الفجر ويرجع إلى البيت ويرتاح قليلاً، ثم بعد ذلك يبدأ اليوم إذا كان عنده محاضرة استعد لها، وإلا جلس للكتابة والرد على مكالمات السائلين حتى وقت الظهر، ثم يذهب للمسجد لصلاة الظهر، ثم يرجع للبيت مرة ثانية لمكتبته حتى يحين وقت الغداء، وهي الفرصة التي يلتقي فيها بأبنائه! وحتى في هذه اللحظة يضع التليفون بالقرب منه لمباشرة الرد على الأسئلة، ثم بعد الغداء يجلس ويرد على التليفون ثم يذهب لصلاة العصر ويجلس بعدها بالمسجد قليلاً، حيث يلتقي غالباً ببعض أهل القضايا والحاجات، ثم يعود للبيت ويجلس بالمكتبة حتى صلاة المغرب، ثم يذهب لصلاة المغرب ليبدأ بعدها الدرس إلى العشاء، ثم بعد صلاة العشاء يعود للبيت، ودائماً ما يكون لديه برنامج بعد العشاء وحتى حوالي التاسعة والنصف إما خارج " عنيزة " أو عبر التليفون أي في بلدان المملكة أو أحيانا خارج المملكة في هولندا وألمانيا وكثير من الدول، فيكون على اتصال بالمراكز هناك، ويقوم بإلقاء محاضرة ربما امتدت لساعة عبر التليفون، ثم بعدها يجلس إلى القراءة حتى حوالي الحادية عشرة. هذا هو يومه العادي.
مواقف للشيخ:
* دخل على الشيخ رحمه الله صبي دون السادسة من عمره وهو بين طلابه وأمسك بيده وقال: أبي يريد السلام عليك قبل سفره فلاطفه الشيخ والطفل آخذ بيده حتى بلغ به والده فتعجب من هذا الخلق النبيل.
* ركب الشيخ مع أحد محبيه وكانت سيارة الرجل كثيرة الأعطال فتوقفت فيهم أثناء الطريق فنزل الشيخ وقال للرجال: أنت ابق مكانك وأنا أدفع السيارة!! فدفعها رحمه الله حتى تحركت بهم.
* ويحكي مدير المعهد العلمي في عنيزة سابقا فيقول: احتجت مبلغ من المال فاقترضت من الشيخ رحمه الله وذكرت له أنني محتاج المبلغ لأنني سأسافر للرياض فقال لي: بي رغبة بالسفر للرياض هل تأخذني معك؟، فأخذته معي وكانت
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 19)
المواصلات صعبة في تلك الفترة، فلما وصلنا أصر الشيخ على دفع مبلغ مقابل السفر، فرفضت بشدة فقال: لو أنني ما أقرضتك لكان الأمر هينا ولكن أخشى أن يكون قرضا جر نفعا!!.
* أنه دعيَ لافتتاح " تسجيلات إسلامية " ضخمة، وبينما هو يتجول في أنحائها إذ يلاحظ أنه قد جعل لكل صاحب أشرطة من المشايخ لوحة كبيرة فيها اسمه، وبمروره على " زاوية " الشيخ الألباني رحمه الله رأى أن لوحة اسمه صغيرة! فأنكر عليهم الشيخ رحمه الله غاية الإنكار! وأمرهم بتكبير لوحة الشيخ أو تصغير لوحات المشايخ الآخرين.
وكان ذلك، ففي اليوم التالي جاء الناس إلى " التسجيلات " وقد جعلوا لوحة الشيخ مثل أخواتها!
* ولما بشَّره بعض الشباب برؤيا رآها بعض المجاهدين في الشيخ الألباني فرح بها الشيخ رحمه الله وطلب من ناقلها له أن يتصل بالشيخ الألباني من بيته ليبشره بها، لكن قدَّر الله أن لا يكون الشيخ حينذاك في بيته.
وملخص الرؤيا: أن الرائي قد رأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فسأله إذا أشكل عليَّ شيءٌ في الحديث فمَن أسأل؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: سل الشيخ محمد ناصر الدين الألباني!!
* سافر شباب من " الأردن " إلى العمرة، وفي " خيبر " قدَّر الله عليهم حادثاً صدموا به عمود الإنارة! فهرعت الشرطة لمكان الحادث، وأصروا على السائق أن يدفع تكاليف العمود وكانوا قد قدَّروا ذلك بـ (21000) واحد وعشرون ألف ريال!
وهذا السائق - ومعه المعتمرون - لا يقدرون على دفع مثل هذا المبلغ!
فحجز الشرطة جواز سفر السائق لحين تدبير المبلغ ودفعه عند رجعتهم من أداء العمرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)
فغلب الشباب على أمرهم وفكروا في طريقة تحصيل المبلغ، فلم يكن أمامهم إلا عرض الموضوع على بعض المشايخ، فكان أن ذهب واحدٌ منهم - وهو الذي حدثني بالقصة - إلى الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في غرفته في الحرم المكي بعد صلاة العصر.
فعرف الشيخ منه القصة، وقال له: " تعال غداً وإن شاء الله يصير خير "!
قال الشاب: فلم أرجع للشيخ لأنني عرفت أن المبلغ كبير، والشيخ لا يعرفنا، ولم يُعرف عن الشيخ أنه يساعد في مثل هذه الأمور، لكنني ذهبت - والكلام لمحدثي - تحقيقاً لرغبة الشباب في أن أكلِّم الشيخ فقط.
ثم رجع القوم إلى " الأردن "، وكان لا بدَّ من المرور على " خيبر "! لأخذ الجواز، ولعلَّ الله أن يكون قد رقق قلوبهم فيسقطوا عنا المبلغ.
