Arabic source text

📘 দারউ তাআরুদিল আকলি ওয়ান নাকলি (ইবনু তাইমিইয়্যাহ - মৃত্যু 728 হিজরী)

📘 درء تعارض العقل والنقل (ابن تيمية - ت 728 هـ)

📘 দারউ তাআরুদিল আকলি ওয়ান নাকলি (ইবনু তাইমিইয়্যাহ - মৃত্যু 728 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
استفاض من مخاطبات الجمادات له صلى الله عليه وسلم، وسلامها عليه، وحنينها إليه، ومخاطبة الأنعام والوحوش، والطير، والصغار في المهود، وغير ذلك.
قال صلى الله عليه وسلم: «إن البهائم أبهمت إلا عن ثلاث» ، فذكر معرفة بارئها.
وهذه الأشياء مما لا يصح فيها الاستدلال والنظر، ولا عقول، ولا اختيار، ولا كسب، وقد عقل معرفتها لبارئها عز وجل، وثبت بالكتاب والسنة.
وهذا ظاهر جلي ينفي وجود هذه المعرفة بالوسائط، لأنها حق له عز وجل، ينفي عن نفسه ما شمل سائر البرية من المعلوم والمجهول، لأنه سبحانه خلق الأشياء مجهولة، ثم جلاها بالأسماء، فعرفت من بعد جهلها، وذلك دليل الحدث، فعز عن أن يكون كالحوادث التي عرفت بغيرها.
وقال بعض الحكماء كلمات لا سبيل إلى نقضها: وهو أن كل معروف بغير نفسه مجهول، وكل تام بغيره معلول.
ولقد أحسن فيما قال وأصاب، إذ معرفته بغيره شهادة قاطعة على وجود علة المجهول فيه، الذي ارتفعت عنه تغيره، الذي لولاه لم يعرف، فصارت معرفته بغيره صارخة بفقره، إلى من ارتفعت عنه علة المجهول، والغير علة، والعلة لا تصحب إلا معلولاً.

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 506)

قلت: وقد قرر كلامه صاحبنا الشيخ أبو العباس الواسطي، فقال: (المعنى: أنه لولا وجود زيد ما عرف عمرو، وبوجود زيد زالت الجهالة عن عمرو، فصار زيد مفتقراً إلى وجود عمرو واسمه، لزوال الجهالة عنه به وباسمه، والمعنى: أن المخلوق مفتقر إلى علة يعرف بها، بخلاف الواحد الذي لا نظير له، ولا هو مفتقر إلى علة يعرف به ويقوم بها، بل العباد مفترقون إليه وإلى معرفته) .
قال: وهذا إشارة إلى المعرفة الفطرية، فإنه سبحانه لم يعرف فيها بغيره، بل كان هو المعروف بها بنفسه إلى خلقه) .
قال الشيخ أبو محمد بن عبد: (فعز ربنا أن يقوم بالعلل، فيصير دليلاً بعد ماكان مدلولاً) .
هكذا رأيته في الكتاب، وإنما أراد: (فيصير مدلولاً بعد ما كان دليلاً) .
قال: (وقد جاء في الأثر: يقول الله تعالى في بعض الكتب السالفة: أنا الدال على نفسي، ولا دليل أدل علي مني.
وقد روى: كنت كنزاً لا أعرف، فأحببت أن أعرف، فأظهرت خلقاً وتعرفت إليه بنفسي فعرفوني.
وهذ نص بإزالة العلل، لأنه من ثبت بغيره ونفي بغيره، كان

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 507)

إثباته تخييراً، وتلك علل الحوادث، فهو الثابت بثباته، المعروف بنفسه، لم يعرف من بعد جهل، إذ ذاك تغيير عن الأزل، فهو المعروف أزلياً، والعارفون محدثون، كما أنه إله لم يزل، والمألوهون المقرون له بالإلهية محدثون، ولا يجوز على الإلهية تغيير، ولا أن تقوم لها صفة بالحوادث، وهذه المعرفة تعم سائر البرية من ساكن ومتحرك، وهي جبل كجبل الملائكة على الخدمة، فتلزم مكلفاً وغير مكلف) .
قال: (والفصل الثاني: معرفة الربوبية، وهي خاصة للمكلفين من بني آدم، وهي تعم مؤمنهم وكافرهم وسائر فرقهم، وهي ضرورية أيضاً، وهي عن رؤية، وهي قوله سبحانه: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى} ، وهذا في غير وقت الكسب والتكليف، فتعرف إليهم بنفسه بلا وسائط ولقنهم التاء وخاطبهم بحرف التعريف، فأقر الكل له بتلك المعرفة، إذ عاينوه جباراً قهاراً، وهي معرفة لا يقع بها إيمان ولا توحيد، لأنها إقرار للضرورة، وليس للكافر فيها اختيار، إذ لو كان له فيها اختيار لجحدها، كما جحد معرفة التوحيد، ولو كانت كسبية لوقع له بها

