وإن قلتم: إنه إنسان؛ فمريم ولدت إنسانًا.
وفي ذلك أجمع بطلان شريعة إيمانكم، فاختاروا أي القولين شئتم، فإن فيه نقض الدين.
وإن كان المسيح من روح القدس، كما قال جبريل الملك لأمه مريم، فلم سميتموه كلمة الله وابنه، ولم تسموه روحه؟
ووجدناكم تذكرون في التسبيحة التي تقرأ بعقب كل قربان وفي الأخرى التي تقال في يوم الجمعة الثانية من «الفصح»: أن المسيح نزل من السماء، فأبطل بنزوله الموت والآثام. فأي خطيئة بطلت؟ وأي فتنة للشيطان انطفأت؟
فإن قلتم: إنكم استدللتم على ربوبيته بأنه أحيا الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص، ومشى على الماء، وصعد إلى السماء، وصير الماء خمراً، وكثر القليل؛ فيجب الآن أن ينظر إلى كل من فعل من هذه الأمور فعلاً؛ فنجعله رباً وإلهاً، وإلا فما الفرق؟!
فمن ذلك أن كتاب «سفر الملوك» يخبر أن إلياس أحيا ابن الأرملة، وأن اليسع أحيا ابن الإسرائيلية، وأن حزقيال أحيا بشراً كثيراً، ولم يكن أحد ممن ذكرنا بإحيائه الموتى إلهاً.
وأما إبراء الأكمه فهذه التوراة تخبر أن يوسف أبرأ عين أبيه يعقوب بعد أن ذهبت، وهذا موسى طرح العصا فصارت حية لها عينان تبصر بهما، وضرب بها الرمل فصار قملًا، لكل واحدة منها عينان تبصر بهما، ولم يكن واحد منهم بذلك إلهاً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
وأما إبراء الأبرص فإن كتاب «سفر الملوك» يخبر بأن اليسع قد أبرأ أبرصاً، وأبرصَ صحيحاً(1)، وهو أعظم مما فعل المسيح عليه السلام، فلم يكن في فعله ذلك إلهاً.
وأما قولكم: إنه مشى على الماء؛ فإن كتاب «سفر الملوك» يخبر بأن إلياس؛ صار إلى الأردن ومعه اليسع تلميذه، فأخذ عمامته فضرب بها الأردن، فاستيبس له الماء حتى مشى عليه هو واليسع، ثم صعد إلى السماء على فرس من نور، واليسع يراه، ودفع عمامته إلى اليسع، فلما رجع اليسع إلى الأردن ضرب بها الماء فاستيبس له حتى مشى عليه راجعاً.
ولم يكن واحد منهما بمشيه على الماء إلهاً، ولا كان إلياس بصعوده إلى السماء إلهاً.
وأما قولكم أنه صير الماء خمراً. فهذا كتاب «سفر الملوك» يخبر بأن اليسع نزل بامرأة إسرائيلية، فأضافته، وأحسنت إليه، فلما أراد الانصراف قال لها: هل لك من حاجة؟ فقالت المرأة: يا نبي الله! إن على زوجي ديناً قد فدحه، فإن رأيت أن تدعو الله لنا بقضاء ديننا فافعل.
فقال لها اليسع: اجمعي كل ما عندك من الآنية، واستعيري من جيرانك جميع ما قدرت عليه من آنيتهم، ففعلت، ثم أمرها فملأت الآنية كلها ماء، فقال: اتركيه ليلتك هذه، ومضى من عندها، فأصبحت المرأة وقد صار ذلك الماء كله زيتاً، فباعوه، فقضوا دينهم. وتحويل الماء زيتاً أبدع من تحويله خمراً، ولم يكن اليسع بذلك إلهاً.
وأما قولكم: أن المسيح عليه السلام كثر القليل حتى أكل خلق كثير من أرغفة يسيرة. فإن كتاب «سفر الملوك» يخبر بأن إلياس نزل--------------------------------------------
(1) يعني شفى أبرصاً من البرص، وأصاب إنساناً سليماً بمرض البرص بإذن الله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
بامرأة أرملة، وكان القحط قد عم الناس، وأجدبت البلاد، ومات الخلق ضراً وهُزلاً، وكان الناس في ضيق، فقال للأرملة: هل عندك طعام؟ فقالت: والله ما عندي إلا كف من دقيق في قلة أردت أن أخبزه لطفل لي، وقد أيقنا بالهلاك لما الناس فيه من القحط.
