تعريف المكروه اصطلاحاً:
قال الشيخ: (ما نهى عنه الشارع لا على وجه الإلزام بالترك).
قوله: (ما نهى عنه) خرج ما أمر به كالمندوب والواجب، وما لا يتعلق به أمر ولا نهي لذاته كالمباح.
وقوله: (لا على وجه الإلزام) أخرج المحرم لأن النهي عنه على سبيل الحتم واللزوم.
وكما سبق أن قيد بالترك زيادة لا داعي منها.
قال الشيخ: (المكروه: يثاب تاركه امتثالاً ولا يعاقب فاعله).
قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (1/ 420) ما مختصره: ((ويقال لفاعله) أي فاعل المكروه (مخالف، ومسيء، وغير ممتثل) مع أنه لا يذم فاعله، ولا يأثم على الأصح. وظاهر كلام بعضهم: تختص الإساءة بالحرام. فلا يقال: أساء إلا لفعل محرم).
فائدة:
قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (1/ 418) ما مختصره: ((وهو) أي المكروه (في عرف المتأخرين: للتنزيه) يعني أن المتأخرين اصطلحوا على أنهم إذا أطلقوا الكراهة، فمرادهم التنزيه، لا التحريم، وإن كان عندهم لا يمتنع أن يطلق على الحرام، لكن قد جرت عادتهم وعرفهم: أنهم إذا أطلقوه أرادوا التنزيه لا التحريم. وهذا مصطلح لا مشاحة فيه.
(ويطلق) المكروه (على الحرام) وهو كثير في كلام الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه وغيره من المتقدمين. - (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ) -.
ومن كلامه " أكره المتعة، والصلاة في المقابر " وهما محرمان، لكن لو ورد عن الإمام أحمد الكراهة في شيء من غير أن يدل دليل من خارج على التحريم ولا على التنزيه: فللأصحاب فيها وجهان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
أحدهما - واختاره الخلال وصاحبه عبد العزيز وابن حامد وغيرهم - أن المراد التحريم.
والثاني - واختاره جماعة من الأصحاب - أن المراد التنزيه.
ومن كلام أحمد " أكره النفخ في الطعام، وإدمان اللحم والخبز الكبار " وكراهة ذلك للتنزيه.
وقد ورد المكروه بمعنى الحرام في قوله تعالى ({كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا}).
المباح
تعريف المباح لغة:
قال الشيخ: (المباح لغة: المعلن والمأذون به).
قال الشيخ في شرح الأصول (ص/64): والمباح لغة المعلن، كقولهم: أباح سرَّه أي أعلنه.
(والمأذون فيه) أي أذنت لك في الانتفاع به، مثل: أبحتك سيارتي هذه الليلة، وأبحتك بيتي لمدة شهر. أي أذنت لك في الانتفاع به.
تعريف المباح اصطلاحاً:
قال الشيخ: (ما لا يتعلق به أمر ولا نهي لذاته).
قوله (ما لا يتعلق به أمر) خرج الواجب والمندوب.
قوله (أو نهي) خرج المحرم والمكروه.
قوله (لذاته) أي بقطع النظر عن أمر آخر، فلو نظرنا إلى تناول الطعام أو الشراب لحظ النفس فهو مباح ولكن إن كان للتقوي على الصوم فهو مندوب، وكذلك القيلولة لقوى على قيام الليل فهي مندوبة أيضا.
وأيضا بيع العنب مباح، ولكن إن كان لمن يعصره خمرا فهو محرم.
وعليه فالحكم على الفعل بالإباحة إنما يكون بالنظر إلى لذاته بقطع النظر عن أمر آخر.
وإن كان وسيلة لمحرم فهو محرم، وإن كان وسيلة لمكروه فهو مكروه، وإن كان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
وسيلة لواجب فهو واجب، وإن كان وسيلة لمندوب فهو مستحب.
وهذا التعريف غير جامع لدخول الإباحة العقلية فيه، وهي غير مرادة بالحد هنا، وإنما المراد المباح الشرعي، والإباحة العقلية هي البراءة الأصلية، وهي الحكم قبل ورود الشرع، ورفعها لا يكون نسخا، فتحريم الربا لم يكن ناسخا لإباحته في أول الإسلام؛ لأنه إباحته كانت عقلية لا شرعية، وقد يجاب عن ذلك بأن المقصود آصالة من بداية هذا المبحث هو تعريف الأحكام الشرعية لا العقلية، والمقصود هنا تعريف الإباحة الشرعية فلا وجه لتوهم دخول الإباحة العقلية في التعريف.
وعلى فرض صحة هذا التعقب فالأولى تعريفه بأنه: (خطاب الشارع بالتخيير بين الفعل والترك من غير بدل)، فصدرناه بأنه خطاب الشارع مشيا على طريقة الأصوليين في تعريف الحكم الشرعي بأنه نفس الخطاب، وأيضا لإخراج الإباحة العقلية، فإنها غير منسوبة للشرع، والقيد الأخير ليخرج الواجب الموسع في أول الوقت، والواجب المخير (1).
المباح حكم شرعي:
قال الآمدي في "إحكامه" (1/ 168): (اتفق المسلمون على أن الإباحة من الأحكام الشرعية خلافا لبعض المعتزلة مصيرا منه إلى أن المباح لا معنى له سوى ما انتفى الحرج عن فعله وتركه، وذلك ثابت قبل ورود الشرع وهو مستمر بعده فلا يكون حكما شرعيا، ونحن لا ننكر أن انتفاء الحرج عن الفعل والترك ليس بإباحة شرعية وإنما الإباحة الشرعية خطاب الشارع بالتخيير على ما قررناه، وذلك غير ثابت قبل ورود الشرع، ولا يخفى الفرق بين القسمين، فإذا ما أثبتناه من الإباحة الشرعية لم يتعرض لنفيها وما نفي غير ما أثبتناه).
