الفطرة تنكر تساوي القدرتين مع اختصاص أحدهما بالإرادة أعظم مما تنكر تأخر الأثر عن المؤثر فكيف إذا قيل إن القدرة والإرادة في حال وجود الفعل كحالها قبل وجود الفعل وأن الفعل حدث بلا تجدد شيء أصلا؟!
فإن هذا مما يعلم بالفطرة إنكاره ويعلم أنه لا بد حين وجود الفعل من حصول تمام المؤثر الذي به يصير الفاعل مريدا إرادة جازمة وقادرا قدرة تامة فإنه مع القدرة التامة والإرادة الجازمة يجب وجود المقدور والمراد.
ولا ريب أن الله على كل شيء قدير كما نطق به القرآن في غير موضع فإن قدرته من لوازم ذاته والمصحح لها الإمكان فلا اختصاص لها بممكن دون ممكن لكن الممتنع لذاته ليس شيئا باتفاق العقلاء فلا يعقل وجوده في الخارج فإنه لا يعقل في الخارج كون الشيء موجودا معدوما أو متحركا ساكنا أو كون أجزاء الحركة المتعاقبة مقترنة في آن آن واحد أو كون اليوم موجودا مع أمس وغدا وأمثال ذلك.
وحينئذ فمثل هذا لا يدخل في عموم الكتاب وأما الممتنع لغيره وهو ما علم الله أنه لا يكون وأخبر أنه لا يكون وكتب أنه لا يكون فهذا لا يكون لعدم إرادته وأنه لا يكون فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فهذا لو شاء لفعله كما أخبر القرآن في غير موضع أنه لو شاء الله لآتى كل نفس هداها ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة وأمثال ذلك.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 109)
والقادر إذا لم يفعل الشيء لعدم إرادته له لم يمنع ذلك أن يكون قادرا عليه بخلاف ما إذا لم يفعله لكونه ليس قادرا عليه والقادر يجوز أن يفعل كلا من الضدين ويريده على طريق البدل بخلاف فعلهما على وجه الجمع فإنه ممتنع لذاته.
ولو كان فعل القادر موقوفا على إعانة غيره أو ممنوعا بغيره لم يكن قادرا بنفسه وهذا من دلائل الوحدانية فإن الرب لا بد أن يكون قادرا بنفسه لامتناع كون قدرته من غيره ويمتنع اجتماع قادرين بأنفسهما على شيء واحد فإن قدرة أحدهما عليه مشروطة بعدم قدرة الآخر عليه حال كون الأول قادرا لامتناع اجتماع قدرتين تامتين على فعل واحد وامتناع اجتماع فاعلين مستقلين على فعل واحد وهذا مبسوط في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا أنه إذا فرض أن قدرته وإرادته وسائر ما يتوقف الفعل عليه حال وجود الفعل كما هي حال عدم وجود الفعل كان هذا ممتنعا بالضرورة كامتناع هذا في كل مؤثر تام بل لا بد لحال الفعل من اختصاصه بأمر لا يكون موجودا عند عدم الفعل.
وأما السلف والأئمة وأكابر أهل الحديث الذين يقولون لم يزل الله متكلما إذا شاء ولم يزل تقوم به الأمور الاختيارية فلا يرد عليهم شيء من هذه التناقضات الواردة على هؤلاء الأصناف من أهل الكلام والفلسفة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 110)
وكذلك لا يرد على من وافقهم من أساطين الفلاسفة القائلين بقيام الأمور الإرادية بذاته وأنه لم يزل كذلك كما يقوله أبو البركات صاحب المعتبر وغيره من متقدمي الفلاسفة ومتأخريهم فإن هؤلاء يطردون الأصل المتقدم في أن المؤثر التام يستلزم أثره وأن الأثر يلازم المؤثر التام ولا يفرقون في ذلك بين مؤثر ومؤثر.
والرب تعالى عندهم فاعل لكل ما سواه بقدرته واختياره وإذا سمي موجبا بالذات بمعنى أنه موجب بذاته الموصوفة بالقدرة والاختيار ما يحدثه من الحوادث في وقت إحداثه إياه فهذا حق عندهم كما يقول المسلمون ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ويقولون إن كل حادث فله سبب حادث وإن كمال فاعلية الرب تعالى لكل مفعول هو عند فعله إياه كما قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (سورة يس 82) .
