الْإِطْلَاقِ.
وَحَاصِلُ مَا ذَكَرُوا مِنْ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلى [إشكالين] :
[الأوَّل] : مَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ سنَّ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجورهم شَيْئًا، وَمَنْ سنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا (1) .
وَخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((مَنْ دلَّ على خير فله أجر فاعله)) (2) .
فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ صَرِيحَةٌ فِي أنَّ مَنْ سنَّ سُنَّةَ خيرٍ فَذَلِكَ خَيْرٌ، وَدَلَّ عَلَى أنَّه فِيمَنِ ابْتَدَعَ ((مَنْ سَنَّ)) فَنُسِبَ الِاسْتِنَانُ إِلَى المكلَّف دُونَ الشَّارِعِ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ ((مَنْ عَمِلَ سُنَّةً ثَابِتَةً فِي الشَّرْعِ)) لَمَا قَالَ ((مَنْ سَنَّ)) وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: ((مَا مِنْ نَفْسٍ تُقتل ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا لأنَّه أوَّل مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ)) (3) فسنَّ - ها هنا - على حقيقته لأنَّه اخترع [مَا] لَمْ يَكُنْ قبلُ مَعْمُولًا بِهِ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ وُجُودِ آدَمَ عليه السلام.
فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ((مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً)) أَيْ مَنِ اختراعها مِنْ نَفْسِهِ لَكِنْ بِشَرْطِ أنْ تَكُونَ حَسَنَةً فَلَهُ مِنَ الْأَجْرِ مَا ذُكِرَ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ: من عمل سُنَّةً ثابتةً.
(الثاني) : أنَّ السَّلَفَ الصَّالِحَ رضي الله عنهم وَأَعْلَاهُمُ الصحابة - قد--------------------------------------------
(1) [صحيح] سيأتي بتمامه قريباً.
(2) رواه مسلم (1893) وغيره من حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه.
(3) رواه البخاري (3335، 7321) ومسلم (1677) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
عَمِلُوا بِمَا لَمْ يَأْتِ بِهِ كتابٌ وَلَا سُنَّةٌ مِمَّا رَأَوْهُ حَسَنًا وَأَجْمَعُوا عَلَيْهِ، وَلَا تَجْتَمِعُ أُمة مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم على ضلالة.
فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى جَمْعِ الْقُرْآنِ وكَتْبِه فِي الْمَصَاحِفِ، وَعَلَى جَمْعِ النَّاسِ عَلَى الْمَصَاحِفِ الْعُثْمَانِيَّةِ، واطِّراح مَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ القراءَات الَّتِي كَانَتْ مُسْتَعْمَلَةً فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ نصٌ ولا حَظْر.
فالجواب وبالله التوفيق أنْ نقول:
أمَّا [الإشكال] الأوَّل - وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ((من سن سُنَّةً حسنة)) الحديث - ليس الْمُرَادُ بِهِ الِاخْتِرَاعَ ألبتَّة، وَإِلَّا لَزِمَ مِنْ ذلك التعارض بين الأدلة القطعية وإنَّما الْمُرَادُ بِهِ الْعَمَلُ بِمَا ثَبَتَ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ:
(أَحَدُهُمَا) : أنَّ السَّبَبَ الَّذِي جَاءَ لِأَجْلِهِ الْحَدِيثُ هُوَ الصَّدَقَةُ الْمَشْرُوعَةُ، بِدَلِيلِ مَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ جريرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قَالَ: كنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي صَدْرِ النَّهَارِ فجاءَه قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمار - أَوِ الْعَبَاءِ - مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، عامتهم مضر - بل كلهم من مضر، فَتَمَعَّر وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِمَا رَآهُمْ مِنَ الْفَاقَةِ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ فَأَمَرَ بِلَالًا فأذَّن وَأَقَامَ، فصلَّى ثُمَّ خَطَبَ فقال: {يَا أيُّها النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ} (1) الآية، وَالْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ الْحَشْرِ: {اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُر نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} (2) تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّه، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ، حَتَّى قَالَ: وَلَوْ بِشِق تَمْرَةٍ)) قَالَ: فجاءَه رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بصُرَّة كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ. قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حتى رأيت وجه رسول--------------------------------------------
(1) النساء: 1.
(2) الحشر: 18.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتهلَّل كأنَّه مُذْهَبَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ من غير أنْ ينقص من أُجورهم شيٌ، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شيءٌ)) (1) .
فَتَأَمَّلُوا أَيْنَ قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم من سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً؟ تَجِدُوا ذَلِكَ فِيمَنْ عَمِلَ بِمُقْتَضَى الْمَذْكُورِ عَلَى أَبْلَغِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ حَتَّى بِتِلْكَ الصُّرَّة، فَانْفَتَحَ بِسَبَبِهِ بَابُ الصَّدَقَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَبْلَغِ، فَسُرَّ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى قَالَ: ((مَن سنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً)) الْحَدِيثَ، فَدَلَّ على أنَّ السُّنَّةَ ها هنا مِثْلُ مَا فَعَلَ ذَلِكَ الصَّحَابِيُّ وَهُوَ الْعَمَلُ، بما ثبت كونه سُنَّةً.
(الثاني) أنَّ قَوْلَهُ: ((مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً)) لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الِاخْتِرَاعِ مِنْ أَصْلٍ، لأنَّ كَوْنَهَا حَسَنَةً أَوْ سَيِّئَةً لَا يُعرف إِلَّا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ، لأنَّ التَّحْسِينَ وَالتَّقْبِيحَ (2) مُخْتَصٌّ بِالشَّرْعِ، لَا مَدْخَلَ لِلْعَقْلِ فِيهِ وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وإنَّما يَقُولُ بِهِ الْمُبْتَدِعَةُ -أَعْنِي التَّحْسِينَ وَالتَّقْبِيحَ بِالْعَقْلِ- فَلَزِمَ أنْ تَكُونَ السُّنَّةُ فِي الْحَدِيثِ إمَّا حَسَنَةً فِي الشَّرْعِ وإمَّا قَبِيحَةً بِالشَّرْعِ، فَلَا يَصْدُقُ إِلَّا عَلَى مِثْلِ الصَّدَقَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَمَا أَشْبَهَهَا مِنَ السُّنَنِ الْمَشْرُوعَةِ، وَتَبْقَى السُّنَّةُ السَّيِّئَةُ مُنَزَّلة عَلَى الْمَعَاصِي الَّتِي ثَبَتَ بِالشَّرْعِ كونها معاصي. وَعَلَى الْبِدَعِ لأنَّه قَدْ ثَبَتَ ذَمُّهَا وَالنَّهْيُ عنها بالشرع كما تقدم.--------------------------------------------
(1) رواه مسلم (1017) وغيره.