فقال لها: أحضريه، فلا عليك.
فأتته به، فبارك عليه، فمكث عندها ثلاث سنين وستة أشهر تأكل هي وأهلها وجيرانها منه حتى فرج الله عن الناس.
فقد فعل إلياس في ذلك أكثر مما فعل المسيح عليه السلام لأن إلياس كثر القليل وأدامه، والمسيح كثر القليل في وقت واحد، ولم يكن إلياس بفعله هذا إلهاً.
فإن قلتم: إن هؤلاء الأنبياء ليس لهم صنع في هذه الأفعال، وإن الصنع فيها والقدرة لله جل وعلا؛ إذ كان هو الذي أجراها على أيديهم. فقد صدقتم، ونقول لكم أيضاً: كذلك المسيح ليس له صنع فيما ظهر على يديه من هذه الأعاجيب؛ إذ كان الله هو الذي أظهرها على يديه، فما الفرق بين المسيح وسائر الأنبياء؟! وما الحجة في ذلك؟!
وإن قلتم: إن الأنبياء كانت إذا أرادت أن يظهر الله على أيديهم آية تضرعت إلى الله، ودعته، وأقرت له بالربوبية، وشهدت على أنفسها بالعبودية. قيل لكم: وكذلك سبيل المسيح سبيل سائر الأنبياء، قد كان يدعو، ويتضرع، ويعترف بربوبية الله، ويقر له بالعبودية، فمن ذلك أن الإنجيل يخبر بأن المسيح أراد أن يحيي رجلاً يقال له العازر، فقال: «يا أبي! أدعوك كما كنت أدعوك من قبل فتجيبني، وتستجيب لي، وأنا أدعوك من أجل هؤلاء القيام ليعلموا».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
وقال بزعمكم وهو على الخشبة: «إلهي إلهي! لم تركتني».
وقال: «يا أبي! اغفر لليهود ما يعملون، فإنهم لا يدرون ما يصنعون».
وقال في إنجيل «متى»: «يا أبي! أحمدك».
وقال: «يا أبي! إن كان بد أن يتعداني هذا الكأس، ولكن ليس كما أريد أنا، فلتكن مشيئتك».
وقال أيضاً: «أنا أذهب إلى إلهي الذي هو أعظم مني».
وقال: «لا أستطيع أن أصنع شيئًا، ولا أتفكر فيه إلا باسم إلهي».
وقال يعني نفسه: «لا ينبغي للعبد أن يكون أعظم من سيده، ولا للرسول أن يكون أعظم ممن أرسله».
وقال: «إن الله لم يلد ولم يولد، ولم يأكل ولم يشرب، ولم ينم، ولم يره أحد من خلقه، ولا يراه أحد إلا مات».
والمسيح قد أكل وشرب، وولد، ورآه الناس، فما ماتوا من رؤيته، ولا مات أحد منهم، وقد لبث فيهم ثلاثاً وثلاثين سنة.
وقال في إنجيل «يوحنا»: «إنكم متى رفعتم ابن البشر، فحينئذ تعلمون أني أنا هو، وشيء من قبل نفسي لا أفعل، ولكن كل شيء كالذي علمني أبي».
وقال في موضع آخر: «من عند الله أرسلت معلماً».
وقال لأصحابه: «اخرجوا بنا من هذه المدينة، فإن النبي لا يبجل في مدينته».
وأخبر الإنجيل: «أن امرأة رأت المسيح فقالت: إنك لذلك النبي الذي كنا ننتظر مجيئه. فقال لها المسيح: صدقت، طوبى لك».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
وقال لتلامذته: «كما بعثني أبي، كذلك أبعث بكم». فاعترف بأنه نبي، وأنه مألوه، ومربوب، ومبعوث.
وقال لتلامذته: «إنّ مَنْ قَبِلكم وآواكم فقد قبلني، ومن قبلني فإنما يقبل من أرسلني، ومن قبل نبياً باسم نبي، فإنما يفوز بأجر من قَبِل النبي». فبين ها هنا في غير موضع أنه نبي مرسل، وأن سبيله مع الله سبيلهم معه.