هل يدخل المباح في الأحكام التكليفية؟
قال الشيخ: (المباح مادام على وصف الإباحة فإنه لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب).--------------------------------------------
(1) انظر الإحكام للآمدي (1/ 168).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
هذا كالشرح لكلمة بذاته. ومن هنا ومن كونه لا يتعلق به أمر ولا نهي فهو لا يدخل في الأحكام التكليفية ويسمى الحكم التخييري، وهو ظاهر كلام الشيخ العثيمين حيث أنه عرف الحكم الشرعي اصطلاحا بقوله: (ما اقتضاه خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين من طلب أو تخيير أو وضع) فالطلب الحكم التكليفي، والتخيير المباح والثالث الوضعي.
قال الشنقيطي في المذكرة (ص/8): (وحده - أي التكليف - في الاصطلاح قيل: إلزام ما فيه مشقة، وقيل طلب ما فيه مشقة (1)، فعلى الأول لا يدخل في حده الا الواجب والحرام إذ لا إلزام بغيرهما وعلى الثاني يدخل معهما المندوب والمكروه لأن الأربعة مطلوبة، وأما الجائز فلا يدخل في تعريف من تعاريف التكليف إذ لا طلب به أصلا، فعلا ولا تركا، وإنما أدخلوه في أقسام التكليف مسامحة وتكميلا للقسمة المشار إليها بقول المؤلف (وجه هذه القسمة أن خطاب الشرع أما أن يرد باقتضاء الفعل أو الترك أو التخير بينهما فالذي يرد باقتضاء الفعل أمر فأن اقترن به إشعار بعدم العقاب على الترك فهو ندب وإلا فيكون إيجابا والذي يرد باقتضاء الترك نهى فإن أشعر بعدم العقاب على الفعل فكراهة وإلا فحظر) كلامه واضح). يعني وتتمة القسمة فإن ورد بالتخيير فهو مباح.
وقال الشيخ النملة في "إتحاف ذوي البصائر في شرح روضة الناظر" (2/ 53): (الإباحة ليست تكليفا ولا تدخل تحت الأحكام التكليفية، وهذا مذهب جمهور العلماء وهو الصحيح؛ لأن التكليف هو: طلب ما فيه كلفة ومشقة بصيغة الأمر أو النهي، والإباحة ليس فيها مشقة … ).
وذهب البعض إلى إدخال المباح في الأحكام التكليفية وذلك راجع إلى تعريف التكليف عندهم.
قال الشيخ في "الشرح" (ص/49): (التكليف .. معناه: ليس هو المُشِّق على الإنسان! لكن الذي يتعلق بفعل المكلفين، سواء كان مباحًا أو واجبًا أو محرمًا أو مكروهًا …--------------------------------------------
(1) وقد سبق مناقشة هذه المسألة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
فبعض العلماء يقولون: نعم (1). وأجاب عن هذا بجوابين (2)، الجواب الأول: أن المراد بالتكليف التزام الشرع ولو كان الشيء مباحًا، وبعضهم أجاب قال: إن المباح فيه شيء من التكليف، وذلك باعتقاد إباحته، وفعله على سبيل الإباحة).
والقول الأول الذي ذكره الشيخ هو نحو قول المجد، حيث قال في المسودة (ص/32): (والتحقيق في ذلك عندي أن المباح من أقسام (أحكام) التكليف بمعنى أنه يختص بالمكلفين أي أن الإباحة والتخيير لا يكون الا لمن يصح إلزامه بالفعل أو الترك فأما الناسي والنائم والمجنون فلا إباحة في حقهم كما لا حظر ولا إيجاب فهذا معنى جعلها في أحكام التكليف لا بمعنى أن المباح مكلف به).
وفيه بعد فالناظر في عبارته يجد أنه ربط بين الأحكام التكليفية الخمسة بالقدر المشترك بينهم وهو المكلف، وهذا خارج عن محل النزاع فإن الكلام إنما هو بالنظر إلى ذات الفعل لا إلى الفاعل.
وأما ما نقله الشيخ عن البعض من قولهم: (أن المراد بالتكليف التزام الشرع ولو كان الشيء مباحًا) فلم أقف على قائله مع ما فيه من نظر، فمعنى الالتزام ينافي التخيير الذي في المباح، وقد سبق ذكر أن من معاني الواجب اللزوم، ولذا تجد ابن عقيل عندما عرف الواجب قال: (إلزام الشرع)، وقد سبق الكلام عليه.
وقد يكون المراد بالتزام الشرع الثبوت والدوام على أحكامه، بمعنى أنه يسير على نهجه، ولما كان المباح حكما شرعيا فيدخل في تعريف التكليف الذي ذكره الشيخ بأنه: التزام الشرع. ولا يخلو هذا أيضا فيه نظر؛ إذ أن الالتزام يكون لما فيه طلب بالفعل أو الترك، والمباح ليس فيه واحد منهما.
وأما القول الثالث الذي نقله الشيخ عن البعض من أن المباح فيه شيء من التكليف، وذلك باعتقاد إباحته، وفعله على سبيل الإباحة) فهو ضعيف قال الشيخ في "الأصل" (ص/10) وهو يعرف الحكم الشرعي بقوله (المتعلق بأفعال المكلفين): (فخرج به ما تعلق بالاعتقاد فلا يسمى حكماً بهذا الاصطلاح).--------------------------------------------
(1) ظاهر الكلام أن المراد الموافقة على دخول المباح في الأحكام التكليفية، وفي الشريط الأصل سؤالا لبعض الحاضرين، ولكنه بصوت غير مسموع.
(2) أي توجيهاتهم لدخول المباح في الأحكام التكليفية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
قال ابن قدامة في " الروضة" (ص / 41): (فإن قيل فهل الإباحة تكليف قلنا من قال التكليف الأمر والنهي فليست الإباحة كذلك ومن قال التكليف ما كلف اعتقاد كونه من الشرع فهذا كذلك وهذا ضعيف إذ يلزم عليه جميع الأحكام).
