام مسلم597 والإمام أحمد3/371، 483.
(6) ر واه مسلم 2698والترمذي 3459.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
ثلاثاً وثلاثين (1) وزاد مسلم في روايته فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله فقال رسو ل الله صلى الله عليه وسلم: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) .
ومما جاء في فضل الذكر والتسبيح المضاعف ما روته أم المؤمنين جويرية بنت الحارث من أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، فقال: ما زلت على الحال الذي فارقتك عليها؟ قالت: نعم، فقال صلى الله عليه وسلم: لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات، لو وزنت بما قلتِ منذ اليوم لوزنتهن (سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته) (2) ، وعن سعد ابن أبي وقاص أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة وبين يديها نوى أو حصى تسبح به فقال: أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا أو أفضل، فقال: سبحان الله عدد ما خلق في السماء سبحان الله عدد ما خلق في الأرض، سبحان الله عدد ما بين ذلك، سبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر مثل ذلك، ولا إله إلا الله مثل ذلك، والحمد لله مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك) (3) .--------------------------------------------
(1) رواه البخاري 2/270، 271ومسلم595 ومالك 1/190 وأبو داود1504 وأحمد 2/238 والدارمي1360 والطبراني 1/209.
(2) روا هـ مسلم 2726 والترمذي 3550 وأبو داود 1503 والنسائي 4/77.
(3) رواه أبو داود 1500 والترمذي 3563 وابن حيان 2330 والحاكم 1/548 وصححه الذهبي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)
وفي الأثر عن ابن مسعود: (لأن أسبح الله تعالى تسبيحات أحب إليّ من أن أنفق عددهن دنانير في سبيل الله عز وجل ، وجلس عبد الله بن عمرو وعبد الله بن مسعود فقال ابن مسعود: (لأن آخذ في طريق أقول فيه: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، أحب إليّ من أن أنفق عددهن دنانير في سبيل الله عز وجل ، فقال عبد الله بن عمرو: (لأن آخذ في طريق فأقولهن أحب إليّ من أن أحمل عددهن على الخيل في سبيل الله عز وجل (1) .
مقام موافقة الجبال والطيرلتسبيح نبي الله داود عليه السلام:
وفي ذلك يقول سبحانه: (اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب. إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق. والطيرَ محشورةً كلٌّ له أوّاب.. 17- 19) ، وقد سبق أن ألمعنا إلى أن مفردة التسبيح هنا في حق كلٍّ مستخدمة على غير ظاهر معناها ومستعملة في غير ما وضعت له في اصطلاح التخاطب من معنى التنزيه وقول: سبحان الله، وأن التجوز في حق تسبيح الجبال بالعشي والإبكار، مغاير للتجوز الذي هوفي حق داود عليه السلام، ذلك أن استعمالها تجوزاً في حق داود استعمال بما يليق به من معنى الصلاة لكونه المستساغ في حقه، واستعمالها تجوزاً في حق الجبال والطير استعمال بمعنى التسخير والانقياد وهو تسخير وانقياد يحمل - كما قلنا - معنى الطواعية على ما يومئ إليه السياق ويدل عليه قوله (ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين.. فصلت /11) ، فهو تقديس بلسان قالٍ لائق بهن نظير تسبيح الحصى المسموع في كف النبي صلى الله عليه وسلم.--------------------------------------------
(1) ينظر الوابل الصيب لابن القيم ص134.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)
وأضيف أن المقام هنا هو الذي أملى ذلك الفهم، وأعان عليه التقييد بالوقتين المذكورين (العشي والإشراق) واختصاص تسبيحهن بكونه معه عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فـ (مع) في النظم الكريم متعلقة بالتسخير، وإيثارها على اللام للدلالة على أن تسخير الجبال له- عليه السلام لم يكن بطريق التصرف الكلي فيها كتسخير الريح وغيرها لسليمان، بل بطريق التبعية له والاقتداء به في عبادة الله وتلك هي نكتة التأخير للظرف، وإنما "قدم في سورة الأنبياء فقيل: (وسخرنا مع داود الجبال.. الأنبياء/79) لذكر داود ثمة فقدم مسارعة للتعيين ولا كذلك هنا" (1) .