(2) أي عدُّ الشيء حسناً أو قبيحاً، وموقف أهل السنة والجماعة: أن العقل يُدرك حُسن الحَسَن وقُبح القبيح من غير ترتيب ثوابٍ ولا عقاب عليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
وإنَّما يَبْقَى النَّظَرُ فِي قَوْلِهِ: ((وَمَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً ضَلَالَةً)) وإنَّ تَقْيِيدَ الْبِدْعَةِ بِالضَّلَالَةِ يُفِيدُ مَفْهُومًا، وَالْأَمْرُ فِيهِ قَرِيبٌ لأنَّ الْإِضَافَةَ فِيهِ لم تفد مفهوماً، ولأنَّ الضَّلَالَةَ لَازِمَةٌ لِلْبِدْعَةِ بِإِطْلَاقٍ، بِالْأَدِلَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَلَا مَفْهُومَ أَيْضًا.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْإِشْكَالِ الثَّانِي (1) : أنَّ جَمِيعَ مَا ذُكر فِيهِ مِنْ قَبِيلِ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ (2) ، لَا مِنْ قَبِيلِ الْبِدْعَةِ الْمُحْدَثَةِ. وَالْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ قَدْ عَمِلَ بِمُقْتَضَاهَا السَّلَفُ الصَّالِحُ من الصحابة ومَنْ بَعْدَهم، أمَّا جمعُ المصحف وقَصْرُ الناسِ عليه، فحقٌّ مَا فَعَلَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لأنَّ لَهُ أصْلًا يَشْهَدُ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ، وَهُوَ الْأَمْرُ بِتَبْلِيغِ الشَّرِيعَةِ، وذلك لا خلاف فيه، وَالتَّبْلِيغُ كَمَا لَا يَتَقَيَّدُ بِكَيْفِيَّةٍ مَعْلُومَةٍ لأنَّه مِنْ قَبِيلِ الْمَعْقُولِ الْمَعْنَى، فَيَصِحُّ بِأَيِّ شيءٍ أمكن من الحفظ والتلقين والكتابة وغيرها، كذلك لَا يَتَقَيَّدُ حِفْظُهُ عَنِ التَّحْرِيفِ وَالزَّيْغِ بِكَيْفِيَّةٍ دُونَ أُخْرَى، إِذَا لَمْ يَعُدْ عَلَى الْأَصْلِ بإبطال، كَمَسْأَلَةِ الْمُصْحَفِ، وَلِذَلِكَ أَجْمَعَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ.
وأمَّا مَا سِوَى الْمُصْحَفِ فَالْأَمْرُ فِيهِ أَسْهَلُ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي السُّنَّةِ كِتَابَةُ الْعِلْمِ، فَفِي الصَّحِيحِ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم ((اكْتُبُوا لأبي شاهٍ)) (3) .
وَأَيْضًا فإنَّ الْكِتَابَةَ مِنْ قَبِيلِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ إِذَا تَعَيَّنَ لِضَعْفِ الحفظ، وخوف اندراس العلم، فَكُلُّ مِنْ سمَّى كَتْبَ الْعِلْمِ بِدْعَةً فإمَّا متجوِّز، وإمَّا غير عارف بوضع لَفْظِ الْبِدْعَةِ، فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ على صحة العمل بالبدع، وإن تعلَّق بِمَا وَرَدَ مِنَ الْخِلَافِ فِي الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ، فَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى الْمُصْحَفِ وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ، وَإِذَا ثَبَتَ اعْتِبَارُهَا فِي صُورَةٍ ثَبَتَ اعْتِبَارُهَا مُطْلَقًا، وَلَا يَبْقَى بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ نِزَاعٌ إلا في الفروع.--------------------------------------------
(1) وهو أن الصحابة والسلف الصالح قَدْ عَمِلُوا بِمَا لَمْ يَأْتِ بِهِ كِتَابٌ ولا سُنَّة.
(2) انظر تعريف المصالح المرسلة ص 101.
(3) رواه البخاري (2434، 6880) ومسلم (1355) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
فصل
[تقسيم البدع إلى خمسة أقسام والرد عليه]
وَمِمَّا يُورَدُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أنَّ الْعُلَمَاءَ قسَّموا الْبِدَعَ بِأَقْسَامِ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ الْخَمْسَةِ وَلَمْ يَعُدُّوهَا قِسْمًا وَاحِدًا مَذْمُومًا، فَجَعَلُوا مِنْهَا مَا هو واجب ومندوب ومباح ومكروه ومحرَّم.
وَالْجَوَابُ: أنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ أمرٌ مُخْتَرَعٌ لَا يدل عليه دليل شرعي بل هو في نَفْسُهُ مُتَدَافِعٌ، لأنَّ مِنْ حَقِيقَةِ الْبِدْعَةِ أنْ لَا يَدُلَّ عَلَيْهَا دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ لَا مِنْ نصوصِ الشَّرْعِ وَلَا مِنْ قَوَاعِدِهِ، إِذْ لَوْ كَانَ هُنَالِكَ مَا يَدُلُّ مِنَ الشَّرْعِ عَلَى وُجُوبٍ أَوْ نَدْبٍ أَوْ إِبَاحَةٍ لَمَا كَانَ ثَمَّ بِدْعَةٌ، وَلَكَانَ الْعَمَلُ دَاخِلًا فِي عُمُومِ الْأَعْمَالِ المأْمور بِهَا أَوِ المخيرَّ فِيهَا، فَالْجَمْعُ بين [عدِ] تِلْكَ الْأَشْيَاءِ بِدَعاً وَبَيْنَ كَوْنِ الْأَدِلَّةِ تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهَا أَوْ نَدْبِهَا أَوْ إِبَاحَتِهَا جمعٌ بَيْنَ مُتَنَافِيَيْنِ.
أمَّا الْمَكْرُوهُ مِنْهَا والمحرَّم فمُسلَّم مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا بِدَعًا لَا مِنْ جِهَةٍ أُخرى، إِذْ لَوْ دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِ أمر أو كراهته لم يثبت ذلك كونه بدعة، لإمكان أنْ يكون معصية، فَإِذًا لَا يَصِحُّ أنْ يُطْلَقَ الْقَوْلُ فِي هذا القسم بأنَّه بدعة دون أنْ يقسَّم الأمر في ذلك.
وأمَّا قِسْمُ الْمَنْدُوبِ فَلَيْسَ مِنِ الْبِدَعِ بِحَالٍ وتبيين ذَلِكَ بِالنَّظَرِ فِي الْأَمْثِلَةِ الَّتِي مُثِّل لَهَا بِصَلَاةِ التَّرَاوِيحِ فِي رَمَضَانَ جَمَاعَةً فِي الْمَسْجِدِ، فَقَدْ قَامَ بِهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم في المسجد واجتمع الناسُ خلفه.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ سَمَّاهَا عُمَرُ رضي الله عنه بِدْعَةً وحسَّنها بِقَوْلِهِ: ((نِعْمَتِ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
الْبِدْعَةُ هَذِهِ)) (1) وَإِذَا ثَبَتَتْ بِدْعَةٌ مُسْتَحْسَنَةٌ فِي الشَّرْعِ ثَبَتَ مُطْلَقُ الِاسْتِحْسَانِ فِي الْبِدَعِ.
فَالْجَوَابُ: إنَّما سَمَّاهَا بِدْعَةً بِاعْتِبَارِ ظَاهِرِ الْحَالِ مِنْ حَيْثُ تَرَكَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَاتَّفَقَ أنْ لَمْ تَقَعْ فِي زَمَانِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه، لَا أنَّها بِدْعَةٌ فِي الْمَعْنَى؛ فَمَنْ سَمَّاهَا بِدْعَةً بِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَلَا مُشَاحَةَ فِي الْأَسَامِي وَعِنْدَ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ أنْ يُستدلُّ بِهَا عَلَى جَوَازِ الابتداع بالمعنى المُتَكَلَّم فيه؟ (2)--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (2010) عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاريِّ.
