في البدن السليم قوة يحب بها الأغذية النافعة، وبهذا كانت محمودة وذم من أفسدها، لكن يقال: فهذا الفطرة التي فيها هذه القوة والقبول والاستعداد والصلاحية: هل هي كافية في حصول المعرفة، أو تقف المعرفة على أدلة يتعلمها من خارج؟.
فإن كانت المعرفة تقف على أدلة يتعلمها من خارج، أمكن أن توجد تارة وتعدم أخرى، ثم ذلك السبب الخارج يمتنع أن يكون موجباً للمعرفة بنفسه، بل غايته أن يكون معرفاً ومذكراً، فعند ذلك إن وجب حصول المعرفة، كانت المعرفة واجبة الحصول عند وجود تلك الأسباب وإلا فلا، وحينئذ فلا يكون فيها إلا قبول المعرفة والإيمان، إذا وجدت من يعلمها أسباب ذلك.
ومعلوم أن فيها قبول الإنكار والكفر، إذا وجدت من يعلمها أسباب ذلك، وهو التهويد والتنصير والتمجيس.
وحينئذ فلا فرق بين الإيمان والكفر، والمعرفة والإنكار، إنما فيها قوة قابلة لكل منهما واستعداد له، لكن يتوقف على المؤثر الفاعل من خارج.
وهذا القسم الأول الذي أبطلناه، وبينا أنه ليس في ذلك مدح للفطرة، وإن كان فيها قوة تقتضي المعرفة بنفسها، وإن لم يوجد من يعلمها أدلة المعرفة، لزم حصول المعرفة فيها بدون ما نسمعه من أدلة المعرفة، سواء قيل: إن المعرفة ضرورية فيها، أو قيل: إنها تحصل بأسباب كالأدلة التي تنتظم في النفس، من غير أن يسمع كلام مستدل، فإن النفس
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 446)
بفطرتها قد يقوم بها من النظر والاستدلال مالا يحتاج معه إلى كلام أحد، فإن كان كل مولود يولد على هذه الفطرة، لزم أن يكون المقتضى للمعرفة حاصلاً لكل مولود، وهو المطلوب.
والمقتضى التام يستلزم مقتضاه، فتبين أن أحد الأمرين لازم: إما لكون الفطرة مستلزمة للمعرفة، وإلا استوى الكفر والإيمان بالنسبة إليها، وذلك ينفي مدحها.
وتلخيص النكتة أن يقال: المعرفة والإيمان بالنسبة إليها ممكن بلا ريب، فإما أن تكون هو موجبة مسلتزمة له، وإما أن يكون ممكناً بالنسبة إليها، ليس بواجب لازم لها.
فإن كان الثاني، لم يكن فرق بين الكفر والإيمان، إذ كلاهما ممكن بالنسبة إليها.
فتبين أن المعرفة لازمة واجبة لها، إلا أن يعارضها معارض.
فإن قيل: ليست موجبة مستلزمة للمعرفة، ولكنها إليها أميل، مع قبولها للنكرة.
قيل: فحينئذ إذا لم تسلتزم المعرفة، وجبت تارة وعدمت أخرى.
وهي وحدها لا تحصلها، فلا تحصل إلا بشخص آخر كالأبوين، فيكون الإسلام كالتهويد والتنصير والتمجيس.
ومعلوم أن هذه الأنواع بعضها أبعد عن الفطرة من بعض كالتمجيس،
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 447)
ولكن مع ذلك لما لم تكن الفطرة مقتضية لشيء منها، أضيفت إلى السبب، فإن لم تكن الفطرة مقتضية للإسلام، صار نسبتها إلى ذلك كنسبة التهويد والتنصير إلى التمجيس، فوجب أن تذكر كما ذكر ذلك.
وهذا كما أن الفطرة لو لم تقتض الأكل عند الجوع - مع القدرة عليه - لم يوجد الأكل إلا بسبب منفصل.
والنبي صلى الله عليه وسلم شبه اللبن بالفطرة، لما عرض عليه الخمر واللبن واختار اللبن، فقال له جبريل: أصبت الفطرة، ولو أخذت الخمر لغوت أمتك.
