Arabic source text

📘 আল-আওয়াসিম ওয়াল কাওয়াসিম ফীয যাব্বি আন সুন্নাতি আবিল কাসিম (ইবনুল ওয়াজীর - মৃত্যু 840 হিজরী)

📘 العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم (ابن الوزير - ت 840 هـ)

📘 আল-আওয়াসিম ওয়াল কাওয়াসিম ফীয যাব্বি আন সুন্নাতি আবিল কাসিম (ইবনুল ওয়াজীর - মৃত্যু 840 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
غير آية: {لَعَلَّهُم يذَّكَّرون} أي: لمحبته ذلك لهم، وطلبه منهم عند أهل السنة كما مضى.
وقال في الغافلين: {أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف: 179]، وتأمَّل قوله تعالى: {بَلْ هُمْ أضَلُّ} فإنه يدلُّ على أن الله تعالى مكَّنهم من اختيار الصواب بخلاف الأنعام.
وسيأتي ذكر إجماع أهل السنة على أن الله سبحانه … (1) إلى العبد رحمةً من الله وعدلاً، وحكمةً بالغة لا عجزاً عن هداية من ضل كما يُلْزِمُ أكثر المبتدعة، ومع ذلك، فإن اختيار العبد لا يقع إلَاّ مُوافقاً لعلم الله وقدره ومشيئته، كما أن اختيار الرب لا يقع إلَاّ كذلك ولم يقتضِ ذلك نفي اختياره عز وجل.
وكما أن سبق العلم عند المعتزلة وسائر العُقلاء لا يستلزم نفي الاختيار، فكذلك سبق المشيئة والقضاء والقدر عند أهل السنة، وقد مضى في مسألة الإرادة بيان ما تحتمله العقول من معرفة وجوه الحكمة في ذلك، وما الصحيح فيه أنه من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلَاّ الله تعالى.
ويأتي في الكلام على الحكم في تقدير الشر، وطرفٍ صالح من ذلك في مسألة الأقدار إن شاء الله تعالى.
المرتبة الرابعة: وجوب الأفعال مع بقاء الاختيار بالنظر إلى تقدُّم القضاء والقدر والعلم والكتابة والقول ونحو ذلك، والمقصود بهذه المرتبة يَتِمُّ إن شاء الله تعالى بذكر خمس فوائد.
‌‌الفائدة الأولى: فيما وَرَدَ من النهي عن الخوض في القَدَرِ وبيان مرتبة ذلك من الصحة في بيان معناه. والوارد في ذلك عموم وخصوص، أمَّا العموم، فكل--------------------------------------------
(1) بياض في الأصول قدر كلمة.

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 171)

ما يمنع من الخوض فيما لا يُعلم من نحو قوله تعالى: {ولا تَقْفُ ما ليس لك به عِلْمٌ} [الإسراء: 36]، ويأتي الكلام على حكمة الله تعالى في تقدير الشرور، وفيه ذكر حكمته في ذلك، وأما الخوض فجملة ما عرفته في ذلك عشرة أحاديث.
الحديث الأول: ما خرجه الترمذي (1) من حديث أبي هريرة أنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن نتنازع في القدر، فقال: " أبهذا أُمِرْتُم أم بهذا أُرسلت إليكم؟! إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم أن لا تنازعوا فيه ".
قال الترمذي: هذا حديثٌ غريب لا نعرفه إلَاّ من هذا الوجه من حديث صالح المُرِّيِّ، وله غرائب ينفرد بها، ولا يُتابَعُ عليها، وفي الباب عن عمر (2) وعائشة (3) وأنسٍ (4).--------------------------------------------
(1) رقم (2133).
(2) بلفظ: " لا تجالسوا أهل القدر، ولا تفاتحوهم " أخرجه أحمد 1/ 30، وأبو داود (4710) و (4720)، واللالكائي (1124)، والحاكم 1/ 85. وفي سنده حكيم بن شريك الهذلي، وهو مجهول.
(3) أخرجه ابن ماجه (84) وأبو الحسن القطان في زياداته على ابن ماجه، والآجري في " الشريعة " ص 235 من طريق يحيى بن عثمان مولى أبي بكر، عن يحيى بن عبد الله بن أبي مليكة، عن أبيه أنه دخل على عائشة، فذكر لها شيئاً من القدر، فقالت: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من تكلَّم في شيء من القَدَر، سُئِلَ عنه يوم القيامة، ومن لم يتكلم فيه، لم يُسأل عنه ".
وقال البوصيري في " مصباح الزجاجة " 1/ 58: هذا إسناد ضعيف لاتفاقهم على ضعف يحيى بن عثمان، قال ابن معين، والبخاري، وابن حبان: منكر الحديث. زاد ابنُ حبان: لا يجوز الاحتجاج به، ويحيى بن عبد الله بن أبي مليكة. قال ابنُ حبان: يعتبر حديثه إذا روى عنه غير يحيى بن عثمان.
(4) هو الحديث السابع.

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 172)