ولما دخل الشباب إلى المركز أصرَّ الضابط على إحضار المبلغ كاملاً وإلا لا سفر، فإن أرادوا السفر فمن غير السائق!!
تحيَّر الشباب وسائقهم! ماذا يفعلون؟
توجهوا للشاب الذي ذهب للشيخ ابن عثيمين فقالوا له: ألم تذهب أنت للشيخ ماذا قال لك؟ قال: قال: تعال غداً!!
قالوا: فهل ذهبتَ له؟ قال: لا!!
قالوا: اتَّصل به لعل الله أن يكون الفرج على يديه ونحن محبوسون عن أهلنا هنا ونحن في آخر أيام رمضان!!
قال: فاتَّصلتُ بالشيخ في غرفته فردَّ عليَّ وأخبرته بحالنا!
قال: أنت الشاب الأردني؟؟!!
قلت: نعم يا شيخ!
قال: ألم أقل لك تعال في الغد، لمَ لمْ تأتِ؟
قال: استحييتُ!
قال: فلمَ كلمتني إذن؟؟! على كل حال: المبلغ كان جاهزاً في اليوم نفسه!!!!!
فلم يصدِّقوا، وكاد الشباب أن يطيروا فرحاً - ومعهم السائق بالطبع! -.
قال الشاب: والحل يا شيخ؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)
قال الشيخ: أنا أحوِّل المبلغ للمركز، وأطلب منهم أن ييسروا أمركم وترجعوا إلى أهليكم قبل العيد!!
قال الشيخ: أعطني الضابط المسؤول!
كلَّم الضابطُ الشيخ بنوع من اللامبالاة!
قال الشيخ: المبلغ عندي وأعطني رقم حسابكم وأنا أحوله لكم وأطلقوا الشباب وسائقهم ليذهبوا إلى أهليهم!
ردَّ الضابط بقلة أدب: آسفين يا شيخ! لا بدَّ من إحضار المبلغ نقداً وإلا فلن يسافروا ولن يرجعوا!!
غضب الشيخ جدّاً من الضابط، وقال: أقول لك المبلغ عندي دعهم يذهبوا إلى أهليهم!!
رفض الضابط مرة أخرى!
أغلق الشيخ السماعة.
قال الشاب: فما هي إلا لحظات إلا والمركز ينقلب رأساً على عقب!!
ما الخطب؟؟
إنه أمير المدينة!! - الأمير عبد المجيد - اتصل يسأل عن الضابط الذي رفض طلب الشيخ وبدأ يهدد ويتوعد بالعقوبة!!
حاول الضباط وأفراد الشرطة التستر على زميلهم!!
ورأى الشباب تغير العنجهية بصورة سريعة ومذهلة! إلى رقة وأدب!
فأمرهم أمير المدينة بإطلاق الشباب وسائقهم فوراً وتصليح العمود على حساب الدولة!!
لا يتصور أحد مدى فرحة الشباب بهذا الخبر! فشكروا للشيخ جهوده ووقفته معهم وارتفعت أصواتهم بالدعاء للشيخ، وأكبروا في الأمير احترامه للعلماء وتقديره لمكانتهم في موقف لن ينساه أحد منهم ما عاش أبداً!
* قال الشيخ وليد الحسين: ولقد لمستُ حرص الشيخ على طلابه منذ بداية ملازمتي له، وذلك عندما قصدت هذه البلاد المباركة - المملكة العربية السعودية -
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
قبل ثلاث عشرة سنة، وقد صحبتُ معي القليل من المال حتى نفد، ولم يبق عندي منه شيء فصبَّرتُ نفسي، وأيقنتُ أن الله سيفرج هذا الضيق:
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها … فرجت وكنت أظن أنها لا تفرج
حتى إذا ما مضى أسابيع، وأنا أعيش هذا الضيق، فإذا بالشيخ يناديني بعد صلاة الفجر، وبيده مبلغ من المال ليس بالقليل، ويعلم الله أنني لم أشكُ له حالي، ولكنه الفرج من الله.
وبعد مدة من الزمن نفد ما عندي من المال، فخشيتُ أن أكون قد أحرجتُ الشيخ في مساعدته لي، أو يظن أنني لازمته من أجل المال، فقررتُ أن أرحل، وأجمع مالاً أتقوى به على طلب العلم، فرحلتُ إلى " الدمام " - حيث معارفي - وتركتُ رسالة للشيخ بيَّنتُ فيها سبب ارتحالي، فساءه ذلك جدّاً، وحاول أن يتعرف على عنواني، فتيسر له الحصول عليه وعلى رقم هاتفي، واتصل بي هاتفيّاً! وألزمني بالرجوع، وألحَّ عليَّ، فأجبتُه إلى طلبه وأنا في حرج، واستأنفتُ ملازمتي له.
وكان رحمه الله لا يبخل عليَّ وعلى زملائي من المغتربين بالإنفاق علينا، ومتابعة أحوالنا، وتذليل الصعاب التي تواجهنا.
* في إحدى عمرات الشيخ كان قد أدى العمرة مع جمع من أصحابه وقد سكنوا جميعاً في مسكن واحدٍ، وفي أثناء رجوعهم من المسجد الحرام إلى المسكن مرَّ الشيخ رحمه الله مع مَن معه على مجموعة من الشباب اللاهي وهم يلعبون " كرة القدم "! فوقف الشيخ بينهم ينصحهم ويوجههم للصلاة، فكان أن قابل أولئك الشباب الشيخَ بشيء من اللامبالاة والاستهزاء! فطلب الشيخ ممن معه أن يذهب إلى السكن ويبقى وحده مع أولئك الشباب!
فكان أن حصل للشيخ ما أراده، فلما رأى الشباب أن الشيخ مصرٌّ على البقاء ليذهبوا معه للصلاة سبَّ عليه واحدٌ منهم سبّاً مقذعاً بكلمات قبيحة نابية!