وهؤلاء يطرد على أصلهم بيان تناقض الفلاسفة القائلين بقدم الأفلاك وفساد حجتهم ومذهبهم وأما غيرهم فإنه وإن بين تناقض الفلاسفة من وجه فإنه يتناقض هو من وجه آخر فهم يردون باطلا بباطل ويقابلون بدعة ببدعة لكن لكل حال كل من كان إلى اتباع الرسل أقرب كان قوله أقوم وأقرب إلى صريح المعقول وصحيح المنقول ممن هو أبعد منه عن متابعة الرسل فإن المعقول الصريح لا يدرك إلا على موافقة أقوال الرسل لا على مخالفتها.
والمقصود هنا بيان فساد قول هؤلاء الفلاسفة ومذهبهم وأنه
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 111)
أعظم فسادا من قول القدرية المعتزلة وغيرهم ومن الكلابية وغيرهم من أصناف أهل الكلام فإن هؤلاء الفلاسفة الدهرية لا سيما معطلة الصفات منهم يحتجون بأن المؤثر التام لا بد أن يقارنه أثره ثم يقولون والرب لا بد أن يكون مؤثرا تاما في الأزل إذ لو لم يكن كذلك للزم حدوث تمام تأثيره والكلام في حدوث ذلك الحادث كالكلام في غيره فيلزم التسلسل بمعنى حدوث تمامات لا نهاية لها في آن واحد للعلة الفاعلة وهو باطل لم يقل به طائفة من الطوائف كما لم يقل بتسلسل علل تامة.
وحجتهم مبنية على امتناع التسلسل في المؤثرات وهو متفق عليه بين العقلاء وامتناع الترجيح بغير مرجح والمعتزلة والكلابية والكرامية ونحوهم أبطلوها لجواز الترجيح عندهم من القادر بلا مرجح.
وقد عرف ما في هذا الجواب وأنه إنما يستقيم على أصول القدرية والجهمية ولهذا كان النزاع هنا بين القدرية والدهرية وكلاهما مبطل لكن القدرية أمثل لكنهم عارضوها بحدوث الحوادث اليومية فإن حجتهم تستلزم أن لا يحدث شيء وقد حدث.
والمعارضة تدل على فساد الحجة لكن لا تحلها ولا تبين وجه فسادها وقد طعن الأرموي وغيره في هذه المعارضة وقد بينا فساد طعنه وصحة هذه المعارضة كما ذكرها الغزالي والرازي والأبهري وغيرهم ممن عارض بها الفلاسفة.
وجاء بعد الأرموي الهندي فنقل طعنه فيها نقلا مجردا ولم يجب عنه
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 112)
بشيء وذكر الأرموي جوابه الذي سماه الجواب الباهر وأخذه من كلام الرازي لأنه أجاب بهذا الجواب الذي سماه الباهر من المطالب العالية فأجاب أنه لا يلزم منه قدم العالم الجسماني لجواز أن يوجد عقل في الأزل أو نفس تصدر عنهما تصورات متعاقبة كل واحد منهما بعدما يليه حتى ننتهي إلى تصور خاص يكون شرطا لفيضان العالم الجسماني عن المبدأ القديم.
ثم إن الهندي لم يكن عنده غير ما نقله من كلام هؤلاء وهذا الجواب بنى عليه أبو عبد الله القشيري المعروف بابن دقيق العيد حيث جزم بحدوث الأجسام دون سواها مع جعله جميع الممكنات صادرة عن الواجب.
وهذا الجواب بنوه على ظنهم الفاسد وهو أن الدليل قد قام على حدوث الأجسام دون ما سواها بناء على أن المتكلمين لم يقيموا دليلا على أنه لا ممكن إلا الجسم أو العرض كما قد ذكر ذلك الشهرستاني والرازي والآمدي وغيرهم من متأخري أهل الكلام المخلوط بالفلسفة من المعتزلة والأشعرية.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 113)
وهذا الجواب لا يوافق دين أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى وهو باطل ولم يحصل به جواب عن أدلة الفلاسفة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 113)
وهو باطل من وجوه:
أحدها: أن يقال فالنفس عند هؤلاء لا تكون إلا مقارنة للجسم فإنها متعلقة به تعلق التدبير وهم متنازعون هل هي جوهر أو عرض وحينئذ فوجود نفوس دون أجسام ممتنع فبطل أصل هذا الجواب.