الحديث الثاني: عن عبد الله بن عمرو بن العاص، خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يومٍ والناس يتكلمون في القدر، فكأنما تَفَقَّأ في وجهه حبُّ الرمان من الغضب، فقال لهم: " ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض، بهذا هلك من كان قبلكم ".
خرَّجه أحمد بن حنبل في " المسند " من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده (1).
وفي هذا الطريق خلافٌ بين الحُفَّاظ كثيرٌ شهيرٌ.
الحديث الثالث: عن ثوبان مرفوعاً (2). رواه الطبراني، وفيه يزيد بن ربيعة الرحبي، قال ابن عَدِي: لا بأس به، ولكن قال الهيثمي والنسائي: إنه متروكٌ (3).--------------------------------------------
(1) أخرجه عبد الرزاق (20367)، وأحمد 2/ 181 و185 و195 و196، والبخاري في " خلق أفعال العباد " (218)، وابن ماجه (85)، والآجري في " الشريعة " ص 68، واللالكائي (1118) و (1119)، والبغوي في " شرح السنة " (121) من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. وهذا إسناد حسن.
وأخرجه مسلم (2666) مختصراً من طريق أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن رباح الأنصاري، عن ابن عمرو.
(2) ولفظه: اجتمع أربعون رجلاً من الصحابة ينظرون في القدر والجبر فيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فنزل الروح الأمين جبريل صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، اخرج على أمتك، فقد أحدثوا، فخرج عليهم في ساعة لم يكن يخرج عليهم فيها، فأنكروا ذلك منه، وخرج عليهم ملتمعاً لونه، متورِّدة وجنتاه، كأنما تفقأ بحبِّ الرُّمان الحامض، فنهضوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاسرين أذرعهم، ترعُدُ أكفُّهم وأذرعهم، فقالوا: تُبْنا إلى الله ورسوله، فقال: " أولى لكم إن كِدْتُم لتوجبون، أتاني الروح الأمين فقال: اخرج على أمتك يا محمدُ فقد أحدثت ". أخرجه الطبراني في " الكبير " (1423).
(3) " مجمع الزوائد " 7/ 201، وقال البخاري: أحاديثه مناكير، وقال أبو حاتم وغيره: ضعيف.

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 173)

الحديث الرابع: عن أبي الدرداء مرفوعاً (1)، رواه الطبراني، وفيه عبد الله بن يزيد بن آدم، قال أحمد: أحاديثُه موضوعة (2).
الحديث الخامس: عن ثوبان أيضاً (3). خرَّجه الطبراني بإسنادِ حديثِ ثوبان السابق، وجعلهما حديثين، وفي هذا زيادة الأمر بالإمساك عند ذكر الصحابة.
الحديث السادس: عن ابن مسعود مرفوعاً " إذا ذُكِرَ أصحابي فأمْسِكُوا، وإذا ذُكِرَ القَدَرُ فأمْسِكُوا ". رواه الطبراني (4)، وفيه مُسْهِرُ بن عبد الملك، وثَّقه ابن حبان وغيره وفيه خلاف، وبقيتهم رجال الصحيح! قاله الهيثمي (5).
الحديث السابع: عن أنس مرفوعاً (6)، رواه أبو يعلى، وفيه يوسفُ بن--------------------------------------------
(1) أخرجه الطبراني 8/ (7660) و22/ (198) من طريق عبد الله بن يزيد بن آدم الدمشقي، عن أبي الدرداء، وواثلة بن الأسقع، وأبي أُمامة، وأنس بن مالك قالوا: كنا في مجلس أناسٍ من اليهود ونحن نتذاكر القدر، فخرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضباً، فعبس، وانتهر، وقطب، ثم قال: " مه اتقوا الله يا أمة محمد، واديان عميقان قعران مظلمانِ، لا تهيجوا عليكم وهج النار " ثم أمر اليهود أن يقوموا، ثم قام وبسط يمينه، وبسط أصبعه الشمال، ثم قال: " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله الرحمن الرحيم بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وأمهاتهم وعشائرهم، فرغ ربكم، فرغ ربكم، فرغ ربكم، أعذرت أنذرت، اللهم إني قد أبلغت ".
(2) " المجمع " 7/ 201 - 202.
(3) أخرجه الطبراني (1427) بلفظ: إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذُكِرَت النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا ". وفيه يزيد بن ربيعة: قال الهيثمي 7/ 202: وهو ضعيف.
(4) أخرجه الطبراني (10448)، وأبو نعيم في " الحلية " 4/ 108.
(5) 7/ 202.
(6) ولفظه قريب من لفظ حديث عبد الله بن عمرو. انظر " المجمع " 7/ 202.

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 174)

عطيَّة، وهو متروك.
الحديث الثامن: عن أبي هريرة مرفوعاً، " أُخِّرَ الكلامُ في القدر لشرار هذه الأمة ". رواه البزار (1)، والطبراني في " الأوسط " وقال: " أشرارُ أمتي في آخر الزمان ". قال الهيثمي: ورجالُ البزار في أحد الإسنادين رجال الصحيح غير عمر بن أبي خليفة، وهو ثقة.
الحديث التاسع: عن ابن عباس مرفوعاً، " اتقوا القدر فإنه شُعبة من النصرانية " (2)، رواه الطبراني، وفيه نزار بن حيَّان، وهو ضعيف، وهو يفيد النهي عن القدر نفسه لا عن الكلام فيه.
الحديث العاشر: عن أبي رجاء العُطاردي قال: سمعت ابن عباس يقول وهو على المنبر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يزال أمر هذه الأمة قِوَاماً أو مقارباً ما لم يتكلموا في الوِلْدانِ والقدر " (3).
رواه البزار والطبراني في " الأوسط " و" الكبير "، وقال الهيثمي: رجال البزار رجال الصحيح، أخرجه الذهبي في " تذكرته " (4) في ترجمة محمد بن حبان صاحب " الصحيح " عنه، قال: أخبرنا الحسن بن سفيان، أخبرنا يزيدُ بن صالح اليشكري ومحمد بن أبان الواسطي قالا: أخبرنا جريرُ بن حازم، قال: سمعت أبا رجاء العطاردي، وساق الحديث.--------------------------------------------
(1) (2178) و (2179).
(2) أخرجه ابن أبي عاصم في " السنة " (332)، والطبراني (11680)، وابن عدي في " الكامل " 5/ 1839 من طريق نزار بن حيَّان، عن عكرمة، عن ابن عباس.
(3) أخرجه البزار (2180)، والطبراني (12764)، وابن حبان (6724)، والحاكم 1/ 33 من طرق عن جرير بن حازم، عن أبي رجاء العطاردي، عن ابن عباس مرفوعاً. وهذا إسناد صحيح.
(4) 3/ 923.