وقال «متّى» التلميذ في إنجيله -يستشهد على المسيح بنبوة أشعيا عن الله-: «هذا عبدي الذي اصطفيته، وحبيبي الذي ارتاحت إليه نفسي، أنا واضع روحي عليه، ويدعو الأمم إلى الحق». فلن يحتاج إلى حجة أوضح من هذا القول الذي جعلتموه حجة لكم، فقد أوضح الله أمره، وسماه عبداً، وأَعلَمَ أنه يضع عليه روحه، ويؤيده بها، كما أيد سائر الأنبياء بالروح، فأظهروا الآيات المذكورة عنهم، وهذا القول يوافق ما بشر به جبريل -المَلَك- مريم حين ظهر لها، وقال القول الذي سقناه في صدر كتابنا.
وقال «يوحنا» التلميذ في الإنجيل عن المسيح عليه السلام: «إن كلامي الذي تسمعون هو كلام من أرسلني».
وقال في موضع آخر: «إن أبي أجلُّ، وأعظم مني». و «يشهد لي أبي الذي أرسلني».
وقال المسيح لبني إسرائيل: «تريدون قتلي وأنا رجل قلتُ لكم الحق الذي سمعت الله يقوله».
وقال في الرجل الذي أقامه من الموتى: «يا أبي أشكرك على استجابتك دعائي، وأعترف لك بذلك، وأعلم أنك كل وقت تجيب دعوتي، لكن أسألك من أجل هذه الجماعة؛ ليؤمنوا بأنك أنت أرسلتني».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
وقال شمعون الصفا رئيس الحواريين في الفصل الثاني من قصصهم: «يا رجال بني إسرائيل! اسمعوا مقالتي، إن يسوع الناصري رجل ظهير لكم من عند الله بالقوة، والأيدي، والعجائب التي أجراها على يديه».
قال أبو نصر: وإنما سمى «ناصري»؛ لأن أمه كانت من قرية يقال لها: «ناصرة» في الأردن، وبها سميت النصرانية.
فإذا كانت الشهادات منه على نفسه، ومن الأنبياء عليه، ومن تلاميذه بمثل ما قد بيناه؛ فإن اللغة قد أجازت أن يسمى الولي ابناً، وقد سماكم الله جميعاً بنيه، وأنتم لستم في مثل حاله.
وقد أقر بأن له إلهاً هو الله، ومن كان له إله فليس بإله، كما تقولون.
فإن قلتم: إن إسرائيل وداود ونظراءهم إنما سُمّوا أبناء الله على جهة الرحمة من الله لهم، والمسيح ابن الله على الحقيقة. -تعالى الله عن ذلك-.
قلنا: يجوز لمعارض أن يعارضكم، فيقول لكم ما تنكرون أن يكون إسرائيل وداود ابني الله على الحقيقة، والمسيح ابن رحمة، وما الفرق؟
هذا «إلياس» أمر السماء أن تمطر فأمطرت، ولم يدع الله في ذلك الوقت، وقد قال الله في السفر الخامس من التوراة لموسى: «أخرج أنت وشعبك الذي أخرجت من مصر، وأنا أجعل معكم ملكاً يغفر ذنوبكم».
فإن زعمتم أن المسيح إله؛ لأنه غفر ذنوب المقعد، فالملك إذاً إله؛ لأنه يغفر ذنوب بني إسرائيل، وإلا فما الفرق؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
وقوله: «أنا وأبي واحد» إنما يريد به أن قبولكم لأمري هو قبولكم لأمر الله، كما يقول رسول الرجل: «أنا ومن أرسلني واحد». ويقول الوكيل: «أنا ومن وكلني واحد»؛ لأنه يقوم فيما يؤديه مقامه، ويؤدي عنه ما أرسله به، ويتكلم بحجته، ويطالب له بحقوقه.
وكذلك قول المسيح: «أنا قبل الدنيا» متأول؛ لأنه من ولد إبراهيم، ولا يجوز أن يكون قبل إبراهيم! وهذا سليمان بن داود يقول في حكمته: «أنا قبل الدنيا، وكنت مع الله حيث بدأ الأرض». فما الفرق بينهما؟ وقد قال داود أيضاً في الزبور: «ذكرتك يا رب من البدء، وهديت بكل أعمالك». فإن تأولتم تأولنا، وإن تعلقتم بظاهر الخبر في المسيح؛ تعلقنا بظاهر الخبر في سليمان وداود، وإلا فما الفرق؟ ومعناه أنه أخبر عن نفسه بأن إلهنا معنا، يعني: أن الله معه، ومع شعبه معيناً وناصرًا.