الثاني: أن يقال دليل المعتزلة ومن وافقهم على حدوث الأجسام إنما هو لامتناع حوادث لا أول لها وهذا بعينه يقتضي حدوث النفس فإنه تقوم بها الحوادث فإذا امتنع أن تقوم بها الحوادث التي لا تتناهى لزم حدوثها فطريقة المعتزلة ومن وافقهم في حدوث الأجسام إن كانت صحيحة لزم حدوث النفوس مثل هذه الطريقة وإن كان باطلة بطل التفريق بين النفوس والأجسام فلزم على التقديرين أن يكون قول هؤلاء بحدوث الأجسام دون النفوس قولا باطلا.
الجواب الثالث: أن يقال دليل حدوث الأجسام الذي هو امتناع حوادث لا أول لها يوجب حدوث النفوس كما تقدم وأما العقول فبتقدير ثبوتها كما يدعيها هؤلاء المتفلسفة فهي قديمة لازمة لذات الله وهو تعالى موجب بذاته لها في الأزل إيجابا قديما دائما فقدم العقول مستلزم لكونه موجبا بذاته لشيء معين دائما وكونه محدثا للأجسام أو للأجسام والنفوس بعد أن لم تكن ينافي كونه موجبا بذاته في الأزل فإن الذي يفعل بعد أن لم يكن يفعل لا يكون إن قدر وجوده إلا فاعلا بالاختيار فصار هذا القول مستلزما لكونه موجبا
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 114)
بالذات غير موجب بالذات وذلك جمع بين النقيضين فتبين أن القول بحدوث الأجسام مع قدم العقول جمع بين النقيضين فيكون باطلا.
وإيضاح هذا أنه إما أن يجوز أن يفعل بعد أن لم يفعل وإما أن لا يجوز فإن جاز ذلك كما يقوله من يقوله من أهل الكلام جاز حدوث كل ما سواه وإن لم يجز ذلك لزم أنه لم يزل فاعلا وحينئذ فإن قيل لم يزل فاعلا لشيء بعد شيء أمكن دوام الفاعلية مع حدوث كل ما سواه وإن قيل لم يزل فاعلا لشيء معين لم يكن فرق بين العقول وبين غيرها فالقول بقدم العقول مع حدوث الأجسام قول متناقض.
وبهذا يتبين أن ما استدل به من استدل من المتكلمين على حدوث الأجسام وإن كان صحيحا يستلزم حدوث كل ما سوى الله ويظهر خطأ متأخريهم الذين اعترضوا على متقدميهم بأن دليلهم على حدوث الأجسام والأعراض لا يتناول حدوث كل ما سوى الله لإمكان وجود العقول والنفوس التي يثبتها المشاؤون من الفلاسفة وإمكان قدمها قالوا والمتكلمون لم يقيموا دليلا صحيحا على نفي ما سوى الأعراض والأجسام وقد بينا بطلان كلام هؤلاء في غير موضع.
وللنظار في إبطاله طرق:
إحداها طريقة من يقول العلم بأن كل ممكن إما جسم وإما عرض قائم بالجسم علم ضروري كما ذكر ذلك غير واحد من أئمة النظار كأبي المعالي وغيره.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 115)
والثانية طريقة من يقول: الوجود لا يكون إلا مشارا إليه أو قائما بمشار إليه وكل موجودين فإما أن يكونا متباينين وإما أن يكونا متحايثين ومن هؤلاء من يصرح بأنه لا موجود إلا الجسم وما يقوم بالجسم كما هو مبسوط في غير هذا الموضع.
الطريقة الثالثة: أن يقال هب أنه لم يعلم انتفاء ما سوى الأجسام والأعراض لكن دليل حدوثها يستلزم حدوث كل ما سوى الله.