(2) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ((الفتاوى)) (22/224) : ((ولا يحتج محتج بجمع التراويح ويقول: ((نعمت البدعة هذه)) فإنها بدعة في اللغة، لكونهم فعلوا ما لم يكونوا يفعلونه فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مثل هذه وهي سند من الشريعة … )) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
الْبَابُ الرَّابِعُ
[فِي مَأْخَذِ أَهْلِ الْبِدَعِ بِالِاسْتِدْلَالِ]
كلُّ خَارِجٍ عَنِ السُّنَّةِ مِمَّنْ يدَّعي الدُّخُولَ فيها، لَا بُدَّ لَهُ مِنْ تكلُّف فِي الِاسْتِدْلَالِ بأدلتها على خصوصات مَسَائِلِهِمْ، وَإِلَّا كذَّب اطِّراحُها دَعْوَاهُمْ، بَلْ كلُّ مبتدع من هذه الأُمة يدَّعى أنَّه هُوَ صَاحِبُ السُّنَّةِ دُونَ مَنْ خالفه من الفرق إِلَّا أنَّ هَؤُلَاءِ - كَمَا يَتَبَيَّنُ بعدُ - لَمْ يبلغوا النَّاظِرِينَ فِيهَا بِإِطْلَاقٍ. إمَّا لِعَدَمِ الرُّسُوخِ فِي مَعْرِفَةِ كَلَامِ الْعَرَبِ وَالْعِلْمِ بِمَقَاصِدِهَا. وإمَّا لِعَدَمِ الرُّسُوخِ فِي الْعِلْمِ بِقَوَاعِدَ الأُصول الَّتِي مِنْ جِهَتِهَا تُستنبط الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ، وإمَّا لِعَدَمِ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا.
فَبِالْحَرِيِّ أنْ تَصِيرَ مَآخِذُهُمْ لِلْأَدِلَّةِ مُخَالَفَةً لِمَأْخَذِ مَنْ تَقَدَّمَهُمْ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ لِلْأَمْرَيْنِ.
وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَلَا بُدَّ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى تلك المآخذ لكي تُحْذَر وتُتقى فَنَقُولُ: قَالَ اللَّهُ سبحانه وتعالى: {فأمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُون مَا تَشابهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنةِ وابْتِغاءِ تأْوِيلِهِ} (1) وَذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الْآيَةَ شَمَلَتْ قِسْمَيْنِ هُمَا أَصْلُ الْمَشْيِ عَلَى طَرِيقِ الصَّوَابِ أَوْ عَلَى طَرِيقِ الْخَطَأِ:
أَحَدُهُمَا: الراسخون في العلم وهم الثابتوا الْأَقْدَامِ فِي عِلْمِ الشَّرِيعَةِ، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ مُتَعَذِّرًا إِلَّا عَلَى مَنْ حَصَّلَ الْأَمْرَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ، لَمْ يَكُنْ بدٌ مِنَ الْمَعْرِفَةِ بِهِمَا مَعًا عَلَى حَسَبِ مَا تُعْطِيهِ الْمُنَةُ الْإِنْسَانِيَّةُ، وَإِذْ ذَاكَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ: أنَّه رَاسِخٌ فِي الْعِلْمِ، وَمُقْتَضَى الْآيَةُ مَدْحُهُ، فَهُوَ إِذًا أهلٌ لِلْهِدَايَةِ والاستنباط.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: ((مَنْ لَيْسَ براسخٍ فِي الْعِلْمِ)) وهو الزائغ فحصل له من الآية وَصْفَانِ: أَحَدُهُمَا بِالنَّصِّ وَهُوَ الزَّيغ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فأمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} وَالزَّيْغُ هُوَ الْمَيْلُ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَهُوَ ذمٌ لَهُمْ.
والوصف الثاني بِالْمَعْنَى الَّذِي أَعْطَاهُ التَّقْسِيمُ وَهُوَ عَدَمُ الرُّسُوخِ في العلم، فَمَا ظنُّك بِهِ إِذَا اتَّبَعَ ابتغاءَ الْفِتْنَةِ؟ فكثيراً ما ترى الجهال يحتجون--------------------------------------------
(1) آل عمران: 7.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
لِأَنْفُسِهِمْ بِأَدِلَّةٍ فَاسِدَةٍ وَبِأَدِلَّةٍ صَحِيحَةٍ اقْتِصَارًا بِالنَّظَرِ عَلَى دَلِيلٍ مَا، واطِّراحاً لِلنَّظَرِ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَدِلَّةِ الأُصولية وَالْفُرُوعِيَّةِ الْعَاضِدَةِ لِنَظَرِهِ أَوِ الْمُعَارَضَةِ لَهُ.
وكثيرٌ مِمَّنْ يدَّعي الْعِلْمَ يَتَّخِذُ هَذَا الطَّرِيقَ مَسْلَكًا، وَرُبَّمَا أَفْتَى بِمُقْتَضَاهُ وَعَمِلَ عَلَى وَفْقِهِ إِذَا كَانَ لَهُ فِيهِ غَرَضٌ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ شأْن الرَّاسِخِينَ، وإنَّما هُوَ مِنْ شَأْنِ مَنِ اسْتَعْجَلَ طَلَبًا لِلْمَخْرَجِ فِي دَعْوَاهُ.
فَقَدْ حَصَلَ مِنَ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ أنَّ الزيغَ لَا يَجْرِي عَلَى طَرِيقِ الرَّاسِخِ بِغَيْرِ حُكْمِ الِاتِّفَاقِ، وأنْ الرَّاسِخَ لَا زَيْغَ مَعَهُ بالقصد ألبتَّة.
فصل
[بيان طرق أهل الزَّيغ]
إِذَا تَبَيَّنَ أنَّ لِلرَّاسِخِينَ طَرِيقًا يَسْلُكُونَهَا فِي اتباع الحق، وأنَّ الزائغين على طريق غير طريقهم، احتجنا إِلَى بَيَانِ الطَّرِيقِ الَّتِي سَلَكَهَا هَؤُلَاءِ لِنَتَجَنَّبَها، فنظرنا في آية تَتَعَلَّقُ بِهِمْ كَمَا تَتَعَلَّقُ بِالرَّاسِخِينَ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وأَنَّ هذَا صِراطِي مُسْتَقِيماً فاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} (1) فَأَفَادَتِ الْآيَةُ أنَّ طَرِيقَ الْحَقِّ وَاحِدَةٌ، وأنَّ لِلْبَاطِلِ طُرُقاً متعددة لا واحدة، وتعددها لم يُخَصُّ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ وَهَكَذَا الْحَدِيثُ المفسِّر لِلْآيَةِ وَهُوَ قول ابن مسعود رضي الله عنه: خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَطًا فَقَالَ: ((هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ مُسْتَقِيمًا)) ثم خط خطوطاً عن يمين ذلك الخط وعن شماله ثم قال: ((هَذِهِ سُبُلٌ عَلَى كلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يدعو إليه)) ثم تلا هذه الآية (2) .--------------------------------------------
(1) الأنعام: 153.
(2) [صحيح] تقدم تخريجه ص21.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
فَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهَا خطوطٌ مُتَعَدِّدَةٌ غَيْرُ محصورةٍ بِعَدَدٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَنَا سَبِيلٌ إِلَى حَصْرِ عَدَدِهَا مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ، وَلَا لَنَا أَيْضًا سبيلٌ إِلَى حَصْرِهَا مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ أَوْ الاستقراء، لكنَّا نَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ أَوْجُهًا كُلِّيَّةً يُقَاسُ عليها ما سواها.
