يلهمني بإلقاء ما هو لائق باستعداد كل واحد، وعلى الأوّل فالمعنى أني ألقي على ما يسنح لي وأسوّي فيه ولا أرجح بعضهم على بعض، والله يوفق كلاًّ منهم على ما أراد وشاء من العطاء انتهى.
وقال غيره: المراد القسم المالي، لكن سياق الكلام يدل على الأوّل إذ إنه أخبر من أراد به خيرًا يفقهه في الدين، وظاهره يدل على الثاني لأن القسمة حقيقية في الأموال. نعم يتوجه السؤال عن وجه المناسبة بين اللاحق والسابق، وقد يجاب بأن مورد الحديث كان عند قسمة مال وخصص عليه الصلاة والسلام بعضهم بزيادة لمقتض اقتضاه فتعرض بعض من خفي عليه الحكمة، فردّ عليه صلى الله عليه وسلم بقوله: "من يرد الله به خيرًا" الخ أي من أراد الله به الخير يزيد له في فهمه في أمور الشرع فلا يتعرض لأمر ليس على وفق خاطره إذ الأمر كله لله وهو الذي يعطي ويمنع ويزيد وينقص، والنبي صلى الله عليه وسلم قاسم بأمر الله ليس بمعطٍ حتى ينسب إليه الزيادة والنقصان، واستشكل الحصر بإنما مع أنه عليه الصلاة والسلام له صفات أخرى سوى قاسم. وأجيب بأن هذا ورد ردًّا على من اعتقد أنه عليه الصلاة والسلام يعطي ويقسم فلا ينفي إلا ما اعتقده السامع لا كل صفة من الصفات وفيه حذف المفعول.
(ولن تزال هذه الأمة قائمة) بالنصب خبر تزال (على أمر الله) على الدين الحق (لا يضرهم من) أي الذي (خالفهم حتى يأتي أمر الله). وحتى غاية لقوله لن تزال، واستشكل بأن ما بعد الغاية مخالف لما قبلها إذ يلزم منه أن لا تكون هذه الأمة يوم القيامة على الحق. وأجيب: بأن المراد من قوله: أمر الله التكاليف وهي معدومة فيها، أو المراد بالغاية هنا تأكيد التأبيد على حدّ قوله تعالى: {مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْض} [هود: 107] أو هو غاية كقوله: لا يضرهم لأنه أقرب، ويكون المعنى حتى يأتي بلاء الله فيضرهم حينئذ فيكون ما بعدها مخالفًا لما قبلها.

‌‌14 - باب الْفَهْمِ فِي الْعِلْمِ
(باب الفهم) بإسكان الهاء وفتحها لغتان (في العلم) أي المعلوم أي إدراك المعلومات، وإلا فالفهم نفس العلم كما فسّره به الجوهري. كذا قاله الحافظ ابن حجر والبرماوي تبعًا للكرماني، وعورض بأن العلم عبارة عن الإدراك الجلي، والفهم جودة الذهن، والذهن قوّة تقتنص بها الصور والمعاني وتشمل الإدراكات العقلية والحسية. وقال الليث: يقال فهمت الشيء إذا عقلته وعرفته، ويقال: فهم بتسكين الهاء وفتحها وهذا قد فسر الفهم بالمعرفة وهو عين العلم.

72 - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ أَبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلاَّ حَدِيثًا وَاحِدًا قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ فَقَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثَلُهَا كَمَثَلِ الْمُسْلِمِ. فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ هِيَ النَّخْلَةُ، فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ فَسَكَتُّ. قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: هِيَ النَّخْلَةُ».

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 252)