ومعنى جواب ابن قدامة أن من فسر التكليف بأنه ما كلف اعتقاده فإن تعريفه يكون منقوضا بدخول حتى الأحكام الوضعية فيه فالسبب نكلف بأن نعتقد كونه سببًا، وكذا المانع والشرط، وغيرهم.
والأليق بتعريف التكليف وبحسب القواعد أن المباح لا يدخل في الأحكام التكليفية، وإنما هو قسم خاص يسمي بالأحكام التخييرية، إلا أن الأمر فيه تساهل، ولا يترتب عليه كبير فائدة من جهة تخطئة هذا القائل، أو ذاك، والخطب يسير ولا مشاحة في الاصطلاح.
قال الآمدي في "إحكامه" (1/ 170): (اختلفوا في المباح هل هو داخل تحت التكليف، واتفاق جمهور من العلماء على النفي خلافا للأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني، والحق أن الخلاف في هذه المسألة لفظي، فإن النافي يقول إن التكليف إنما يكون بطلب ما فيه كلفة ومشقة، ومنه قولهم كلفتك عظيما أي حملتك ما فيه كلفة ومشقة، ولا طلب في المباح ولا كلفة لكونه مخيرا بين الفعل والترك، ومن أثبت ذلك لم يثبته بالنسبة إلى أصل الفعل بل بالنسبة إلى وجوب اعتقاد كونه مباحا، والوجوب من خطاب التكليف فما التقيا على محزّ واحد).
أسماء المباح:
قال الشيخ: (ويسمى: حلالاً، وجائزاً).
قال ابن النجار في شرح الكوكب المنير (1/ 427): ((ويطلق) مباح (وحلال على غير الحرام) فيعم الواجب والمندوب والمكروه والمباح، لكن المباح يطلق على الثلاثة، والحلال على الأربعة.
فيقال للواجب والمندوب والمكروه: مباح.
ويقال لهذه الثلاثة، وللمباح حلال، لكن إطلاق المباح على ما استوى طرفاه هو الأصل).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)
وأما الجائز فخصه قوم بما عدا الحرام كالمشروع والحلال.
ومن أسماءه أيضا: المأذون فيه، الطِلْق.
الأحكام الوضعية
سبب تسميته بالحكم الوضعي:
قال الطوفي في " شرح مختصر الروضة" (1/ 411): (ويسمى هذا النوع: خطاب الوضع والإخبار.
أما معنى الوضع، فهو أن الشرع وضع، أي: شرع أمورا سميت أسبابا وشروطا وموانع تعرف عند وجودها أحكام الشرع من إثبات أو نفي، فالأحكام توجد بوجود الأسباب والشروط، وتنتفي لوجود الموانع وانتفاء الأسباب والشروط.
وأما معنى الإخبار، فهو أن الشرع بوضع هذه الأمور أخبرنا بوجود أحكامه أو انتفائها عند وجود تلك الأمور أو انتفائها، فكأنه قال مثلا: إذا وجد النصاب الذي هو سبب وجوب الزكاة، والحول الذي هو شرطه، فاعلموا أني أوجبت عليكم أداء الزكاة، وإن وجد الدين الذي هو مانع من وجوبها، أو انتفى السوم الذي هو شرط لوجوبها في السائمة، فاعلموا أني لم أوجب عليكم الزكاة.
وكذا الكلام في القصاص، والسرقة، والزنى، وكثير من الأحكام، بالنظر إلى وجود أسبابها وشروطها، وانتفاء موانعها، وعكس ذلك …
التكليف بالشريعة لما كان دائما إلى انقضاء الوجود بقيام الساعة، كما أجمع عليه المسلمون، وكان خطاب الشارع مما يتعذر على المكلفين سماعه ومعرفته في كل حال على تعاقب الأعصار وتعدد الأمم والقرون، لأن الشارع إما الله سبحانه وتعالى، وخطابه لا يعرفه المكلفون إلا بواسطة الرسل عليهم السلام الملائكة إلى الأنبياء، أو الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الناس، وهو غير مخلد في الدنيا حتى يعرف خطاب الله تعالى وأحكامه في الحوادث بواسطته في كل وقت، بل هو بشر عاش بين الناس زمانا حتى عرفهم أحكام معاشهم ومعادهم، ثم صار إلى رحمة الله وكرامته، اقتضت حكمة الشرع نصب أشياء تكون أعلاما على حكمه ومعرفات له، فكان ذلك كالقاعدة الكلية في الشريعة، تحصيلا لدوام حكمها وأحكامها مدة بقاء المكلفين في دار
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)
التكليف، وتلك الأشياء التي نصبت معرفات لحكم الشرع هي الأسباب والشروط
والموانع … ) (1).
تعريف الأحكام الوضعية:
قال الشيخ: (الأحكام الوضعية: ما وضعه الشارع من أمارات لثبوت، أو انتفاء، أو نفوذ، أو إلغاء).
قال الشيخ في شرح الأصول (ص/69): " ما وضعه الشارع من أمارات" أي علامات.
قوله: (لثبوت، أو انتفاء، أو نفوذ، أو إلغاء) مثلا: كون الشهود رجلين، فهذا ثبوت، وإذا كان الشاهد قريبا للمشهود له، فهذا انتفاء، كذلك أيضا القرابة سبب للميراث يثبت به الإرث، واختلاف الدين ينتفي به الميراث.
قوله: (أو نفوذ، أو إلغاء) البيع الصحيح يقول الشارع أنه نافذ، والبيع الفاسد يقول الشارع أنه ملغي).
وأقرب التعاريف وأكثرها فائدة في فهم تعريف الشيخ ما ذكره الشيخ عياض السلمي في "أصوله" (ص/55) حيث عرفه بقوله: (خطاب الله تعالى بجعْلِ الشيء سبباً أو شرطاً أو مانعاً أو صحيحاً أو فاسداً).
وعليه فمقصود الشيخ بـ "ثبوت": السبب، والشرط. وبـ "انتفاء": المانع، وبـ
"النفوذ": الصحيح، وبـ "الإلغاء": الفاسد.