1- اعتمادُهم عَلَى الْأَحَادِيثِ الْوَاهِيَةِ الضَّعِيفَةِ: وَالْمَكْذُوبِ فِيهَا على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وَالْأَحَادِيثُ الضَّعِيفَةُ الْإِسْنَادِ لَا يَغْلِب عَلَى الظَّنِّ أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَهَا، فَلَا يُمْكِنُ أنْ يُسند إِلَيْهَا حُكْمٌ، فَمَا ظنك بالأحاديث المعروفة الكذب؟.
2- ردُّهم لِلْأَحَادِيثِ: الَّتِي جَرَتْ غَيْرَ مُوَافِقَةٍ لِأَغْرَاضِهِمْ وَمَذَاهِبِهِمْ، ويدَّعون أَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِلْمَعْقُولِ، وَغَيْرُ جَارِيَةٍ عَلَى مُقْتَضَى الدَّلِيلِ، فَيَجِبُ ردَّها، كَالْمُنْكِرِينَ لِعَذَابِ الْقَبْرِ، وَالصِّرَاطِ، وَالْمِيزَانِ، وَرُؤْيَةِ اللَّهِ عز وجل فِي الْآخِرَةِ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ الذُّبَابِ وَقَتْلِهِ، وأنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الْآخَرِ دَوَاءً، وأنه يقدِّم الذي فيه الداء. وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَنْقُولَةِ نقل العدول.
رُبَّمَا قَدَحُوا فِي الرُّوَاةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ رضي الله تعالى عنهم -وحاشاهم- وفيمن اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ عَلَى عَدَالَتِهِمْ وَإِمَامَتِهِمْ، كُلُّ ذَلِكَ لِيَرُدُّوا بِهِ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ فِي الْمَذْهَبِ، وَرُبَّمَا ردُّوا فَتَاوِيَهُمْ وقبَّحوها فِي أَسْمَاعِ الْعَامَّةِ، لينفِّروا الأُمة عَنْ أَتْبَاعِ السُّنَّةِ وأهلها.
3- تَخَرُّصُهم عَلَى الْكَلَامِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الْعَرَبِيَّيْنِ: مَعَ العُروِّ عَنْ عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ الَّذِي يُفْهَمُ بِهِ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَيَفْتَاتُونَ (1) عَلَى الشَّرِيعَةِ بِمَا فَهِمُوا، وَيَدِينُونَ بِهِ، وَيُخَالِفُونَ الرَّاسِخِينَ فِي العلم، وإنَّما دخلوا في ذلك من--------------------------------------------
(1) أي يختلقون الباطل، وأصلها مهموز وقد يخفف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
جِهَةِ تَحْسِينِ الظَّنِّ بِأَنْفُسِهِمْ، وَاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُمْ مِنْ أهل الاجتهاد والاستنباط، وليسوا كذلك.
4- انْحِرَافُهُمْ عَنِ الْأُصُولِ الْوَاضِحَةِ إِلَى اتِّبَاعِ الْمُتَشَابِهَاتِ: التي للعقول فيها مواقف، وَقَدْ عَلِمَ الْعُلَمَاءُ أنَّ كلَّ دَلِيلٍ فِيهِ اشتباهٌ وإشكالٌ لَيْسَ بدليلٍ فِي الْحَقِيقَةِ، حَتَّى يتبين معناه ويظهر المراد منه، لأنَّ حَقِيقَةَ الدَّلِيلِ أنْ يَكُونَ ظَاهِرًا فِي نَفْسِهِ، وَدَالًّا عَلَى غَيْرِهِ، وَإِلَّا، احْتِيجَ إِلَى دليل، فَإِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ صِحَّتِهِ فَأَحْرَى أنْ لا يكون دليلاً.
ومدار الغلط في هذا إنَّما هو: الْجَهْلُ بِمَقَاصِدِ الشَّرْعِ، وَعَدَمِ ضَمِّ أَطْرَافِهِ بَعْضِهَا لبعض، فإنَّ مَأْخَذَ الْأَدِلَّةِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الرَّاسِخِينَ إنَّما هُوَ عَلَى أنْ تُؤْخَذَ الشَّرِيعَةُ كَالصُّورَةِ الْوَاحِدَةِ بِحَسْبِ مَا ثَبَتَ مِنْ كليَّاتها وجزئيَّاتها الْمُرَتَّبَةِ عَلَيْهَا، وعامِّها الْمُرَتَّبِ عَلَى خاصِّها؛ ومطلقِها الْمَحْمُولِ عَلَى مقيِّدِها، ومجملِها المفسَّر ببيِّنها، إِلَى مَا سوى ذلك من مناحِيها.
5- تَحْرِيفُ الْأَدِلَّةِ عَنْ مَوَاضِعِهَا: بأنْ يرِد الدَّلِيلُ عَلَى مَنَاطٍ (1) فَيُصْرَف عَنْ ذَلِكَ الْمَنَاطِ إِلَى أمرٍ آخَرَ مُوهماً أنَّ الْمَنَاطَيْنِ وَاحِدٌ، وَهُوَ مِنْ خفيِّات تَحْرِيفِ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، وَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أنَّ مَنْ أقرَّ بالإسلام، ويذم تَحْرِيفَ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ، لَا يلجأُ إِلَيْهِ صُراحاً إِلَّا مَعَ اشتباهٍ يَعْرِضُ لَهُ، أَوْ جَهْلٍ يَصُدُّهُ عَنِ الْحَقِّ، مَعَ هَوَىً يَعْمِيهِ عَنْ أَخْذِ الدَّلِيلِ مَأْخَذَهُ، فَيَكُونُ بِذَلِكَ السَّبَبِ مُبْتَدَعًا.
وَبَيَانُ ذَلِكَ أنَّ الدَّلِيلَ الشَّرْعِيَّ إِذَا اقتضى أمراً في الجملة مما يتعلق--------------------------------------------
(1) المناط من ناط ينوط نوطاً أي علَّقه، قال ابن فارس: ((النون والواو والطاء أصل صحيح يدل على تعليق شيء بشيء)) أ. هـ، وعند الأصوليين والفقهاء؛ المناط: العلة، لأنَّ الحكم لمَّا تعلَّق بها صار كالشيء المتعلق بغيره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
بِالْعِبَادَاتِ - مَثَلًا - فَأَتَى بِهِ المكلَّف فِي الْجُمْلَةِ أَيْضًا، كَذِكْرِ اللَّهِ وَالدُّعَاءِ وَالنَّوَافِلِ الْمُسْتَحَبَّاتِ وَمَا أَشْبَهَهَا مِمَّا يُعْلَمُ مِنَ الشَّارِعِ فِيهَا التَّوْسِعَةُ. كَانَ الدَّلِيلُ عاضِداً لِعِلْمِهِ مِنْ جِهَتَيْنِ: مِنْ جِهَةِ مَعْنَاهُ، وَمِنْ جِهَةِ عَمَلِ السَّلَفِ الصَّالِحِ بِهِ، فَإِنْ أَتَى المكلَّف فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ بِكَيْفِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ، أَوْ زَمَانٍ مَخْصُوصٍ، أَوْ مَكَانٍ مَخْصُوصٍ، أَوْ مُقَارِنًا لِعِبَادِةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَالْتَزَمَ ذَلِكَ بِحَيْثُ صَارَ مُتَخَيَّلًا أنَّ الْكَيْفِيَّةَ، أَوِ الزَّمَانَ، أَوِ الْمَكَانَ، مَقْصُودٌ شَرْعًا مِنْ غَيْرِ أنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، كَانَ الدَّلِيلُ بِمَعْزلٍ عَنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى المُستدل عَلَيْهِ.