فإن قلتم: إن الخشبة التي صلب عليها المسيح على زعمكم ألصقت بميت فعاش؛ فإن هذا دليل على أنه إله؛ قلنا لكم: فما الفرق بينكم وبين من قال: «إن اليسع إله» واحتج في ذلك بأن کتاب «سفر الملوك» يخبر بأن رجلاً مات، فحمله أهله إلى المقبرة، فلما كانوا بين القبور رأوا عدواً لهم يريد أنفسهم، فطرحوا الميت عن رقابهم، وبادروا إلى المدينة، وكان الموضع الذي ألقوا عليه الميت قبر اليسع، فلما أصاب ذلك الميت تراب قبر اليسع عاش، وأقبل يمشي إلى المدينة. فإن زعمتم أن المسيح إله؛ لأن الخشبة التي ذكروا أنه صلب عليها ألصقت بميت فعاش؛ فاليسع إله؛ لأن تراب قبره لصق بميت فعاش.
وقد قال السيد المسيح في الإنجيل لتلاميذه لما سألوه عن الساعة والقيامة: «إن ذلك اليوم، وتلك الساعة لا يعرفه أحد، ولا الملائكة الذين في السماء، ولا الابن أيضاً، ولكن الأب وحده يعرفه». فهذا إقرار منه بأنه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
منقوص العلم، وأن الله تبارك وتعالى أعز وأعلم منه، وأنه خلافه وأعلا منه، وقد بين بقوله: «أحد» عمومه بذلك الخلق جميعاً، ثم قال: «ولا الملائكة» وعندهم من علم الله ما ليس عند أهل الأرض!!
وهل بنيتم أمركم في ذلك إلا على قول «متّى» التلميذ على المسيح عليه السلام أنه قال لتلاميذه حيث أراد أن يفارقهم: «اذهبوا، فعمدوا الناس باسم الأب، والابن، وروح القدس»؟ وهذا كلام يحتمل معناه - إن كان صحيحاً - أن يكون ذهب فيه بأن يجمع هذه الألفاظ إلى أن تجتمع لهم بركات الله، وبركة نبيه المسيح، وروح القدس التي يؤيد بها الأنبياء والرسل.
فَلِم حكمتم بأنه ذهب إلى أن هذه الأسماء لما أضافها إلى الله جل وعلا صارت آلهة، وجعلتم لها أقانيم، لكل اسم أقنوم يخصه بعينه، وهو شخص واحد؟! وكيف استجزتم ما أشركتموه مع الله جل وعلا بالتأويل الذي لا يصح؟!
وهذا كلام له مذهب في اللغة القديمة التي جاءت بها الكتب، وليست بموجبة الإلهية؛ إذ كان قد شاركه في هذا الاسم غيره، فلم لا جعلتموه كما جعل نفسه؟!
ثم إن المسيح قال للرجل الذي أتاه فقال له: أيها العالم الصالح، أي الأعمال خير لي، الذي تكون لي حياة إلى يوم الدين؟ فقال له: لم تقول لي: صالحاً. ليس الصالح إلا الله وحده». فاعترف لله بأنه واحد لا شريك له، ونفى عن نفسه فلم يجعلها ولا أحد من الخلق أهلًا لذلك.
وقوله للمرأة التي جاءته فقالت: أنت ذلك النبي الذي كنا ننتظر مجيئه؟ فقال لها المسيح: «صدقت، طوبى لك».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
ثم قال للشيطان حين اختبره، فسامه أن يلقي نفسه من رأس الهيكل فقال: «أمرنا أن لا نجرب الرب».
ثم سامه أن يسجد له فقال: «أمرنا أن لا نسجد إلا الله وحده، ولا نعبد سواه».
ثم صلاته في غير وقت لله، وآخرها الليلة التي أخذته اليهود فيها. فإذا كان إلهاً -كما زعمتم - فلمن كان يصلي ويسجد؟!!
ثم قول الجموع الذين كانوا معه حين دخل أورشليم(1) وهي مدينة بيت المقدس على الأتان لمن كان يسأله عن أمره، لما راجت المدينة به: «هذا هو يسوع الناصري النبي الذي من الناصرة».