وقد فعل ذلك حتى لا يجعل مجالاً للشيخ في أن يبقى بينهم، وهم - بطبيعة الحال - لا يعرفون أن هذا هو الشيخ ابن عثيمين!
فتبسم الشيخ! وأصرَّ على البقاء حتى يصلِّي الشباب، وأن يذهب هذا السابُّ معه!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
وجلس الشيخ وسطهم على حجر مصرّاً على قوله.
والشباب استاءوا من مسبَّة صاحبهم لمثل هذه " الشيبة "!
فطلبوا من صاحبهم السابّ - لما رأوا إصرار الشيخ - أن يرافق الشيخ، ومعنى كلامهم أن يمشُّوه على قدر عقله!
فذهب الشاب السابُّ أخيراً مع الشيخ!
ولما دخلوا المسكن، استأذن الشيخ من الشاب قليلاً.
فخاطب بعضُ مَن مع الشيخ ذلك الشاب: هل تعرف الشيخ ابن عثيمين من قديم!!
فكاد الشاب أن يُغمى عليه من الصعقة!
وقال: ماذا قلت؟ من هذا الشيخ؟
قال: هذا الشيخ ابن عثيمين! ألا تعرفه؟؟
فما كان من الشاب إلا أن تأثر من موقفه ذاك وبكى، فلما حضر الشيخ قبَّل رأسَه وطلب منه المسامحة!
وما كان من الشيخ إلا أن يسامحه وهو الذي صبر عليه وهو يسبه ويشتمه، ثم علَّمه الوضوء والصلاة، فالتزم ذلك الشاب على يد الشيخ رحمه الله.
فانظر إلى هذه الهمة، وهذا الحرص، وذلك الصبر من الإمام رحمه الله.
* ولما أفتى الشيخ رحمه الله بفتيا معلومة اتهمه بعض الناس بتهم شتى، تتعلق باعتقاده! والشيخ مقتنع بما قال وله في ذلك سلف مثل شيخ الإسلام رحمه الله.
وفي مرَّة زاره شبابٌ من طلبة العلم ومعهم أسئلة، ومن ضمن تلك الأسئلة ما يتعلق بتلك الفتوى، وما قيل في الشيخ رحمه الله.
فأجاب الشيخ، ومن ضمن إجابته قال: إن الناس إذا رأوا إنساناً مشهوراً! تكلموا عليه وطعنوا فيه حسداً من عند أنفسهم … إلخ.
وراح الشباب ومعهم التسجيل.
وفي الليل اتصل الشيخ رحمه الله بالشاب الذي أحضرهم إليه طالباً منه الشريط!!
فاستغرب الشاب - أولاً - اتصال الشيخ، واستغرب أكثر من هذا الطلب!!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
فطلب الشاب التوضيح من الشيخ عن سبب طلبه الشريط قال الشيخ: هناك كلمة قلتُها ما كان ينبغي لي قولها! وأرى أن تحذف من الشريط! وهي قولي " إنساناً مشهوراً "!! فهذه فيها تزكية للنفس أرى أن تحذف!!!
* صلَّى الشيخ ابن عثيمين في الحرم المكي، وأراد بعد خروجه من الحرم الذهاب إلى مكان يحتاج الذهاب إليه إلى سيارة.
أوقف الشيخ ابن عثيمين سيارة تاكسي، وصعد معه.
وفي الطريق، أراد السائق التعرف على الراكب!
السائق: من الشيخ؟
الشيخ: محمد بن عثيمين!
السائق: الشيخ؟؟؟؟ - وظن أن الشيخ يكذب عليه، إذ لم يخطر بباله أن يركب معه مثل الشيخ -.
الشيخ: نعم، الشيخ!
الشيخ ابن عثيمين: من الأخ؟
السائق: الشيخ عبد العزيز بن باز!!!!!!!!!!
فضحك الشيخ.
الشيخ: أنت الشيخ عبد العزيز بن باز؟؟؟!!! لكن الشيخ عبد العزيز ضرير، ولا يسوق سيارة!!
السائق: ابن عثيمين في نجد وش اللي يجيبه هنا ، تمزح معي أنت؟
هنا ضحك الشيخ ، وأفهمه أنه بالفعل ابن عثيمين.
* سأله سائل: إذا كان القارئ يستمع إلى المسجّل فجاءت سجدة التلاوة فهل يسجد للتلاوة؟ فقال الشيخ: نعم إذا سجد المسجَّل!
* كان الشيخ ابن عثيمين يتكلم في درس عن عيوب النساء في أبواب النكاح، فسأله سائل وقال له: إذا تزوجت ثم وجدت زوجتي ليس لها أسنان، فهل هذا عيب يبيح لي طلب الفسخ؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
فضحك الشيخ وقال: هذه امرأة جيدة حتى لا تعضك!