وهذا يتبين بالجواب الرابع: وهو أن يقال لا ريب أن النظار المثبتين لحدوث أجسام العالم وأعراضه من المعتزلة والكلابية والكرامية والهشامية والنجارية والضرارية والجهمية ومن وافقهم من الفقهاء والصوفية وأهل الحديث الذين بنوا ذلك على أن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث هم صنفان صنف يقول إن الجسم لا يخلو عن الحوادث وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث وهؤلاء يقولون بحدوث الأجسام وأعراضها مطلقا.
وصنف يقولون: إن الجسم نوعان: نوع يخلو عن الحوادث ونوع لا يخلو عن الحوادث فالذي لا يخلو عن الحوادث هو الحادث دون الأول كما يقول ذلك من يقوله من الهشامية والكرامية وغيرهم وعلى قول هؤلاء فالسكون أمر عدمي لا وجودي وحدوث الحوادث ابتداء في القديم بعد أن لم يكن كحدوث الحوادث عنه ابتداء بعد أن لم يكن فأدلة هؤلاء على حدوث الجسم
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 116)
الذي لا يخلو عن الحوادث إن كانت صحيحة لزم حدوث كل ما سوى الله وإن كانت باطلة لم تدل لا على حدوث الأجسام ولا غيرها.
فقول القائل: إن دليلهم يتضمن حدوث الأجسام دون ما سواها قول باطل وذلك أنه على التقدير الأول يكون كل ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث حدوثا مسبوقا بعدم والحادث عن عدم لا يكون صادرا عن قديم موجب بذاته في الأزل فإن الموجب بذاته في الأزل يكون موجبا أزليا لا يكون حادثا مسبوقا بالعدم وسواء كان حدوث الحادث عنه بوسط أو بغير وسط فامتنع على هذا التقدير أن يكون الواجب الوجود بنفسه موجبا بالذات في الأزل وإذا امتنع هذا امتنع أن يكون معه قديم سواء سمي ذلك القديم عقلا أو نفسا أو غير ذلك فإنه إذا قدر عقل قديم ممكن لزم أن يكون صادرا عن علة تامة قديمة وهو الموجب بذاته في الأزل وأن يكون معلوله دائما معه لا يتخلف منه شيء وعلى هذا التقدير فيمتنع حدوث الحوادث بعد أن لم تكن فظهر بذلك أنه إذا قدر أن الحوادث لها ابتداء وأنه يمتنع وجود حوادث لا أول لها لزم أن يكون الباري فاعلا باختياره وأن لا يكون معه في الأزل قديم أصلا.
فتبين بذلك أن أدلة هؤلاء النظار على حدوث الأجسام والأعراض إن كانت صحيحة لزم حدوث كل ما سوى الله وتبين بذلك أن أئمة هؤلاء النظار أحذق من متأخريهم وأقوى ردا على الفلاسفة وغيرهم وأن ما اعترض متأخروهم عليهم باطل.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 117)
الوجه الخامس: أن يقال: لو كانت الحوادث تحدث في النفس شيئا بعد شيء لكان لا بد لها من محدث والقديم الذي لا يتجدد له أمر يقوم به لا يحدث عنه شيء كما تقدم فقول هؤلاء بحدوث هذه الأمور عنه كقول الفلاسفة بحدوث حركات الفلك وأنها أزلية.
الوجه السادس: أن يقال: فهذا يقتضي كون الرب موجبا بذاته للعقول والنفوس وأنه ليس فاعلا باختياره يفعل شيئا بعد شيء وأن العقول والنفوس متولدة عنه تولدا ذاتيا وهذا معلوم الفساد عقلا ونقلا وهو مخالف لدين المسلمين واليهود والنصارى والمجوس والمشركين والصابئين.