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 175)

قال الذَّهبي: هذا حديث صالح الإسناد غريب لم أجده في الكتب الستة.
قلتُ: رواه الحاكم في " المُستدرك " من طريق سليمان بن حرب، وشيبان بن أبي شيبة، ويزيد بن صالح، ومحمد بن أبان أربعتهم عن جرير بن حازم، عن أبي رجاء، عن ابن عباس، وقال: على شرطهما، ولا نَعْلَمُ له علةً.
وقد رواه السبكي موقوفاً على ابن عباس (1)، ولم يذكر رفعه، فإذا سَلِمَ من الإعلال برُجحان الوقف كان أصلحها إسناداً.
ومعنى هذه الأحاديث إن شاء الله تعالى: التحذيرُ من مجاراة المبتدعة في القَدَرِ، والجدل بغير علم، وبغير حقٍّ المؤدي إلى الباطل، وإثارة الشر كما هو الظاهرُ من حديث أبي هريرة، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " أُخِّرَ الكلام في القدر لشرارِ أُمتي في آخر الزمان " فهذا الذي أُخر هو الخوض فيه على أحد هذه الوجوه (2) الفاسدة.
فأمَّا الخوض فيه على جهة التعرف والتعلم لما جاءت به الشريعة، ثم الإيمان به على الوجه المشروع، فإنه لم يؤخر هذا لشرار الأمة، بل قد تواتر أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوا عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وخاضوا في معرفته، وفي وجوب الإيمان به كما يأتي ذلك في الفائدة الثالثة، فلم يزجُرْهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك القَدْرِ من الخوض فيه لما كان وسيلةً إلى الإيمان به، ولم يكن فيه شيءٌ من شعار المبتدعة، وكذلك لم يترك الجواب (3) عليهم بالقدر الواجب بيانُه في ذلك.
وقد احتجَّ الإمام العلامة أبو عمر بن عبد البر على ذلك في كتابه " التمهيد " بحديث محاجَّة موسى وآدم في القدر، وهو من أصح الأحاديث كما يأتي بيانه.--------------------------------------------
(1) أخرجه عبد الله بن أحمد في " السنة " (703)، واللالكائي في " السنة " (1127) من طريق أبي عاصم، عن جرير، عن أبي رجاء، عن ابن عباس موقوفاً.
(2) في (ش): الأمور.
(3) في (ش): وكذلك تم الجواب.

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 176)

تواتر عن أبي هُريرة رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (1)، ورواه مع أبي هُريرة غيرُ واحد (2)، فلله الحمدُ والمنة.
وكذلك ورد في " الصحيحين " من حديث ابنِ عباس مراجعةُ عمر بن الخطاب، وأبي عُبيدة بن الجراح رضي الله عنهما في أمر القَدَرِ في أمر الطاعون حين عَزَمَ عمر على الرجوع بالمسلمين خوفاً عليهم منه، فقال أبو عبيدة: أفِراراً من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، وكان يكره خلافه، نعم نَفِرُّ من قَدَرِ الله إلى قَدَرِ الله، أرأيت لو كانت لك إبلٌ، فهبطتَ بها وادياً له عُدْوَتَانِ إحداهما مُجدِبَةٌ، والأخرى: مُخْصِبَة، لكنت إن رعيتها في المُخصِبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيتها في المُجْدِبة رعيتها بقدر الله (3)، ثم جاء عبد الرحمن بنُ عوف، فروى لهم الحديث في ذلك، فلم يَعِبْ هذه المراجعة عليهما أحدٌ من المسلمين، وكانوا في أعظمِ جمعٍ من جموعهم.--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه في 1/ 218.
(2) أخرجه أبو داود (4702)، وابن منده في " الرد على الجهمية " (38)، من طريق ابن وهب عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب. وإسناده حسن.
وأخرجه الهروي في " الأربعين في دلائل التوحيد " (22) من طريق مطر الوراق، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمر، عن أبيه عمر.
وأخرجه الهروي (22) من طريق شريك، عن عمارة بن جُوين العبدي البصري، عن أبي سعيد الخدري. وإسناده ضعيف جداً.
(3) أخرجه مالك 2/ 894 - 896، وأحمد 1/ 192 و194، والبخاري (5729)، ومسلم (2219)، وأبو داود (3103)، وابن حبان (2953)، والبيهقي 7/ 217 - 218، وأبو يعلى (837)، والنسائي في " الكبرى " كما في " التحفة " 7/ 211.
وفي رواية مختصرة عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه =

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 177)