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 508)

إيمان وثواب، بلى هي ضرورية يرجع إليها في شدائده، قال تعالى: {ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون} .
وقد أخبر عن الكفار أنهم يعرفونه مع ردهم على رسله.
قال تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} ، وقال سبحانه: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} ، مع آيات كثيرة، وذلك موجود منهم ضرورة، وهم في الجاهلية يعرفونه ولا ينكرونه، ويقولن: إلهنا القديم والعتيق، وإله الآلهة، ورب الأرباب، وغير ذلك، مع كفرهم.
فدل ذلك على أن تلك ضرورة ألزموها، وهو قوله تعالى: {وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها} ، وقول: {فطرة الله التي فطر الناس عليها} ، يعني: معرفة ربوبيته.
وقد جاء في الأثر: يقول الله تعالى: (خلقت خلقي حنفاء مقرين) يعني عرفاء عرفوه بوحدانيته، وأقروا له بمعرفة ربوبيته، وإنما جحدوا معرفة التوحيد الذي تعبدهم بها على ألسنة السفراء، وهو قوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} .
وقول صاحب الشرع: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 509)

إله إلا الله» ، لم يقل: حتى يقولوا: إن ربهم رباً، إذ هم عارفون بذلك.
وإنما أمرتهم الرسل أن يصلوا معرفة التوحيد بمعرفة الربوبية والوحدانية فأبوا، وقبل ذلك الموحدون، فقال في حال المؤمنين: {والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل} ، وقال في حال الكفار: {ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} .
فالسفراء لهم مدخل في معرفة التوحيد دون معرفة الوحدانية والربوبية، إذ لكل معرفة مقام، فليس للعقل والكسب والوسائط والنظر والاستدلال في هذه المعرفة حكم، لكونها عامة موجودة ممن يصح منه النظر والاستدلال وممن لا يصح منه، فلو كلفهم كلهم النظر والاستدلال، لكان مكلفاً لهم شططاً، إذ لايصح من الكل النظر والاستدلال، ويصح من الكل المعرفة بالاضطرار، فحملهم من ذلك ما رفع به عنهم الشطط.
وحديث الجارية فمشهور، وهي مما لا يصح منه النظر والاستدلال.
وكذلك الأبله والمجنون وغيرهم، لو سألتهم عن الله سبحانه لأشاروا إليه بما عرفهم، فتعرف سبحانه قبل التكليف بنفسه وبعد التكليف بالسفراء، لأنه لو خطابهم وكاشفهم قبل التكليف بلا سفير لبطل التكليف) .

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 510)

قال: وقد «قال له أبو ذر رضي الله عنه: يا رسول الله، بماذا أقول: عرفت الله؟ فقال: إنك إن قلت بمن فقد أشركت، وإن حلت كفرت، وإن وسطت واسطة ضللت» .
وقد قيل لعلي رضي الله عنه: بم عرفت ربك؟ فقال: بما عرفني نفسه، لا يشبه صورةً، ولا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس.
وعن ابن عباس حين سأله نجدة الحروري فقال: يا ابن عباس بما عرفت ربك إذ عرفته؟ فأجاب بنحو من جواب أمير المؤمنين.
وقول الصديق الأكبر: (سبحان من لم يجعل للخق طريقاً إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته) .
فهذه المعرفة ضرورة للعارف موجودة فيه، كوجود ضرورة المقعد وقعوده موجودة فيه، فهو سبحانه المعروف الذي لا ينكره شيء، والمعلوم الذي لا يجهله شيء، فمن كانت معه معرفتان فهو كافر، وبالمعرفة الثالثة يصح الإيمان، وهو الفصل الثالث: وهي معرفة التوحيد التي دعت الرسل إليها، وبعثوا بها، وكلفنا قبولها، وهي قوله: {وإلهكم إله واحد} ، وهو قوله: {لئلا يكون للناس على الله