والطفل مفطور على أن يختار شرب اللبن بنفسه، فإذا تمكن من الثدي لزم أن يرتضع لا محالة، فارتضاعه ضروري إذا لم يوجد معارض، وهو مولود على أن يرتضع، فكذلك هو مولود على أن يعرف الله، والمعرفة ضرورية له لا محالة إذا لم يوجد معارض.
وأيضاً فإن حب النفس وخضوعها لله وإخلاص الدين له، مع
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 448)
الكبر والشرك والنفور، إما أن يكون نسبتها إلى الفطرة سواء، أو الفطرة مقتضية للأول دون الثاني.
فإن كانا سواء، لزم انتفاء المدح كما تقدم، ولم يكن فرق بين دعائها إلى الكفر ودعائها إلى الإيمان، ويكون تمجيسها كتحنيفها، وقد عرف بطلان هذا.
وإن كان فيها مقتض لهذا فإما أن يكون المقتضى مسلتزماً لمقتضاة عند عدم المعارض، وإما أن يكون متوقفاً على شخص خارج عنها.
فإن كان الأول، ثبت أن ذلك من لوازمها، وأنه مفطورة عليه، لا تفقد إلا إذا فسدت الفطرة.
وإن قيل: إنه متوقف على شخص، فذلك الشخص هو الذي يجعلها حنيفية كما يجعلها مجوسية.
وحينئذ فلا فرق بين هذا وهذا.
وإذا قيل: هي إلىالحنيفية أميل، كان كما يقال: هي إلى النصرانية أميل.
فتبين أن فيها قوة موجبة لحب الله، والذل له، وإخلاص الدين له، وأنها موجبة لمقتضاها إذا سلمت من المعارض، كما فيها قوة تقتضي شرب اللبن الذي فطرت على محبته وطلبه.
تعليق ابن تيمية
ومما يبين هذا أن كل حركة إرادية، فإن الموجب لها قوة في المريد، فإذا أمكن في الإنسان أن يحب الله ويعبده ويخلص له الدين، كان فيه قوة تقتضي ذلك، إذ الأفعال الإرادية لا يكون سببها إلا من نفس الحي المريد الفاعل، ولا يشترط في إرادته إلا مجرد الشعور بالمراد، فما في النفوس من
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 449)
قوة المحبة له - إذا شعرت به - يقتضي حبه إذا لم يحصل معارض.
وهذا موجود في محبة الأطعمة والأشربة والنكاح، ومحبة العلم، وغير ذلك.
وإذا كان كذلك، وقد ثبت أن في النفس قوة المحبة لله والذل له، وإخلاص الدين له، وأن فيها قوة الشعور به - لزم قطعاً وجود المحبة فيها، والذل بالفعل لوجود المقتضى الموجب إذا سلم عن المعارض، وعلم أن المعرفة والمحبة لا يشترط فيهما وجود شخص منفصل يكلمها بكلام، وإن كان وجود هذا قد يذكر ويحرك، كما لو خوطب الجائع بوصف طعام، أو خوطب المغتلم بوصف النساء، فإن هذا مما يذكر ويحرك، لكن لا يجب ذلك في وجود الشهوة للطعام ووجود الأكل.
فكذلك الأسباب الخارجة لا يتوقف عليها وجود ما في الفطرة من الشعور بالخالق والذل له ومحبته، وإن كان ذلك مذكراً ومحركاً، أومزيلاً للمعارض المانع، لكن المقصود أنه لا يحتاج حصول ذلك في الفطرة إليه مطلقاً.
وأيضاً فالإقرار بالصانع بدون عبادته، بالمحبة له والذل له وإخلاص الدين له، لا يكون نافعاً، بل الإقرار مع البعض أعظم استحقاقاً للعذاب، فلا بد أن يكون في الفطرة مقتض للعلم، ومقتض للمحبة، والمحبة مشروطة بالعلم، فإن ما لا يشعر به الإنسان لا يحبه، والحب للمحبوبات لا يكون بسبب من خارج، بل هو جبلي فطري، وإذا كانت
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 450)
المحبة جبلية فطرية، فشرطها - وهو المعرفة أيضاً - جبلي فطري، فلا بد أن يكون في الفطرة محبة الخالق مع الإقرار به.
وهذا أصل الحنيفية التي خلق الله خلقه عليها، وهو فطرة الله التي أمر الله بها.