فدل على أن المحرَّم بالنصوص ما يدلُّ العقل على المنع منه، وهو الخوضُ فيما لا يعلم من سِرِّ الله تعالى فيه، وعلى وجه المِراء وطرائق المبتدعة في تحكيم الرأي، وتقديمه على الآثار، وعلى كل وجهٍ يُؤدي إلى المفسدة.
وذلك مثل ما (1) خرَّجه أحمد في " المسند " عن عُقبة بن عامر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " هلاك أُمَّتي في الكتاب " قالوا: يا رسولَ الله، ما الكتابُ؟ قال: " يتعلمون القرآن فيتأوَّلُونه على غير ما أنزله الله عز وجل " (2).
وفي إسناد أحمد عبدُ الله بن لهيعة، عن أبي قبيل عن عُقبة، وهو ضعيف عند الأكثر، وقد أثنى عليه أحمد وغيره (3)، ولكن الحاكم قد خرَّج الحديث من--------------------------------------------
= خرج يريد الشام، فلما دنا بلغه أن بها الطاعون فحدثه عبد الرحمن بن عوف … فذكر الحديث. أخرجها مالك 2/ 896 - 897، وأحمد 1/ 193 و194، والبخاري (5730).
و (6973)، ومسلم (2219)، والبيهقي 3/ 376.
وأخرجه مختصراً أحمد 1/ 194، وأبو يعلى (848) من طريقين عن عبد الرحمن بن عوف.
(1) " مثل ما " ساقطة من (ش).
(2) أخرجه أحمد 4/ 155 ومن طريقه أبو يعلى (1746)، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرىء، عن ابن لهيعة، عن أبي قبيل حُيي بن هانىء، عن عقبة بن عامر وزاد أحمد. قال ابن لهيعة: وحدثنيه يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر الجهني. وهذا إسناد حسن، فعبد الله بن يزيد روى عن ابن لهيعة قبل احتراق كتبه.
وأخرجه الطبراني 17/ (816) من طريق سعيد بن أبي مريم، عن ابن لهيعة بالإسناد السابق.
(3) عبد الله بن لهيعة بن عقبة بن فرعان القاضي الإمام محدث الديار المصرية مع الليث، وُلِدَ سنة خمس أو ست وتسعين، وطلب العلم في صباه، لقي اثنين وسبعين تابعياً.
صدوق في نفسه، احترقت كتبه سنة تسع وستين فساء حفظه. قال الذهبي في " السير ": الظاهر أنه لم يحترق إلَاّ بعض أصوله. =

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 178)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .--------------------------------------------
= أعرض أصحاب الصحاح عن رواياته، وأخرج له مسلم مقروناً وأبو داود والترمذي وابن ماجه. وما رواه القدماء عنه فهو أجود.
وقد اختلف الأئمة في أمره:
فمنهم من قال: حديثه كله واحد، وهو ضعيف، وهو المشهور عن يحيى بن معين، وقال به الجوزجاني، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والدارقطني، وقال: ويعتبر بما يروي عنه العبادلة، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال ابن خراش: لا يُكتب حديثه.
قال أبو زرعة: سماع الأوائل والأواخر منه سواء إلَاّ أن ابن وهب وابن المبارك كانا يتبعان أصوله، وليس ممن يحتج به.
وقال ابن مهدي: ما أعتدُّ بشيء سمعته من حديث ابن لهيعة إلَاّ سماع ابن المبارك ونحوه.
وقال الترمذي في " الجامع " 1/ 16: ابن لهيعة ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه يحيى بن سعيد القطان وغيره من قبل حفظه.
ومنهم من وثقه في نفسه وصحح رواية من روى عنه قبل احتراق كتبه وعليه العمل: قال أحمد: من كان مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه؟ وقال أحمد بن صالح: كان ابن لهيعة صحيح الكتاب طَلَاّباً للعلم. وقال سفيان الثوري: عند ابن لهيعة الأصول وعندنا الفروع. وقال أبو الطاهر بن السرح: سمعت ابن وهب يقول: حدثني -والله- الصادق البار عبد الله بن لهيعة، قال أبو الطاهر: فما سمعته يحلف بهذا قط.
وقال ابن عدي: أحاديته أحاديث حسان مع ما قد ضعفوه فيكتب حديثه وقد حدث عنه مالك، وشعبة، والليث.
وقال الفسوي: سمعت أحمد بن صالح يقول: ابن لهيعة صحيح الكتاب كان أخرج كتبه، فأملى على الناس حتى كتبوا حديثه إملاءً، فمن ضبط كان حديثه حسناً صحيحاً، إلا أنه كان يحضر من يضبط، ويُحسن قوم يكتبون ولا يضبطون ولا يصححون، وآخرون نظارة، وآخرون سمعوا مع آخرين، ثم لم يخرج ابن لهيعة بعد ذلك كتاباً ولم يُرَ له كتاب، وكان من أراد السماع منه ذهب فاستنسخ ممن كتب عنه وجاءه فقرأه عليه، فمن وقع على نسخة صحيحة فحديثه صحيح، ومن كتب من نسخة لم تُضبط جاء فيه خَلَلٌ كثير. =

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 179)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .--------------------------------------------
= وقال ابن حبان. قد سبرتُ أخبار ابن لهيعة من رواية المتقدمين والمتأخرين عنه، فرأيتُ التخليط في رواية المتأخرين عنه موجوداً وما لا أصل له في رواية المتقدمين كثيراً، فرجعتُ إلى الاعتبار، فرأيته كان يدلِّسُ عن أقوام ضَعْفى، عن أقوام رآهم هو ثقات، فألزق تلك الموضوعات به.
وذكره ابن شاهين في " الثقات " وقال: قال أحمد بن صالح: ابن لهيعة ثقة، وفيما رُوي عنه من الأحاديث ووقع فيها تخليط يُطرح ذلك التخليط.
وقال الذهبي في " السير ": لا ريب أن ابن لهيعة كان عالم الديار المصرية هو والليث معاً، ولكن ابن لهيعة تهاون بالإتقان، وروى مناكير، فانحط عن رتبة الاحتجاج به عندهم.
وبعض الحُفَّاظ يروي حديثه، ويذكره في الشواهد، والاعتبارات والزهد والملاحم، لا في الأصول. وبعضهم يبالغ في وهنه، ولا ينبغي إهداره وتتجنب تلك المناكير، فإنه عدل في نفسه.
قلت: وقد صحح رواية العبادلة عنه (عبد الله بن وهب، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن يزيد المقرىء) أحمد، وأبو حفص الفلاس، وعبد الغني بن سعيد الأزدي وغيرهم، لأن روايتهم قبل احتراق كتب ابن لهيعة.
وزاد ابن حبان في العبادلة: عبد الله بن مسلمة القعبني.
ونص الطبراني في " المعجم الصغير " 1/ 231 أن الوليد بن مزيد ممن سمع ابن لهيعة قبل احتراق كتبه.
وسمع منه أيضاً سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وعمرو بن الحارث المصري، وكلهم ماتوا قبل احتراق كتبه.
ورواية قتيبة بن سعيد بمنزلة هؤلاء، فقد روى الآجري عن أبي داود قوله: سمعت قتيبة يقول: كنا لا نكتب حديث ابن لهيعة إلا من كتب ابن أخيه أو كتب ابن وهب إلا ما كان من حديث الأعرج.
وقال جعفر الفريابي: سمعتُ بعض أصحابنا يذكر أنه سمع قتيبة يقول: قال لي أحمد بن حنبل: أحاديثك عن ابن لهيعة صحاح؟ قال: قلت: لأنا كنا نكتب من كتاب عبد الله بن وهب، ثم نسمعه من ابن لهيعة. وانظر " السير " 8/ 10 - 28، و" تهذيب الكمال " =