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 511)

حجة بعد الرسل} ، وأخبرنا أنه ما كان معذباً قبل بعثتهم، فكانوا يعرفون أن لهم رباً وإلهاً، ولكنهم ينكرون توحيد الإله وبعث رسله وشرائع دينه، وبه وقع منهم الكفر.
فوجود ذلك منهم يزيل عنهم معرفة التوحيد، ولا يزيل ضرورتهم، وهذه المعرفة وجبت بالتوقيف، وهي ما وقفتنا الرسل عليه، ودلنا عليه سبحانه، ووفقنا لذلك، وبها يجب الخلود في الجنة، وبعدمها يجب الخلود في النار، وهي مكتسبة ولم تجب بالعقل كما زعمت المعتزلة، لأن هذه المقالة تضاهي مقالة البراهمة، حيث زعمت أن في قوة العقل كفاية عن بعث الرسل، والحق لم يخبر أنه ما كان يعذبهم حتى يرزقهم عقولاً، وإن كان العقل حجة فهو باطن، والرسل حجة الله ظاهرة.
وقد قيل لبعض العارفين: بم عرفت الله؟ قال: بالله.
فقيل: فأين العقل؟ فقال: العقل عاجز يدل على عاجز.
وقد جاء في الأثر: إن الله سبحانه لما خلق العقل، وأقامه بين يديه - وهو حجة من قال: عرف بالعقل - فقال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، فقال: عزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أكرم علي منك، بك آخذ، وبك أعطي، وبك أعرف.
فتعلق الخصم بهذه

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 512)

الكلمة، وتمام الحديث: فطفق لا ينطق، فكحله بنور العزة، فقال: أنت الله الذي لا إله إلا أنت، فلم يعرف العقل الله إلا بالله.
وإذا كان الله معروفاً من طريق التوحيد بالعقل، فما بال قريش - مع كونها ذوي عقول - يقول الله عنهم إخباراً: {أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب} ؟ فإن كان لا عقل لها فلا حجة عليها، وإن كانت ذوي عقول فما أغنت عنهم عقولهم.
وقال سبحانه: {وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم} الآية، وأخبر عنهم أنهم يقولون في النار: {لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} ، لا خلاف أنهم كانوا ذوي أسماع لا يسمعون بها، وكذلك عقول لا تغني عنهم ولا يستعملونها، فلم تكن مغنية لهم مع تكذيبهم الرسل، فبوجود الرسل صح التكليف، وبالعقل تمثيل ذلك بعد التوفيق، وليس للعقل مدخل فما تقدم من المعارف، وإن كان له ها هنا مدخل، فالأصل الرسل والعقل اتبع ذلك.
وأما العقل فله مدخل بالغ في معرفة المزيد، وكذلك العلم، فالعلم بيان الله، والعقل حجة الله، والرسل هم الحجة الظاهرة المبلغة عن الله مراده، والمخبرة بأمره، والداعية إلى سبيله.
ولما كان سبحانه لا سبيل إليه.
ولا عقول تشرف عليه، ولا لنا طاقة إلى استماع كلامه، لم يكن بد من بعث الرسل لنعلم بها مراد الربوبية منا.

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 513)

وليس هذا للعقل، وإنما للعقل الزوائد والتصرف في المراد المخبر عنه الرسل، فعم سبحانه بمعرفة وحدانيته سائر ما ابتدع، وخص بمعرفة ربوبيته بني آدم كما كرمهم، وخص بمعرفة توحيده المؤمنين، وخص بمعرفة المزيد خواص المؤمنين.
وفي هذه المعرفة يتفاوت الناس، فمن كان معه معرفتان كان كافراً، ومن كان معه ثلاث فهو مسلم، فإذا كان أربع كان مؤمناً، فإذا كانت معه خمس كان مؤمناً عالماً، ثم يفاوتون في معرفة المزيد على قدر أحوالهم، وصدق الهمم، واتباع العلم، وقوة اليقين، وصفاء الإخلاص، وصحة المعتقد، ولزوم السنة.
فالعقل والعلم والنظر والاستدلال، والافتكار والاعتبار، يكشف عن معرفة المزيد التي يتفاوت فيها العبيد، فمن جعل حكم معرفة في أخرى فقد غلط غاية الغلط، وأوبقه الجهل، ورماه في بحر الحيرة ونقض الآثار، إذ قد ورد في بعضها أنه عرف بنفسه، وفي بعضها بالعلم، وفي بعضها بالعقل، وغير ذلك.
فدل على أن كل معرفة لها حكم ومصدر، ومقام وحال، فللكل معرفة الوحدانية والربوبية، وليس للكل معرفة التوحيد.
وإذا عمت معرفة التوحيد المسلمين، فليس لكل المسلمين معرفة