وأيضاً فإذا كانت المحبة فطرية، وهي مشروطة بالشعور، لزم أن يكون الشعور أيضاً فطرية، والمحبة له أيضاً فطرية، لأنها لو لم تكن فطرية، لكانت النفس قابلة لها ولضدها على السواء، وهذا ممتنع كما تقدم.
وإذا كانت في الفطرة أرجح، لزم وجودها في الفطرة، وإلا كانت ممكنة الحصول وعدمه، كما في المجوسية وغيرها من الكفر، فتبقى الحنيفية مع المجوسية، كاليهودية مع المجوسية، وهذا باطل كما تقدم.
فعلم أن الحنيفية من موجبات الفطرة ومقتضياتها، والحب لله والخضوع له والإخلاص له هو أصل أعمال الحنيفية، وذلك مسلتزم للإقرار والمعرفة، ولازم اللازم لازم، وملزوم الملزوم ملزوم، فعلم أن الفطرة ملزومة لهذه الأحوال، هذه الأحوال لازمة لها، وهو المطلوب.
قال أبو عمر: (قد مضى في الفطرة ومعناها عند العلماء ما بلغنا عنهم والحمد لله، وأما أهل البدع فمنكرون لكل ما قاله العلماء في تأويل
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 451)
قوله: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} الآية، قالوا: ما أخذ الله من آدم ولا من ذريته ميثاقاً قط قبل خلقه إياهم، وما خلقهم قط إلا في بطون أمهاتهم، وما استخرج قط من ظهر آدم ذرية تخاطب، ولو كان ذلك لأحياهم ثلاث مرات.
والقرآن قد نطق عن أهل النار: {قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} من غير إنكار عليهم.
وقال تعالى تصديقاً لذلك: {وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم} قالوا: وكيف يخاطب الله عز وجل من لا يعقل؟ وكيف يجيب من لا عقل له؟ أم كيف يحتج عليه بميثاق لا يذكرونه؟ أم كيف يؤاخذون بما قد نسوه ولم يذكروه، ولا يذكر أحد أن ذلك عرض له أو كان منه؟.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 452)
قالوا: وإنما أراد الله بقوله: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} إخراجه إياهم في الدنيا، وخلقه لهم، وإقامة الحجة عليهم، بأن فطرهم ونبأهم فطرة: إذا بلغوا وعقلوا علموا أن الله ربهم.
ثم اختلف القائلون بهذا كله في المعرفة: هل تقع ضرورة أو اكتساباً.
على ما قد ذكرنا في غير هذا المكان) .
قلت: ليس المقصود هنا الكلام على هذه الآية وتفسيرها، والكلام في معرفة حاصلة قبل الولادة أو نفيها، بل المقصود إثبات المعرفة الفطرية الحاصلة بعد الولادة، وإذا كان من نفاة الأول من يقول: إن هذه ضرورية، فكيف بمن أثبت الثنتين، وهذه الأقوال التي ذكرها منها اثنان من جنس، وهو قول من يقول: ولدوا على ما سبق به القدر، أو على ذلك، وكانوا مفطورين عليه من حين الميثاق الأول، منهم مقر طوعاً وكرهاً، أو اثنان من جنس، وهو قول من يقول: ولدوا
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 453)
قادرين على المعرفة، وقول من يقول: ولدوا قابلين لها وللتهود والتنصر، إما من التساوي، وإما مع رجحان القبول للإسلام.
وأما من قول من يقول: ولدوا على فطرة الإسلام، أو علىالإقرار بالصانع، وإن لم يكن ذلك وحده أيماناً، أو على المعرفة الأولى يوم أخذ الميثاق عليهم - فهذه الثلاثة لا منافاة بينها، بل يحصل بها المقصود.
والكتاب - والسنة - دل على ما اتفقت عليه من كون الخلق مفطورين على دين الله، الذي هو معرفة الله والإقرار به، بمعنى أن ذلك موجب فطرتهم، وبمقتضاها يجب حصوله فيها، إذا لم يحصل ما يعوقها، فحصوله فيها لا يقف على وجود شرط، بل على انتفاء مانع.
ولهذا لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم لموجب الفطرة شرطاً، بل ذكر ما يمنع موجبها، حيث قال: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» ، كما قال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون * منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون} ، فأخبر أن المشركين مفترقون.
ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «إن الله يرضى لكم ثلاثاً: أن تعبدوه لا تشركوه به شيئاً، وأنت تعتصموا بحبل الله جميعاً
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 454)
ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم» .
وقد قال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه} .
وقال تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين} .
وقال تعالى: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم * وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون * فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون} .
وأصل الدين الذي فطر الله عليه عباده، كما قال: خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً.
فهو يجمع أصلين:
أحدهما عبادة الله وحده لا شريك له، وإنما يعبد بما أحبه وأمر به، وهذا هو المقصود الذي خلق الله له الخلق، وضده الشرك والبدع.
والثاني: حل الطيبات التي يستعان لها على المقصود، وهو الوسيلة.
وضدها تحريم الحلال.
والأول كثير في النصارى، والثاني - وهو تحريم الطيبات - كثير في اليهود، وهما جميعاً في المشركين.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 455)
ولهذا ذم الله تعالى المشركين على هذين النوعين في غير موضع من كتابه، كسورة الأنعام والأعراف، يذكر فيها ذمهم على ما حرموه من المطاعم والملابس وغير ذلك، وذمهم على ما ابتدعوه من العبادات التي لم يشرعها الله تعالى.
وفي الحديث: «أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة» ، فنعبده وحده بفعل ما أحبه، ونستعين على ذلك بما أحله.
كما قال تعالى: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم} .
وهذا هو الدين الذي فطر الله عليه خلقه، فإنه محبوب لكل أحد، فإنه يتضمن الأمر بالمعروف الذي تحبه القلوب، والنهي عن المنكر الذي تبغضه، وتحليل الطيبات النافعة، وتحريم الخبائث الضارة.
الأدلة العقلية تدل على أن كل مولود يولد على الفطرة
وهذا الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أن «كل مولود يولد على الفطرة» ، مما تقوم الأدلة العقلية على صدقه، كما أخبر الصادق المصدوق، وتبين أن من خالف مدلول هذا الحديث فإنه مخطىء في ذلك.
وبيان ذلك من وجوه:
(الوجه الأول)
أن يقال: لا ريب أن الإنسان قد يحصل له تارة من
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 456)
الاعتقادات والإرادات ما يكون حقاً، وتارة ما يكون باطلاً، فإن اعتقاداته قد تكون مطابقة لمعتقدها وهو الحق، وقد تكون غير مطابقة وهو الباطل.
والخبر عن هذا صدق وعن هذا كذب.
والإرادات تنقسم إلىما يوافق مصلحته، وهو جلب المنفعة له، وإلى ما لا يوافق مصلحته بل يضره.
فإن الإنسان حساس متحرك بالإرادة.
ولهذا «قال صلى الله عليه وسلم: أصدق الأسماء: الحارث وهمام، وأحبها إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن، وأقبحها: حرب ومرة» ، فإن الإنسان لا بد له من حرث وهو العمل والحركة الإرادية، ولا بد من أن يهم بالأمور: منها ما يهم به ويفعله، ومنها ما يهم به ولا يفعله، فإن كان المراد موافقاً لمصلحته كانت الإرادة حسنة محمودة، وإن كان مخالفاً لمصلحته كانت الإرادة سيئة مذمومة، كمن يريد ما يضر عقله ونفسه وبدنه.
وإذا كان الإنسان تارةً تكون تصديقاته وإراداته حسنة محمودة، وتارة تكون سيئة، فلا يخلو: إما أن تكون نسبة نفسه إلى النوعين نسبة
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 457)
واحدة بحيث لا يترجح أحد الصنفين على الآخر بمرجح من نفسه، أو لا بد أن تكون نفسه مرجحة لأحد النوعين.
فإن كان الأول، لزم أن لا يوجد أحد الصنفين إلا بمرجح منفصل عنه، ثم ذلك المرجح المنفصل إذا قدر مرجحان: أحدها يرجح الصدق الذي ينفعه، والآخر يرجح الكذب الذي يضره، فإما أن يتكافأ المرجحان، أويترجح أحدهما، فإن تكافأ المرجحان لزم أن لا يحصل واحد منهما، وهو خلاف المعلوم بالضرورة، فإنا نعلم أنه إذا عرض على كل أحد أن يصدق، وأن ينتفع، وأن يكذب وتضرر، مال بفطرته إلى أن يصدق وينتفع وإذا كان لا بد من ترجيح أحدهما فترجح الكذب الضار - مع فرض تساوى المرجحين أولى بالامتناع من تكافيهما، فعين أنه تكافأ المرجحان فلا بد أن يترجح عنده الصدق والنفع، وهو المراد باعتقاد الحق وإرادة الخير.