ثم قوله في بعض الإنجيل: «اخرجوا بنا من هذه المدينة، فإن النبي لا يبجل في مدينته».
وفي موضع آخر أنه قال: «لا يهان نبي إلا في مدينته، وفي بيته وأقاربه».
ما رضيتم بقوله في نفسه، ولا بقول تلامذته فيه، ولا بقول من تنبأ عليه من الأنبياء، ولا قول جموعه الذين تولوه لمن سألهم من مخالفيهم عنه، وتركتم ذلك كله، وأخذتم بآراء قوم تأولوا لكم؟!!
ونجدكم تقولون في المسيح عليه السلام: «إنه مولود من أبيه، أزلي»!!
إن كان هذا الابن أزلياً على ما في شريعة إيمانكم، فليس هذا بمولود. وإن كان مولوداً، فليس بأزلي.--------------------------------------------
(1) معنى (أور شليم): أرض سليم، وهو اسم كنعاني، حيث كان سكان بيت المقدس (القدس) قبل أن يسكنها بنو إسرائيل الذين كانوا في تيه سيناء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
وإن كان وجب للأب اسم الأبوة لقدم، فالابن أيضاً يستحق هذا الاسم بعينه؛ إذ كان قديماً مثله، وإن كان الأب عالماً عزيزاً، فهو أيضاً عالم عزيز، تشهد شريعة الإيمان له بذلك. وإن كان الأب والابن متكافئين في القدم والقدرة، فبأي فضل وسلطان للأب عليه أمره ونهاه؟!
و «متّى» التلميذ حين بنى كتابه الإنجيل أول ما ابتدأ به أن قال: «كتاب مولد يسوع المسيح ابن داود بن إبراهيم».
فنسبه إلى من كان منه على الصحة، ولم يقل: إنه ابن الله، ولا إنه إله من إله، كما يقولون.
وقول جبريل -الملك- لمريم عند مخاطبته إياها: «إنه ابن داود» على ما ثبت من ذلك في الإنجيل.
ووجدناكم قد ذكرتم في شريعة الإيمان: «أن يسوع المسيح بِكر الخلائق». وبِكر الخلائق لا يكون إلا من الخلائق!
وقد قال الله تعالى في التوراة: «يا ابني بكري» أي: إسرائيل.
وقال في موضع آخر: «إنه نظر بنو الله إلى بنات الناس، فشغفوا بهن». فهل يوجب لآل إسرائيل إلهية بهذا القول؟!
ومما يبين قولنا في خلق المسيح أن هذا الاسم إنما وقع له، لأنه مسح للنبوة والخير، وماسحه الله تبارك وتعالى. وقد قال داود في زبوره قولاً يشهد على ذلك بعينه: «من أجل هذا البِر مسحك الله إلهك أكثر مما مسح به نظراءك». فأبان داود بهذه الآية معنى المسح بإنجيله، وأن ماسحه الله إلهه، وأنه مصطفى مكرم بزيادة على نظرائه(1).--------------------------------------------
(1) فائدة عزيزة في سبب تسمية المسيح عليه السلام بهذا الاسم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
وإذا نظر في الإنجيل، وكتب بولس، وغيره ممن يحتج به النصارى، وجد نحواً من عشرين ألف آية مما فيه اسم المسيح، وكلها تنطق بعبودية المسيح، وأنه مبعوث مربوب، وأن الله اختصه بالكرامات، ما خلا آيات يسيرة مشكلات، قد تأولها كل فريق من أولئك الذين وضعوا الشريعة باختيارهم على هواهم، فأخذوا بذلك التأويل الفاسد، وتركوا المعظم الذي ينطق بعبوديته.
فلو كانوا قصدوا الحق لردوا تلك المشكلات الشاذة اليسيرة -التي يوجد لها من التأويل خلاف ما يتأولونه- على الواضحات الكثيرة التي قد بانت بغير تأويل.
ومن أعجب العجب أن تكون أمة كتابها، ودعوتها، ومعبودها واحداً يتمسكون بأمر المسيح عليه السلام، وتلامذته، وإنجيله، وسنته، وشرائعه، وهم مع ذلك مختلفون فيه أشد الاختلاف:
فمنهم من يقول: إنه عبد.
ومنهم من يقول: إنه إله.
