جارية، ولا باصرة مثلًا، ويقول: لا قرء في عدة الحامل يعني لا حيض، ولا طهر؛ لأنها تعتد بالوضع ولا يجيز ذلك في الإثبات.
ووجه هذا القول: إن النكرة تعم في سياق النفي، ولا تعم في سياق الإثبات، وقسم أجمعوا على منعه وهو ما كانت العلاقة فيه خفية لا يقصدها الناس عادة كاستعارة الأسد للرجل الأبْخَر بعلاقة مشابهته له في البَخَرِ، فالأسد وإن كان متصفًا بالبخر فإنه لم يعهد استعارته للرجل بذلك الجامع الذي هو البخر، فلا يجوز ذلك لأن المعنى يصير حينئذ متعقدًا غير مفهوم.
فهذه أقسام المجاز عند الأصوليين، والتحقيق الذي لا شك فيه أنه لا يجوز شيء منها في القرآن.
وأما أنواع المجاز عند أهل البلاغة فهي أربعة أقسام:
وهي المجاز المفرد المذكور، والمجاز المركب، والمجاز العقلي، ومجاز النقص والزيادة، بناءً على عدِّه من أنواع المجاز.
وقد بينت جميع أَنواع المجاز والاستعارة عند البيانيين بيانًا وافيًا جدًّا في "رحلتي"(1) في أجوبة أسئلة علماء المعهد الديني في أم درمان، والتحقيق الذي لا شك فيه أنه لا يجوز القول بشيء من ذلك كله في القرآن كما بينا، سواء قيل بمنع المجاز في اللغة مطلقًا أو قيل بجوازه فيها.--------------------------------------------
(1) (ص/ 156 - 205).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
واعلم أن تقسيم اللفظ إلى حقيقة ومجاز لم يقل به النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من الصحابة، ولا من التابعين، ولا من الأئمة الأربعة، وما يروى عن الإمام أحمد من أنه قال في مثل: {إِنَّا}، {نَحْنُ} من كلام الله أنه من مجاز اللغة فإنه يعني بذلك أنه من الشيء الجائز في اللغة، ولم يقصد المجاز الاصطلاحي الذي هو ضد الحقيقة كما أوضحه ابن القيم رحمه الله.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
فصل بيان معنى الحقيقة في آيات الصفات
فإِنْ قيل: إذا منعتم المجاز في آيات الصفات فما معنى الحقيقة فيها؟
فالجواب: أن الصفات تختلف حقائقها باختلافِ موصوفاتها، فللخالق جل وعلا صفات حقيقية تليق به، وللمخلوق صفات حقيقية تناسبه وتلائمه، وكل من ذلك حقيقة في محله.
ومعاني صفات الله جل وعلا معروفة، وكيفياتها لا يعلمها إلا الله، كما قال مالك وأم سلمة: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول".
والدليل على أن الكيف غير معقول قوله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110)} [سورة طه: 110].
وحاصل تحرير الحق في مسألة آيات الصفات على وجه لا إشكال فيه مبني على أمرين:
الأول: الإيمان بكل ما ثبت في الكتاب العزيز والسنة الصحيحة على وجه الحقيقة لا المجاز.
الثاني: نفي التشبيه والتمثيل عن كل وصف ثبت لله في كتاب أو سنة صحيحة.
فمن نفى وصفًا أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم فهو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
معطل.
ومعلوم أنه لا يصف الله أعلمُ باللهِ من اللهِ، ولا يصف اللهَ بعدِ اللهِ أعلمُ به من رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ}؟! [سورة البقرة: 140].
ومن شبه وصف ربه بصفات المخلوق فهو مُشَبِّه ملحد، وكل تعطيلٍ ناشيء عن تشبيه، ومن آمن بصفات ربه منزهًا له عن التشبيه والتمثيل بصفات الحوادث فهو مؤمن موحد سالم من ورطة التشبيه والتعطيل، جامع بين الإيمان والتنزيه.
والدليل على ما ذكرنا من أن تحرير المقام حاصل بالأمرين المذكورين قوله تعالى: {لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)} [سورة الشورى، الآية: 11]. فقوله: {لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ} فيه نفي التمثيل، وقوله: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)} فيه إثبات المصفات على الحقيقة. وإذا كان نافي بعض الصفات يضطر إلى الاعتراف بأنه جل وعلا ذات مخالفة لجميع الذوات، فعليه أن يعترف بأنه متصف بصفات لا يماثلها شيء من صفات المخلوقين، فصفاته تخالف صفاتهم كمخالفة ذاته لذواتهم.