فعلم أن في فطرة الإنسان قوة تقتضي اعتقاد الحق وإرادة النافع، وحينئذ فالإقرار بوجود الصانع ومعرفته والإيمان به هو الحق أو نقضيه؟ والثاني معلوم الفساد قطعاً، فتعين الأول.
وحينئذ فيجب أن يكون في الفطرة ما يقتضي معرفة الصانع والإيمان به.
وأيضاً فإنه مع الإقرار به، إما أن تكون محبته أنفع للعبد أو عدم محبته، والثاني معلوم الفساد، وإذا كان الأول أنفع له، كان في فطرته محبة ما ينفعه.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 458)
وأيضاً فإنه إما أن تكون عبادته وحده لا شريك له أكمل للناس علماً وقصداً، أو الإشراك به، والثاني معلوم الفساد، فوجب أن يكون في فطرته مقتض يقتضي توحيده.
وأيضاً فأما أن يكون دين الإسلام مع غيره من الأديان متماثلين، أو الإسلام مرجوحاً أو راجحاً.
والأول والثاني باطلاق باتفاق المسملين، وبأدلة كثيرة، فوجب أن يكون في الفطرة مقتض يقتضي خير الأمرين لها، وامتنع أن تكون نسبة الإسلام وسائر الملل إلى الفطرة واحدة، سواء كانت نسبة قدرة، أو نسبة قبول.
وإذا لزم أن يكون في الفطرة مرجح للحنيفية التي أصلها معرفة الصانع ومحبته، وإخلاص الدين له، فإما أن يكون مع ذلك لا يوجد مقتضاها إلا بسبب منفصل، مثل من يعلمه ويدعوه، أو يمكن وجود ذلك بدون هذا السبب المنفصل.
فإن كان الأول لزم أن يكون موجبها متوقفاً على مخاطب منفصل دائماً، فلا يحصل بدونه البتة.
ثم القول في حصول موجبها لذلك المخاطب المنفصل، كالقول في الأول، وحينئذ فيلزم التسلسل في المخاطبين، ووجود مخاطبين لا يتناهون، وهو أيضاً مخاطبون، وهذا تسلسل في الفاعلين، وهو ممتنع.
وإن كان في المخاطبين من حصل له بموجب الفطرة بلا مخاطب منفصل، دل على إمكان ذلك في الفطرة، فبطل هذا التقدير: وهو كون
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 459)
موجب الفطرة لا يحصل قط إلا لمخاطب منفصل.
وإذا أمكن حصول موجب الفطرة بدون مخاطب منفصل، علم أن في الفطرة قوة تقتضي ذلك، وأن ذلك ليس موقوفاً على مخاطب منفصل، لكن قد يكون لذلك المقتضى معارض مانع، وهذا هو الفطرة.
وهذا الدليل يقتضي أنه لا بد في الفطر ما يكون مستغنياً عن مخاطب منفصل في حصول موجب الفطرة، لكن لا يقتضي أن كل واحد كذلك، لكن إذا عرف أن ما جاز على أحد الإنسانين يجوز على الآخر لتماثلهما في النوع، أمكن ذلك في حق كل شخص، وهو المطلوب.
الوجه الثاني
أن يقال: إذا ثبت أن نفس الفطرة مقتضية لمعرفته ومحبته، حصل المقصود بذلك، وإن لم تكن فطرة كل أحد مستقلة بتحصيل ذلك، بل يحتاج كثير منهم في حصول ذلك إلى سبب معين للفطرة: كالتعليم والتخصيص.
فإن الله قد بعث الرسل، وأنزل الكتب، ودعوا الناس إلى موجب الفطرة: من معرفة الله وتوحيده، فإذا لم يحصل مانع يمنع الفطرة، وإلا استجابت لله ورسله، لما فيها من المقتضى لذلك.
ومعلوم أن قوله: كل مولود يولد على الفطرة، ليس المراد به أنه حين ولدته أمه يكون عارفاً بالله موحداً له، بحيث يعقل ذلك.