أقسام خطاب الوضع هي ما يظهر به الحكم وهي العلل والأسباب، والثاني: الشروط والثالث: الموانع، والرابع: الصحة، والخامس: الفساد، وينجر الكلام إلى الرخصة، والعزيمة، والقضاء، والآداء، والإعادة، وفي بعضها خلاف في عده من الخطاب الوضعي.
والشيخ لم يتكلم على أي من هذه الأقسام غير الصحة والفساد، ولكنه في شرح الأصول عرج قليلا على بعضها.--------------------------------------------
(1) انظر: التحبير (3/ 1048)، شرح الكوكب (1/ 435)، المدخل (ص/158).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)
تنبيهات وفوائد:
وقفات مع تعريف الشيخ:
1 - من نظر في تعريف الشيخ يجد أنه ما سار على طريقة الأصوليين في تعريف الحكم الوضعي فكان الأولى أن يقول: (خطاب الله … ).
2 - من دقق في التعريف المذكور يجد أنه غامض حيث لم يتبين من عبارة الشيخ أن هذه الأحكام الموضوعة من الشارع كعلامات لثبوت أو انتفاء أو نفوذ أو إلغاء ماذا؟! فمثلا إن قلنا أن هذه الأحكام الوضعية هي (ما وضعه الشارع من أمارات لثبوت) وسكتُ ثم قلتَ لي: لثبوت ماذا؟ لكان سؤالك متجها، وجوابه لثبوت الحكم، وعليه فالأولى إضافته للتعريف فيقال: (ما وضعه الشارع من أمارات لثبوت الحكم الشرعي، أو انتفاءه، أو نفوذه، أو إلغاءه).
3 - ذكر الشيخ كلمة (ما وضع) في تعريفه للحكم الوضعي مما يلزم منه الدَّوْر.
4 - وقد يتعقب البعض هذا التعريف بأنه معيب على كلام المناطقة إذ أنه يحتوي على أو التشكيكية.
قال الأخضري في شرحه على السلم وهو يتكلم على شروط المعرفات: (ولا يجوز أيضاً دخول "أو" في الحقيقي).
أي لا تدخل في الحد الحقيقي المحتوي على الفصل والجنس، وأما في الرسمي فجائز، مثالَه تقَوْل مَا الَإنسان؟ بالْحَدّ تقَوْل: حَيَوَان ناطق مَن غَيْر (أو) التشكيكية. وبالرسم تقَوْل: حَيَوَان ضاحك أو قابَل للتعلَم أو الْكِتَابَة أو … الخ فهذا تعريف بالخاص (رسمي) وليس بالجنس والفصل (حقيقي).
ويجاب بأن أو هنا للتنويع، وليس للتشكيك.
قال الطوفي في " شرح مختصر الروضة " (1/ 253) عند تعريفه الحكم بقوله: خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء، أو التخيير: (ويورد المتعنتون على مثل قولنا: أو التخيير، أن «أو» للشك والترديد، والمراد من الحدود الكشف والتحقيق، وهما متنافيان.
وأجيب عنه، بأن «أو» لها معان منها التنويع، نحو: الإنسان إما ذكر، أو أنثى، والعدد: إما زوج، أو فرد، أي: هو متنوع إلى هذين النوعين، وهذا المعنى هو المراد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
هنا، أي: الحكم له نوعان: اقتضاء وتخيير، والتنويع، هو نفس الكشف والتحقيق، لا مناف له.
وأجاب بعض الفضلاء عن مثل هذا، أنه حكم بالترديد، لا ترديد في الحكم، والشك، هو الثاني دون الأول، لأنه جزم لا شك.
فإن قيل: إذا كان لـ «أو» معان، فهي مشتركة، والمشتركات لا تصلح في الحدود لإجمالها.
قلنا: لا يلزم من الاشتراك الإجمال، لجواز تعيين المراد بقرينة أو غيرها، فيزول الإجمال، فيجوز).
5 - الأولى في صياغة تعريف الشيخ أن نقول: (خطاب الله الدال على ثبوت الحكم، أو انتفاءه، أو نفوذه، أو إلغاءه)، وهذا التعريف غير جامع فلم تدخل فيه بعض أنواع الحكم الوضعي الأخرى: كالرخصة، والعزيمة، والقضاء، والآداء، والإعادة، وإن كان في بعضها خلاف في عدِّه من الخطاب الوضعي، وقد يجاب عن ذلك بأنه اقتصر على الأسباب والشروط والموانع لكونها كليات الحكم الوضعي المتفق عليها، وقد ذكر معها الصحة والفساد مع أنهما مختلف في كونها من الأحكام العقلية، أم التكليفية، أم الوضعية، فكان الأولى التنصيص على باقي الأفراد.
والتعريف المشهور عند الحنابلة هو: (ما استفيد من نصب الشارع علَما معرفا
لحكمه) (1) وللعلَم المنصوب أصناف منها: العلة، والسبب، والشرط وعكسه المانع، والصحة والفساد، ونحو ذلك مما يدخل في الخطاب الوضعي.
وهذا التعريف كتعريف الشيخ يسير على طريقة الفقهاء فقد عرف الحكم الوضعي بأنه الأثر المستفاد من خطاب الشرع، والأولى في تعريفه على طريقة الأصوليين أن نقول: (خطاب الله المتعلق بما نصب عَلَمًا معرفًا لحكمه).--------------------------------------------
(1) انظر: مختصر الطرفي (ص/30)، المختصر (ص/65)، التحبير (3/ 1047)، شرح الكوكب (1/ 434)، المدخل (ص/158).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
العلاقة بين الخطاب الوضعي والطلبي:
قال الطوفي في شرح مختصر الروضة (1/ 439): (خطاب الوضع والطلب قد
يجتمعان، وقد ينفرد كل واحد منهما عن صاحبه، أما اجتماعهما فكالزنى هو من جهة كونه سببا للحد خطاب وضعي، ومن جهة كونه حراما خطاب طلبي، وكذا نظائره.