والنكتة في مجيئ التسبيح بلفظ المضارعة (يسبحن) دون اسم الفاعل (سابحات) استحضار تلك الصورة العجيبة الخارقة للعادة، في الذهن. وكونها في معنى (مسبحات) ، فإن صيغة الفعل تدل على الحدوث والتجدد ليفيد المعنى أن تسبيحهن معه إنما كان يحدث شيئاً بعد شيئ وحالاً بعد حال وكأن السامع حاضر تلك الجبال يسمعها تسبح (2) .--------------------------------------------
(1) الآلوسي23/256 مجلد 13وينظر تفسير أبي السعود7/219مجلد4.
(2) ينظر الكشاف 3/364 والرازي13/296 والآلوسي 23/259مجلد 13.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)
والأمر على عكس ذلك في حق الطير، فإنه لما لم يكن في الحشر ما كان في التسبيح من إرادة الدلالة على الحدوث شيئا بعد شيئ لا جرم جيئ به اسماً لا فعلاً، وذلك للدلالة على أنها مجموعة إليه طوعاً من كلّ جانب دفعة واحدة، ولو قال: (وسخرنا الطير يُحشَرن) - على تقدير أن الحشر يحصل من حاشرها شيئاً بعد شيئ والحاشر هو الله عز وجل لكان خُلفاً، لأن حشرها جملة واحدة والتعبير عن ذلك باسم الجمع دون الجمع، أبلغ في الدلالة على القدرة.. ووضْع (الأوّاب) – الذي هو في معنى الرجّاع - موضع (المسبِّح) إما لبيان أنها ترفع التسبيح، والمرجِّع رجَّاع لأنه يرجع إلى فعْله رجوعاً بعد رجوع، وإما لأن الأوّاب وهو التوّاب الكثير الرجوع إلى الله وطلب مرضاته، من عادته ودأبه أن يكثر ذكر الله ويديم تسبيحه وتقديسه (1) ، ومهما يكن من أمر فإن في هذا وما قبله تعريض بالكفار، لأنه في معنى أن الجبال والطير فعلت أو فُعل بها ذلك على الرغم من أنها أشدّ صلابة ونفرة من قومك وأعسر ضبطاً.--------------------------------------------
(1) ينظر الكشاف 3/365 كما ينظر الرازي 13/297.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
على أن في اختيار ما هو شديد الصلابة ومقابلته بما هو شديد النفرة ليكونا مضرب المثل في مشاركة نبي الله دادو عليه السلام في التسبيح، دقيقة أخرى ملفتة ألا وهي عدم استبعاد أن يكون التنوين في (كلٌّ) عوضاً عما يشمل الطير والجبال معاً وليس الطير فحسب، ذلك أن غرض السياق بالتعبير عن تسخير أثقل الأشياء وأثبتها، وإتباعه بأخفها وأكثرها انتقالاً، الكشف عن خروج الكل إبان ترنيم داود عن مألوفه، وإفادة أنه كلما رجع عن حكمه وما هو فيه من الشغل بالخلق إلى تسبيح الحق، رجّعت معه بذلك الجبال والطير كلٌّ بطريقته التي اعتادها وفقهها عن الله تعالى خالقه، وقد جعل الخبر (أوّاب) في حقهما بلفظ التذكير ولم يجعل مؤنثاً للإعلام بشدة زجلهما بالتأويب وعظمته، وفي مجيئه مفرداً إشارة إلى أنهما في الطواعية في التأويب قد بلغا الغاية حتى لكأنهما الشيئ الواحد، كما أفاد الإفراد أيضاً شمول الحكم لكل فرد منها ولو جمع لطرقه احتمال أن الحكم على المجموع بقيد الجمع (1) وسبحان من هذا كلامه.
