فأتوهُ فلمْ يجِدُوه، ووجَدوا امرأتَه، فقالوا: أين صاحبُكِ؟ فقالت: ذهَب يستعذِبُ لنا الماءَ من قناةِ بَني فلان. فلم يلبَثْ أن جاء بقِرْبةٍ يَزعَبُها(1) فوضَعها، ثم أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فجعَل يلتزِمُه ويُفدِّيه بأبيه وأُمِّه، فانطلَق بهم إلى ظلٍّ، وبسَط لهم بساطًا، ثم انطلَق إلى نخلِه، فجاء بقِنْوٍ فوضَعه، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ألا تنقَّيْتَ لنا من رُطَبِه؟ ". فقال: أردتُ أن تتخيَّرُوا من رُطَبِه وبُسرِه. فأكَلوا ثم شرِبوا من الماء، فلمّا فرَغوا قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "هذا والذي نفسي بيدِه من النعيم الذي أنتم عنه مسؤولونَ؛ هذا ظِلٌّ باردٌ، والرُّطَبُ الباردُ، عليه الماءُ الباردُ". ثم انطلَق يصنَعُ لهم طعامًا، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا تذبَحْ ذاتَ دَرٍّ". قال: فذبَح لهم عَنَاقًا فأكَلوا، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "هل لك من خادم؟ ". قال: لا. قال: "فإذا أتانا شيءٌ -أو قال: سَبْيٌ- فأْتِنا". قال: فجاء رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رأسانِ ليس لهما ثالثٌ، فأتاه -يعني أبا الهيثم- فقال له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "اختَرْ أحدَهما". فقال: يا رسولَ الله، خِرْ لي. قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "المستَشارُ مُؤتمَنٌ، خُذْ هذا، فإنِّي رأيتُه يُصلِّي، واستوصِ به معروفًا". فأتى به امرأتَه، فحدَّثها بحديثِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقالت له امرأتُه: ما أنت ببالغ ما قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فيه حتى تُعتِقَه. قال: هو عَتيقٌ. فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ اللهَ لم يبعَثْ نبيًّا ولا خليفةً إلّا له بِطانتانِ؛ بِطانةٌ تأمُرُه بالمعروفِ وتنهاه عن المُنكَر، وبطانةٌ لا تأْلُوه خَبالًا، ومَن يُوقَ بِطانةَ الشرِّ فقد وُقِيَ"(2).--------------------------------------------
(1) قوله: "بقِرْبةٍ يزْعَبُها" أي: يحْمِلُها مملوءة. قال الفرّاء: قربةٌ مزعُوبة: مملوءة، والمراد: أنه يحملها وهي ممتلئة. ينظر: تهذيب اللغة للأزهري 2/ 89، واللسان (زعب).
(2) أخرجه أبو داود (5128)، وابن ماجه (3745)، والبزار في مسنده 15/ 228 (8654)، وابن جرير الطبري في تفسيره 24/ 584، وأبو القاسم البغوي في معجم الصحابة 5/ 185 (2054)، وأبو الشيخ الأصبهاني في أمثال الحديث (26) من طرق عن يحيى بن بُكير، به.
وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (256)، والترمذي (2369)، وأبو القاسم البغوي في معجم الصحابة 5/ 185 (2054)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار 1/ 409 (472) =

(খণ্ড: 16) (পৃষ্ঠা: 286)