وأما انفراد خطاب الوضع، فكزوال الشمس وسائر أوقات الصلوات أسباب لوجوبها، وطلوع الهلال سبب وجوب رمضان، وصلاة العيدين والشك والحيض مانع من الصلاة والصوم، والبلوغ شرط لوجوبها، وحؤول الحول شرط لوجوب الزكاة، فكل هذه متجردة عن خطاب الطلب، ليس هو فيها أنفسها، بل في غيرها، كالوجوب مثلا متعلق بالصلاة لا بالزوال، وبصوم رمضان لا بطلوع الهلال. وأما انفراد خطاب الطلب، فقال القرافي في "الفروق": هو كأداء الواجبات واجتناب المحرمات، وإن كان صاحب الشرع قد جعلها سببا لبراءة الذمة، وترتيب الثواب، ودرء العقاب، غير أن هذه ليست أفعالا للمكلف، ولا نعني بكون الشيء سببا إلا كونه وضع سببا لفعل من قبل المكلف.
وقال في "شرح التنقيح": لا يتصور انفراد خطاب التكليف، إذ لا تكليف إلا وله سبب أو شرط أو مانع. قلت وهذا أشبه بالصواب).
الفرق بين الخطاب الوضعي والتكليفي من حيث الحكم:
قال الطوفي في شرح مختصر الروضة (1/ 416): (أما الفرق بينهما من حيث الحكم، فهو أن خطاب اللفظ الذي يعبر عنه بخطاب التكليف، يشترط فيه علم المكلف وقدرته على الفعل وكونه من كسبه، كالصلاة، والصيام، والحج، ونحوها على ما سبق في شروط التكليف.
أما خطاب الوضع، فلا يشترط فيه شيء من ذلك إلا ما يستثنى بعد إن شاء الله.
أما عدم اشتراط العلم، فكالنائم يتلف شيئا حال نومه، والرامي إلى صيد في ظلمة أو وراء حائل يقتل إنسانا، فإنهما يضمنان ما أتلفا، وإن لم يعلما، وكالمرأة تحل بعقد وليها عليها، وتحرم بطلاق زوجها، وإن كانت غائبة لا تعلم.
وأما عدم اشتراط القدرة والكسب، فكالدابة تتلف شيئا، والصبي أو البالغ يقتل خطأ، فيضمن صاحب الدابة والعاقلة، وإن لم يكن الإتلاف والقتل مقدورا ولا مكتسبا لهم،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)
وطلاق المكره عند موقعه وهو غير مقدور له بمطلق الإكراه أو مع الإلجاء، كما سبق في موضعه.
أما المستثنى من عدم اشتراط العلم والقدرة فهو قاعدتان:
إحداهما: أسباب العقوبات، كالقصاص لا يجب على مخطئ في القتل لعدم العلم، وحد الزنى لا يجب على من وطئ أجنبية يظنها زوجته، لعدم العلم أيضا، ولا على من أكره على الزنى لعدم القدرة على الامتناع، إذ العقوبات تستدعي وجود الجنايات التي تنتهك بها حرمة الشرع زجرا عنها وردعا، والانتهاك إنما يتحقق مع العلم والقدرة والاختيار، والقادر المختار هو الذي إن شاء فعل وإن شاء ترك، والجاهل والمكره قد انتفى ذلك فيه، وهو شرط تحقق الانتهاك، فينتفي الانتهاك لانتفاء شرطه، فتنتفي العقوبة لانتفاء سببها.
القاعدة الثانية: الأسباب الناقلة للأملاك، كالبيع، والهبة، والصدقة، والوصية، ونحوها: يشترط فيها العلم والقدرة، فلو تلفظ ناقل للملك، وهو لا يعلم مقتضاه لكونه أعجميا بين العرب، أو عربيا بين العجم، أو طارئا على بلد الإسلام، أو أكره على ذلك، لم يلزمه مقتضاه، لقوله عليه السلام: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه)، وقوله سبحانه وتعالى: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) [النساء: 29]، ولا يحصل الرضى إلا مع العلم والاختيار).
الصحيح
تعريف الصحيح لغة:
قال الشيخ: (الصحيح لغة: السليم من المرض).
قال ابن منظور في لسان العرب مادة (ص ح ح): الصُّحُّ والصِّحَّةُ والصَّحاحُ: خلافُ السُّقْمِ، وذهابُ المرض؛ وقد صَحَّ فلان من علته واسْتَصَحَّ).
تعريف الصحيح اصطلاحاً:
قال الشيخ: (ما ترتبت آثار فعله عليه).
قال في الشرح (ص/70): (فكل شيء تترتب آثار فعله عليه فهو الصحيح، سواء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)
أكان عبادة، أو معاملة، أو عقدًا، فكل شيء تترتب آثاره عليه فهو الصحيح).
وأكد ذلك الشيخ بقوله: (فالصحيح من العبادات: ما برئت به الذمة وسقط به الطلب.
والصحيح من العقود: ما ترتب آثاره على وجوده، كترتب الملك على عقد البيع مثلاً).
ثم أخذ يبين متى يكون الشيء صحيحا فقال: (ولا يكون الشيء صحيحاً إلا بتمام شروطه وانتفاء موانعه).
ومثل لذلك في الأصل فقال (ص/72): (مثال ذلك في العبادات: أن يأتي بالصلاة في وقتها تامة شروطها وأركانها وواجباتها.
ومثال ذلك في العقود: أن يعقد بيعًا تامًا شروطه المعروفة مع انتفاء موانعه. فإن فقد شرط من الشروط أو وجد مانع من الموانع امتنعت الصحة.
مثال فقد الشرط في العبادة: أن يصلي بلا طهارة.
ومثال فقد الشرط في العقد: أن يبيع مالا يملك.
ومثال وجود المانع في العبادة: أن يتطوع بنفل مطلق في وقت النهي.
ومثال وجود المانع في العقد: أن يبيع من تلزمه الجمعة شيئاً بعد ندائها الثاني على وجه لا يباح).