التسبيح في مقام التكذيب والسخرية والاستهزاء:--------------------------------------------
(1) ينظر نظم الدرر 6/ 371.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
ففي آية الفرقان التي يقول سبحانه فيها: (وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً (1) .. الفرقان /5) ، إخبار عما كان يدعيه أهل الكفر - قاتلهم الله – من أنه صلى الله عليه وسلم يكذب عليهم ويتكلف حفظ ما يملى عليه مما سطره الأقدمون بعد أن يتكلف تحصيله بالانتساخ لكونه أمياً، وذلك في أوقات انشغال الناس عنه فهو يفعل ذلك – في زعمهم وفي خيالهم المريض - كلّ صباح قبيل انتشار الناس إلى أعمالهم وعشياً حين يأوون إلى مساكنهم، فما يملى عليه بكرة يقرؤه عليهم عشية وما يملى عليه عشية يقرؤه عليهم بكرة، وهذا المعنى مفاد من صيغة الافتعال (اكتتبها) الدال على التكلف لحصول ذلك الفعل، ومن دلالة السياق على التكنية بفعل ذلك في الغدو والآصال عن الاستمرار وكثرة الممارسة لتلقي هذه الأساطير، وقد عنوا أنها تملى عليه خفية لئلا يقف الناس على حقيقة الحال.. وهذه – تالله - فرية وجرأة عظيمة منهم على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وكلامهم هذا ظاهر العوار لمن كان له أدنى بصيرة أو استبصار، فهو كلام لا يتفوه به من له مسكة من عقل أو مثقال حبة من مروءة، فإن من المعلوم الذي لا يخفى على ذي لبّ أن لو لازم إنسان شيئاً عشرة أيام بكرة وعشياً لم يبق ممن يعرفه ويطلع على أحواله أحد حتى يعرف ذلك منه فلو أنكره بعد لافتضح فضيحة لا يُغسل عنه عارها أبد الدهر، فكيف والبلد صغير والرجل عظيم شهير، وقد ادّعوا أنه مصرٌّ على ذلك لا ينفك عنه إلى حين مقالتهم وبعدها، وعيّروه بأنه معدم يحتاج إلى المشي في الأسواق، وهو يدعوهم في كل ملإ إلى المعارضة ولو بسورة من مثله--------------------------------------------
(1) قائل هذه المقولة هو النضر بن الحارث العبدري ترويجاً لبهتانه، وكان قد تعلم بالحيرة قصص ملوك الفرس وأحاديث رستم واسفنديار، فكان يقول لقريش: إنا والله يا معشر قريش أحسن حديثاً من محمد فهلمّ أحدثكم، وكان يقول في القرآن أنه من قصص الماضين وأباطيلهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)
- وفيهم الكتاب والشعراء والبلغاء والخطباء وهم أكثر منه مالاً وأعظم أعواناً - فلا يقدرون (1) .
لأجل هذا جاء الجواب المستأنف المتضمن بطلان ما ادعوه، في صورة تهديد (قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض.. الفرقان /6) ، قصداً إلى الإفحام وبطلاناً لدعاويهم الباطلة وإقامة للحجة البالغة.
ومما سبق ندرك أن إسنادهم الاكتتاب إليه صلى الله عليه وسلم إسناد مجازي لأنه سببه، والقرينة ما هو مقرر ومعروف لدى الجميع من أنه أميّ لا يكتب ولا يقرأ، وقد جاء الإملاء تفريعاً على الاكتتاب وإيماء إلى أن املاءها عليه إنما يحصل بعد كتابتها ليقرأها أو ليحفظها، فالتعبير بالإملاء استعارة عن الإلقاء للحفظ بعد الكتابة لا الإلقاء للكتابة كما هو معروف … وعلى جعل المعنى: أراد اكتتابها أو طلب كتابتها فأمليت عليه أو على كاتبه يبقى الإملاء على ظاهره (2) .--------------------------------------------
(1) ينظر نظم الدرر 5/296.