فَإِذَا نَدَبَ الشَّرْعُ مَثَلًا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ فَالْتَزَمَ قَوْمٌ الِاجْتِمَاعَ عَلَيْهِ عَلَى لِسَانٍ وَاحِدٍ وَبِصَوْتٍ أَوْ فِي وَقْتٍ مَعْلُومٍ مَخْصُوصٍ عَنْ سَائِرِ الْأَوْقَاتِ - لَمْ يَكُنْ فِي نَدْبِ الشَّرْعِ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّخْصِيصِ المُلْتَزَم، بَلْ فِيهِ مَا يَدُلُّ على خلافه، وَخُصُوصًا مَعَ مَنْ يُقتدى بِهِ فِي مَجَامِعِ الناس كالمساجد.
فكلُّ مَنْ خَالَفَ هَذَا الْأَصْلَ فَقَدْ خَالَفَ إِطْلَاقَ الدَّلِيلِ أوَّلاً، لِأَنَّهُ قَيَّدَ فِيهِ بِالرَّأْيِ، وَخَالَفَ مَنْ كَانَ أَعْرَفَ مِنْهُ بِالشَّرِيعَةِ وهمُ السَّلَفُ الصَّالِحُ رضي الله عنهم، بَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتْرُكُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أنْ يَعْمَلَ بِهِ خَوْفًا أنْ يعمل به الناس فَيُفرض عليهم، أَلَا تَرَى أنَّ كلَّ مَا أَظْهَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَوَاظَبَ عَلَيْهِ في جَمَاعَةٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ فَرْضًا فَهُوَ سُنَّةً عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، كَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَالْكُسُوفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؟ بِخِلَافِ قِيَامِ اللَّيْلِ وَسَائِرِ النَّوَافِلِ، فإنَّها مستحبَّات، وَنَدَبَ صلى الله عليه وسلم إِلَى إِخْفَائِهَا، وإنَّما يضرُّ إِذَا كَانَتْ تُشاع ويُعلن بِهَا.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا الْأَصْلِ التزامُ الدعاءِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ بِالْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ مُعلناً بِهَا فِي الْجَمَاعَاتِ. وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي بَابِهِ إنْ شاء الله تعالى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
6- بناءُ طَائِفَةٍ مِنْهُمُ الظَّوَاهِرَ الشَّرْعِيَّةَ عَلَى تَأْوِيلَاتٍ لَا تُعقل يَدَّعُونَ فِيهَا أَنَّهَا هِيَ الْمَقْصُودُ والمراد، لا ما يفهم العربي - فَقَالُوا: كلُّ مَا وَرَدَ فِي الشَّرْعِ مِنَ الظَّوَاهِرِ فِي التَّكَالِيفِ وَالْحَشْرِ وَالنَّشْرِ، والأُمور الْإِلَهِيَّةِ فهي أمثلة ورموز إلى بواطن.
7- التغالي فِي تَعْظِيمِ شُيُوخِهِمْ: حَتَّى أَلْحَقُوهُمْ بِمَا لَا يستحقونه، وَلَوْلَا الغُلوُّ فِي الدِّينِ وَالتَّكَالُبُ عَلَى نَصْرِ الْمَذْهَبِ وَالتَّهَالُكِ فِي مَحَبَّةِ الْمُبْتَدَعِ، لَمَا وَسِعَ ذَلِكَ عَقْلُ أَحَدٍ، وَلَكِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((لتتبعنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ)) ، الْحَدِيثَ (1) ، فَهَؤُلَاءِ غَلَوْا كَمَا غَلَتِ النَّصَارَى فِي عِيسَى عليه السلام، حَيْثُ قَالُوا: إنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابن مريم، فقال الله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} (2) ، وفي الحديث: ((لا تُطْرُوني كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، وَلَكِنْ قُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ)) (3) .
وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذِهِ الْأَصْنَافَ وَجَدَ لَهَا مِنَ الْبِدَعِ فِي فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ كَثِيرًا، لأنَّ الْبِدْعَةَ إِذَا دَخَلَتْ في الأصل سهَّلت مداخلتها الفروع.
8-[الاحتجاج بالمنامات] : وَأَضْعَفُ هَؤُلَاءِ احْتِجَاجًا قومٌ اسْتَنَدُوا فِي أَخْذِ الْأَعْمَالِ إِلَى الْمَنَامَاتِ - وَأَقْبَلُوا وَأَعْرَضُوا بِسَبَبِهَا، فَيَقُولُونَ: رَأَيْنَا فُلَانًا الرَّجُلَ الصَّالِحَ، فَقَالَ لَنَا: اتْرُكُوا كذا، واعملوا كذا، وَرُبَّمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي النَّوْمِ، فَقَالَ لِي كَذَا وَأَمَرَنِي بِكَذَا، فَيَعْمَلُ بِهَا، وَيَتْرُكُ بِهَا، مُعرضاً عَنِ الْحُدُودِ الْمَوْضُوعَةِ فِي الشَّرِيعَةِ، وَهُوَ خَطَأٌ، لأنَّ الرؤيا من غير--------------------------------------------
(1) [صحيح] تقدم تخريجه (ص3) .
(2) المائدة: 77.
(3) رواه البخاري (6830) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
الْأَنْبِيَاءِ لَا يُحكم بِهَا شَرْعًا عَلَى حَالٍ إِلَّا أنْ تُعْرَضَ عَلَى مَا فِي أَيْدِينَا مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِنْ سَوَّغتها عُمِلَ بِمُقْتَضَاهَا، وَإِلَّا وَجَبَ تَرْكُهَا وَالْإِعْرَاضُ عَنْهَا، وإنَّما فَائِدَتُهَا الْبِشَارَةُ أَوِ النِّذارة خَاصَّةً، وأمَّا اسْتِفَادَةُ الْأَحْكَامِ فلا.
وَلَا يُقال: إنَّ الرُّؤْيَا مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ، فَلَا يَنْبَغِي أنْ تُهمل، وَأَيْضًا إنَّ المُخْبِر فِي الْمَنَامِ قَدْ يَكُونُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ قَدْ قَالَ: ((مَنْ رَآنِي فِي النَّوْمِ فَقَدْ رَآنِي حَقًا، فإنَّ الشَّيْطَانَ لا يتمثل بي)) (1) ، فَإِخْبَارُهُ فِي النَّوْمِ كَإِخْبَارِهِ فِي الْيَقَظَةِ. لأنَّا نَقُولُ:
1- إنْ كَانَتِ الرُّؤْيَا مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ فَلَيْسَتْ إِلَيْنَا مِنْ كَمَالِ الْوَحْيِ، بَلْ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ، والجزءُ لَا يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ فِي جَمِيعِ الْوُجُوهِ، بَلْ إنَّما يَقُومُ مَقَامَهُ فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَقَدْ صُرِفَتْ إِلَى جِهَةِ البشارة والنِّذارة.
2- وَأَيْضًا فإنَّ الرُّؤْيَا الَّتِي هِيَ جزءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ مِنْ شَرْطِهَا أنْ تَكُونَ صَالِحَةً مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ، وَحُصُولُ الشُّرُوطِ مِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ، فَقَدْ تَتَوَفَّرُ، وَقَدْ لَا تَتَوَفَّرُ.