والأثر المترتب على الفعل يختلف عند المتكلمين عنه عند الفقهاء، فهو عند المتكلمين: موافقة الشرع، وعند الفقهاء يفرقون بين العبادات، والمعاملات، ففي العبادة: إسقاط القضاء، وفي المعاملات: ترتب ثمرة العقد عليه، كما سيأتي قريبًا - بإذن الله - بيان ذلك.
ومقصود الشيخ بالآثار المقصودة من العبادة هي براءة الذمة وسقوط الطلب، فمن أدى الصلاة مستوفاة الشروط والأركان وخالية من الموانع فقد برئت بها الذمة وسقط بها الطلب.
وأما المعاملة فتختلف باختلاف نوعها، فإن كانت بيعا فهي دخول الثمن في ملك البائع والمبيع في ملك المشتري، وإن كانت إجارة فالمقصود منها تمكين المستأجر من العين المستأجرة لينتفع بها، وتمكين المؤجر من تملك الأجرة لينتفع بها، وهكذا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)
تنبيهات:
التنبيه الأول - تعريف الصحيح عند الفقهاء وعند المتكلمين:
لم يذكر الشيخ التفرقة بين تعريف الصحيح عند الفقهاء والمتكلمين وكل من وقفت عليه ممن تكلم عن تعريف الصحيح ذكر هذا الفرق (1).
قال ابن قدامة في "روضة الناظر" (ص/58): (فالصحيح من العبادات - أي عند الفقهاء - ما أجزأ وأسقط القضاء والمتكلمون يطلقونه بإزاء ما وافق الأمر وإن وجب القضاء كصلاة من ظن أنه متطهر، وأما العقود فكل ما كان سببا لحكم إذا أفاد حكمه المقصود منه فهو صحيح وإلا فهو باطل فالباطل هو الذي لم يثمر والصحيح الذي أثمر).
قال ابن بدران في "نزهة الخاطر العاطر" (1/ 111): (ثمرة الخلاف بين الفقهاء والمتكلمين تظهر في صلاة من ظن أنه متطهر ثم تبين له خلاف ظنه فعلى اصطلاح المتكلمين صلاته صحيحه؛ لأنه وافق الأمر المتوجه عليه في الحال، وأما القضاء فوجوبه بأمر مجدد فلا يشتق منه اسم الصحة، وهذه الصلاة فاسدة عند الفقهاء؛ لأنها غير مجزئة … ).
التنبيه الثاني - هل يشمل تعريف الشيخ للصحة المعاملات والعبادات.
بداية تعريف الشيخ إنما هو على طريقة الفقهاء لا المتكلمين، وهو تعريف للصحة عندهم في المعاملات دون العبادات، وقد اختار البعض صحة شمول التعريف لكلاهما.
قال ابن مفلح في "أصوله" (1/ 253): (الصحة في العبادة: سقوط القضاء بالفعل- وفي المعاملات: ترتب ثمرة العقد عليه (2) - عند الفقهاء، وعند المتكلمين: موافقة الأمر، فإِذا وجدت حكم العقل بصحتها بالتفسيرين).
قال الآمدي في " الإحكام " (1/ 175): (أما في العبادات فعند المتكلم الصحة عبارة عن موافقة أمر الشارع وجب القضاء أو لم يجب، وعند الفقهاء الصحة عبارة عن سقوط القضاء بالفعل فمن صلى وهو يظن أنه متطهر وتبين أنه لم يكن متطهرا--------------------------------------------
(1) انظر: شرح مختصر الروضة (ص/1/ 441)، التحبير (3/ 1082)، المختصر لابن اللحام (ص/67)، شرح الكوكب (1/ 465)، المدخل (ص/164).
(2) وهذا هو التعريف الذي اختاره الشيخ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
فصلاته صحيحة عند المتكلم لموافقة أمر الشارع بالصلاة على حسب حاله وغير صحيحة عند الفقهاء لكونها غير مسقطة للقضاء، وأما في عقود المعاملات فمعنى صحة العقد ترتب ثمرته المطلوبة منه عليه، ولو قيل للعبادة صحيحة بهذا التفسير فلا حرج).
وقد نقل الطوفي هذا التوجيه الأخير، وعلله بقوله في "شرح مختصر الروضة" (1/ 445): (قال الآمدي: ولا بأس بتفسير الصحة في العبادات بهذا. قلت: لأن مقصود العبادة إقامة رسم التعبد وبراءة ذمة العبد منها، فإذا أفادت ذلك كان هو معنى قولنا: إنها كافية في سقوط القضاء، فتكون صحيحة).
قال المرداوي في "التحبير" (3/ 1086): (قوله: {ويجمعهما: ترتب الأثر المطلوب من الفعل عليه}. أكثر الأصوليين يفرد كل واحد من الصحة في العبادات، والصحة في المعاملات بحد، لأن جمع الحقائق المختلفة في حد واحد لا يمكن. صرح به ابن الحاجب في تقسيم الاستثناء إلى منقطع ومتصل، لكن ذلك مخصوص بما إذا أريد تمييز الحقيقة عن الأخرى بالذاتيات، وأما غيره فيجوز، فلذلك جمعنا بينهما في تعريف واحد، لصدقه عليهما، تبعا للكوراني … قال - أي الكوراني -: (لو قيل: الصحة مطلقا: عبارة عن ترتب الأثر المطلوب من الفعل عليه، ليشمل العبادات من غير تطويل، لكان أولى. غايته: أن ذلك الأثر عند المتكلمين: موافقة الشرع، وعند الفقهاء إسقاط القضاء. وعلى هذا يكون الخلاف راجعا إلى تعيين الأثر المطلوب، لا إلى تفسير الصحة) انتهى. وقد قال القطب الشيرازي: (لو قيل: المعاملات ترتب ثمرة المطلوب منه عليه شرعا، اطرد. ولو قيل: العبادة صحيحة بهذا التفسير، فلا حرج) انتهى.) (1).