فإن قيل: يلزم من إثبات صفة الوجه، واليد، والاستواء، ونحو ذلك مشابهة الخلق؟
فالجواب: أن وصفه بذلك لا يلزمه مشابهة الخلق، كما لم يلزم من وصفه بالسمع والبصر مشابهة الحوادث التي تسمع وتبصر؛ بل هو تعالى متصف بتلك الصفات المذكورة التي هي صفات كمال وجلال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
كما قال من غير مشابهة للخلق البتة فهي ثابتة له حقيقة على الوجه اللائق بكماله وجلاله، كما أن صفات المخلوقين ثابتة لهم حقيقة على الوجه المناسب لهم، فبين الصفة والصفة من تنافي الحقيقة ما بين الذات والذات.
فإن قيل: بينوا كيفية الاتصاف بها لنعقلها. قلنا: أعرفتم كيفية الذات المتصفة بها؛ فلا بد أن يقولوا: لا!
فنقول: معرفة كيفية الصفات متوقفة على معرفة كيفية الذات فإن قال الخصم: هو ذات لا كالذوات، قلنا: وموصوف بصفات لا كغيرها من الصفات!
فسبحان من أحاط بكل شيء ولم يحط به شيء {يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110)} [سورة طه: 110].
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
خاتمة
ثم إنا نريد أن نضرب مثلًا لمناظرة نافي بعض الصفات بذكر مثال منها ليفهم منه غيره ويعلم منه كيفية إقناع الخصم على طريق المناظرة، فنقول: نافي الاستواء -مثلًا- يستدل على نفي حقيقته بأنه يلزمه مشابهة الحوادث، وذلك محال على الله، وما لزمه المحال فهو محال، وهذا الدليل قد يكون استثنائيًّا، وقد يكون اقترانيًّا.
وسنبين وجه بطلانه على كلا الأمرين إن شاء الله.
فنقول: إيضاح جعله استثنائيًّا أنَّ الخصم يقول: لو كان مستويًا على العرش لكان مشابهًا للحوادث لكنَّه غير مشابه للحوادث، ينتج فهو غير مستو على العرش.
فنقول: هذا قياس استثنائي مركب من شرطية متصلة لزومية في زعم المستدل المعطل، ومن استثنائية يُستثنى فيه نقيضُ التالي، ينتج نقيض المقدم في زعمه. وقد أجمع النظار على أن قياس الشرطية المتصلة اللزومية يتوجه إليه القدح من جهة الشرطية، أو الاستثنائية، أو كل منهما معًا، وشرطية هذه الشرطية التي استدل بها الخصم كاذبة؛ لأنها في هذا المثال لا تصدق إلا جزئية؛ لأن تاليها أخص من مقدمها، والحكم بالأخص على الأعم لا يصدق إلا جزئيًّا إيجابيًّا كان أو سلبيًّا بإجماع العقلاء، وسواء كان الحكم معلقًا كما في الشرطيات، أو غير معلق كما في الحمليات، ولا يخفى أن الصدق والكذب في الشرطية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
المتصلة اللزومية إنما يتواردان على صحة الربط بين المقدم والتالي سواء كانا موجودين في الخارج أو لا، فهي تكون صادقة مع كونها كاذبة الطرفين لو أزيل الربط بين المقدم والتالي فصار كل واحد منهما بإزالة الربط قضية حملية مستقلة، ألا ترى أن قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [سورة الأنبياء: 22] شرطية صادقة بلا شك مع أن أداة الربط لو أزيلت كان المقدم قضية حملية كاذبة، وهي {كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ}، سبحانه وتعالى عن ذلك علوَّا كبيرًا، وصار التالي أيضًا {فَسَدَتَا} أي: السموات والأرض؛ لأنَّ مدار الصدق في الشرطيات على صحة الربط، سواء كان المقدم والتالي موجودين في الخارج أو لا، كما هو معروف في محله، فظهر من هذا أن قول الخصم: "لو كان مستويًا على العرش لكان مشابهًا للحوادث" شرطية كاذبة؛ لأن الاستواء على العرش لا يلزمه مشابهة الحوادث ألبتة؛ بل هو تعالى مستوٍ على عرشه كما قال من غير مماثلة ولا مشابهة لاستواء الحادث، والاعتراف بهذا يلزم الخصم لاعترافه بنظيره في كونه تعالى سميعًا بصيرًا قادرًا مريدًا … إلخ.
وأنه لم يلزم من ذلك مشابهة الحوادث التي تسمع وتبصر وتقدر وتريد، وكلهم يعترف بأنه موجود والحوادث موجودة ولم يلزم من ذلك المشابهة، والكل من باب واحد، وإنما تصدق الشرطية المذكورة لو كانت مسورة بسور جزئي كما لو قيل: قد يكون إذا كان الشيء مستويًا على حادث كان مشابهًا للحوادث؛ لأن الاستواء على المخلوق
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
قسمان:
قسم تلزمه مشابهة الحوادث وهو استواء المخلوق.