مرض الشيخ
قال أحد أبناء الشيخ رحمه الله وهو عبد الله الصالح العثيمين (1):
لقد جاء اكتشاف مرض الشيخ رحمه الله متأخراً، وكان اكتشافه أول الأمر في مستشفى الملك فهد بالحرس الوطني، وقد قام المستشفى - إدارة ومختصين - بما يُشكرون عليه من عناية، ثم أجريت له فحوصات أخرى في مستشفى الملك فيصل التخصصي، ونال من إدارته والمختصين به كل عناية ورعاية، فجزى الله الجميعَ في المستشفيين خير الجزاء، وقد اختلفت آراء الأطباء سواء من كشفوا عليه أو من اطلعوا على التقارير عنه، واستشيروا حولها في طريقة علاجه، فكان منهم من رأى علاجه بالأشعة والكيماوي، ومنهم من لم ير ذلك، وفي تلك الظروف كان الشيخ محمد متردداً لِما رآه من اختلاف وجهات نظر الأطباء، ولمزيد من الاطمئنان - تشخيصا وعلاجا - جاءت مشورة ولاة الأمر في هذا الوطن له كي يسافر إلى أمريكا، حفظهم الله ورعاهم وجزاهم أفضل ما يجزي به عباده الصالحين على ما أبدوه تجاهه من عطف وما قاموا به من رعاية، وقد أكدت الفحوصات هناك ما تُوصل إليه من تشخيص في المملكة، واستقر الرأي الطبي على أن يعالج مدةً بالأشعة، مع جرعات مخففة بالكيماوي، ثم يبدأ العلاج بالكيماوي وحده، وسُرَّ الشيخ محمد بذلك، وقدم إلى الوطن ليبدأ في مستشفى الملك فيصل التخصصي ما استقر الرأي الطبي عليه، [وعولج] بالأشعة فعلا، على أن الأطباء رأوا أخيراً أن سلبيات علاجه بالكيماوي أوضح من إيجابياته، ففضلوا عدم علاجه به، وقبِل الشيخ ما فضَّلوه.
الدرس الأخير للشيخ رحمه الله في الحرم المكي
وكان صوت الشيخ يشير لما وصلت إليه حاله من تدهور في الصحة العامة، ونحول شديد في جسمه نقله عنه كل من رآه، لا سيما وأن مرض السرطان - أجارنا--------------------------------------------
(1) كتبه في جريدة الجزيرة - الطبعة الأولى - محليات الخميس 23،شوال 1421، العدد 10339.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
الله وإياكم - معروف عنه أنه يسبب آلاماً رهيبة ومبرحة للمصاب به لا يمكن التغلب عليها إلا بجرعات كثيرة من دواء مخدر (كالمورفين)، ولا أشك في أن الشيخ - قدس الله روحه - وكما سمعنا أيضا - قد رفض تعاطي ذلك الدواء وآثر الاحتساب فعلى الله أجره ولله الأمر من قبل ومن بعد ..
بدأ الشيخ بالحديث بصوت أثقلته الآلام، فتحدث عن العيد وأن الله سبحانه وتعالى جعل للمسلمين ثلاثة أعياد - الأضحى والفطر والجمعة - حق للمسلمين أن يفرحوا فيها بما أنعم الله عليهم من توفيق للأعمال الصالحة، وفصّل فيها قليلا، ثم انتقل إلى الإجابة على الأسئلة ..
ثم قال الشيخ بعدها قولة حُفرت في الذاكرة!!
آخر كلمات نطق بها الشيخ فأوشك على البكاء وأبكى من استمع له .. !!
قال الشيخ بصوته المتعب: وحيث أن هذه الليلة هي ليلة الثلاثين من رمضان فسيكون هذا آخر درس … وخنقته العبرة: ثم قال: لهذا العام، ولكن كان لسان الحال يقول: بل آخر درس إلى الأبد .. !!!
آخر ساعات الشيخ كانت مع كتاب الله
تحدث الدكتور " عامر رضوي " عن آخر ساعة في حياة فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين بأنه كان يقرأ القرآن الكريم، ثم دخل في غيبوبة وبعدها بساعة انتقل إلى جَوار ربه الكريم قبيل مغرب يوم الأربعاء الخامس عشر من شهر شوال سنة 1421هـ بمدينة جدة بالمملكة العربية السعودية وصلى على الشيخ في المسجد الحرام بعد صلاة العصر يوم الخميس السادس عشر من شهر شوال سنة 1421هـ الآلاف المؤلفة وشيعته إلي المقبرة في مشاهد عظيمة لا تكاد توصف، ودفن بمكة المكرمة رحمه الله رحمة واسعة.
نسأل الله تعالى أن يرحم شيخنا رحمة الأبرار وأن يسكنه فسيح جناته وأن يغفر له ويجزيه عما قدم للإسلام والمسلمين خيراً، ويعوض المسلمين بفقده خيراً، والحمد لله على قضائه، وقدره، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
التعريف بالرسالة:
وأما عن الرسالة فهي رسالة مبسطة وضعها الشيخ وفق خطة محددة لتصنيف منهج معين لطلاب السنة الثالثة الثانوية في المعاهد العلمية (1).
ولما كان المذهب المعتمد في هذه المعاهد هو المذهب الحنبلي، فيكون الشيخ قد وضع هذه الرسالة على أصول المذهب الحنبلي. إلا أنه كما سبق فالشيخ يسير في الفروع الفقهية على طريقة شيخه السعدي من عدم التقيد بالمذهب الحنبلي، وكان غالبا ما يوافق ترجيحات شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم هذا المنهج انعكس عليه في تأليفه لهذه الرسالة.
فتراه في بعض المواضع يشير إلى المذهب كما سيأتي - بإذن الله - في مسألة الفاسد والباطل.
وتراه يختار ترجيح تقي الدين ابن تيمية كما في رجوعه عن القول بوقوع المجاز في القرآن واللغة إلى القول بالمنع كما ذهب إليه تقي الدين وابن القيم.
وكما في مسألة الإجماع الظني وهو ما لا يعلم إلا بالتتبع والاستقراء قال: (وقد اختلف العلماء في إمكان ثبوته، وأرجح الأقوال في ذلك رأي شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال في "العقيدة الواسطية": "والإجماع الذي ينضبط ما كان عليه السلف الصالح، إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشرت الأمة).
وكذلك اختياره لقول شيخ الإسلام في تحريم التقليد العام بأن يلتزم مذهباً معيناً يأخذ برخصه، وعزائمه في جميع أمور دينه، حتى أنه قال في الشرح في هذه المسألة (ص/643): (وكلام شيخ الإسلام عليه نور دائما).