وعليه فالتعريف المختار للصحة هو ما اختاره الشيخ مع حذف القيد الأخير لما فيه من التطويل، ويغني عن ذكره ما في التعريف من عموم: (ما ترتبت آثار فعله عليه).--------------------------------------------
(1) انظر: "شرح الكوكب المنير" (1/ 468).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
التنبيه الثالث: التفريق بين الأثر المترتب على آداء الواجب، والمستحب:
قال الشيخ العثيمين في "الشرح" (ص/71): (العبادات منها "واجب " ففعله يقال فيه: أبرأ الذمة، ومنها "مستحب " ففعله يقال فيه: سقط به الطلب، ولا يمنع أيضا أن نقول حتى في الواجب: إنه سقط به الطلب، فالإنسان إذا صلى الظهر برئت ذمته ولم يطالب بالصلاة مرة ثانية.
س: فإذا صلى راتبة الظهر، فهل نقول: برئت ذمته؟
ج: لا؛ لأنها غير مشغولة أصلاً، ولكن نقول: سقط الطلب عنه. بهذه الصلاة؛ لأنه أداها كما أمر).
وقد تعقب الشيخ عطاء قول الشيخ العثيمين: (الصحيح من العبادات: ما برئت به الذمة وسقط به الطلب) فقال ما محصله: (هذه العبارة فيها حشو، وهو قوله: (برئت به الذمة)؛ لأن قوله (سقط به الطلب) يغني عن قوله (برئت به الذمة)، ولا يغني قوله (برئت به الذمة) عن (سقط به الطلب)؛ لأنه إذا كانت العبادة فريضة فلن تكون صحيحة إلا إذا كانت مستوفاة لشروطها وأركانها وواجباتها، وانتفت موانعها فتبرأ بها ذمته ويسقط الطلب عنه، فإذا قلنا سقط الطلب فيكون هذا تعبيرا صحيحا؛ لأن العبادة لما صحت سقط بها الطلب، فسقوط الطلب يلزم منه أن تبرأ ذمته بها.
وأما النافلة فلم تشغل ذمته بها أصلا، ولكن إذا صحت النافلة سقط الطلب فلا يستحب له أن يعيدها.
فقوله: سقط الطلب يشمل الفريضة والنافلة، وأما قوله برئت به الذمة، فهذا يشمل الفرض دون النافلة.
فالأشبه أن يقال: إذا صحت العبادة سقط بها الطلب سواء كانت فريضة، أو نافلة (1)).--------------------------------------------
(1) قال المرداوي في "التحبير" (3/ 1097): (الإجزاء مختص بالعبادة مطلقا. يعني: سواء كانت العبادة واجبة، أو مستحبة، وهذا هو الصحيح، ونقله السبكي عن الفقهاء، وقال ابن العراقي: (هذا المشهور). فيقال: قراءة الفاتحة فقط تجزيء في النافلة، كما يقال ذلك في الواجب. ولا يقال لغير العبادة، فلا يقال في المعاملات تجزيء، بل موردها العبادة فقط، وقال القرافي والأصفهاني في شرحيهما ل ' المحصول '، و ' شرح التنقيح ' للقرافي وغيرهما: (يختص الإجزاء بالواجب من العبادة فقط، فلا يجري في كل مطلوب)، وانظر: شرح الكوكب (1/ 468)، المدخل (ص/166).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
من دقق في هذا القيد (برئت به الذمة) يجد أن الشيخ العثيمين زاده للدلالة على لزومه في الواجب.
وحذفه الشيخ عطاء للاستغناء عنه بسقوط الطلب، ولو تأملت قول الشيخ عطاء (فسقوط الطلب يلزم منه أن تبرأ ذمته بها) لتعقبته في تعريفه للصحيح من العبادة بطرد هذه الملازمة في المستحب.
ولما كان كل من الشيخين قد اتفق على أن الذمة غير مشغولة بالمستحب أصلا، فالذي أراه أن الخلاف بينهما لفظي، وحذف هذا القيد أولى حتى لا يظن من عموم كلام الشيخ العثيمين أن الذمة مشغولة بالمستحب.
فائدة - الفرق بين الصحة والقبول:
ذكر ابن النجار في شرح الكوكب (1/ 469) الأقوال في ذلك ثم قال: (قال ابن العراقي - وهو ولي الدين أبو زرعة ابن الحافظ العراقي الشافعي -: ظهر لي في الأحاديث التي نفي فيها القبول ولم تنتف معه الصحة - كصلاة شارب الخمر ونحوه- أنا ننظر فيما نفي، فإن قارنت ذلك الفعل معصية، - كحديث شارب الخمر ونحوه-؛ انتفى، القبول. أي الثواب، لأن إثم المعصية أحبطه، وإن لم تقارنه معصية. كحديث: "لا صلاة إلا بطهور" ونحوه، فانتفاء القبول سببه انتفاء الشرط، وهو الطهارة ونحوها، ويلزم من عدم الشرط عدم المشروط. انتهى) (1). وهو الراجح عندي من الأقوال في المسألة.
الشرط والسبب والمانع:
أشار الشيخ في الأصل إلى السبب والشرط والمانع، وفي الشرح توسع بعض الشيء في الكلام عليهم.
الشرط عرفه ابن النجار بقوله: (ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته) ويزاد عليه قيد (وكان خارجا عن حقيقة الشيء).فمثلا الوضوء--------------------------------------------
(1) انظر التحبير (3/ 1104).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
شرط لصحة الصلاة عدم وجوده يلزم منه عدم صحة الصلاة ووجوده لا يلزم منه صحة ولا فساد للصلاة لاحتمال وجود مانع من الصحة غيره.
وأما القيد الأخير فللتفرقة بين الشرط والركن فالركن داخل ماهية الشيء فقراءة الفاتحة ركن من الصلاة بخلاف الوضوء فهو شرط لصحتها.
والسبب عرفه ابن النجار بقوله: (ما يلزم من وجوده الوجود ويلزم من عدمه العدم لذاته).
ومثاله السفر لإباحة الفطر والإسكار لتحريم الخمر والصغر للحجر والولاية عليه، وكالهلال لصيام رمضان والزوال لوجوب الظهر.
