فيه مشروعية تقبيل الولد وشمه، وليس فيه دليل على فعل ذلك بالميت، لأن هذه إنما وقعت قبل موت إبراهيم، عليه الصلاة والسلام. نعم، روى أبو داود وغيره: أنه صلى الله عليه وسلم، قبل عثمان بن مظعون بعد موته، وصححه الترمذي وروى البخاري: أن أبا بكر، رضي الله عنه، قبل النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، فلأصدقائه وأقاربه تقبيله.
(ثم دخلنا عليه) أي على: أبي سيف (بعد ذلك، وإبراهيم بجود بنفسه) يخرجها ويدفعها، كما يدفع الإنسان ماله: يجود به (فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان) بالذال المعجمة وكسر الراء وبالفاء أي: يجري دمعهما (فقال له) أي: للنبي، صلى الله عليه وسلم (عبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنه وأنت) بواو العطف على محذوف تقديره: الناس لا يصبرون عند المصائب، ويتفجعون وأنت (يا رسول الله) تفعل كفعلهم مع حثك على الصبر، ونهيك عن الجزع، فأجابه عليه الصلاة والسلام (فقال):
(يا ابن عوف إنها) أي: الحالة التي شاهدتها مني (رحمة) ورقة، وشفقة على الولد، تنبعث عن التأمل فيما هو عليه، وليست بجزع وقلة صبر كما توهمت، (ثم أتبعها) عليه الصلاة والسلام (بأخرى) أي: أتبع الدمعة الأولى بدمعة أخرى، أو: أتبع الكلمة الأولى الجملة، وهو قوله: إنها رحمة، بكلمة أخرى مفصلة، (فقال صلى الله عليه وسلم):
(إن العين تدمع والقلب) بالنصب والرفع (يحزن) لرقته من غير سخط لقضاء الله.
وفيه جواز الأخبار عن الحزن وإن كان كتمه أولى، وجواز البكاء على الميت قبل موته. نعم، يجوز بعده لأنه، صلى الله عليه وسلم، بكى على قبر بنت له، رواه البخاري. وزار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، رواه مسلم ولكنه قبل الموت أولى بالجواز، لأنه بعد الموت يكون أسفًا على ما فات، وبعد الموت خلاف الأولى. كذا نقله في المجموع عن الجمهور، لكنه نقل في الأذكار عن الشافعي والأصحاب، أنه مكروه لحديث: فإذا وجبت فلا تبكين باكية. قالوا وما الوجوب يا رسول الله؟ قال: الموت. رواه الشافعي وغيره بأسانيد صحيحة.
قال السبكي وينبغي أن يقال: إن كان البكاء لرقة على الميت، وما يخشى عليه من عذاب الله وأهوال يوم القيامة، فلا يكره، ولا يكون خلاف الأولى، وإن كان للجزع وعدم التسليم للقضاء، فيكره أو يحرم. وهذا كله في البكاء بصوت، أما مجرد دمع العين العاري عن القول والفعل الممنوعين، فلا منع منه. كما قال عليه الصلاة والسلام:
(ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون) أضاف الفعل إلى الجارحة تنبيهًا على أن مثل هذا لا يدخل تحت قدرة العبد، ولا يكلف الانكفاف عنه، وكأن الجارحة امتنعت، فصارت هي الفاعلة لا هو. ولهذا قال: وإنا بفراقك لمحزونون. فعبر بصيغة المفعول لا بصيغة الفاعل، أي ليس الحزن من فعلنا، ولكنه واقع بنا من غيرنا، ولا يكلف الإنسان بفعل غيره. والفرق بين دمع العين، ونطق اللسان أن النطق يملك بخلاف الدمع، فهو للعين كالنظر ألا ترى أن
(ثم دخلنا عليه) أي على: أبي سيف (بعد ذلك، وإبراهيم بجود بنفسه) يخرجها ويدفعها، كما يدفع الإنسان ماله: يجود به (فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان) بالذال المعجمة وكسر الراء وبالفاء أي: يجري دمعهما (فقال له) أي: للنبي، صلى الله عليه وسلم (عبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنه وأنت) بواو العطف على محذوف تقديره: الناس لا يصبرون عند المصائب، ويتفجعون وأنت (يا رسول الله) تفعل كفعلهم مع حثك على الصبر، ونهيك عن الجزع، فأجابه عليه الصلاة والسلام (فقال):
(يا ابن عوف إنها) أي: الحالة التي شاهدتها مني (رحمة) ورقة، وشفقة على الولد، تنبعث عن التأمل فيما هو عليه، وليست بجزع وقلة صبر كما توهمت، (ثم أتبعها) عليه الصلاة والسلام (بأخرى) أي: أتبع الدمعة الأولى بدمعة أخرى، أو: أتبع الكلمة الأولى الجملة، وهو قوله: إنها رحمة، بكلمة أخرى مفصلة، (فقال صلى الله عليه وسلم):
(إن العين تدمع والقلب) بالنصب والرفع (يحزن) لرقته من غير سخط لقضاء الله.
وفيه جواز الأخبار عن الحزن وإن كان كتمه أولى، وجواز البكاء على الميت قبل موته. نعم، يجوز بعده لأنه، صلى الله عليه وسلم، بكى على قبر بنت له، رواه البخاري. وزار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، رواه مسلم ولكنه قبل الموت أولى بالجواز، لأنه بعد الموت يكون أسفًا على ما فات، وبعد الموت خلاف الأولى. كذا نقله في المجموع عن الجمهور، لكنه نقل في الأذكار عن الشافعي والأصحاب، أنه مكروه لحديث: فإذا وجبت فلا تبكين باكية. قالوا وما الوجوب يا رسول الله؟ قال: الموت. رواه الشافعي وغيره بأسانيد صحيحة.
قال السبكي وينبغي أن يقال: إن كان البكاء لرقة على الميت، وما يخشى عليه من عذاب الله وأهوال يوم القيامة، فلا يكره، ولا يكون خلاف الأولى، وإن كان للجزع وعدم التسليم للقضاء، فيكره أو يحرم. وهذا كله في البكاء بصوت، أما مجرد دمع العين العاري عن القول والفعل الممنوعين، فلا منع منه. كما قال عليه الصلاة والسلام:
(ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون) أضاف الفعل إلى الجارحة تنبيهًا على أن مثل هذا لا يدخل تحت قدرة العبد، ولا يكلف الانكفاف عنه، وكأن الجارحة امتنعت، فصارت هي الفاعلة لا هو. ولهذا قال: وإنا بفراقك لمحزونون. فعبر بصيغة المفعول لا بصيغة الفاعل، أي ليس الحزن من فعلنا، ولكنه واقع بنا من غيرنا، ولا يكلف الإنسان بفعل غيره. والفرق بين دمع العين، ونطق اللسان أن النطق يملك بخلاف الدمع، فهو للعين كالنظر ألا ترى أن
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 386)