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 514)

المزيد، وإذا زعم الخصم أن المعارف المتقدمة وجبت - أي حصلت - بالنظر والاستدلال - فذلك مكابر معاند.
فإن احتج بقوله تعالى عن الخليل: {فلما جن عليه الليل رأى كوكبا} ، إلى قوله: {إني بريء مما تشركون} ، فتلك حجة على الخصم لا له، لأنه لو عرف بالنظر والاستدلال لما صح له أن يقال: إني بريء مما تشركون، ولم يحكم النظر والاستدلال، ولا يقول: إني بريء مما تشركون، وإني وجهت وجهي، إلا عارف بربه.

‌‌تتمة كلام البصري وتعليق ابن تيمية
وما كان ذلك من الخليل إلا بالرشد السابق الذي خبرت الربوبية عنه، بقوله تعالى: {ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل} ، وإنما أراد بذلك القول الإنكار على قومه والتوبيخ لهم، إذ كانوا يعبدون الشمس والقمر والنجم من دون الله، فقال ما قال على طريق الإنكار ليعلمهم أن ما جاز عليه الأفول والتغيير من حال إلى حال، لم يكن بإله يعبد ولا رب يوحد.
وإنما الإله الذي خلقكم، ولمعرفته فطركم:
هو الذي أخبر عنه بقوله: {إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض} ، وإن كان مخرج الآية مخرج الخبر، فإنما المراد به الاستفهام) .

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 515)

قلت: وذكر ابن عبد أشياء، وإن كان في بعض ما ذكره آثار لا تثبت، وكلام مستدرك، فالمقصود بيان ما ذكره من أن المعرفة فطرية.
إلى أن قال: وإنما كان الخليل بقوله منبها لقومه، ومذكراً لهم الميثاق الأول، رداً لهم إلى ضرورتهم، ليصلوا إلى ما انعجم عليها بما هو ضرورتهم وكوشفوا به، وإن كان ذلك من الخليل في طفوليته كم حكي، فأين محل النظر والاستدلال؟ وإن كان في حال رجوليته فمتى التبس هذا الحكم على بعض المؤمنين في زماننا وغيره، حتى يلتبس على الخليل، الذي اصطفاه الله بالخلة من بين العالمين؟! نعوذ بالله من الحيرة في الدين.
لا جرم وقال تعالى: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} ، ولو أن الله عرف بالعقل لكان معقولاً بعقل، وهو الذي لا يدركه عقل، ولا يحيط به إحاطة، وإنما أمرنا بالنظر والتفكير فيما عرف بالتقدير، لا إلى من: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} ، فعرفنا أن لكل أثراً مؤثراً، ولك بناء بان، ولكل كتابه كاتب من ضرورتنا إلى ذلك، كما عرفنا اضطراراً أن السماء فوقنا والأرض تحتنا، ومعرفة وجودنا، وغير ذلك، إذ يستحيل أن يحدث الشيء نفسه، لعلمنا بأنه في وجوده وكماله يعجز، كيف في عدمه وعجزه؟!) .