(2) ينظر التحرير 18/352 مجلد 9 وروح المعاني18/346 مجلد 10.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)
واختلفوا في معنى السر الوارد في الآية السابقة على سبيل التهديد فمن قائل في معناه: أن العالم بكل سر في السموات والأرض هو وحده الذي يمكنه إنزال مثل هذا الكتاب، ومن قائل بأن المعنى أنه أنزله من يعلم السر فلو كذب عليه لانتقم منه لقوله تعالى: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين.. الحاقة /44، 45) ، ومن قائل بأن المعنى أنه سبحانه يعلم كل سر خفي في السموات والأرض ومن جملته ما تسرونه أنتم من الكيد لرسوله صلى الله عليه وسلم مع علمكم بأن ما يقوله حق، كما يعلم كذلك باطن أمر رسول الله وبراءته مما تتهمونه به، وهو سبحانه مجازيكم ومجازيه على ما علم منكم وعلم منه (1) ، والوجه في جعل (قل أنزله الذي يعلم السر) جواباً لشبهتهم ورداً على استهزائهم أيّاً ما كان المعنى أنه صلى الله عليه وسلم لما تحداهم بالمعارضة وظهر عجزهم عنها فلو كان هو الذي أتى بالقرآن بأن استعان بأحد لكان من الواجب عليهم أيضاً أن يستعينوا بهذا الواحد فيأتوا بمثله، فلما عجزوا عن ذلك أيضاً ثبت أنه وحي الله وكلامه، سيما وأن هذا القرآن الذي لا يجارى في فصاحته مبرأ عن النقص والعيوب ومشتمل على الإخبار عن الغيوب وعلى أنواع العلوم التي لا يحيط بها إلا العالم بجميع المعلومات ولا يحيط بها سواه (2) فأين يقع إذن علم حفاظ الأساطير ورواتها من ذلك وماذا يساوي بجوار هذا الخضم الذي لا ساحل له؟.
التسبيح في مقام الوعد والوعيد:
جاء التعبير بطرفي النهار في مقام الحديث عن الوعد في قول الله تعالى: (لا يسمعون فيها لغواً إلا سلاماً ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً.. مريم /62) ، بينا جاء عن مقام الوعيد في قوله: (النار يعرضون عليها غدواً وعشياً … غافر/46) .--------------------------------------------
(1) ينظر مفاتيح الغيب 11/663.
(2) ينظر الرازي 11/ 662 ونظم الدرر5/ 297.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)
أما الموعود به في آية مريم بحصول الرزق لهم بكرة وعشياً، فقد ورد في سياق الحديث عن أهل الجنة الذين تابوا في الدنيا من بعد ظلمهم وأنابوا إلى ربهم واتبعوا سبيله، وذلك قوله: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً. إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا. جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتياً.. مريم /59- 61) ، وبصرف النظر عما إذا كان هذا في حق اليهود أم في حقهم والنصارى أم في حق قوم من المسلمين لكونها عامة ولا دليل على التخصيص.. فإن الاستثناء فيها على أي حال وعلى ما ذكره في البحر ظاهره الاتصال، والمنعوتون فيها بالتوبة والإيمان والعمل الصالح هم المشار إليهم بما جاء في قوله (أولئك يدخلون الجنة) ، وهم إنما استحقوا ذلك بموجب الوعد المحتوم الذي أخذه الله على نفسه.