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 180)

طريقٍ صحيحة غير طريق ابن لهيعة، وهو يشهدُ لصدق ابنِ لهيعة وحفظه في هذا، خرَّجها الحاكم (1) في تفسير سورة مريم من حديث ابن وهب عن (2) مالك بن خير (3) الزَّبَادي، عن أبي قَبيل، عن عُقبة … الحديث. وقال: صحيحٌ على شرط مسلم. وما ينزِلُ عن مرتبة هذه الأحاديث المقدمة في القدر، ومتنُ حديثه يصلُحُ مثالاً.
فالهلاكُ بالقدر كالهلاك بالكتاب يجبُ تأويله في كل منهما على الهلاك بسببِ التكذيب بهما، إذ التأويلُ الباطلُ لهما أو تكلُّف علم ما لا طريق إليه فيهما كما ذلك كلُّه شعار المبتدعة، وقرينة التجوز واضحة، وهي أن الإيمان بهما واجبٌ، والهلاك المعلق بالواجب لا يكون إلَاّ من بعض الوجوه قطعاً.
وقد تواترت الأحاديث في وجوب الإيمان بالقدر، ونص كتاب الله على صحته كما يأتي ذلك كله.
ثم إن الله تعالى قد ذكر القدر في غير آيةٍ، وقد أمر الله تعالى بتدبُّر كتابه بقوله: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24]، وقوله: {لِيَدَّبَّرُوا آياتِه} [ص: 29]، فوجب بذل الجهد في تدبر كل ما في كتاب الله من الألفاط المفردة، والمعاني المتركبة منها إلَاّ ما لم نستطع معرفته مما لم يُرِدِ الله سبحانه خطابنا به من المتشابه، وإنما أنزله علينا لنؤمن بمعناه جملة، ونتبرك بتلاوته (4)، وربما خصَّ بمعناه بعض أنبيائه وملائكته.--------------------------------------------
= 15/ 487 - 503، و" تهذيب التهذيب " 5/ 327 - 331، و" الميزان " 2/ 475 - 483، و" شرح علل الترمذي " 1/ 136 - 139.
(1) 2/ 374.
(2) تحرفت في الأصلين إلى: " بن "، والتصويب من الحاكم.
(3) تحرفت في الأصلين إلى: " بحير "، والتصويب من الحاكم ومصادر الترجمة.
(4) في (أ): بتأويله.

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 181)

فهذا ما حضرني في هذه الفائدة، ولا خفاء على العاقل أن الخوض في هذه اللُّجَّة التي هابها فضلاءُ العقلاء لا يكون إلَاّ مصحوباً بحُسْنِ النية وشدة الرغبة إلى الله في الهداية، والتوقُّف على القول بغير درايةٍ، والفكرِ الطويل، وتحرِّي الإنصاف، والجمع بين أطراف الكلام التي يظهر تنافيها، وتطلُّبِ المحامل الحسنة، وعدم المؤاخذة بظاهر العبارة متى دلَّت القرينة على صحة المراد فيها، فإنها مسألة صعبة تقصُرُ فيها العبارات الطويلة، فكيف بالإشارات الخفيَّة.
وقد روى ابن الأثير في " جامع الأصول " (1) عن مالكٍ الإمام أنه قيل لإياس: ما رأيك في القدر؟ قال: رأيُ ابنتي، يريد لا يعلم سِرَّهُ إلَاّ الله تعالى، وبه كان يُضْرَبُ المثل في الفهم.
وقد حُكي أن يحيى بن آدم ذكر أثر عبد الله بن عباس المقدم الموقوف لعبد الله بن المبارك، فقال ابن المبارك: فيسكت الإنسان على الجهل وهو إشارةٌ من ابن المبارك إلى ما ورد من الحثِّ على العلم، وما فيه من الخير، والتحذير من الجهل، وما فيه من الشرِّ، وأن هذه القاعدة المعلومة لا تُترك إلا بتحريمٍ متَّفَقٍ على صحته.
وأقول: إن الإنسان بالضرورة يسكت على الجهل حيث لا طريقَ إلى العلم، وأقصى مَرامِ الخائضين في القدر أمور:
أحدها: العلمُ بالعجز عن درك السرِّ فيه، وفائدة العلم بذلك سكون النفس عن المطالبة بالمعرفة والذوق لا بمجرد التقليد.
وثانيها: معرفة ما يمكنُ معرفته من الوارد في كتاب الله تعالى، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والجُمَلِ العقلية، وحكم أئمة الإسلام والأولياء.--------------------------------------------
(1) 10/ 134.