ومن نظر للرسالة بوجهة نظر موضعية ترى غالب تعريفاته يظهر فيها النفس الاجتهادي وعدم التقيد بمذهب معين.
فالخلاصة أن صياغة هذه الرسالة كانت حنبلية يخرج فيها الشيخ عما يراه مخالفا للأدلة.--------------------------------------------
(1) قال الشيخ في "شرح الأصول" (ص/119): "وضعوا لنا خطة لتصنيف منهج معين للمعهد، ومشينا على هذه الخطة ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
وقد تناقل البعض أن رسالة الشيخ إنما هي كالشرح لورقات الإمام الجويني، ولعل ما أوهم ذلك أمران:
الأول - التشابه في ترتيب غالب أبواب رسالة الشيخ والورقات.
الثاني - اهتمام الشيخ بورقات الإمام الجويني فقد علق على رسالة "التعبيرات الواضحات عن شرح الورقات" لمحمد عبد رب الرسول همام، وشرح نظم العمريطي على الروقات المسمى بـ: "تسهيل الطرقات".
وهذا القول ليس له حظ من النظر لمن تأمل الرسالتين، والقرائن التي تدل على ذلك:
1 - بالرغم من أن غالب كتب الأصول تتشابه في ترتيب الأبواب في الجملة إلا أن الشيخ خالف في ترتيب بعض الأبواب الإمام الجويني، فتراه أفرد بابا للمطلق والمقيد بخلاف الإمام الجويني الذي أشار إليه في نهاية العام والخاص.
والإمام الجويني تكلم عن الأفعال بعد الظاهر والمؤول بينما أخرها الشيخ العثيمين إلى باب الأخبار.
كما قدم الشيخ العثيمين باب الأخبار على الإجماع، بينما أخرها عنه الإمام الجويني.
إلى غير ذلك من المخالفات في ترتيب بعض الأبواب.
2 - خالف الشيخُ العثيمين الإمامَ الجويني في جلِّ تعريفات الكتاب، وترجيحاته، وكذا تفاريع الأبواب.
3 - أن الشيخ وإن كان له اهتمام بالورقات إلا أنه عندما ذكر مصادره التي اعتمد عليها في تأليف هذه الرسالة لم يذكر من بينها الورقات، ولا أي شرح من شروحه، ولا أشار إليها في أي موضع من الكتاب.
سبب اختياري لهذه الرسالة:
وإنما وقع اختياري على رسالة الشيخ العثيمين للأسباب التالية:
1 - أن رسالة الأصول من علم الأصول قد حوت أمهات أبواب أصول الفقه، والتي يحتاج إليها المبتدئ في دراسة هذا العلم مع حسن الترتيب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
2 - كما سبق مرارا أن الشيخ كان حنبليا تأصيلا وتفريعا لكنه على طريقة متقدمي الحنابلة والتي يتبع فيها العالم الدليل والتي أحيا مدرستهم ابن تيمية بعد اندثارها وشيوع طريقة التقليد عند متوسطي الحنابلة، وقد انعكس مذهبه وطريقته في الترجيح على اختياراته وتعريفاته في هذه الرسالة، بمعنى أن صياغة الأصول من علم الأصول كانت حنبلية يخرج فيها الشيخ عما يراه مخالفا للأدلة، فلذلك كانت هي من أفضل ما نبدأ به لدراسة أصول الحنابلة.
3 - سهولة عبارة الشيخ ووضوحها مما يؤدى إلى سهولة الوصول للمعلومة بعيدا عن الإلغاز، والتكلفات اللغوية، التي يشتهر بها المختصرات وخاصة الأصولية.
4 - عقيدة الشيخ السلفية، وهذه قلما تجدها وخاصة عند علماء الأصول.
5 - بُعد الشيخ عن علم الكلام والمنطق الذين حشدت بهما كتب الأصول، وذلك لأنه كان يرى تحريم تعلم المنطق رحمه الله.
6 - ذكره للأمثلة الفقهية مع ربطها بالقواعد الأصولية، وهذا مما يساعد على تثبيت القاعدة، وحسن تصورها، وأيضا تكوين ملكة الاجتهاد والاستنباط لدى طالب العلم.
شروح الرسالة:
شرحها المؤلف نفسه في مجلد كبير، ويمتاز هذا الشرح بتوضيح عبارة المتن وكثرة الأمثلة.
وقد توسع الشيخ رحمه الله في مناقشة بعض الأمثلة الفقهية، ما لم يتوسعه في مناقشة القضايا الأصولية.
وقد سبرت الشرح ووقفت فيه على بعض الفوائد الأصولية التي لا توجد في الأصل ومن ذلك قوله:
- إذا اجتمع مباشر ومتسبب فالضمان على المباشر إلا في حالتين:
1 - إذا كان لا يمكن تضمين المباشر كمن ألقى إنسانا لأسد فأكله.
2 - إذا كانت المباشرة مبنية على السبب كمن قتل شخصا قصاصا لشهادة الشهود ثم نكصوا واعترفوا بذلك فعليهم الضمان. (ص/240).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
- العام عمومه شمولي والمطلق عمومه بدلي (ص/251).
- الاستثناء من العام متصل ومن المطلق منقطع. (ص/252 - 253).
- النكرة في سياق الاستفهام الاستنكاري للعموم أما غير الإنكاري فللإطلاق (ص /254 - 255 (.
- علامة (الـ) الاستغراقية أن يحل محلها كل. (ص/256).
- الخاص إذا كان حكمه موافقًا للعام فإن هذا لا يسمى تخصيصًا (ص/270، 573).
- (الـ) صيغة عموم وهي صيغة عموم على رأي المتعمقين في النحو، وعلى رأي المتساهلين يقولون المحلى بالـ هو صيغة العموم. (ص/307 (.