والوجه البلاغي في التعبير باسم الإشارة في جانبهم، الإشادة بهم لأجل توبتهم والتنويه بشأنهم، ومجيئ المضارع الدال على الحال للإشارة إلى أنهم لا يُمطلون في الجزاء، وفي قوله: (ولا يظلمون شيئاً) تنبيه على أن فعلهم السابق لا يضرهم ولا ينقص أجورهم، والمراد من قوله في حق الوعد (مأتياً) أي منجزاً، لأن فعل الوعد بعد صدوره وإيجاده إنما هو تنجيزه، ومجيؤه هكذا مع أن المأتي هو الذي يأتيه غيره هو من قبيل الإسناد العقلي أو الاستعارة فقد استعير الإتيان لحصول المطلوب المترقب تشبيهاً لمن يحصِّل الشيئ بعد أن سعى لتحصيله بمن مشى إلى مكان حتى أتاه، وتشبيهاً للشيئ المحصل بالمكان المقصود، فهي استعارة تمثيلية اقتصر من أجزائها على إحدى الهيئتين وهي تستلزم الهيئة الأخرى لأن الثاني لا بد له من آت، والكلمة في سياق جملتها تعليل لجملة (التي وعد الرحمن عباده بالغيب) والمعنى فيه والتقدير: يدخلون الجنة وعداً من الله واقعاً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
و (اللغو) في قوله بعد: (لا يسمعون فيها لغواً إلا سلاماً) كناية عن انتفاء أقل المكدرات في الجنة وعن جعل مجازاة المؤمنين في الجنة بضد ما كانوا يلاقونه في الدنيا من أذى المشركين ولغوهم، والاستثناء المنقطع في نسق الآية – إلا إذا جعل بمعنى الكلام السالم من العيب فيكون متصلاً – هو من تأكيد المدح بما يشبه الذم كما في قول الشاعر:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
وهو يفيد نفي سماع اللغو بالطريق البرهاني الأقوى، والاتصال على هذا على طريق الفرض والتقدير ولولا ذلك لم يقع موقعه من الحسن والمبالغة (1) .
وقوله في محل الشاهد: (ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً) وارد على عادة المتنعمين في هذه الدار، فقد أخرج ابن المنذر عن يحيى بن كثير قال: كان العرب في زمانها إنما لها أكلة واحدة فمن أصاب أكلتين سمي فلان الناعم، فأنزل الله تعالى هذا يرغب عباده فيما عنده، وروي نحو ذلك عن الحسن.--------------------------------------------
(1) ينظر روح المعاني16/ 161، 613مجلد 9 والتحرير 16/136، 137مجلد 8.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
وقد سبق بيان أن حمل معنى الوقتين على ظاهره – خلافاً لما ذهب إليه جلّ أهل التأويل من أن التعبير بالبكرة والعشي مراده دوام رزقهم ودروره – هو المناسب في حال ارتباط الرزق في سياق الآية بالمأكل والمشرب وهو الملائم لحال المؤمنين في الزهادة والانشغال بمتع الجنة الأخرى، ولا يرد على ما ذكرت أن حمل المعنى على الدوام مؤيد بمجيئ الجملة في صورة الإسمية وهذا يدل على ثبوت ذلك ودوامه فيفيد التكرر المستمر وهو أخص من التكرر المفاد بالفعل المضارع وأكثر، لأنا نقول أن هذا حاصل بالاقتصار على الإطعام في البكرة والعشي أيضاً، وإلا فليس في الجنة بكرة ولا عشي، فهم إنما يؤتون به على ما كانوا يشتهون به في الدنيا لمواقيت الصلاة التي كانوا يصلّون فيها، (1) فقد جاء في بعض الآثار أن أهل الجنة يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب، ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب، ومن ذلك ما أخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول من طريق أبان عن الحسن وأبي قلابة قالا: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هل في الجنة من ليل؟ قال: وما هيجك على هذا؟ قال: سمعت الله تعالى يذكر في الكتاب: (ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً) فقلت: الليل من البكرة والعشي، فقال صلى الله عليه وسلم: (ليس هناك ليل وإنما هو ضوء ونور يرد الغدو على الرواح والرواح على الغدو، وتأتيهم طرف الهدايا من الله تعالى لمواقيت الصلاة التي كانوا يصلون فيها في الدنيا وتسلم عليهم الملائكة عليهم السلام . نسأل الله أن يجعلنا منهم وأن يحشرنا في زمرتهم.--------------------------------------------
(1) ينظر الآلوسي 16/ 164 مجلد 9 ونظم الدرر4/ 547.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
أما الوعيد المتحدث عنه في قوله: (النار يعرضون عليها غدواً وعشياً … غافر /46) ، فقد جاء في سياق ما يعرض لآل فرعون من سوء العذاب وأشده، قصداً إلى تعظيم أمر النار وكناية عن استدامتهم فيها – عياذاً بالله من ذلك – وناسب أن تأتي هذه الآية الكريمة في ثنايا الحديث عن مؤمن آل فرعون الذي ذكرنا طرفاً من قصته إبان عرضنا لما جاء في قوله سبحانه من نفس السورة: (واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار.. غافر /55) ، وفي أعقاب ما صدر منه من نصح قومه وتحذيره إياهم من مغبة وسوء ما ينتظرهم من عقابي الدنيا والآخرة إن هم خالفوا ما دعاهم إليه نبيهم موسي عليه السلام، وبعد قوله لهم فيما قال: (إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب.. غافر /30) ، وقوله: (ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار. تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار.. غافر /41، 42) ، وقوله بعد أن استفرغ الوسع وأخلص النصح: (فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد.. غافر /44) ، وبعد جواب الله على ذلك بقوله: (فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب. النار يعرضون عليها غدواً وعشياً.. غافر/45، 46) .