الوجه السابع: أن يقال: فإذا كان موجبا بذاته على هذا التقدير لم يكن اختصاص الزمان الذي حدث فيه الأجسام دون ما قبله وبعده بأولى من العكس والتقدير أن القديم لا تقوم به الأمور الاختيارية وقول القائل إن بعض تلك التصورات تكون سببا لفيض الأجسام عن القديم إنما يصح لو كان هناك سبب يقتضي حدوث تصورات تخالف ما قبلها وهذا إنما يكون إذا كان الرب فاعلا باختياره والأمور الاختيارية تقوم بذاته فأما إذا قدر أنه لا يفعل شيئا باختياره ولا يقوم به أمر اختياري بل هو مجرد عن الصفات والأفعال لا يتجدد منه ما يقتضي الإحداث كان امتناع حدوث الأجسام حينئذ كامتناع حدوثها عن القديم ابتداء.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 118)
الوجه الثامن: أن هذا القول مبني على وجود العقول والنفوس التي يذكرها هؤلاء وأنها أمور قائمة بأنفسها موجودة في الخارج لا يشار إليها ولا هي داخل العالم ولا خارجه ولا مباينة للعالم ولا حالة فيه ولا توصف بحركة ولا سكون ولا تجوز رؤيتها ولا هي أجسام ولا قائمة بالأجسام وجمهور العقلاء يقولون إن بطلان هذا معلوم بالاضطرار.
فقد تبين فساد جواب هاتين الفرقتين وأن الجواب لهؤلاء الفلاسفة بالمعارضة جواب صحيح لكن ليس فيه حل الشبهة.
وأما الجواب عنها بغير المعارضة فمن وجوه:
أحدها: أن يقال التسلسل في الآثار إن كان ممكنا بطلت دلالة هذه الحجة على قدم شيء بعينه لا فلك ولا غيره لأنه حينئذ يجوز أن يكون حادثا بسبب كان قبله وهكذا القول في كل ما سوى الله وإن كان ممتنعا لزم أن يكون للحوادث أول ولزم حدوث كل ما تقوم به الحوادث وذلك يستلزم حدوث الأفلاك وهو المطلوب فلزم بطلان حجتهم على تقدير النقيضين.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 119)
وليست هذه الحجة مبنية على امتناع التسلسل في الآثار كما يظنه من يظنه فإن المحتجين بها لا يمنعون التسلسل في الآثار وإنما يمنعون ما يمنعه سائر العقلاء من التسلسل في المؤثرات ومن التسلسل فيما به أصل التأثير وقد يشتبه تمام التأثير في الشيء المعين وتمام التأثير في جنس التأثير وحجتهم مبنية على امتناع التأثير في الأزل فإنها مبنية على أنه لا يحدث شي إلا بحدوث تمام تأثيره فلو كان لجنس الحوادث ابتداء لزم أن يكون لذلك الحدوث تمام حادث ولذلك التمام تمام حادث وهلم جرا.
وتحرير هذا الجواب أن يقال: التسلسل نوعان:
أحدهما: التسلسل في المؤثرات وهذا مما اتفق العقلاء على امتناعه وامتناعه معلوم بصريح العقل بل مجرد تصوره التام يكفي في العلم بفساده وأما التسلسل في الآثار بأن يكون الفاعل يفعل شيئا بعد شيء دائما فهذا متنازع فيه هل هو ممتنع أزلا وأبدا أو جائز أزلا وأبدا أو ممتنع أزلا وجائز أبدا؟ على ثلاثة أقوال معروفة للناس.
والتسلسل في الآثار قد يقتضي التسلسل في تمام التأثيرات المعينة لا التسلسل في أصول التأثير فإنه إذا كان صدور المؤثر التام موقوفا على صدور الأول كان تمام التأثير فإنه إذا كان صدور المؤثر التام موقوفا على صدور الأول كان تمام التأثير في الأمر الثاني موقوفا على صدور الأثر الأول كالمتحركات كلها من الشمس والقمر وغيرهما فإن الجزء الثاني من الحركة موقوف على صدور الجزء الأول منها.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 120)
لكن التسلسل في تمام التأثير نوعان تمام التأثير مطلقا وتمام التأثير المعين فإن الشيء قد يكون شرطا في كون الفاعل فاعلا مطلقا فلا يمكن أن يفعل شيئا إلا بذلك الشرط فهذا شرط في التأثير المطلق وهو شرط في جنس التأثير وأصل التأثير وقد يكون شرطا في كونه فاعلا لفعل معين فالتسلسل في هذا القسم الثاني ليس بممتنع عند من يجوز التسلسل في الآثار فإنه إذا جاز أن يفعل شيئا بعد شيء دائما جاز أن يكون الفعل الأول شرطا في الثاني.