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 182)

وثالثها: التحذيرُ من طرائق المبتدعة، وتقديمهم الرأي على الآثار في هذه القاعدة العظمى.
‌‌الفائدة الثانية: في ذكر ما قاله العلماء وأهل اللغة في تفسير القدر والقضاء على اختلاف مذاهبهم وأدلتهم وأفهامهم.
قال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي في " عارضة الأحوذي في شرح الترمذي " (1) ما لفظه: لم يَتَّفِقْ لي وجدان البيان للقدر (2) على التحقيق، فتكلفتُه حتى دفع الله تعالى بفضله عني كُلفتَه، وحقيقته وجودٌ في وقتٍ واحد، وعلى حالٍ يُوافق العلم والإرادة والقول عن القدرة، فصارت القاف والدال والراء تدل بوضعها على القُدرة والمقدور الكائن بالعلم، ويتضمَّن الإرادة عقلاً والقول نقلاً.
قلت: وكلامه هذا لا يخلو من تساهُلٍ في العبارة، فإنه جعل القدر مشروطاً بموافقة مجموع العلم والإرادة والقول، ولم يدل على ذلك دليلٌ، وموافقةُ أحدها يكفي في تسمية الموجود المتأخر مقدَّراً مقدوراً، وتسمية السابق لها قدراً أيضاً، فإنه لا معنى لكون الحادث مقدَّراً بقَدَرٍ سابقٍ إلَاّ مطابقته في الوجود، وصفاته سابقةٌ له متعلقة (3) به تعلُّقاً صحيحاً يستلزم فرض بطلانه المحال.
وسواءٌ كان ذلك السابق علم الله وحده، أو قوله أو كتابته، أو إرادته أو غير ذلك، لأنه ترك ذكره للكتابة والتيسير، وقد ورد ما يقتضي تسميتها قَدَراً، كالقولِ -كما يأتي- في أحاديث الأقدار، بل في القرآن الكريم.
وأيضاً فإنه جعل الوجود هو القدر، وهو المُقَدَّر، وإنما القدر السابق هو--------------------------------------------
(1) 8/ 294 - 295.
(2) في الأصلين: " وجدان القدر " والمثبت من شرح ابن العربي.
(3) في الأصلين: " سابق له متعلق به " والجادة ما أثبت.

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 183)

التعليقُ، ثم جعل دِلالة القدر على الإرادة، والقول دلالة تضمُّنٍ دون العلم والقدرة والمقدور، وجعل دلالته على هذه الثلاثة مطابقةً، وفيه نَظَرٌ، لأن دلالة المطابقة هي الوضعية اللغوية كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق دلالة التضمُّن، كدلالة الإنسان على النطق وحده، ودلالة الالتزام (1) على ما يستلزمه، مثل حاجته إلى الأكل والشرب.
وأقول والله الموفق: إن القدر تعلُّق أمر متقدم من صفات الله تعالى كعلمه، أو من فعلِه ككتابته بأمرٍ متأخِّرٍ صادر عن فاعله بسبب اختياره وتمكينه، وصدور اختيار أسبابه عن الحكيم القادر المُقَدِّر.
وسواءٌ كانت تلك الأسباب أسباب القدر المؤثرة فيه كالقدرة أو غير المؤثرة كالدواعي تعلُّقاً يَرْبِطُ الممكن بالواجب ربطاً يستلزم فرض بُطلانه المحال مع بقاء إمكانه باعتبار الجهتين.
وهذا على جهة التقريب الرسمي دون التحديد الحقيقي كما يعرف ذلك أهل هذا الشأن، ولذلك لم ألتزم فيه شروطهم.
وقولنا: " من صفات الله كعلمه أو من فعله كالكتابة والتيسير "، وإنما قيل: " من فاعله " ليدخل الرب تعالى، وإنما قيل: " بسبب صدور أسبابه عن القادر الحكيم المقدِّر سبحانه " ليخرج على المخلوقين، فإنه واجب المطابقة، ولا يسمى قدراً في اللغة لعدم خلقهم لأسباب المقدر، وإلا لزم أن يكون علمهم بالفقه قدراً.
وإنما قيل: " الحكيمُ " احترازاً من قول من يقول: بنفي الحكمة في سبق الأقدار، فإنها لم تكن سدىً، بل لا بُدَّ أن تكون مشتملةً على الغايات الحميدة.--------------------------------------------
(1) في (أ) زيادة: " دلالته ".

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 184)

وإنما قيل: " يستلزم فرض بطلانه المحال " لأنه الدليل على وجوب وقوع المقدَّر بالعلم، أو القول، أو الكتابة، أو الإرادة ووقوع المُيَسَّر بالدواعي كما يأتي بيانه.
ألا ترى أن فرض وقوع المرجوح من الله عند المعتزلة يؤدي إلى المحال، وليس فيه إلَاّ مخالفة الدواعي الراجحة مع صفة الله تعالى بالقدرة والاختيار.
وقوله: " باعتبار الجهتين " إشارة إلى أن القدر لا يُحيل الذوات عن صفاتها، ولذلك كان الله تعالى مختاراً عند الجميع مع تعلُّق القدر بأفعاله سبحانه {كانَ على رَبِّك حَتْماً مَقْضِيّاً} [مريم: 71].
وقيل: تعلُّق أمرٍ بأمرٍ ليَعُمَّ الشيء الحقيقي والإضافي.
وقال الخَطَّابي: قد يَحسِبُ كثير من الناس أن معنى القَدَر من الله، والقضاء معنى الإجبار والقهر للعبد على ما قضاه وقدَّره وليس كذلك، وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم الله بما يكون من أفعال العباد وصدورها عن قدرٍ منه خيرها وشرها.
والقدر: اسمٌ لما صدر مقدَّراً على فعل القادر، كالهدم، والنشر، والقبض، اسم لما يصدر عن فعل الهادم، والناشر، والقابض، يقال: قَدَرتُ الشيء، وقدَّرت، خفيفةً وثقيلة، والقضاء في هذا معناه: الخلق كقوله تعالى: {فقضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ} [فصلت: 12].
فإذا كان كذلك، فقد بقي عليهم من وراء علم الله فيهم أفعالهم وأكسابهم ومباشرتهم تلك الأمور وملابستهم إياها عن قصدٍ وتعمُّدٍ وتقدير إرادة اختيار، والحجة إنما تلزمهم بها، واللائمة تلزمهم عليها.
وجماعُ القول في هذا أنهما (1) أمران لا ينفكُّ أحدهما عن الآخر، لأن--------------------------------------------
(1) كتب فوقها في (أ): أي الاختيار وسبق القدر.