- المشترك يستعمل في معانيه إذا لم يكن بينها تضاد. (ص/340).
تراجعات وتصويبات:
وقد تراجع الشيخ في الشرح عن بعض اختياراته في الأصل، وصوب بعض العبارات ومن ذلك:
- ما قاله الشيخ في تعريف الحكم اصطلاحاً بقوله: ما اقتضاه خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين من طلب أو تخيير أو وضع.
ثم قال في الشرح (ص/39): (لو قلنا "بأعمال المكلفين"؛ لأن العمل هو الذي يشمل القول والفعل، والفعل يُؤتى به في مقابل القول بخلاف العمل. فالعمل يطلق على الفعل والقول، والقول مقابل الفعل. ففي الحقيقة لو إننا عكسنا لكان أولى).
- ما قاله الشيخ في التمثيل للام الأمر بقوله تعالى: (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِه) [الفتح: 9]، [المجادلة: 4].
ثم قال في الشرح (ص/140): (هذه ليست آية ولكنها مثال "لام كي"، فاللام هنا " لام تعليل "، فالمثال الذي في الكتاب ليس هو الآية، فاللام في مثالنا لام الأمر). ثم فصل وذكر فروقا بين لان الأمر ولام التعليل.
- ما قاله في الأصل: (ولأن نسخ أحد الخبرين يستلزم أن يكون أحدهما كاذبًا) ثم استدرك في الشرح (ص/401) بقوله: (ليتنا زدنا: "أو وهمًا").
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
- ما رجحه في الأصل من أن قول الصحابي حجة فقال (ص/61): (الموقوف: ما أضيف إلى الصحابي ولم يثبت له حكم الرفع، وهو حجة على القول الراجح، إلا أن يخالف نصًّا أو قول صحابي آخر، فإن خالف نصًّا أخذ بالنص، وإن خالف قول صحابي آخر أخذ بالراجح منهما).
وخالف ذلك في الشرح (ص/464) فقال: (والتحقيق في هذه المسألة أن يقال: أما من نص النبي صلى الله عليه وسلم على أن قولهم حجة فلا ريب في أنه حجة كأبي بكر وعمر، وأما من سواهما فمن كان من العلماء - علماء الصحابة المشهورين بالفقه المعروفين بالإمامة - فإن إتباعهم أولى من إتباع الإمام أحمد والشافعي وأبي حنيفة ومالك وأشباههم، - وقال: أيضا: (فهؤلاء القول بأن قولهم حجة قول قوي جدا) -، وأما من كان دون ذلك كرجل أعرابي دخل المدينة وآمن بالرسول وعرف منه حكما، أو حكمين فإن قلنا: "قول هذا حجة" فهو قول فيه نظر قوي، وهو بعيد من الصواب … وهذا خلاف ما مشينا عليه في الأصل).
شروح أخرى:
وقد اهتم العلماء وطلبة العلم بشرح هذه الرسالة وقد وقفت لها على عدة شروح، مقروءة وصوتية، ذات مشارب متفاوتة فقد تفاوتت الجهود في شرح الرسالة بين مختصر، ومطول، وملتزم بالمتن، وخارج عنه، ومن هذه الشروح شرح:
- شرح الشيخ سعد بن ناصر الشثري وذلك في دورة عليمة سميت بدورة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله أقيمت بدولة الكويت عام 1422 هـ، وقد قام بعض طلاب العلم بإخراجه من حيز المسموع إلى حيز المقروء، وطبع عام 1430 هـ بدار كنوز إشبيليا.
- الشيخ عطاء عبد اللطيف (80) شريطا (1).
- الشيخ أحد بن عمر الحازمي (15) شريط.
- الشيخ عياض بن نامي السلمي (5) أشرطة.--------------------------------------------
(1) ولم أتمكن من الوقوف على الأشرطة العشر الأخيرة، وقد وصل في الشريط السبعين حتى باب الأخبار.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
- الشيخ عبد العزيز الريس (5) أشرطة.
- الشيخ حامد العلي (14) شريط.
- الشيخ فتحي الموصلي (36) شريط.
- الشيخ سامي بن محمد الصقير (17) شريط.
- الشيخ عبد الرحمن بن دخيل الله الدخيل الله. (15) شريط.
- الشيخ غازي بن مرشد العتيبي (15) شريط.
- الشيخ علي بن عبد العزيز الشبل (11) شريط.
وغيرها الكثير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
تمهيد
قبل أن أبدأ في اختصار وشرح رسالة الأصول من علم الأصول لابد من التقدمة بين يدي ذلك بذكر بعض الجمل في الحد من: تعريفه وبيان أقسامه وشروطه ومداخل الخلل فيه، ونحو ذلك، وذلك نظرا لكثرة حاجتنا إليها عند الكلام على الحدود التي ذكرها الشيخ.
الجزئيات والكليات:
قال الميداني في ضوابط المعرفة (ص/30) (1): (تنقسم المفردات التصورية الواقعة في الذهن إلى قسمين:
القسم الأول- الجزئيات. القسم الثاني: الكليّات.
ولكي نعرف الجزئيات والكليات لا بد أن نعرف ما هو الجزئي وما هو الكلى أولاً، ثم ننتقل إلى بيان الكليات وأقسامها، وما يلحقها من بيان الجزئيات.
أما الجزئي- فهو كل مفهوم ذهني يمتنع فرض صدقه على أكثر من فرد واحد بعينه. ويدل على الجزئي في الكلام الاسم العَلَم وما هو في قوته نحو: سعيد - خالد- صالح- فالاسم العلم موضوع لفرد بعينه، ومع تخصيص الوضع له بالفرد المعين لا يتصور الفكر جواز إطلاقه على فرد آخر مهما كان مماثلا له، لأن العَلم لم يوضع له إلا لتمييزه عن كل فرد سواه.