3- وَأَيْضًا فَهِيَ مُنْقَسِمَةٌ إِلَى الْحُلْمِ، وَهُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِلَى حَدِيثِ النَّفْسِ، وَقَدْ تَكُونُ سَبَبَ هَيَجَانِ بَعْضِ أَخْلَاطٍ، فَمَتَى تتعيَّن الصَّالِحَةُ حَتَّى يُحكم بها وتترك غير الصالحة؟
وأمَّا الرُّؤْيَا الَّتِي يُخبر فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الرَّائِي بِالْحُكْمِ فَلَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِيهَا أَيْضًا، لِأَنَّهُ إِذَا أَخْبَرَ بحكمٍ موافقٍ لِشَرِيعَتِهِ، فَالْحُكْمُ بِمَا اسْتَقَرَّ،--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (6993) ومسلم (2266) من حديث أبي هريرة، والبخاري (6994) من حديث أنس، و (6997) من حديث أبي سعيد الخدري، ومسلم (2268) من حديث جابر، رضي الله عنهم أجمعين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
وإن أخبر بمخالف، فمُحال، لأنه صلى الله عليه وسلم لَا يَنْسَخُ بَعْدَ مَوْتِهِ شَرِيعَتَهُ المستقِرَّة فِي حَيَاتِهِ، لأنَّ الدِّينَ لَا يَتَوَقَّفُ استقرارُه بَعْدَ مَوْتِهِ عَلَى حُصُولِ الْمَرَائِي النَّوْمِيَّةِ، لأنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ، فَمَنْ رَأَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلَا عَمَلَ عَلَيْهِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ نَقُولُ: إنَّ رُؤْيَاهُ غيرُ صَحِيحَةٍ، إِذْ لَوْ رَآهُ حَقًّا لَمْ يُخْبِرْهُ بِمَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ.
لَكِنْ يَبْقَى النَّظَرُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ رَآنِي فِي النَّوْمِ فَقَدَ رَآنِي)) وفيه تأويلان:
أحدهما: مَعْنَى الْحَدِيثِ ((مَنْ رَآنِي عَلَى صُورَتَيِ الَّتِي خُلِقْتُ عَلَيْهَا. فَقَدْ رَآنِي، إِذْ لَا يَتَمَثَّلُ الشيطان بي)) إذ لم يقل: من رآني أَنَّهُ رَآنِي، فَقَدْ رَآنِي. وإنَّما قَالَ: مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَآنِي، وأنَّى لِهَذَا الرَّائِي الَّذِي رَأَى أَنَّهُ رَآهُ عَلَى صُورَةٍ أَنَّهُ رَآهُ عَلَيْهَا؟ وَإِنْ ظنَّ أَنَّهُ رَآهُ، مَا لَمْ يعلم أنَّ تلك الصورة صورته بَعَيْنِها، هذا مالا طريق لأحد إلى معرفته.
وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إِلَى أنَّ الْمَرْئِيَّ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَإِنِ اعْتَقَدَ الرَّائِي أَنَّهُ هُوَ.
الثَّانِي: يَقُولُهُ علماءُ التَّعْبِيرِ: إنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَأْتِي النَّائِمَ فِي صُورَةٍ مَا؛ مِنْ مَعَارِفِ الرَّائِي وَغَيْرِهِمْ، فَيُشِيرُ لَهُ إِلَى رَجُلٍ آخَرَ: هَذَا فُلَانٌ النَّبِيُّ فيُوقع اللبْس عَلَى الرَّائِي بِذَلِكَ وَلَهُ عَلَامَةٌ عِنْدَهُمْ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَمْكَنَ أنْ يُكَلِّمَهُ المُشار إِلَيْهِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ غَيْرِ الْمُوَافِقَيْنِ لِلشَّرْعِ، فَيَظُنُّ الرَّائِي أَنَّهُ مِنْ قِبَلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ، فَلَا يُوثق بِمَا يَقُولُ لَهُ أَوْ يَأْمُرُ أَوْ يَنْهَى، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يَبْقَى فِي الْمَسْأَلَةِ إِشْكَالٌ، نَعَمْ، لَا يُحكم بِمُجَرَّدِ الرُّؤْيَا حَتَّى يَعْرِضَهَا عَلَى الْعِلْمِ، لِإِمْكَانِ اخْتِلَاطِ أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ بالآخَر، وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَلَا يَستدل بِالرُّؤْيَا فِي الْأَحْكَامِ إِلَّا ضَعِيفُ الْمُنَّةِ (1) . نَعَمْ يَأْتِي الْمَرْئِيَّ تَأْنِيسًا وبشارة--------------------------------------------
(1) الْمُنَّة: القوة، وخُصَّت بقوة القلب والمقصود ضعيف القلب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
وَنِذَارَةً خَاصَّةً، بِحَيْثُ لَا يَقْطَعُونَ بِمُقْتَضَاهَا حُكْمًا، وَلَا يَبْنُونَ عَلَيْهَا أَصْلًا، وَهُوَ الِاعْتِدَالُ فِي أَخْذِهَا، حَسْبَمَا فُهِمَ مِنَ الشَّرْعِ فِيهَا، وَاللَّهُ أعلم.
ومن نظر إلى طريق أهل البدع في الاستدلالات عَرَفَ أَنَّهَا لَا تَنْضَبِطُ، لِأَنَّهَا سيَّالة لَا تَقِفُ عِنْدَ حدٍّ، وَعَلَى كلِّ وَجْهٍ يَصِحُّ لِكُلِّ زَائِغٍ وَكَافِرٍ أنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى زَيْغِهِ وَكُفْرِهِ حَتَّى يَنْسِبَ النِّحْلة الَّتِي الْتَزَمَهَا إِلَى الشريعة.
فَمَنْ طَلَبَ خَلَاصَ نَفْسِهِ تَثَبَّتَ حَتَّى يَتَّضِحَ لَهُ الطَّرِيقُ، وَمَنْ تَسَاهَلَ رَمَتْه أَيْدِي الْهَوَى فِي مَعَاطِبَ لَا مُخَلِّصَ لَهُ مِنْهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
الْبَابُ الْخَامِسُ
[فِي أَحْكَامِ الْبِدَعِ الْحَقِيقِيَّةِ وَالْإِضَافِيَّةِ والفرق بينهما]
الْبِدْعَةَ الْحَقِيقِيَّةَ: هِيَ الَّتِي لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهَا دليلٌ شرعيٌ لَا مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ ولا إجماعٍ وَلَا اسْتِدْلَالٍ مُعتبر عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا فِي الْجُمْلَةِ وَلَا فِي التَّفْصِيلِ، وَلِذَلِكَ سُمِّيت بدعة لِأَنَّهَا شيءٌ مُخترع عَلَى غَيْرِ مثالٍ سَابِقٍ.
البدعة الإضافية: هي الَّتِي لَهَا شَائِبَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: لَهَا مِنَ الْأَدِلَّةِ مُتعلَّق، فَلَا تَكُونُ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ بِدْعَةً. وَالْأُخْرَى: لَيْسَ لَهَا مُتعلَّق إِلَّا مِثْلَ مَا للبدعة الحقيقية.
