على مُخالَفتِه، وأخبَر أنّه يهدي إلى صراطِه. وبَسْطُ القولِ في هذا موجودٌ في كُتبِ الأُصول، وليس في هذه الآية دليلٌ على أنْ لا حرامَ على آكلٍ إلّا ما ذُكِرَ فيها، وإنّما فيها أنَّ اللَّهَ أخبَر نبيَّه صلى الله عليه وسلم وأمَره أنْ يُخبِرَ عبادَه أنّه لم يَجِدْ في القرآنِ منصوصًا شيئًا مُحرَّمًا على الآكل والشَّارب إلّا ما في هذه الآية، وليس ذلك بمانع أنْ يُحرِّمَ اللَّهُ في كتابِه بعدَ ذلك، وعلى لسانِ رسولِه صلى الله عليه وسلم أشياءَ سوَى ما في هذه الآية.
وقد(1) أجمَعوا أنَّ سورةَ "الأنعام" مكيةٌ، وقد نزَل بعدَها قرآنٌ كثيرٌ، وسننٌ جمَّةٌ(2)، وقد نزَل تحريمُ الخمرِ في "المائدة" بعدَ ذلك، وقد حرَّم اللَّهُ على لسانِ نبيِّه عليه السلام أكْلَ كُلِّ ذي نابٍ من السِّباع، وأكلَ الحُمُرِ الأهليّة، وغيرَ ذلك، فكان ذلك زيادةَ حُكم من اللَّه على لسانِ نبيِّه صلى الله عليه وسلم، كنكاح المرأةِ على عمَّتِها وعلى خالتِها مع قوله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24]. وكحُكْمِه بالشاهدِ واليمين مع قول اللَّه: {فَإِنْ لم يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} [البقرة: 282]. وما أشبهَ هذا كثيرٌ، تركناه خشيةَ الإطالة، ألَا ترَى أنَّ اللَّهَ قال في كتابه: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29]. وقد حرَّم رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم أشياءَ من البيوع وإنْ تراضَى بها المتبايعان؛ كالمُزابنة(3)، وبيع ما ليس عندَك، وكالتجارة في الخمر، وغيرِ ذلك مما يطولُ ذكرُه.
وقد أجمعَ العلماءُ أن سورة "الأنعام" مكيةٌ إلا قوله: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} الآياتِ الثلاثَ [الأنعام: 151 - 153]. وأجمَعوا أنَّ نهيَ اللَّه صلى الله عليه وسلم عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع إنما كان منه بالمدينة،--------------------------------------------
(1) هذه الفقرة لم ترد في ق جملة.
(2) في الأصل: "عظيمة"، وما أثبتناه من ف 1 وكلاهما جيّد.
(3) المُزابَنة: هي بيع الثّمر في رؤوس النّخْل بالتمر. وأصلها: الدَّفْعُ، قال الداووديّ: كانوا قد كثُرت فيهم المدافعة بالخصام، فسُمِّيت المُزابنة، ولمّا كان كلُّ واحد من المتبايعين يدفع الآخر في هذه المُبايعة عن حقِّه سُمِّيت بذلك. ينظر: عمدة القاري للعيني 11/ 290.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 330)