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 185)

أحدهما بمنزلة الأساس، والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما، فقد رام هَدْمَ البناء ونقضه. انتهى كلامه.
وتلخيصه: أن العلم سبق باختيار العباد لأفعالهم، وقدَّر الله وقضى أن يكونوا مختارين، وأراد بذلك ويَسَّرَه لهم، فلو أبطلنا اختيارهم، أبطلنا العلم والقدر والقضاء، وجعلناها غير مطابقة، وهي الأساس، ولو أبطلناها أبطلنا صفات الربوبية الواجبة، فيلزم إثبات الأمرين. والله أعلم.
وفي " الصحيحين "، و" موطأ مالك "، و" سنن أبي داود "، و" سنن النسائي " من حديث ابن عباس، وذكر الطاعون أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام حتي إذا كان بسَرْغَ (1) لقيَهُ أُمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام .. ، وساق الحديث إلى قوله: فنادى عمرُ في الناس: إني مُصبحٌ (2) على ظَهْرٍ (3)، فأصْبِحُوا عليه، فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفِراراً من قَدَرِ الله؟ فقال عمر: لو غيرُك قالها يا أبا عبيدة -وكان يكرهُ خلافه- نعم نَفِرُّ من قَدَرِ الله إلى قَدَرِ الله، أرأيت لو كانت لك إبلٌ فهبطت بها وادياً له عُدوتان، إحداهما خَصِبَةٌ (4)، والأخرى جَدِبَةٌ، أليس إن رعيت الخَصِبَة (5) رعيتها بقدر الله، وإن رعيتَ الجدبة رعيتها بقدر الله. انتهى (6).
وفيه إجماعهم على صحة القدر، وعلى أنه لا يستلزم الجبر، لأنه لم ينكر ذلك مُنكرٌ، وهم في أكثر ما كانوا جمعاً.
وقال ابن الأثير في " النهاية " (7): هو عبارة عما قضاه الله وحكم به من--------------------------------------------
(1) هي قرية في طرف الشام مما يلي الحجاز.
(2) تحرفت في الأصلين إلى: " أن يصبح "، والتصويب من مصادر التخريج.
(3) أي: إني مسافر في الصباح راكباً على ظهر الراحلة راجعاً إلى المدينة.
(4) في (ش): مُخصبة.
(5) في (ش): المخصبة.
(6) تقدم تخريجه ص 356.
(7) 4/ 22.

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 186)

الأمور، وهو مصدر: قَدَرَ يَقْدِرُ [قَدَراً]، وقد تُسَكَّن دالهُ، ومنه حديث الاستخارة " فاقدُرْهُ لي ويَسِّرْه " (1) أي: اقضِ لي به وهيِّئْهُ.
وقال الزمخشري (2) في تفسير قوله تعالى: {إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49]: القَدَرُ والقَدْرُ: التقدير، وقُرىء بهما (3) [أي:] إنا خلقنا كل شيءٍ مقدراً محكماً مرتباً على حسب ما اقتضته الحكمة، أو مقدراً مكتوباً في اللوح معلوماً قبل كونه، وقد علمنا حاله وزمانه.
وقال الزمخشري (4) أيضاً في تفسير قوله تعالى: {وإنَّه لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْنَاهُ} [يوسف: 68]: يعني: علمه أن الحذر لا يُغني عن القدر (5).
وقال أبو نصر إسماعيل بن حمَّاد الجوهري في " صحاحه " (6): القدر والقدر ما يُقَدِّره الله من القضاء.--------------------------------------------
(1) أخرجه أحمد 3/ 344، والبخاري (1162) و (6382) و (7390)، وفي " الأدب المفرد " (293)، والترمذي (480)، وأبو داود (1538)، والنسائي 6/ 80، وفي " عمل اليوم والليلة " (498)، وابن ماجه (1383)، وابن حبان (887)، والبيهقي في " السنن " 3/ 52، وفي " الأسماء والصفات " ص 124 - 125 من حديث جابر.
وأخرجه ابن حبان (885)، وأبو يعلى (1342)، والبزار (3185) من حديث أبي سعيد الخدري.
وأخرجه ابن حبان (886) من حديث أبي هريرة، والحاكم 1/ 314 من حديث أبي أيوب.
وأخرجه الطبراني في " الكبير " (10012) و (10052)، وفي " الأوسط " ص 97، و" الصغير " 1/ 190، والبزار (3181) و (3182) و (3183) و (3184) من حديث ابن مسعود.
(2) 4/ 41.
(3) وانظر " البحر المحيط " 8/ 183.
(4) 2/ 333.
(5) قوله: " أن الحذر لا يغني عن القدر " حديث تقدم تخريجه ص 321 من حديث عائشة وأبي هريرة ومعاذ بن جبل.
(6) 2/ 786.