فإن
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 460)
الله يقول: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً} .
ونحن نعلم بالاضطرار أن الطفل ليس عنده معرفة بهذا الأمر، ولكن ولادته على الفطرة تقتضي أن الفطرة تقتضي ذلك، وتستوجبه بحسبها.
فكلما حصل فيه قوة العلم والإرادة، حصل من معرفتها بربها، ومحبتها له، ما يناسب ذلك كما أنه ولد على أنه يحب جلب المنافع ودفع المضار بحسبه، وحينئذ فحصول موجب الفطرة، سواء توقف على سبب، وذلك السبب موجود من خارج، أو لم يتوقف، على التقديرين يحصل المقصود.
ولكن قد يتفق لبعضها فوات الشرط أو وجود مانع، فلا يحصل مقصود الفطرة.
الوجه الثالث
أن يقال: من المعلوم أن النفوس إذا حصل لها معلم ومخصص، حصل لها من العلم والإرادة بحسب ذلك.
ومن المعلوم أن كل نفس قابلة للعلم وإرادة الحق.
ومعلوم أن مجرد التعليم والتخصيص لا يوجب العلم والإرادة، لولا أن في النفس قوة تقبل ذلك.
وإلا فلو علم البهائم والجمادات وحضضها، لم يحصل لها ما يحصل لبني آدم، والسبب في الموضعين واحد، فعلم أن ذلك لاختلاف القوابل.
ولهذا يشترك الناس في سماع القرآن، ويتفاوتون في آثاره فيهم من العلم والحال وهكذا في سائر الكلام.
وإذاكان كذلك علم أن في النفوس قوة تقتضي العلم والإرادة.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 461)
يبين ذلك أن ذلك المرجح إذا حصل من خارج، فمعلوم أنه نفس لا يوجب بنفسه حصول العلم والإرادة في النفس، إلا بقوة منها تقبل ذلك، وتلك القوة لا تتوقف على أخرى، وإلا لزم التسلسل الذي لا يتناهى بين طرفين متناهين، أو الدور القبلي، وكلاهما ممتنع بالضرورة واتفاق العقلاء.
فهذا يدل على أن في النفس قوة ترجح الدين الحق علىغيره، وحينئذ فالمخاطب إنما عنده تنبيهاً على ما لا تعلمه لتعلمه، أو تذكيرها بما كانت ناسية لتذكره، أو تخضيضها على ما لا تريده لتريده، ونحو ذلك.
وكل هذه الأمور يمكن أن تحصل بخواطر في النفس تقتضي تنبيهها وتذكيرها وتحضيضها.
واعتبار الإنسان ذلك من نفسه يوجب علمه بذلك، فإن ما يسمعه الإنسان من كلام البشر بمكن أن يخطر له مثله في قلبه.
فعلم أن الفطرة يمكن حصول إقرارها بالصانع والمحبة والإخلاص له بدون سبب منفصل، وأنه يمكن أن تكون الذات كافية في ذلك.
ومن المعلوم أنه إذا كان المقتضى لذلك قائماً في النفس وقدر عدم المعارض، فالمقتضى السالم عن المعارض المقاوم يجب مقتضاه، فعلم أن الفطرة السليمة إذا لم يصل لها من يفسدها كانت مقرةً بالصانع، عابدةً له.
فإن قيل: هذه الخواطر التي تخطر للإنسان قد تحصل لبعض الناس دون بعض، بحسب ما يتفق من الأسباب، كما أن بعض الناس يحصل له
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 462)
من يخاطبه دون بعض، فليسوا مشتركين في أسباب الخواطر والخطاب.
قيل: إذا لم تكن الخواطر متوقفة على مخاطب من خارج، كانت الفطرة الإنسانية هي المقتضية لذلك، وإن كان ذلك بأسباب يحدثها الله من إلهام ملك أو غيره، لكن المقصود أنه لا يحصل لها ذلك بواسطة تعلم إنسان ودعائه.
وهذا هو المقصود بيانه من كونها ولدت على الفطرة، ليس المراد أنه يجب وجود الهدى لكل إنسان، فإن هذا خلاف الواقع.
والحديث قد بين أن المولود يعرض له من يغير فطرته.