وأما القسم الأول وهو التسلسل في أصل التأثير فهذا ممتنع كالتسلسل في المؤثرات فإن الشيء إذا امتنع أن يفعل شيئا من الأشياء حتى يفعل شيئا من الأشياء كان جنس وجود الفعل موقوفا على جنس وجود الفعل قبله فلا يكون فعل أصلا حتى يكون قبله فعل ما وهذا ممتنع لذاته فإنه يستلزم وجود الشيء قبل وجوده ووجوده قبل وجوده يقتضي أن يكون موجودا معدوما وهذا جمع بين النقيضين.
ولهذا استدل غير واحد من أئمة المسلمين على أن كلام الله غير مخلوق بقوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (سورة يس 82) فإن النص دل على أنه لا يخلق شيئا حتى يقول له كن فيكون فلو كان كن مخلوقا لزم أن يخلقه بكن وكذلك هذا يجب أن يكون مخلوقا بكلمة أخرى وهذا يستلزم التسلسل في أصل الخلق وهو التسلسل في التأثير وهو ممتنع لذاته فإنه إذا لم يخلق شيئا أصلا حتى يخلق قبل ذلك شيئا آخر كان هذا ممتنعا لذاته فكان
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 121)
وجود مخلوق قبل أن يوجد مخلوق أصلا فيه جمع بين النقيضين بخلاف ما إذا قيل إنه لا يخلق مخلوقا معينا حتى يخلق مخلوقا معينا فإن هذا ليس بممتنع كما انه لا يخلق المولود من غيره حتى يخلق الوالد.
إذا تبين هذا فحجة الفلاسفة الدهرية في قدم العالم مبنية على مقدمتين إحداهما امتناع الترجيح بلا مرجح والثانية امتناع التسلسل في أصل التأثير لا في تأثير معين فإنهم قالوا المؤثر التام إن كان في الأزل لزم قدم الأثر فإنه لو حدث بعد ذلك لزم الترجيح بلا مرجح وإن لم يكن المؤثر التام في الأزل امتنع أن يحدث عنه شيء لأن ذلك الحادث يمتنع أن يحدث بدون سبب حادث لما فيه من الترجيح بلا مرجح ويمتنع حدوث سبب حادث لأن القول في حدوث ذلك السبب الذي هو الشرط كالقول في حدوث المشروط به إذ التقدير أنه لم يكن في الأزل مؤثر تام فلا بد من حدوث تمام أصل التأثير وجنسه بحيث يصير المؤثر مؤثرا بعد أن لم يكن مؤثرا بحال.
وهذا ممتنع لذاته كما تقدم لأن حدوث كونه مؤثرا لا بد له من مؤثر ولا مؤثر إلا هو فيلزم أن يكون مؤثرا قبل أن يكون مؤثرا بحال وهو جمع بين النقيضين.
وأيضا فإذا لم يكن مؤثرا تاما ثم إنه جعل نفسه مؤثرا تاما لزم الترجيح بلا مرجح فإن امتناع جعل نفسه مؤثرا بعد أن لم يكن مع تساوي الحالين أبلغ في الامتناع من إحداث أثر منفصل عنه بعد أن لم يكن مع تساوي الحالين.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 122)
فإذا قيل: المؤثر التام يستلزم أثره بعد ذلك كان تخصيصا بلا مخصص.
قيل وما ليس بمؤثر تام يمتنع أن يصير بعد ذلك مؤثرا تاما بنفسه لما فيه من التخصيص بلا مخصص.
لكن هذا القسم يدل على امتناعه أيضا دليل آخر وهو أنه إذا لم يكن مؤثرا تاما ثم قدر أنه أحدث ما به صار مؤثرا تاما فذلك الإحداث يقتضي أن يكون مؤثرا تاما فيما أحدثه والتقدير أنه ليس بمؤثر تام في شيء من الأشياء فيلزم أن يكون مؤثرا في شيء حتى لا يكون مؤثرا في شيء من الأشياء وهو جمع بين النقيضين.