أَيْ أَنَّهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِحْدَى الْجِهَتَيْنِ سُنَّة لِأَنَّهَا مُسْتَنِدَةٌ إِلَى دَلِيلٍ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجِهَةِ الأُخرى بِدْعَةٌ لِأَنَّهَا مُسْتَنِدَةٌ إِلَى شُبْهَةٍ لَا إِلَى دَلِيلٍ، أَوْ غَيْرِ مُسْتَنِدَةٍ إِلَى شَيْءٍ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى: أنَّ الدَّلِيلَ عَلَيْهَا مِنْ جِهَةِ الْأَصْلِ قَائِمٌ، وَمِنْ جِهَةِ الْكَيْفِيَّاتِ أَوِ الْأَحْوَالِ أَوِ التَّفَاصِيلِ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهَا، مَعَ أَنَّهَا مُحْتَاجَةٌ إِلَيْهِ لأنَ الْغَالِبَ وُقُوعُهَا فِي التَّعَبُدِيَّاتِ لَا فِي الْعَادِيَّاتِ الْمَحْضَةِ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
فصل
[البدع الإضافية]
قَدْ يَكُونُ أَصْلُ الْعَمَلِ مَشْرُوعًا وَلَكِنَّهُ يَصِيرُ جارياً مجرى البدعة من باب الذرائع، وبيانُه أنَّ الْعَمَلَ يَكُونُ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ -مَثَلًا- فَيَعْمَلُ بِهِ الْعَامِلُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ عَلَى وَضْعِهِ الأوَّل مِنَ النَّدْبِيَّةِ فَلَوِ اقْتَصَرَ الْعَامِلُ عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ، وَيَجْرِي مَجْرَاهُ إِذَا دَامَ عَلَيْهِ فِي خاصيَّته غَيْرَ مُظْهِرٍ لَهُ دَائِمًا، بَلْ إِذَا أَظْهَرَهُ لَمْ يُظْهِرْهُ عَلَى حُكْمِ الْمُلْتَزَمَاتِ مِنَ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ وَالْفَرَائِضِ اللَّوَازِمِ، فَهَذَا صَحِيحٌ لَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَأَصْلُهُ ندبُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِإِخْفَاءِ النَّوَافِلِ وَالْعَمَلِ بِهَا فِي الْبُيُوتِ، وَقَوْلُهُ: ((أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاتُكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ)) (1) فَاقْتَصَرَ فِي الْإِظْهَارِ عَلَى الْمَكْتُوبَاتِ - كَمَا تَرَى - وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي مَسْجِدِهِ عليه السلام أَوْ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوْ في مسجد بيت المقدس، حتى قَالُوا: إنَّ النَّافِلَةَ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي أَحَدِ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ بِمَا اقْتَضَاهُ ظاهرُ الْحَدِيثِ، وَجَرَى مَجْرَى الْفَرَائِضِ فِي الْإِظْهَارِ [بعض] السُّنَنُ كَالْعِيدَيْنِ وَالْخُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَشِبْهِ ذَلِكَ، فَبَقِيَ ما سوى ذلك حكمه الإخفاء، فإذا اجتمع في النافلة أنْ تُلتزم التزام السُّنَنَ الرَّوَاتِبَ إمَّا دَائِمًا وإمَّا فِي أَوْقَاتٍ مَحْدُودَةٍ وَعَلَى وَجْهٍ مَحْدُودٍ، وأُقيمت فِي الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي تُقام فِيهَا الْفَرَائِضُ، أَوِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا السُّنَنُ الرَّوَاتِبُ فَذَلِكَ ابْتِدَاعٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ وَلَا عَنِ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ فعلُ هَذَا الْمَجْمُوعِ هَكَذَا مَجْمُوعًا، وَإِنْ أَتَى مطلقاً من غير تلك التقييدات، فالتقييد في المطلقات التي لم يثبت بِدَلِيلِ الشَّرْعِ تَقْيِيدَهَا رأيٌ فِي التَّشْرِيعِ، فَكَيْفَ إذا عارضه الدليل، وهو الأمر بإخفاء--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (731، 6113، 7290) ومسلم (781) من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه بلفظ يختلف يسيراً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
النَّوَافِلِ مَثَلًا؟
وَوَجْهُ دُخُولِ الِابْتِدَاعِ هُنَا أنَّ كلَّ مَا وَاظَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ النَّوَافِلِ وَأَظْهَرَهُ فِي الْجَمَاعَاتِ فَهُوَ سُنَّةٌ، فَالْعَمَلُ بِالنَّافِلَةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِسُنَّةٍ عَلَى طَرِيقِ الْعَمَلِ بِالسُّنَّةِ، إِخْرَاجٌ لِلنَّافِلَةِ عَنْ مَكَانِهَا الْمَخْصُوصِ بِهَا شَرْعًا، ثُمَّ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ اعْتِقَادُ الْعَوَامِّ فِيهَا وَمَنْ لَا عِلْمَ عِنْدِهِ أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَهَذَا فَسَادٌ عَظِيمٌ، لأنَّ اعتقاد ما ليس بسنة وَالْعَمَلَ بِهَا عَلَى حَدِّ الْعَمَلِ بِالسُّنَّةِ نحوٌ مِنْ تَبْدِيلِ الشَّرِيعَةِ، كَمَا لَوِ اعْتَقَدَ فِي الفرض أنه ليس بفرض، أو فيما ليس بفرض أنه فرض، ثم عمل على وِفق اعْتِقَادِهِ فإنَّه فَاسِدٌ، فَهَبِ الْعَمَلَ فِي الْأَصْلِ صَحِيحًا فَإِخْرَاجُهُ عَنْ بَابِهِ اعْتِقَادًا وَعَمَلًا مِنْ بَابِ إِفْسَادِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَمِنْ هُنَا ظَهَرَ عُذْرُ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِي تَرْكِهِمْ سُنَنًا قَصْدًا لِئَلَّا يَعْتَقِدَ الْجَاهِلُ أَنَّهَا مِنَ الْفَرَائِضِ.
فَهَذِهِ أُمُورٌ جَائِزَةٌ أَوْ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا، وَلَكِنَّهُمْ كَرِهُوا فِعْلَهَا خَوْفًا مِنَ الْبِدْعَةِ لأنَّ اتِّخَاذَهَا سُنَّةً إنَّما هُوَ بأنْ يُوَاظِبَ النَّاسُ عَلَيْهَا مُظْهِرِينَ لَهَا، وَهَذَا شَأْنُ السُّنَّةِ، وَإِذَا جَرَتْ مَجْرَى السُّنَنِ صَارَتْ مِنَ الْبِدَعِ بِلَا شَكٍّ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ صَارَتْ هَذِهِ الأشياءُ مِنَ الْبِدَعِ الْإِضَافِيَّةِ؟ وَالظَّاهِرُ مِنْهَا أَنَّهَا بِدَعٌ حَقِيقِيَّةٌ! لأنَّ تِلْكَ الْأَشْيَاءَ إِذَا عُمل بِهَا عَلَى اعْتِقَادِ أَنَّهَا سُنَّةٌ فَهِيَ حَقِيقِيَّةٌ إِذْ لَمْ يَضَعْهَا صَاحِبُ السُّنَّةِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، فَصَارَتْ مِثْلَ مَا إِذَا صَلَّى الظُّهْرَ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَاعْتَقَدَهَا عِبَادَةً فإنَّها بِدْعَةٌ مِنْ غَيْرِ إِشْكَالٍ، هَذَا إِذَا نَظَرْنَا إِلَيْهَا بِمَآلِهَا، وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَيْهَا أوَّلاً فَهِيَ مَشْرُوعَةٌ مِنْ غَيْرِ نِسْبَةٍ إِلَى بِدْعَةٍ أَصْلًا.
فَالْجَوَابُ: أنَّ السُّؤَالَ صَحِيحٌ، إِلَّا أنَّ لِوَضْعِهَا أوَّلاً نَظَرَيْنِ:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
أَحَدُهُمَا: مِنْ حَيْثُ هِيَ مَشْرُوعَةٌ فَلَا كَلَامَ فِيهَا.