ومعنى عرضهم على النار أن أرواحهم تشاهد المواضع التي أعدت لهم في جهنم على ما جاء في الصحيح عن عبد الله بن عمر: إن أحدكم إذامات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
والشاهد في حديثنا في الآية وهو (النار) ، المعروض عليها آل فرعون غدواً وعشياً، يجوز أن تكون بدلاً مفرداً من نوع المطابقة من (سوء العذاب) ، وجملة (يعرضون عليها) حالاً منها أو من الآل، أو تكون خبراً لمبتدأ محذوف وهو الضمير العائد على (سوء العذاب) وجملة (يعرضون) تفسير لها في موضع الحال، فيكون بين هذه الآية والتي قبلها شبه كمال اتصال كأنه قيل: ماسوء العذاب؟ فقيل هو النار، ويجوز وهو الأبلغ في تحقيق الغرض من السياق - أعني الدلالة على التهويل والتفخيم من شأن ما يعرض له آل فرعون غدواً وعشياً - أن تكون (النار) هي المبتدأ وجملة (يعرضون عليها غدواً وعشياً) في موقع الخبر عنها ويكون مجموع الجملة من المبتدأ والخبر بدل اشتمال من جملة (وحاق بآل فرعون سوء العذاب) ، لأن سوء العذاب إذا أريد به الغرق كان مشتملاً على موتهم، وموتهم يشتمل على عرضهم على النار غدواً وعشياً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)
وفي هذا الوجه من التعظيم من أمر النار والتهويل من عذابها والتخويف من العرض عليها والإحراق بها ما ليس في غيره (1) ومنشأ التعظيم أن المذكور في الآية علىالوجه الأول عذاب واحد هو ما يحدث لهم في البرزخ، أما في الأخير فالمذكور عذابان عذاب الغرق في الدنيا، وما يلحق به من عذاب قبل عذاب يوم القيامة (2) ، أو منشؤه - على ما في الكشف ونقله عنه الآلوسي - الإجمال والتفسير في كيفية تعذيبهم وإفادة كل من الجملتين نوعاً من التهويل، أما الأول (3) منهما فالإحاطة بعذاب يستحق أن يسمى سوء العذاب وأما الثاني فهو النار المعروض عليها غدواً وعشياً (4) "وإنما كان الغرق سوء عذاب لأن الغريق يعذب باحتباس النّفَس مدة وهو يطفو على الماء ويغوص فيه ويرعبه هول الأمواج وهو موقن بالهلاك ثم يكون عُرضة لأكل الحيتان حياً وميتاً وذلك ألم في الحياة وخزي بعد الممات يُذكرون به بين الناس" (5) .--------------------------------------------
(1) على ما ذكره الزمخشري في الكشاف 3/430.
(2) كذا في التحرير 24/158مجلد 11.
(3) ينظر الآلوسي 24/111مجلد 13.