وحينما يشترك جزئيان في اسم علم واحد فإن لكل منهما اسما خُصص له بالوضع غير اسم الأخر، فهما في الحقيقة عَلَمان لا علمٌ واحد، ولو تشابها في اللفظ، لأن من سمّاهما لم يضع في الأصل اسما واحدا إذا أطلق فُهم منه هذا أو هذا، وإنما وضع لهذا اسمه الخاص به، ولهذا اسمه الخاص به، وصادف تشابه الاسمين في اللفظ.
وأما الكلي- فهو كل مفهوم ذهني لا يمنع تصوُّرُه من وقوع الشركة فيه، وإن
كان لا يصدق في الواقع إلا على فرد واحد فقط، أو لا يوجد منه في الواقع أي فرد.--------------------------------------------
(1) يعني وما بعدها، وهذا ديدني عند العزو بأن أقتصر على أول الصفحات، ولا أخالف ذلك إلا نادرا فلينتبه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
ويدل على الكليّ في الكلام النكرات وما كان من المعارف في قوة النكرة كالأسماء المعرفة بال التي للجنس.
أمثلة الكليّ: إنسان- حيوان- نجم- طائر- شمس- قمر- خالق من العدم- معدوم- عنقاء- شريك الخالق- واجب الوجود. …
والكلى الذهني ينقسم باعتبار وجود أفراده في الخارج وعدم وجودها وباعتبار الكم والكيف إلى الأقسام التالية:
الأول- كلي يستحيل عقلا وجود أي فرد من أفراده في الواقع، مثاله: (شريك الباري) سبحانه.
الثاني- كلي يمكن وجود أفراد منه في الواقع الا أنه لم يوجد أي فرد منها، مثاله: (عنقاء) فهو اسم لطائر وهمي غير موجود في الواقع، ولكن لا يمنع العقل من وجود أفراد له لو وجدت، فوجودها أمر ممكن عقلا.
الثالث- كلي يمكن وجود أفراد منه في الواقع إلا أنه لم يوجد منها غير فرد واحد فقط، مثاله: (شمس) و (قمر) و (إنسان) يوم لم يكن في الوجود غير آدم عليه السلام.
الرابع- كلي يستحيل في العقل وجود أكثر من فرد واحد له، مثاله: (واجب الوجود) و (خالق من العدم) فإن هذا الكلي لا ينطبق إلا على الله تبارك وتعالى، ويستحيل عقلا أن ينطبق على غيره، ومتى كان الشيء مستحيلا عقلاً كان الواقع تبعا له حتما.
الخامس- كلي يمكن وجود أفرادٍ منه غير متناهية العدد، ولكن لم يوجد منها الا عدد محصور، فأفراده في الواقع متناهية العدد، مثاله: (كوكب سيار) و (إِنسان) و (نجم) ونحو ذلك.
السادس- كلي يمكن وجود أفراد منه في الواقع غير متناهية العدد، وقد وجد منه في الواقع أفراد غير متناهية العدد، مثاله: (علم الله تعالى) فهو غير متناهي الأفراد، و (العدد) نفسه فهو غير متناهي الأفراد أيضا ....
ثم قال: خلاصة تعريفات:
1 - الكل: ما تركب من جزأين فأكثر.
2 - الكلّي: ما لا يمنع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
3 - الجزء: ما تركب منه ومن غيره كلُّ (1).
4 - الجزئي: ما كان معناه لا يقبل في الذهن الاشتراك).
الفرق بين الكل والكلي:
قال الشنقيطي في آداب البحث والمناظرة (1/ 25): وأما الفرق بين الكل والكلي فمن جهتين:
الجهة الأولى: الكلي لا يمنع تعقل مدلوله من حمله على كثيرين حمل مواطأة فيجوز حمل الكلي على كل فرد من أفراده حمل مواطأة كقولك: عمرو إنسان، وخالد إنسان إلخ فالإنسان كلي وقد صح حمله على كل فرد من أفراده حمل مواطأة.
وأما الكل فلا يجوز حمله على جزء من أجزائه حمل مواطأة بل حمل إضافة أو اشتقاق، فالكرسي مثلا كل مركب من خشب ومسامير، فلا يجوز أن تقول الكرسي مسمار، ولا أن تقول الكرسي خشب، ولكن يصح حمله على أجزائه بالإضافة والاشتقاق، فالإضافة كأن تقول الكرسي ذو مسامير، والاشتقاق كقولك: الكرسي مسمر، وكالشجرة فإنها كل مركب من جذوع وأغصان فلا يقال: الشجرة جذوع ولا الشجرة أغصان، وإنما يقال: الشجرة ذات جذوع وذات أغصان مثلاً.
الجهة الثانية: أن الكلي يجوز تقسيمه إلى جزئياته كأن تقول: الحيوان إما إنسان وإما فرس، وإما بغل وإما حمار إلخ. بخلاف الكل فلا يجوز تقسيمه إلى أجزائه بأداة التقسيم. فلا يصح أن يقال: الكرسي إما خشب وإما مسامير - ولا أن يقال: الشجرة إما جذوع وإما أغصان، وغنما يجوز حمل الكل على أجزائه حمل مواطأة مع العطف خاصة أعني عطف بعض أجزائه على بعضها كقولك: الكرسي مسامير وخشب، والشجرة جذوع وأغصان.
أقسام الكليات:
قال الميداني في ضوبط لمعرفة (ص/39) وما بعدها: (وقد استقرأ علماء هذا الفن الكليات فوجدوا أنها تقع في خمسة أقسام، وهي:--------------------------------------------
(1) كالمسامير بالنسبة للكرسي، وكالخشب بالنسبة إليه، وكالجذع بالنسبة للشجرة، والأغصان بالنسبة إليها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
ا- الجنس. … 2 - النوع. … 3 - الفصل.