وهذا القسم هو من باب الدور القبلي فإنه لا يكون مؤثرا حتى يكون مؤثرا ولا يكون مؤثرا حتى يكون مؤثرا وهو مثل أن يقال لا يكون موجودا إلا بعد أن يصير موجودا ولا يصير موجودا إلا بعد أن يصير موجودا وهذا دور ممتنع لذاته وهو أيضا من باب التسلسل في أصل التأثير ولكن سماه المتأخرون تسلسلا لأنهم قالوا مجموع ما يتوقف عليه وجود العالم إن كان ثابتا في الأزل لزم وجوده لأن تخلف الأثر عن المؤثر ممتنع وإن لم يكن ثابتا في الأزل ثم حدث ما به يصير مؤثرا في العالم فالقول في ذلك الحادث كالقول فيما قبله ويلزم التسلسل ومعناه أن ذلك الحادث لا يحدث حتى يحدث قبله ما به يصير الفاعل فاعلا وذلك الحادث لا يحدث حتى يحدث قبله ما به يصير
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 123)
الفاعل فاعلا فالفاعل لا يحدث شيئا حتى يحدث شيئا ولا يحدث شيئا حتى يحدث شيئا فباعتبار كون الثاني غير الأول سمي تسلسلا وباعتبار كون جنس الإحداث موقوفا على جنس الإحداث يسمى دورا فهو تسلسل إذا أخذ حادث بعد الحادث وهو دور إذا أخذ جنس الحوادث ووجود حادث بعد حادث إنما يمكن إذا كان هناك فاعل محدث يحدث شيئا بعد شيء فأصل كونه فاعلا لا يتوقف على حدوث شيء من الأشياء بل يكون من لوازم ذاته وإحداثه للمعين قد يكون موقوفا على إحداثه للمعين.
فحقيقة حجة هؤلاء أن القول بحدوث جنس الفعل يستلزم تأخر الأثر عن المؤثر التام أو وجوده بدون المؤثر التام فالذي سموه تسلسلا مضمونه وجود الأثر بدون المؤثر التام فلما كانت حجتهم مبنية على مقدمتين: إحداهما: امتناع الترجيح بلا مرجح والثانية: امتناع التسلسل كان مضمون الأولى امتناع أن يتأخر الأثر عن مؤثره التام تأخر بينونة وانفصال ومضمون الثانية امتناع صدور أثر بدون مؤثر تام فالأمر يرجع إلى أصل واحد وهو تلازم المؤثر التام وأثره فلا يكون مؤثر تام إلا وأثره لازم له ولا يكون أثر إلا ومؤثره التام لازم له ثم هل ترتب الأثر على مؤثره التام ترتبا زمانيا أو ترتبا عقليا بحث آخر في غير هذا الموضع.
فإذا عرف حقيقة الأصل الذي بنوا عليه حجتهم فقول القائل
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 124)
في الجواب: التسلسل في الآثار إن كان ممكنا بطلت هذه الحجة لأن مبناها على امتناع التسلسل في الآثار يرد عليه أن مبناها على امتناع التسلسل في أصل التأثير وجنسه والممكن إنما هو التسلسل في جنس الآثار وأعيان التأثيرات لا في جنس التأثير فإن الفرق بين التسلسل في الآثار والتسلسل في التأثير ثابت كما سبق والممتنع التسلسل في التأثير أي في جنسه فهذا السؤال هو الوارد على هذا الجواب.
وجواب هذا الإيراد أن يقال: إذا كان التسلسل في الآثار ممكنا وفي أعيان التأثيرات أمكن أن تكون هذه الأفلاك حادثة مخلوقة من شيء آخر قبلها كما أخبرت بذلك الرسل فإنهم أخبروا أن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وكان عرشه على الماء وأخبروا أنه: {اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} (سورة فصلت 11) والدخان فيما ذكره المفسرون: هو البخار وهو بخار ذلك الماء فقد أخبروا أنها مخلوقة من مادة كانت موجودة قبلها وتلك المادة يمكن أن تكون مخلوقة من مادة كانت كما خلق الله الإنسان من مادة وخلق المادة من مادة.