وَالثَّانِي: مِنْ حَيْثُ صَارَتْ كَالسَّبَبِ الْمَوْضُوعِ لِاعْتِقَادِ الْبِدْعَةِ أَوْ لِلْعَمَلِ بِهَا عَلَى غَيْرِ السُّنَّةِ، فَهِيَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ، وَهَذَا مَعْنَى كَوْنِهَا بِدْعَةً إِضَافِيَّةً، أمَّا إِذَا اسْتَقَرَّ السَّبَبُ وَظَهَرَ عَنْهُ مُسَبِّبُهُ الَّذِي هُوَ اعْتِقَادُ الْعَمَلِ سُنَّة، وَالْعَمَلُ عَلَى وِفقه، فَذَلِكَ بدعة حقيقية لا إضافية، وَإِذَا ثَبَتَ فِي الأُمور الْمَشْرُوعَةِ أَنَّهَا قَدْ تُعد بِدَعاً بِالْإِضَافَةِ، فَمَا ظَنُّكَ بِالْبِدَعِ الْحَقِيقِيَّةِ؛ فإنَّها قَدْ تَجْتَمِعُ فِيهَا أنْ تَكُونَ حَقِيقِيَّةً وإضافية معاً ثم إذا اعتقد فيها السُّنِّيَّةَ أَوِ الْفَرْضِيَّةَ صَارَتْ بِدْعَةً مِنْ ثَلَاثَةِ أوجه.
فَيَا لَلَّهِ وَيَا لِلْمُسْلِمِينَ! مَاذَا يَجْنِي الْمُبْتَدِعُ عَلَى نَفْسِهِ مِمَّا لَا يَكُونُ فِي حِسَابِهِ؟ وقانا الله شرور أنفسنا بفضله.
فصل
[سكوت الشارع عن الحكم في مسألة ما]
إنَّ سُكُوتَ الشَّارِعِ عَنِ الْحُكْمِ فِي مَسْأَلَةٍ ما أَوْ تَرْكِهِ لِأَمْرٍ مَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
(أَحَدُهُمَا) : أنْ يَسْكُتَ عَنْهُ أَوْ يَتْرُكَهُ لِأَنَّهُ لَا دَاعِيَةَ لَهُ تَقْتَضِيهِ، وَلَا مُوجِبَ يُقَرَّرُ لِأَجْلِهِ، وَلَا وَقَعَ سَبَبُ تَقْرِيرِهِ، كَالنَّوَازِلِ الْحَادِثَةِ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فإنَّها لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً ثُمَّ سَكَتَ عَنْهَا مَعَ وُجُودِهَا، وإنَّما حَدَثَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَاحْتَاجَ أَهْلُ الشَّرِيعَةِ إِلَى النَّظَرِ فِيهَا وَإِجْرَائِهَا عَلَى مَا تبيَّن فِي الْكُلِّيَّاتِ الَّتِي كَمُلَ بِهَا الدِّينُ، وَإِلَى هَذَا الضَّرْبِ يَرْجِعُ جَمِيعُ مَا نَظَرَ فِيهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ مِمَّا لَمْ يسنُّه رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْخُصُوصِ مما هو معقول المعنى، كتضمين الصنَّاع (1) ، والجَد مع الإخوة، ومنه جمع المصحف، ثم تدوين--------------------------------------------
(1) التضمين من الضمان؛ وهو: ((التزام بتعويض عن ضرر للغير)) ، والصُّنَّاع: الأُجَراء، كالخياط يُعطى القماش ليصنعه ثوباً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
الشَّرَائِعِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَحْتَجْ في زمانه عليه السلام إلى تقريره، فَلَمْ يُذكر لَهَا حُكْمٌ مَخْصُوصٌ فَهَذَا الضَّرْبُ إِذَا حَدَثَتْ أَسْبَابُهُ فَلَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِيهِ وَإِجْرَائِهِ عَلَى أُصوله إنْ كَانَ مِنَ الْعَادِيَّاتِ، أَوْ مِنَ الْعِبَادَاتِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ الِاقْتِصَارُ فِيهَا عَلَى مَا سُمع كَمَسَائِلِ السَّهْوِ والنسيان في إجراء الْعِبَادَاتِ، وَلَا إِشْكَالَ فِي هَذَا الضَّرْبِ، لأنَّ أُصول الشَّرْعِ عَتِيدَةٌ وَأَسْبَابَ تِلْكَ الْأَحْكَامِ لَمْ تَكُنْ فِي زَمَانِ الْوَحْيِ، فَالسُّكُوتُ عَنْهَا عَلَى الْخُصُوصِ لَيْسَ بِحُكْمٍ يَقْتَضِي جَوَازَ التَّرْكِ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، بَلْ إِذَا عُرِضَتِ النَّوَازِلُ رُوجِع بِهَا أُصولها فَوُجِدَتْ فِيهَا وَلَا يَجِدُهَا مَنْ لَيْسَ بِمُجْتَهِدٍ، وإنَّما يَجِدُهَا الْمُجْتَهِدُونَ الْمَوْصُوفُونَ فِي عِلْمِ أُصول الْفِقْهِ.
(وَالضَّرْبُ الثَّانِي) : أنْ يَسْكُتَ الشَّارِعُ عَنِ الْحُكْمِ الْخَاصِّ أَوْ يَتْرُكَ أَمْرًا مَا مِنَ الأُمور، وَمُوجِبُهُ الْمُقْتَضَى لَهُ قَائِمٌ، وَسَبَبُهُ فِي زَمَانِ الْوَحْيِ وَفِيمَا بَعْدَهُ مَوْجُودٌ ثَابِتٌ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُحدد فِيهِ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْحُكْمِ الْعَامِّ فِي أَمْثَالِهِ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ، لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمَعْنَى المُوجِب لِشَرْعِيَّةِ الْحُكْمِ الْعَقْلِيِّ الْخَاصِّ موجوداً، ثم لم يُشرع ولا نبَّه [عليه] كَانَ صَرِيحًا فِي أنَّ الزَّائِدَ عَلَى مَا ثَبَتَ هُنَالِكَ بِدْعَةٌ زَائِدَةٌ وَمُخَالِفَةٌ لِقَصْدِ الشَّارِعِ، إِذْ فُهِمَ مِنْ قَصْدِهِ الْوُقُوفُ عِنْدَ مَا حدَّ هُنَالِكَ لَا الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ وَلَا النُّقْصَانُ منه.
فصل
[من البدع الإضافية: كلُّ عملٍ اشتبه أمرُه]
وَيُمْكِنُ أنْ يَدْخُلَ فِي الْبِدَعِ الْإِضَافِيَّةِ كلُّ عَمَلٍ اشْتَبَهَ أَمْرُهُ فَلَمْ يَتَبَيَّنْ أَهُوَ بِدْعَةٌ فَيُنْهَى عَنْهُ؟ أَمْ غَيْرُ بِدْعَةٍ فَيُعْمَلُ بِهِ؟ فإنَّا إذا اعتبرناه بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَجَدْنَاهُ مِنَ الْمُشْتَبِهَاتِ الَّتِي قَدْ نُدِبْنا إِلَى تَرْكِهَا حَذَرًا مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْمَحْظُورِ، وَالْمَحْظُورُ هُنَا هُوَ الْعَمَلُ بِالْبِدْعَةِ، فَإِذَا الْعَامِلُ بِهِ لَا يَقْطَعُ أَنَّهُ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)