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 187)

وأنشدَ الأخفش:
ألا يا لَقَوْمي لِلنَّوائِب والقَدر … وللأمْرِ يأتي المَرْءَ من حيث لا يدري (1)
والمَقْدِرَةُ: من القدرة، بالحركات الثلاث، وهي القضاء والقدر بالفتح لا غير.
قال الهُذلي:
وما يَبْقَى على الأيَّام شيءٌ … فيا عَجَباً لمَقْدرة الكتاب (2)
وقَدَرْتُ الشيء: أقْدُرُهُ وأقْدِرُه قدراً من التقدير.--------------------------------------------
(1) البيت من قصيدة لهُدبة بن خشرم قالها عند معاوية، وذلك أن هدبة قتل ابنَ عمه زيادة بن زيد، فرفعه أخوه عبد الرحمن بن زيد إلى سعيد بن العاص وكان أمير المدينة، فكره سعيدٌ الحكم بينهما، فأرسلهما إلى معاوية بالشام، فلما صارا بين يديه، قال عبد الرحمن: يا أمير المؤمنين أشكو إليك مظلمتي وقتل أخي، فقال معاوية لهدبة: ما تقول؟ قال هدبة: أتحب أن يكون الجواب شعراً أم نثراً؟ قال: بل شعراً، فإنه أنفع، فقال هدبة:
ألا يا لقومي للنوائب والدهر … وللمرء يُردي نفسه وهو لا يدري
وللأرض كم من صالحٍ قد تأكَّمت … عليه فوارَتْه بلمَّاعةٍ قَفْرِ
فلا تتَّقي ذا هَيبةٍ لِجلاله … ولا ذا ضياعٍ هُنَّ يتركن للفَقْرِ
إلى أن قال:
رُمينا فرامَيْنا فصادف رَمْيُنا … منايا رجالٍ في كتابٍ وفي قَدْرِ
وأنت أمير المؤمنين فما لنا … وراءك من مَعدىً ولا عنك من قصرِ
فإن تَكُ في أموالنا لم نَضِقْ بها … ذراعاً وإن صَبْرٌ فنصبرُ للصَّبْرِ
وانظر تمام الخبر في " الأغاني " 21/ 264، و" خزانة الأدب " 9/ 237.
(2) من قوله: " والمقدرة " إلى هنا ليس في المطبوع من " الصحاح "، والبيت في " اللسان " 5/ 76.

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 188)

قال الشاعر (1):
كِلا ثَقَلَيْنا طامع (2) بِغَنيمةٍ … وَقَدْ قَدَرَ الرحمن ما هو قادر
انتهى كلام الجوهري.
وفي كتب الكلام أن القدر يكون بمعنى الكتابة، وأنشدوا فيه:
واعلم بأنَّ ذا الجلال قد قَدَرْ … في الصُّحفِ الأولى التي كان سَطَرْ
أمرَكَ هذا فاجْتَنِبْ منه النَّتَرْ (3)
وهذا معنىً صحيحٌ تشهد له الأحاديث الصحاح كما يأتي.
وأما القضاء فقال الجوهري (4): هو الحكم، وقضى: حكم، ومنه قولُه تعالى: {وَقَضَى ربُّك ألَاّ تَعْبُدوا إلَاّ إيَّاهُ} [الإسراء: 23].
وقد يكونُ بمعنى الفراغ، تقول: قضيتُ حاجتي، وقد يكونُ بمعنى الأداء والإنهاء، تقول: قضيتُ دَيْني، ومنه قوله تعالى: {وَقَضَيْنا إلى بَني إسرائيل في الكِتاب} [الإسراء: 4]، وقوله: {وَقَضَيْنا إليه ذلك الأمرَ} [الحجر: 66] أي: أدَّيناه إليه وأبلغناه ذلك.
وقد يكون بمعنى الصنع والتقدير، وقال أبو ذُؤَيب:--------------------------------------------
(1) هو إياس بن مالك بن عبد الله المُعَنَّى كما في " اللسان ".
(2) في الأصلين: " طالع "، والمثبت من الصحاح.
(3) الرجز غير منسوب في " الصحاح " 2/ 822، وهو للعجاج في " اللسان " و" تاج العروس " (نتر).
و" النَّتْر ": هو الضعف في الأمر والوَهْن.
(4) 6/ 2463.

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 189)

وعَلَيْهما مَسْرُودَتانِ قَضَاهُما … داود أو صنع السَّوابِغ تُبَّعُ (1)
ويقال: قضاه أي: صنعه وقدره، ومنه قوله يعالى: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سماواتٍ} [فصلت: 12].
ومنه القضاء والقدر … إلى قوله: وقَضَّوا بينهم منايا بالتشديد، أي: أنفذوها (2).
وقال القاضي عياض في " المشارق " (3): قضى صلاته، أي: فرغ منها، ومنه: فلما قضينا مناسكنا، وقضى الله حَجَّنا … ، إلى قوله: قال الأزهريُّ (4) قضى في اللغة يرجِعُ إلى انقطاع الشيء وتمامه والانفصال منه، يقال: قضى بمعنى حتم، ومنه: قضى أجلاً، أي: أتَمَّه وحَتَمه، ومنه: " فإن الله قضى على نفسه سمع الله لمن حمده "، أي: حتم ذلك وحكم بسابق قضائه بإجابة قائله.
ويأتي بمعنى الأمر: {وقَضَيْنا إليهِ ذلك الأمْرَ} [الحجر: 66].
وبمعنى الفصل في الحكم، ومنه: {يَقْضِي بينهم} [في آيات منها: يونس: 93] ومنه: قضى الحاكم، وقضى دينه، وكلُّ ما أُحْكِمَ عمله، فقد--------------------------------------------
(1) هو من قصيدة لأبي ذؤيب الهذلي، مطلعها:
أمِنَ المنون ورَيبها تتوجَّعُ … والدهرُ ليسَ بمُعتبٍ من يجزعُ
والبيت في " جمهرة أشعار العرب " ص 26، و" ديوان الهذليين " 1/ 19، والمفصل " ص 117، و" المخصص " 13/ 34، و" إصلاح المنطق " ص 508، و" المفضليات " ص 428، و" معاني الشعر " ص 114، و" نظام الغريب " ص 98، و" اللسان " (قضى)، و" معجم مقاييس اللغة " 5/ 99، و" تهذيب اللغة " 2/ 38 و8/ 251 و9/ 212 - 213.
(2) في الأصلين: " أبعدوها "، والتصوبب من " الصحاح " و" اللسان ".
(3) ص 189 - 190.
(4) في " تهذيب اللغة " 9/ 211.

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 190)