وإذا كان كذلك كان ما جوزوه في الآثار مبطلا لحجتهم على قدم هذا العالم وهذا هو المطلوب فإنهم إنما احتجوا على قدمه بكون المؤثر التام لا بد أن يكون ثابتا في الأزل فإنه لو لم يكن مؤثرا ثم صار
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 125)
مؤثرا افتقر حدوث تأثيره إلى مؤثر وذلك المؤثر أو تمام تأثيره يفتقر إلى مؤثر وذلك يقتضي التسلسل في أصل التأثير وتمام كونه مؤثرا والتسلسل في تمام أصل التأثير ممتنع كالتسلسل في نفس المؤثر.
فيقال لهم: هب أن هذا ممتنع لكن أنتم تجوزون التسلسل في أعيان التأثيرات والآثار فهذا التسلسل إن كان ممكنا بطلت الحجة التي يحتج بها على قدم العالم أو قدم شيء من العالم وهذا هو المطلوب.
وأما قدم نوع التأثير فهذا لا ينفعهم في مطلوبهم ولا يقدح فيما جاءت به الرسل بل هو دليل على تصديق ما جاءت به الرسل وأن كل ما سوى الله مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن لامتناع المؤثر التام في الأزل لشيء من الأشياء لأن كل ما سوى الله ملزوم للحدوث فوجوده بدون الحوادث المقارنة له محال ووجود الحوادث عن مؤثر تام يستلزم أثره محال ووجود حادث بعد حادث من مؤثر تام محال فإنه لا يكون مؤثرا تاما في الشيء إلا إذا استعقبه أثره وليس شيء من الحوادث المتعاقبة يستعقب المؤثر الأزلي لأنه يقتضي كون شيء من الحوادث المتعاقبة أزليا وهو ممتنع لأن ما قارن الأزلي فهو أزلي ليس له مبدأ محدود حتى يكون الشيء عقبه فلا يكون المقارن له إلا أزليا فإذا كان كل ما سوى الرب لا يوجد إلا مقارنا لحادث ولا يمكن وجود الحوادث لا معينة ولا متعاقبة عن مؤثر تام أزلي ولا يمكن شيء من العالم إلا مقارنا
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 126)
للحادث امتنع وجود شيء من العالم في الأزل إذ وجوده في الأزل ممتنع بدون الحادث وممتنع مع الحادث.
ولا يمكن أن يقال القول في حوادثه المتعاقبة عليه كحركات الفلك كالقول في كلمات الرب المتوالية وأفعاله المتوالية لأن الرب هو الموجود بنفسه الواجب الوجود بنفسه الغني بنفسه القيوم بنفسه فلا يتوقف قوله وفعله على غيره ولا يمتنع أن يكون فعله الثاني أو كلامه الثاني مشروطا بوجود الأول قبله إذ ما يكون بذاته حادثا شيئا بعد شيء يمتنع وجوده كله في الأزل وأما ما سواه فهو مفعول مصنوع مفتقر من كل وجه إلى غيره فإذا كانت الحوادث تقارنه شيئا بعد شيء امتنع أن تصدر عن مؤثر تام أزلي وامتنع أن يكون المؤثر التام الأزلي يحدث شيئا بعد شيء بل يجب أن يقارنه أثره وامتنع أن يكون المؤثر التام الأزلي موجبا لذاته في الأزل ومقتضيا لحوادثه شيئا بعد شيء لأن حدوث الحوادث المتوالية عن مؤثر تام باق على حالة واحدة وحينئذ فيجوز ترجيح القادر المختار بلا مرجح فتبطل حجتهم.
وإن كانت تحدث الحوادث بحدوث أمور منه بحيث تكون ذاته مؤثرا تاما لذات الفلك في الأزل وأفعاله المتوالية موجبة لحوادثه المتوالية فهو لم يكن قط إلا مقارنا لأفعال متوالية قائمة به وحدوث مفعول بلا فعل ممتنع وقدم فعل معين ممتنع لأن الفعل لذاته يقتضي أن يكون شيئا بعد شيء ولا يعقل قدم عين الفعل.
وهذا دليل مستقل على حدوث كل ما سوى الله فإن المفعول
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 127)