وقسم لا يلزمه ذلك وهو استواء الخالق جل وعلا؛ لأنه لا يشابه استواء المخلوق، كما أن سائر صفاته لا تشبه صفات المخلوقين، وكما أن ذاته لا تشبه ذواتهم فالكل من باب واحد، فظهر أن الخصم جاء بشرطية كاذبةٍ فأنتجت له الكذب المنافي لصريح القرآن، فكبرى مقدمتي قياسه وهي الشرطية كاذبة كما عرفت، ومعروف أن الشرطية هي الكبرى في الشرطي، والاستثنائية هي الصغرى فيه في الاصطلاح المنطقي.
وأما وجه جعله اقترانيًّا فهو أن الخصم يقول: قولكم "هو مستو على عرشه" لو جعلناه مقدمة صغرى وضممنا إليه مقدمة صادقة كبرى فإن النتيجة تكون كاذبة، وكُبْرانا صادقة، فانحصر الكذب اللازم من كذب النتيجة في الصغرى التي هي قولكم: هو مستو على عرشه. وإيضاحه أنهم يقولون: هو مستو على العرش، وكل مستو على مخلوق عرشًا كان أو غيره فهو مشابه للحوادث ينتج هو مشابه للحوادث. سبحانه وتعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا! فيقولون: هذه النتيجة كاذبة بالضرورة، وكذبها لم ينشأ إلا من عدم صحة الصغرى التي هي قولكم: هو مستو على العرش؛ لأن الكبرى صادقة.
ونحن نمنع هذا فنقول: بل كذب النتيجةِ ناشئ عن كَذِب الكبرى وهي قولكم: كلُّ مستوٍ على مخلوق مشابه للخلق؛ لأن هذه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
كلية لا تصدق إلا جزئية؛ لأن محمولها أخص من موضوعها، وقد أجمع النظار على كذب المسورة لكذب سورها.
والحق أن الاستواء على المخلوق قسمان:
أحدهما: لا تلزمه مشابهة الخلق كما تقدم، والدليل على صحة الصغرى وهي قولنا: هو مستو على العرش، أن الله صرح بها في سبع آيات من كتابه كقوله: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [سورة الأعراف: 54] سورة يونس: 3، سورة الرعد: 2، سورة الفرقان: 59، سورة السجدة: 4، سورة الحديد: 4].
وكقوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5)} [سورة طه: 5]. فتبين صدقها فانحصر الكذب في الكبرى التي جئتم بها، ولذا أنتجت لكم التعطيل المنافي لصريح القرآن، فظهر أنهم في هذا الاستدلال جاءوا بقضية كاذبة بلا شك فادعوا صدقها باطلًا، وزعموا أن القضية الصادقة بشهادة سبع آيات من كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أنها هي الكاذبة.
وفي المثل: "رمتني بدائِهَا وانْسلَّتْ"، مع أنا نورد من جنس أدلتهم ما يكون حجة عليهم ويؤيد الحق فنقول -مثلًا-: الاستواء على العرش أخبر الله به، وكل ما أخبر به فهو حق، ينتج من الشكل الأول: الاستواء على العرش حق.
ونقول -أيضًا-: الاستواء على العرش أخبر به الله، وكل ما أخبر به الله يستحيل أن يلزم عليه باطل ينتج من الشكل الأول: الاستواء على العرش يستحيل أن يلزم عليه باطل ولا يخفى على أحد أن الذي يقول:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
إن الاستواء على العرش يلزمه مشابهة الحوادث أن إلزامه هذا اعتراض صريح على من أخبر بالاستواء وهو الله جل وعلا.
فليعلم مدَّعي لزوم الباطل لظاهر آيات الصفات أن اعتراضه على ربه ومن ظن أن ظواهر آيات الصفات دالة على اتصافه تعالى بصفات تشبه صفات الخلق فهو جاهل مفتر، بل ظاهرها اتصافه بتلك الصفات المنزهة عن مشابهة صفات الحوادث.
ومن أوضح الأدلة على أن آيات الصفات لم يرد بها شيء من المعاني التي يحملها عليها المؤولون أنها لو كان يراد بها ذلك لبادر النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيانه؛ لأنه لا يؤخِّر البيان عن وقت الحاجة إليه كما تقرر في الأصول ولا سيما في العقائد، وإنما لم نتعرض لذكر المجاز الشرعي والعرفي؛ لأنهما لا دخل لهما في البحث الذي نحن بصدده؛ لأنه في المجاز الشرعي اللغوي فقط.
والحقُّ أَبْلَجُ لا تزيغ سبيلُهُ … والحقُّ يعرفُهُ ذوو الألباب
وهنا انتهى ما أردنا جمعه بمدينة الرياض المحروسة، جعلها الله آمنةً مطمئنةً. نرجو الله أن يرزقنا الإخلاص في العمل وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)