4 - الخاصة. وتُسمّى أيضا (عرضا خاصّاً). 5 - العرض العام.
وشرحها فيما يلي:
1 - الجنس: هو مفهوم كلي يشتمل على كل الماهية المشتركة بين متعدد مختلف في الحقيقة. مثاله: حيوان، فهو كلي يتناول الإنسان والفرس والغزال وسائر الحيوانات، وهذه الأفراد مختلفة في حقيقتها، إذ الماهية الكاملة للإنسان مخالفة للماهية الكاملة للفرس أو الغزال وإن اشتركت هذه الكليات في جزء الماهية وهي الحيوانية، ولذلك يقال على كل منها حيوان.
ويعرفونه بأنه المقول على كثيرين مختلفين بالحقائق في جواب ما هو؟.
وهذا الاستفهام وهو (ما هو؟) يستفهم به عن الماهيات، أي عن العناصر الذاتية، لا العناصر العرضية غير الذاتية، فالعناصر الذاتية هي ما كان داخلا في حقيقة الشيء، كالحيوانية والناطقية بالنسبة إلى الإنسان، والعناصر العرضية هي ما لا يدخل في حقيقة الشيء، ولكنه من صفاته العرضية سواء كانت أعراضاً ملازمة أو مفارقة، كالمشي بالنسبة إلى الحيوان فإنه من الصفات العرضية للحيوان، وكالضحك بالنسبة إلى الإنسان فإنه من صفاته العرضية على ما يقولون.
2 - النوع: هو مفهوم كلي يشتمل على كل الماهية المشتركة بين متعدّد متفق في الحقيقة. مثاله: إنسان- فرس- غزال، فكل من هذه الأمثلة هو نوع من الأنواع التي ينقسم إليها الحيوان.
ومفهوم الإنسان يشتمل على كل ماهية هذا الكلي، وهو الحيوان الناطق، ومفهوم الفرس يشتمل على كل ماهية هذا الكلي الذي هو الحيوان المعروف، وكذلك الغزال.
وُيعرّفونه بأنه المقول على كثيرين متفقين بالحقيقة في جواب ما هو؟.
وقد يطلق اسم النوع على بعض ما هو جنس ولكن باعتباره قسماً متميزا بالماهية عن أقسام أخرى ينقسم إليها جنسُ فوقه، مثل: الحيوان والنبات بالنسبة إلى الجسم النامي، فالجسم النامي جنس ينقسم إلى أقسام مختلفة في الحقيقة، كل قسم منها يعتبر بالنسبة إليه نوعاً من أنواعه، ثم هي أجناسٌ لما تحتها من أنواع أخرى.
ويسمى هذا نوعا إضافيا لا حقيقيا، لأنه نوعٌ بالإضافة إلى جنس فوقه، وهو في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
الحقيقة جنس لأنواع تحته.
3 - الفصل: هو مفهوم كلي يتناول من الماهية الجزء الذي يميز النوع عن سائر الأنواع المشاركة له في الجنس. مثاله: ناطق، فهو كلي يتناول جزء ماهية الإنسان، وهذا الجزء هو الذي يميز النوع الإنساني عن سائر الأنواع، أما الجزء الآخر من ماهيته وهو الحيوانية فهو الجزء المشترك بينه وبين سائر الأنواع (1).
ويعرفونه بأنه كلي يقال على الشيء في جواب أي شيء هو في ذاته؟.
4 - الخاصة: مفهوم كلي هو من صفات الشيء الخارجة عن ماهيته والخاصة بها. مثالها: الضاحك إذا أطلق على الإنسان، فهو مفهوم كلي خارج عن ماهية الإنسان كما يقولون، لكنه من الصفات الخاصة بهذا النوع، فليس الضحك الذي هو ظاهرة للتعجب النفسي جزءاً من ماهية الإنسان، لكنه صفة خاصة به دون سائر الأنواع التي يتنوع إليها الحيوان، وضحك القرد قهقهة غير ناتجة عن تعجب، فليس هو كالضحك التعجبي الخاص بالإنسان.
ومثال الخاصة أيضا: قابلية العلم وصنعة الكتابة بالنسبة إلى الإنسان. ويعرفونها بأنها كلية تقالُ على ما تحت حقيقة واحدة فقط قولاً عرضيّا.
5 - العرض العام: مفهوم كلي هو من صفات الشيء الخارجة عن ماهيته وغير الخاصة بها. مثاله: الماشي، إذا أطلق هذا المفهوم على الإنسان، فهو مفهوم كليّ خارجٌ عن ماهية الإنسان، وهو من الصفات التي تعرض له، إلا أن هذه الصفة غير خاصة بهذا النوع، بل هي مشتركة بينه وبين غيره من أنواع الحيوان.
ويعرّفونه بأنه كلي يقالُ على ما تحت حقائق مختلفة قولاً عرَضياً.
وكل من الخاصة والعرض العام ينقسم إلى قسمين:
أ- فإمّا أن يكون عرضاً لازماً، وهو ما لا ينفك عن الماهية.
ب- وإما أن يكون عرضا مفارقا، وهو ما يقبل الانفكاك عن الماهية …--------------------------------------------
(1) قال الشنقيطي (ص/35): (وأعلم أن الفصل إنما سمي فصلا لأنه يفصل بين الأنواع المشتركة في الصفات فالإنسان والفرس مثلا يشتركان في الجوهرية والجسمية والنمائية والحساسية ـ فالناطق يفصل الإنسان عن الفرس المشارك له فيما ذكر والصاهل يفصل الفرس عن الإنسان كذلك).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)