يَسمعْ في صوتِه لمَّا تكلَّمَ إذْ ذاكَ الفخامةَ المألوفةَ منه، فحَمَلَ ذلك على الجوعِ بالقرينةِ التي كانوا فيها، وفيه ردٌّ على دعوى ابنِ حِبَّانَ: أنَّه لم يكن يجوع، مُحتجًّا بحديثِ: «أبيتُ يُطعمني ربِّي ويَسقيني» وهو محمولٌ على تعدُّدِ الحال، فكان أحيانًا يجوعُ ليتأسَّى به أصحابُه، ولا سيَّما مَنْ لا يجدُ مددًا فيصبرُ فيُضاعفُ أجرُه، وفي رواية يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة -عند مسلمٍ- عن أنس قال: «جئتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فوجدته جالسًا مع أصحابه يحدِّثُهم، وقد عصب بطنه بعصابة، فسألت بعض أصحابه، فقالوا: مِنَ الجوع، فذهبت إلى أبي طلحة فأخبرتُه، فدخل على أم سُليم قال» (فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ، ثُمَّ أَخْرَجَتْ خِمَارًا) بكسر الخاء المعجمة، أي: نصيفًا (لَهَا، فَلَفَّتِ الخُبْزَ بِبَعْضِهِ، ثُمَّ دَسَّتْهُ) أي: أخفتْه (تَحْتَ يَدِي) بكسر الدال، أي: إبطي (وَلَاثَتْنِي) بالمثلثة ثم الفوقية الساكنة ثم النون المكسورة، لفتني (بِبَعْضِهِ) ببعض الخمار على رأسي، ومنه لاث العمامة على رأسه، أي: عصبها (ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: فَذَهَبْتُ بِهِ) بالخبز (فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي المَسْجِدِ) الذي هيأه للصلاة في غزوة الأحزاب (وَمَعَهُ النَّاسُ، فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لِي رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَأَرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟) استفهامٌ إخباري(1) (فَقُلْتُ: نَعَمْ) أَرْسَلَني (قَالَ: بِطَعَامٍ؟ فَقُلْتُ(2): نَعَمْ) بطعام (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِمَنْ مَعَهُ) من الصحابة: (قُومُوا) قال في «الفتح»: ظاهرُه أنَّه صلى الله عليه وسلم فهِم أنَّ أبا طلحة استدعاه إلى منزله، فلذا قال لهم: قوموا، وأوَّل الكلام يقتضي أنَّ أمَّ سليم وأبا طلحةَ أَرسلا الخبزَ مع أنس، فيُجمَع بأنَّهما أرادا بإرسال الخبز مع أنس(3) أنْ يأخذَه صلى الله عليه وسلم فيأكله، فلمَّا وصل أنس ورأى كثرة الناس حوله استحيا، وظهر له أن يدعو النبي صلى الله عليه وسلم ليقوم معه وحدَه إلى المنزل، ليحصل المقصود من إطعامه، قال: وقد وجدت في أكثر الروايات ما يقتضي أنَّ أبا طلحة استدعى النبيَّ صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعة، ففي رواية سعد بن سعيد عن أنسٍ عند مسلمٍ: «بعثني أبو طلحة إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم لأدعوه وقد جعل له طعامًا» وفي رواية محمَّد بن كعب فقال: «يا بني اذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فادعه، ولا تدع معه غيره ولا تفضحني». (فَانْطَلَقَ) وأصحابُه،--------------------------------------------
(1) في غير (د): «استخباري».
(2) في (د) و (ب): «قلت».
(3) قوله: «فيُجمَع بأنَّهما أرادا بإرسال الخبز مع أنس» ليس في (ص) و (م).
(1) في غير (د): «استخباري».
(2) في (د) و (ب): «قلت».
(3) قوله: «فيُجمَع بأنَّهما أرادا بإرسال الخبز مع أنس» ليس في (ص) و (م).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 442)