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 516)

قال: (والفصل الرابع: وهي معرفة المزيد بالعقل والعلم والاستدلال، وخالص الأعمال مدلول عليها، وإن كان الأصل فضل الله المحض.
قال الله تعالى: {فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون} ، وقد روى: معرفة، {وزدناهم هدى} ، {ولدينا مزيد} ، {لئن شكرتم لأزيدنكم} ، فوعد بالزيادات وأخبر عنها، فكلما نصحوا فيما عرفوا، كوشفوا بما غاب عنهم في المقام الثاني من المقام الأول.
وفي الحديث: «من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم» وكان عمر بن عبد العزيز يقول: (جهلنا بما علمنا تركنا العمل بما علمنا، ولو علمنا بما علمنا لفتح الله على قلوبنا غلق ما لا تهتدي إليه آمالنا.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أراد عزاً بلا عشيرة، وغنى بلا مال، وعلماً بلا تعلم، فليخرج من ذل معصية الله، إلى عز طاعة الله، فإنه واجد ذلك كله» .
وقد روي: «إذا زهد العبد في الدنيا، وكل الله سبحانه بقلبه ملكاً

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 517)

يغرس فيه آثار الحكمة، كما يغرس أكار أحدكم الفسيل في بستانه» .
وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول - ويكتب بذلك إلى عماله-: (احفظوا عن المطيعين لله ما يقولون، فإنه يتجلى لهم أمور صادقة) فكلما استعمل العبد عقله، وعمل بعلمه، وأخلص في عمله، وصفا ضميره، وجال بفهمه في بصيرة العقل، وذكاء النفس، وفطنة الروح وذهن القلب، وقوى يقينه، ونفى شكه، وضبط حواسه بالآداب النبوية، وقام على خواطره بالمراقبة، وتحرى ترك الكذب في الأقوال والأفعال، وصار الصدق وطنه، وذهب عنه الرياء والعجب، وأظهر الفقر والفاقه إلى معبوده، وتبرأ من حوله وقوته، ولزم الخدمة، وقام بحرمة الأدب، وحفط الحدود والاتباع، وهرب من الابتداع، زيد في معرفته، وقويت بصيرته، وكوشف بما غاب عن الأعيان، وصار من أهل الزيادة بحقيقة مادة الشكر الموجبة للمزيد، وهذه المعرفة لا يجب أن تكون ضرورة، ولا أيضاً معرفة التوحيد، إذ لو كانت ضرورة لعمت وبطل الثواب، فلم يجبر سبحانه على معرفة توحيد، وعلى معرفة المزيد، إذ لو كان كذلك لأغنى عن بعث الرسل، وإنزال الكتب،

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 518)

وإقامة الحجج، وإنما هو الجبار الذي جبر القلوب على فطرتها، وأقامها مع مقدرتها، لم يكلفها فوق الطاقة، ولا شططاً، فجبر على معرفة ربوبيته ووحدانيته، ولم يجبر على ما سوى ذلك من المعارف كما زعمت المجبرة، فمن أهل الكلام من يزعم أن المعارف كلها اضطرار، وذلك غلط.
وهو قول جمهور شيوخ الاعتزال والمجبرة وبعض المتشيعة، ومنهم من يزعم أن جميعها اكتساب، وذلك أيضاً غير صواب، وبه يقول القدرية وبقايا الاعتزال وغيرهم، وأصحاب الحديث وأهل الظاهر، فيقولون بالاضطرار والاكتساب.
والأمر هو ما ذكرنا، والصواب ما شرحنا، لأن كل مقالة خالفت ما رتبنا فمنقوضة مضطربة، نصرح بإبطالها، ونومي إلى تناقض الأحاديث، فمعارف الاضطرار لا تفاوت فيها، ومعارف الاكتساب يقع فيها التفاوت، ويتفاضل الناس فيها على قدر ما ذكرنا.
فلما ثبت أنه القديم الأزلي وحده، وما سواه محدث، وكان القاهر لهم على الاتحاد والفناء، كانت المعرفة لهم من هذا الوجه اضطراراً وجبلاً، وكذلك لما اضطرهم في الذر، وخاطبهم كفاحاً في غير زمان التكليف، لم يجز أن يكون ذلك بكسب، فلما أرسل رسله، وأنزل كتبه، وتعرف على ألسنة السفراء، لم يصح أن يكون ذلك جبراً ولا ضرورة فيسقط

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 519)