ومنهم من يقول: إنه ولد.
ومنهم من يقول: إنه أقنوم وطبيعة.
ومنهم من يقول: إنه أقنومان وطبيعتان.
وكل منهم يكفر صاحبه، ويقول: إن الحق في يده.
ووجدنا قوماً منكم إذا نوظروا في ذلك قالوا: قد وجدنا أكثر الأديان يختلف أهلها فيها، ويتفرقون على مقالات شتّى هم عليها، وكل منهم يدعي أن الصواب في يده.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
فَلَم يختلف أهل دين من الأديان في عقد معبودهم، ولا شكّوا فيه، ولا تفرقوا القول فيما اختاروه إلا أهل ملل النصرانية فقط.
وسائر من سواهم إنما اختلفوا في فروع من فروع الدين وشرائعه، مثل اختلاف اليهود في أعيادهم، وسنن لهم، ومثل اختلاف المسلمين في القدَر، فمنهم من قال به ومنهم من دفعه، وفي تفضيل قوم من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم على نظرائهم، بعد اتفاق جماعتهم على إلههم، ومعبودهم، وخالقهم، وأن الله إله الخلق كلهم، واحد لا شريك له، ولا ولد.
ثم اتفاقهم بعد ذلك على نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم لا يشكون فيه، وعلى القرآن، وأنه کتاب الله المنزل على محمد المرسل، لا يختلفون فيه.
فإذا صح اتفاقهم على هذه الأصول كان ما سواها خللاً لا يقع معه كفر، ولا يبطل به دين.
مما ذكره سعيد بن البطريق النصراني في تاريخه
ومن أهم ما ذكره ابن البطريق النصراني-وهو من أكابر علماء النصارى- في تاريخه «نظم الجوهر» عن النصارى: أن المسيح صلوات الله عليه ولد في عهد ملك الروم قيصر المسمى «أغسطس» لثنتين وأربعين سنة من ملكه(1).
وذكر أيضاً عدد من حضر مجمع نيقية من البطارقة والأساقفة مع اختلافهم في الآراء والأديان، وأن «قسطنطين» الملك بعث إلى جميع--------------------------------------------
(1) لاحظ أن هذا من أكبر علماء النصارى ولم يحدد يوماً محدداً لميلاد المسيح عليه السلام، فتاريخ يوم ميلاده غير معروف على وجه اليقين، ومختلف فيه لدى النصارى حتى يومنا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
البلدان، فجمع البطاركة والأساقفة، فاجتمع في مدينة «نيقية» بعد سنة وشهرين ألفان وثمانية وأربعون أسقفاً.
فمنهم من يقول: المسيح ومريم إلهان من دون الله. وهم «المريمانية»، ويسمون «المريميين».
ومنهم من كان يقول: إن المسيح من الأب بمنزلة شعلة نار تعلقت من شعلة نار، فلم تنقص الأولى لإيقاد الثانية منها. وهي مقالة «سبارينون» وأشياعه.
ومنهم من كان يقول: لم تحبل مريم لتسعة أشهر، وإنما مر نور في بطن مريم، كما يمر الماء في الميزاب؛ لأن كلمة الله دخلت من أذنها، وخرجت من حيث يخرج الولد من ساعتها. وهي مقالة «ألبان» وأشياعه.
ومنهم من كان يقول: إن المسيح إنسان خلق من اللاهوت كواحد منا في جوهره، وأن ابتداء الابن من مريم، وأنه اصطفي ليكون مخلصاً للجوهر الإنسي، صحبته النعمة الإلهية، فحلت فيه المحبة والمشيئة، فلذلك سمي «ابن الله»، ويقولون: إن الله جوهر واحد، وأقنوم واحد، يسمونه بثلاثة أسماء، ولا يؤمنون بالكلمة، ولا بروح القدس.
وقال سعيد بن البطريق: فمن ميلاد سيدنا المسيح إلى أن وجد الصليب ثلاثمائة وثمانية وعشرون سنة.
