وقد بَيَّن-رحمه الله-علة عدم إمكان رؤية الله في الدنيا بالعين، حيث قال: «وإنَّما لم نَره في الدنيا لعجز أبصارنا، لا لامتناع الرؤيا، فهذه الشمس إذا حدق الرائي البصر في شعاعها ضعف عن رؤيتها لا لامتناع في ذات المرئي، بل لعجز الرَّائي، فإذا كان في الدار الآخرة أكمل الله قُوى الآدميين حتى أطاقهم رؤيته، ولهذا لما تجلى الله للجبل خَرَّ موسى صعقًا، قال: سبحانك! تُبت إليك، وأنا أول المؤمنين بأنَّه لا يراك حيٌّ إلا مات، ولا يابس إلا تَدَهْدَه، ولهذا كان البشر يَعجزون عن رؤية المَلَك في صورته إلَّا مَنْ أيده الله، كما أيَّد نبينا صلى الله عليه وسلم»(1).
والأدلة التي استند عليها أهل السنة في إجماعهم على عدم وقوع رؤية الله في الدنيا يقظة-كثيرة؛ منها:
قول النبي صلى الله عليه وسلم كما في «صحيح مسلم»: «تَعَلَّمُوا أنَّه لن يرى أحدٌ مِنكم ربه-عز وجل-حتى يَموت»(2)، فهو صريح في عدم وقوع الرؤية البصرية لأحد من الناس لله جل وعلا في هذه الدار الدنيا حتى ولو كان نبيًّا؛ لأن الله-جل وعلا-قد مَنع موسى-عليه السلام-مِنْ أن يَرَاه، وهو أحد أُولي العزم من الرسل، فكيف بمن دونه مِنْ سائر المؤمنين؟! فإن الله-جل وعلا-لما قال له موسى: {رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143] قال: {لَنْ تَرَانِي} [الأعراف: 143] فمنعه من أن يراه، وفي قوله: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا} أي: لما تجلى الله للجبل تدكدك ولم يَثبت، فكيف يَثبت البشر الضعيف؟!
ثانيًا: رؤية الله-عز وجل-في المنام:
ذهب جمهور العلماء إلى جواز رؤية الله في المنام، وأنها قد تقع صحيحة، بل ذكر القاضي عياض-رحمه الله-اتفاق العلماء على هذه المسألة؛ فقال: «ولم يختلف العلماء في جواز صحة رؤية الله في المنام»(3).
وقال الإمام البَغوي رحمه الله: «رؤية الله في المنام جائزة؛ قال معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إني نَعست فرأيت ربِّي»، وتكون رؤيته-جَلَّت قُدرته- ظهور العدل والفرج والخصب والخير لأهل ذلك الموضع، فإن رآه فوعد له جنة، أو مغفرة، أو نجاة من النار، فقوله حق، ووعده صدق، وإن رآه ينظر إليه فهو رحمته، وإن رآه معرضًا عنه فهو تحذير من الذنوب؛ لقوله سبحانه وتعالى: {أُوْلَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ--------------------------------------------
(1) «منهاج السنة النبوية» (2/ 332).
(2) أخرجه مسلم (2931) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه.
(3) «إكمال المُعْلِم بفوائد مُسلم» (7/ 220) ط. دار الوفاء.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 226)