التكليف، ولا يكون ذلك موقع الحكمة، ولا ثبوت حجة: {وما ربك بظلام للعبيد} ، وهو الفعال لما يريد، ذو الحكمة البالغة، والعدل الشامل، والفضل الذي يختص به، فعرفناه من حيث وحدانيته وربوبيته، من حيث يعرف، ومن حيث توحيده، ومن حيث وصف ووقف، ومن حيث المزيد، من حيث استعمل ووفق، واختص وتفضل، فلكل معرفة مقام، ولكل مقام حكم، فعم بالأول، وأفراد بالثاني، واختص بالثالث من مقامات المعارف، فمعارف البلغاء بالإصابة، ومعرفة النظر والاستدلال لأهل الرأي والمكايلة والكلام، ومعرفة الفقه للعلماء، والحديث للرواة، والفراسة للحكماء، والمزيد للأنبياء والأولياء، مع مشاركتهم للغير في المعارف، لا يشاركهم غيرهم فيما خصوا به وكوشفوا، فلما استوى الكل في كونهم أحداثاً مربوبين، استووا في تلك المعرفة، ولما وقعت الميزة بالكسب والاختصاص، تباينوا وتفاوتوا في المعارف، وما يعقل ذلك إلا عارف، ولا ينكره إلا جاهل، فوصل الكل إلى معرفة الربوبية، ولم ينته أحد إلى معرفة المزيد، وهو أن يعرف الله حق معرفته.
قال تعالى: {وما قدروا الله حق قدره} .
وقد روي: ما عرفوه حق معرفته.
وقال صلى الله عليه وسلم: «لو عرفتم الله حق معرفته لمشيتم على البحور، ولزالت بدعائكم الجبال، ولو خفتم الله حق خوفه لعلمتم العلم

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 520)

الذي ليس بعده جهل، وما وصل أحد إلى ذلك.
قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا، الله أجل أن يبلغ أحد كنه أمره كله» .
هذا وهو أعرف الخلق بربه، الذي تصير معارف ذوي المعارف عند معرفته نكرة.
وقد كان يقول في مناجاته: «اللهم عرفني نفسك حتى أزداد لك رغبة، ومنك رهبة» .
وهذا طلب الزيادة في المعرفة، كما أدبه: {وقل رب زدني علما} .
وقد كان الشبلي يقول: (ما عرف الله أحد حقيقةً) يعني لو عرفوه حقيقةً ما اشتغلوا بسواه.
وكان الواسطي يقول: (كما به كانوا، كذلك به عرفوا) .
وقال أبو الحسن المروزي في قصيدته:
به عرفوه فاهتدوا لرشادهم … ولولا الهدى منه عموا وتحيروا
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في كلامه: «والله لول الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا» الحديث) .

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 521)

قال: (فليس شيء إلا وهو يعرف الله سبحانه، ولو كان الحكم واحداً والمعرفة واحدة لاستووا.
وعدم الاستواء ووجود التفاوت يشهد بصحة ما قلنا، مع تصحيح الآثار، ومذاقات ألفاظ الرجال، فهو أجل أن يجهل، وأعز أن تنتهي فيه معارف ذوي المعارف، أو تبلغه بصائر ذوي البصائر: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير} .
ومعرفة الرب بربوبيته، إذ ربوبيته ظاهرة، لا يدعها جاحد، ولا يقدر أن ينكرها معاند، إذ هو أجل أن يخفى، وأعز أن يقاس، وأعظم أن تشرف عليه العقول، أو يتناوله معقول، ليس في حيز المجهولات فيستدل عليه، ولا مضبوط بالحواس فتصل الأفهام إليه، فعرفناه بما تعرف، ووصفناه بما وصف، إذ به عرفت المعارف، ووجدت الدلائل، فعرفنا نفسه، وعرفنا رسله، بما أظهر على أيديها من المعجزات، والبراهين والآيات، وتعرف إلينا على ألسنتهم كيف نوحده ونشكره ونعبده، إذ لا وصول لنا إلى مراده منا إلا بما أرسل وعلم، لتكون المملكة معذوقة بمالكها، ونوحده بما وحد به نفسه، ونثني عليه

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 522)