وقال عن مخالفيه من أئمة فرق النصارى: نسطوريوس، وأرطيوس، وديسقورس، وسورس، ويعقوب البرادعي، وأشياعهم؛ أنهم أئمة الضلالة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
قصة استحلال النصارى أكل لحم الخنزير
وذكر ابن البطريق في تاريخه قصة استحلال النصارى أكل لحم الخنزير، وفيها قول الملك قسطنطين ل «بولس» البترك: إذا كان الخنزير في التوراة حراماً، فكيف يجوز لنا أن نأكل لحم الخنزير، ونطعمه للناس؟! فقال له «بولس» البترك: إن سيدنا المسيح قد أبطل كل ما في التوراة، وجاء بناموس آخر، وبتوراة جديدة، وهو الإنجيل، وفي إنجيله المقدس: «إن كل ما يدخل البطن ليس بحرام، ولا ينجس، وإنما ينجس الإنسان الذي يخرج من فيه».
وقال «بولس الرسول» في رسالته إلى أهل مدينة «فورينيوس» الأولى: «الطعام للبطن آلته لها، والبطن للطعام، وله يلعن».
ومكتوب في «الإبركسس» يعني أخبار الحواريين: أن «بطرس» رئيس الحواريين كان في مدينة «يافا» في منزل رجل دباغ يقال له: «سيمون»، وأنه صعد إلى المنزل ليصلي وقت ست ساعات من النهار، فوقع عليه سبات، فنظر إلى السماء قد تفتحت، وإذا إزار قد نزل من السماء حتى بلغ الأرض، وفيه: «كل ذي أربع قوائم على الأرض من السباع، والذئاب، وغير ذلك من طير السماء» وسمع صوتا يقول له: يا بطرس، قم فاذبح وكل.
فقال بطرس: يا رب، ما أكلت شيئاً نجساً قط، ولا وسخاً قط، فجاء صوتُ ثان: كل ما طهره الله فليس بنجس وفي نسخة أخرى: ما طهره الله فلا تنجسه أنت ثم جاء الصوت بهذا ثلاث مرات، ثم إن الإزار ارتفع إلى السماء، فعجب بطرس وتحير فيما بينه وبين نفسه. فبهذا المنظر،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
وبما قال سيدنا المسيح في إنجيله المقدس أمر بطرس وبولس أن نأكل كل ذي أربع قوائم من الخنزير وغيره من جميع الحيوان حلالاً لنا(1).
فأمر الملك أن تذبح الخنازير، وتطبخ لحومها، وتقطع صغاراً صغاراً، وتصير على أبواب الكنائس في كل مملكته يوم أحد الفصح، وكل من خرج من الكنيسة يلقم لقمة من لحم الخنزير، فمن لم يأكل منه يقتل، فقتل لأجل ذلك خلق كثير. وأطلق بطرك الإسكندرية للبطاركة، والأساقفة، والرهبان أكل اللحم من أجل المنانية؛ ليعرف المناني منهم؛ لأن المنانية لا يرون أكل اللحم، ولا شيئاً من الحيوان البتة، ولا يرون الغسل بالماء. والمنانية صنفان: السماعون، والصديقون: فالسماعون: يصومون في كل شهر أياماً معلومة. والصديقون: يصومون الدهر كله، ولا يأكلون إلا ما نبت من الأرض.--------------------------------------------
(1) ومعلوم أن مثل هذه الأمور لا يصلح أن تنبني عليه شريعة، مع مخالفتها لكتب الله ودعوة الأنبياء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
خاتمة
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وكلما تدبر العاقل كلامهم في (الأمانة)(1) وغيرها وجد فيه من التناقض والفساد ما لا يخفى إلا على أجهل العباد، ووجد فيه من مناقضته التوراة، والإنجيل، وسائر كتب الله ما لا يخفى. ولهذا قال طائفة من العقلاء: إن عامة مقالات الناس يمكن تصورها إلا مقالة النصارى، وذلك أن الذين وضعوها لم يتصوروا ما قالوا، بل تكلموا بجهل، وجمعوا في كلامهم بين النقيضين، ولهذا قال بعضهم: لو اجتمع عشرة نصارى لتفرقوا عن أحد عشر قولًا، وقال آخر: لو سألت بعض النصارى، وامرأته، وابنه عن توحيدهم، لقال الرجل قولاً، وامرأته قولاً آخر، وابنه قولاً ثالثاً.
انتهى.
والله الهادي إلى سواء السبيل.--------------------------------------------
(1) يعني عقيدة (الأمانة) التي فيها التثليث والحلول والاتحاد وغيره مما قرره كبراؤهم مع الملك قسطنطين في مجمع نيقية سنة 325 م.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)