الوجه الرابع
أن يقال: هب أنه لا بد من الداعي المعلم من خارج، لكن في النفس ما يوجب ترجيح الحق على الباطل في الاعتقادات والإرادات، وهذا كاف في كونها ولدت على الفطرة.
الوجه الخامس
أن يقال: المقصود أنه إذا لم يحصل المفسد الخارج ولا المصلح الخارج، كانت الفطرة مقتضية للصلاح، لأن المقتضي فيه للعلم والإرادة النافعة قائم، والمانع زائل، إذ يجب وجود مقتضاه.
والأول استدلال بوقوع الإقرار بدون سبب من فصل على وجود المقتضي التام في الفطرة، وهذا استدلال بوجود المقتضي التام على حصول مقتضاه.
وليس المقصود هنا أن المقتضى التام يجب وجوده لكل أحد، فإنه هذا
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 463)
ممتنع، بل إن الفطرة تقتضى وجوده، كما تقتضى فطرة الصبي شرب لبن أمه، فلو لم يعرض له المانع للزم وجود الشرب.
لكن قد يعرض له مرض فيه أو في أمه أو غير ذلك، يوجب نفوره عن شرب لبنها.
وحب العبد لربه هو مفطور فيه، أعظم مما فطر فيها حبه للبن أمه.
قال الله تعالى: {فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا} ، فلو لم يكن المقتضي التام ممكن وجوده في الفطرة، لم يحصل موجبها إلا بمرجح من خارج، وهو خلاف الواقع، ولأنها إذا خلت عن الأسباب الخارجة، لم يكن بد من وجود صلاحها أو فسادها، والثاني ممتنع، فتعين الأول.
الوجه السادس
أن السبب الذي في الفطرة: إما أن يكون مسلتزماً للمعرفة والمحبة، وإما أن يكون مقتضياً لها بدون استلزام، وعلى التقديرين يحصل المقصود.
الوجه السابع
أن النفس لا تخلو عن الشعور والإرادة، بل هذا الخلوممتنع فيها.
فإن الشعور والإرادة من لوازم حقيقتها، ولا يتصور أن تكون النفس إلا شاعرةً مريدةً، ولا يجوز أن يقال: إنها قد تخلو في حق الخالق تعالى عن الشعور بوجوده وعدمه، وعن محبته وعدم محبته.
وحينئذ فلا يكون الإقرار به ومحبته من لوازم وجودها، ولو لم يكن لها معارض، بل هذا باطل.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 464)
وذلك أن النفس لها مطلوب مراد بضروة فطرتها، وكونها مريدة من لوازم ذاتها، لا يتصور أن تكون نفس الإنسان غير مريدة.
ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «أصدق الأسماء الحارث وهمام» ، وهي حيوان، وكل حيوان متحرك بالإرادة، فلا بد لها من حركة إرادية، وإذا كان كذلك فلا بد لكل مريد من مراد، والمراد إما أن يكون مراداً لنفسه أو لغيره، والمراد لغيره لا بد أن ينتهي إلى مراد لنفسه، فيمتنع أن تكون جميع المرادات مرادات لغيرها، فإن هذا تسلسل في العلل الغائبة، وهو ممتنع، كامتناع التسلسل في العلل الفاعلية، بل أولى.
وإذا كان لا بد للإنسان من مراد لنفسه، فهذا هو الإله الذي يألهه القلب.
فإذاً لا بد لكل عبد من إله، فعلم أن العبد مفطور على انه يحب إلهه.
ومن الممتنع أن يكون مفطوراً على أنه يأله غير الله لوجوده:
منها: أن هذا خلاف الواقع.
ومنها: أنه ليس هذا المخلوق، بأن يكون إلهاً لكل الخلق، بأولى من هذا.
ومنها: أن المشركين لم يتفقوا على إله واحد، بل عبد كل قوم ما يستحسنوه.
ومنها: أن ذلك المخلوق إن كان ميتاً فالحي أكمل من الميت، فيمتنع أن يكون الناس مفطورين على عبادة ميت، وإن كان حياً فهو أيضاً مريد، فله إله يألهه، فلو كان هذا يأله هذا، وهذا يأله هذا، لزم الدور الممتنع، أو التسلسل الممتنع، فلا بد لهم كلهم من إله يألهونه.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 465)