(4) ينظر الآلوسي 24/111مجلد 13.
(5) تفسير التحرير24 /158مجلد 11.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
والسر في إفادة تعظيم النار في هذا الوجه وبيان كيفيتها - دون ما تضمنه جعل النار بدلاً من سوء العذاب - أنك إذا فسرت (سوء العذاب) بالنار فقد بالغت في تعظيم سوء العذاب ثم استأنفت بـ (يعرضون عليها) تتميماً لقوله (وحاق بآل فرعون) من غير مدخل للنار فيما سيق له الكلام، أما إذا جئت بالجملتين من غير نظر إلى المفردين وأن أحدهما تفسير للآخر، فقد قصدت بالنار قصد الاستقلال حيث جعلتها معتمد الكلام وجئت بالجملة الثانية بياناً وإيضاحاً للأولى، كأنك قد آذنت بأنها أوضح لاشتمالها على ما لا أسوء منه وهو النار، على أن من موجبات تقديم المسند إليه إنباؤه عن التعظيم مع اقتضاء المقام له وها هنا كذلك على ما لا يخفى، ناهيك عما يفيده التركيب من تقوية للحكم كما في نحو (زيد ضربته) ، وفيما ذكر يقول صاحب الكشف فيما نقله عنه الآلوسي: "هذا هو الوجه، وأُيد بقراءة من نصب (النار) بناءاً على أنها ليست منصوبة بأخص أو بأعني بل بإضمار فعل يفسره (يعرضون) مثل: (يُصْلَون) فإن عرضهم على النار إحراقهم بها، من قولهم: (عرض الأسارى على السيف) أي قتلهم به، وهو من باب الاستعارة التمثيلية يُشَبّه حالهم بحال متاع يبرز لمن يريد أخذه، وفي ذلك جعْل النار كالطالب الراغب فيهم لشدة استحقاقهم الهلاك" (1) .
وسواء جُعلت (النار) مع ما بعدها بدلاً من جملة (وحاق بآل فرعون) أو بدلاً مفرداً من (سوء العذاب) ، فالمذكرو في الآية عذاب قبل عذاب يوم القيامة المشار إليه بقوله في نفس السورة والآية (ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) . نسأل الله المعافاة وحسن العاقبة.
الخاتمة--------------------------------------------
(1) روح المعاني 24/111مجلد 13.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)
وبعد، فقد آن لنا أن نحط الرحال أعقاب هذه الرحلة الميمونة التي تم التطواف فيها حول الدقائق واللطائف المفادة من التعبير عن هذين الوقتين المباركين لطرفي النهار، (العشي والإبكار) أو (الغدو والآصال) أو (الغداة والعشي) ، لنخلص إلى أن ما ورد من حديث للقرآن حول هذين الوقتين هو مما يستأهل التأمل والتدبر ويستحق المزيد من إعمال الذهن وكدّ الفكر، ذلك أن النظرة العجلى لغير المتأمل يبدو منها أنها مجرد مترادفات أو متقابلات جيئ بها لمجرد التعبير عن وقتين اعتادهما الإنسان كلما أشرقت شمس يومه أو غربت فلا يحظيان منه - من ثمّ - بكثير اهتمام، بينا الأمر في الحقيقة على العكس من ذلك تماماً.
والشيئ الذي زاد الطين بلة ويبعث - أيضاً - على الأسى هو أن الذين الأصل فيهم التأمل والتدبر لما في كتاب الله تعالى من أهل التأويل من المفسرين - على سعة علمهم وعظم مكانتهم - ينتاب كثير من معالجاتهم لآي القرآن بسبب عدم التدقيق وإنعام النظر في مراعاة مقتضى الحال في سياق النظم، شيئ من القصور والتناقض، ومن عدم وضع للأمور في نصابها، كما يشوبها أحياناً- وتلك ثالثة الأسافي- عدم الالتفات إلى ما يخدم النص من نصوص أخرى تعين بضميمة قرائن الأحوال ومعونة السياق على فهم النص الفهم الصحيح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)