بثنائه، ونشكره كما علمنا على آلائه، إذ هو الغني عن كل شيء، وكل شيء إليه فقير.
قال الله: {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد} ، فلفقرنا لم نعرفه بنا، ولغنائه عنا عرفناه به، وجعل لنا الزيادة في الكسب، والتوصل بالأسباب، ومنه البداية، وإليه المنتهى، فكل من ألزمنا بسبب، عكسنا عليه ذلك السبب، وتسلسل الأمر، وإلى الله ترجع الأمور: {وإليه يرجع الأمر كله} ، فلا مجهول فيستدل عليه، ولا متوقع فيرتقب، فللرسل تأثير في العبادات، وللاستدلال تأثير في المكونات، وللعقول تأثير في المدبرات، وللرياضات تأثير في المكتسبات.
وقد أخبر سبحانه في كتابه فقال: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} ، وقد روي: ليعرفون.
فلأجل ذلك وقعت المعرفة من الجميع ولم تقع العبادة، فأراد ليعرفوه ثم يعبدوه على بساط المعرفة، فما جبرهم عليه من معرفة ربوبيته وقع، وما ردهم فيه إلى الاكتساب وقع من بعض دون بعض، ألا ترى أنه لم يقع من الكفار التعجب والإنكار من أنه سبحانه رب وإله؟ وإنما تعجبت وأنكرت التوحيد بالإلهية، فقالوا: {أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب} ، فما أريد منهم أن يقع بهم علل، وما ألزمهم من معرفة ربوبيته لم يكن لهم سبيل إلى إنكاره وجحده كغيره من المعارف) .

‌‌تتمة كلام البصري وتعليق ابن تيمية
قال: (فأصحاب المقالات وضعت كل معرفة غير موضعها،

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 523)

وأجملت وجهلت الحكم، فالتبس عليها الحكم، واختلفوا بما يصاب؟: بالعقول، أو الاستدلال أو بالإمام؟ فقال بعضهم: أصل المعرفة معرفة الإمام.
ومنهم من يقول: أهل البيت، يعني معرفتهم.
والأئمة والعلماء والفقهاء أكثرهم يذهب إلى أن المعرفة معرفة العلم والفقه، من حلال وحرام، وفرائض ومندوبات، وأحكام وسنن.
وقال بعضهم: هي أن تعرف الله على يقين حتى تستقر معرفته في قلبك.
واختلفوا: أي وقت تقع؟ فمنهم من يزعم: قبل البحث والنظر.
ومنهم من قال: بعد البحث والنظر.
وقوم يقولون: بعد البلوغ.
ومنهم من بجعل حدها معرفة الأجسام والأعراض والجواهر، وكلام يكثر ذكره، ويتبين لك في نفس الكلام - إذا لزمت ما قررنا وشرحنا - أن أهل الكلام اعتقدوا ما يليق بالطبع فأثبتوا من طريق العبودية، فجعلوا معرفته بأسباب، وأهل الحق اعتقدوا ما يليق بالربوبية فأثبتوه من حيث الربوبية، والربوبية لا تدنسها العلل، ولا يقع عليها غوامض الفطر، فقرر الله الخلق ودعاهم إلى معرفته كفاحاً، لئلا يشركوا في العلم بمعرفته ولا تكون لهم حجة.
قال سبحانه: {أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل} وذلك لموضع ما ألزمهم من الضرورة، ولو قررهم بمعرفته في حال العبودية - كما

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 524)

زعم الجاهلون - لخرجوا عن كونهم مكلفين لموضع النظر إليه، لكن تعرف إليهم من بعد ما ألزمهم من الضرورة بالوسائط والآيات فمن نصح معبوده، وقام على مراعاة ما شرعه له، وتعرف به إليه، واتكل في المعرفة عليه، وأسند جميع أموره إليه، ذكره ما سلف من الحال، وكشف له عن العواقب والمآل، فزهد فيما يفنى، وزادت رغبته فيما يبقى، وصار للإله موحداً خائفاً، ومصدقاً راجياً، ومن قصر في رعايته، وخلط في سعايته، وسلك محجة التفريط، ولم ينصح فيما أعطى من ضرورته وعقله، جمت عيوبه، وكثرت ذنوبه، فملكه هواه، فأعماه وأراده، ولم يبلغ مناه، فأنساه ذلك ما كان في وقت التعريف، فحصل في جملة من خان وعاند، ولم يكن بخارج من كون ماكان يجهله، إذ قد ثبت العلم بذلك فلم يكن بخارج من النار، ولم يكن بخارج من ضرورته) .
قال: (وقد ثبت أهل الكلام معارف ضرورية، كمعرفة الإنسان بوجود نفسه، فالربوبية أولى بذلك.
وكذلك الأعراض والأجسام والجواهر لأهل الكلام، والجمع والتفرقة، وما يعرف بالفكر ويشترط بالعلم، ومعرفة الشرع للفقهاء، والمعرفة التي هي

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 525)