والقيد الأخير احترازا مما لو قارن السبب فقدان الشرط، أو وجود المانع
كالنصاب قبل تمام الحول، أو مع وجود الدين. فإنه لا" يلزم من وجوده الوجود، لكن لا لذاته، بل لأمر خارج عنه، وهو انتفاء الشرط ووجود المانع.
والمانع: عرفه ابن النجار بقوله: (ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه
وجود ولا عدم) ويضاف قيد لذاته احترازا من عدم وجود السبب.
والمنع ينقسم لمانع دوام كالطلاق للنكاح، ومانع ابتداء كالإحرام للنكاح، ومانع دوام وابتداء كالرضاعة للنكاح.
الفاسد
تعريف الفاسد لغة:
قال الشيخ: (الذاهب ضياعاً وخسراً).
الفساد نقيض الصلاح (1)، قال الشيخ في شرح الأصول (ص/79): (كل شيء لا يستفاد منه فإنه يسمى في اللغة فاسدا، لو تغير طعم التمر قيل: هذا تمر فاسد؛ لأنه ضاع وخسره الإنسان).
تعريف الفاسد اصطلاحاً:
قال الشيخ: (ما لا تترتب آثار فعله عليه عبادة كان أم عقداً).--------------------------------------------
(1) انظر مادة (ف س د) في: المحكم، العين، تهذيب اللغة، المحيط، لسان العرب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)
ومن فهم الصحيح ظهر له وجه هذا التعريف وهو واضح فكل مالا يترتب عليه آثاره فهو فاسد سواء كان من العبادات كمن صلى بغير وضوء، أو في المعاملات كمن باع ما لا يملك ونحو ذلك.
وقد سبق ذكر وجه حذف القيد الأخير فيكون تعريف الفاسد: (ما لا تترتب آثار فعله عليه).
التفريق بين الأثر المترتب على فساد الواجب، والمستحب:
قال الشيخ: (فالفاسد من العبادات: ما لا تبرأ به الذمة ولا يسقط به الطلب كالصلاة قبل وقتها. والفاسد من العقود: ما لا تترتب آثاره عليه كبيع المجهول).
قال الشيخ في شرح الأصول (ص/80) ما ملخصه: ((الفاسد من العبادات: ما لا تبرأ به الذمة) وهذا خاص بالواجبات.
وقوله: (ولا يسقط به الطلب) وهذا بالنسبة للمستحبات. لأن الواجب إذا برئت به الذمة سقط به الطلب.
وهل الذمة مشغولة بالمستحب حتى نقول تبرأ به الذمة؟
ج: لا لكن الإنسان مطالب به، فإذا فعله على وجه صحيح سقط الطلب … ).
وقد سبق مناقشة زيادة قيد: (ما لا تبرأ به الذمة)، وقول الشيخ عطاء أنه يغني عنها: (ما لا يسقط به الطلب).
فالأشبه أن يقال: إذا فسدت العبادة لا يسقط بها الطلب سواء كانت فريضة، أو نافلة.
وقال: (وقوله: (الفاسد من العقود: ما لا تترتب آثاره عليه كبيع المجهول) فبيع المجهول لا يصح لحديث أبي هريرة: (نهى عن بيع الغرر).
ومعنى عدم ترتب الآثار عليه (بيع المجهول مثلا) عدم انتقال الملك إلى المشتري، ولا يباح له انتفاعه بالمبيع، ولا يتصرف فيه، ولا يتملك البائع الثمن وهكذا.
كل فاسد محرم.
قال الشيخ: (وكل فاسد من العبادات والعقود والشروط فإنه محرم).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
وهنا قاعدة هامة أن كل فاسد محرم؛ لأن الفساد إنما جاء من نهي الشارع عن هذا الفعل، فطالما أنه فاسد فلابد وأن يكون منهيا عنه ومحرما.
والكلام ينسحب على الفرق بين الفاسد والباطل.
الفاسد والباطل.
قال الشيخ: (والفاسد والباطل بمعنى واحد إلا في موضعين:
الأول: في الإحرام فرقوا بينهما بأن الفاسد ما وطئ فيه المحرم قبل التحلل الأول، والباطل ما ارتد فيه عن الإسلام.
الثاني: في النكاح فرقوا بينهما بأن الفاسد ما اختلف العلماء في فساده كالنكاح بلا ولي، والباطل ما أجمعوا على بطلانه كنكاح المعتدة).
تمهيد:
قال العلائي في "تحقيق المراد" (ص / 72): (والجمهور في عدم التفرقة بين الباطل والفاسد وأنهما مترادفان يطلق كل منهما في مقابلة الصحيح.
وأما الحنفية فإنهم فرقوا بينهما وخصصوا اسم الباطل بما لا ينعقد بأصله كبيع الخمر والحر، والفاسد بما ينعقد عندهم بأصله دون وصفه كعقد الربا فإنه مشروع من حيث انه بيع وممنوع من حيث انه عقد ربا فالبيع الفاسد عندهم يشارك الصحيح في إفادة الملك إذا اتصل بالقبض.
وحاصل هذا أن قاعدتهم انه لا يلزم من كون الشيء ممنوعا بوصفه أن يكون ممنوعا بأصله فجعلوا ذلك منزلة متوسطة بين الصحيح والباطل وقالوا الصحيح هو المشروع بأصله ووصفه وهو العقد المستجمع لكل شرائطه والباطل هو الممنوع بهما جميعا والفاسد المشروع بأصله الممنوع بوصفه ومذهب الشافعي وأحمد وأصحابهما أن كل ممنوع بوصفه فإنه ممنوع بأصله).
بيان مذهب الحنابلة:
قال المرداوي في التحبير (3/ 1110) بعد أن ذكر مذهب الأحناف بالتفريق بين الفاسد والباطل: (وفائدة التفصيل عندهم: أن الفاسد يفيد الملك إذا اتصل به القبض، دون الباطل، والله أعلم. والأصح - دليلا -: أن البطلان يرادف الفساد، وهما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)