Arabic source text

📘 মাওসূআতুল ফিরাকিল মুনতাসিবাহ লিল ইসলাম (মাজমুআহ মিনাল মুয়াল্লিফীন)

📘 موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام (مجموعة من المؤلفين)

📘 মাওসূআতুল ফিরাকিল মুনতাসিবাহ লিল ইসলাম (মাজমুআহ মিনাল মুয়াল্লিফীন)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
فالقول بالاستغناء عن الإمام قول في غاية البعد والسقوط، يقول النووي " وأجمعوا – أي المسلمون – على أنه يجب على المسلمين نصب خليفة، ووجوبه بالشرع لا بالعقل" (1).ويقول القاضي عبد الجبار: " اتفقت الأمة على اختلافها في أعيان الأئمة أنه لابد من إمام يقوم بهذه الأحكام وينفذها" (2).
وهو رأي واضح لا حاجة إلى الإطالة فيه، ولكن النجدات لم تلتفت إلى الناحية الشرعية بل التفتت إلى العقل ورأت أنه لا يمنع أن يتناصف الناس فيما بينهم إذا وجدت الألفة والمحبة، وهذا أقرب إلى الخيال.
يريد النجدات بزعمهم هذا أن ينشأ مجتمع مثالي يعرف فيه كل شيء واجبه تجاه مجتمعه فيقف عند حقه، تحجزه أخلاقه عن ارتكاب أي ضرر بالغير، كل شخص قد جعل القرآن إمامه وحاكمه يعرف فيه واجبه نحو الغير، ولعل هذا بعض ما يمكن أن يتعلل به القائلون من النجدات وغيرهم بالاستغناء عن نصب الإمام.
فلننظر إلى الواقع: هل طبق النجدات هذا القول فاستغنوا عن نصب أمير منهم؟!
لا شك أن الأمر كان بالعكس فنجده نفسه وهو أول زعيم لهم، لم يطبق هذا الرأي بل كان هو الحاكم على فرقته بعد إزاحته لأبي طالوت، ولقد كان يرسل ولأنه على المناطق التي تحت سيطرته ثم كان لا يرسل سرية أو جيشاً إلا اختار لهم أميراً، كما أرسل ابنه إلى القطيف أميراً على سرية، ومن هنا يشك الطالبي في صحة ما نسب إلى نجدة وأنه كما قال: " يمكن أن يكون أصحابه هم الذين أحدثوه من بعد، ولعلهم أولوا قول المحكمة الأولى لا حكم إلا لله وفهموا منه أنه لا حاجة إلى إمام ولا إلى حاكم ".ولكنه عاد فاعتذر لهم عن هذا الرأي الذي ينسب إليهم بأنه ناتج عن حياتهم القبلية، وذلك في قوله: " ومن وجهات النظر التي أبداها هؤلاء مبرر- يبدو أنه من طبيعة الحياة العربية القبلية – وهو أن الناس متساوون كأسنان المشط، فكيف تجب طاعة أحدهم لمن هو ند له؟! ونظير هذا بالنسبة لعامة الناس، كذلك القول بالنسبة للمجتهدين، فإذا تساووا في الفضل والتدين والاجتهاد والمعارف فكيف نستطيع أن نلزمهم بطاعة أحدهم؟! " (3).
ونضيف إلى التبرير السابق الذي قدمه الطالبي لمبدأ النجدات عوامل أخرى يرجع إليها بعض الدارسين الإباضيين، هذا المبدأ الذي يجيز النجدات فيه الاستغناء عن الإمامة فيذكر السالمي عن نظر النجدات في هذه المسألة ما حاصله:
1 - أن النظرية الأساسية التي ارتكزت عليها فكرة الخوارج وخصوصاً الأزارقة والصفرية والنجدات - كانت المبدأ القائل: لا حكم إلا لله، والمعنى الحرفي لهذا المبدأ يشير صراحة إلى أنه لا ضرورة لوجود الحكومة مطلقاً.
2 - أن الحكم " ليس من اختصاص البشر، بل تهيمن عليه قوة علوية ".
3 - أن الضروري هو تطبيق أحكام الشرع والتمشي بموجب القرآن الكريم والسنة، وإذا استطاع المسلمون تطبيق هذه الأحكام والتمشي حسب ما جاء به الإسلام؛ فإنه لا ضرورة مطلقاً لوجود خليفة أو إمام؛ وعلى هذا فالإمامة ليست التزاماً دينياً يجب تنفيذه.
4 - قالوا: إن وجود الخليفة أو الإمام لا يكون مفيداً في الأوقات كلها؛ لأنه ربما يكون بسبب من الأسباب عاجزاً عن الاتصال بجميع أتباعه وينحصر في بطانة قليلة من الأفراد وينعزل عن الأغلبية … وبالتالي يكون أبعد ما يكون عن التفهم لمشاكل المسلمين.
5 - أن على الخليفة أن يتمتع بكفاءات معينة خاصة تجعله جديراً بتولي أمور المسلمين، ومن المحتمل أن لا يكون هذا الرجل الذي يحمل تلك الكفاءات متوفراً في جميع الأوقات، وينتج عن القول بضرورة وجود الخليفة أن نقع في مسألتين محذورتين.--------------------------------------------
(1) ((شرح النووي)) (12/ 205).
(2) ((شرح الأصول الخمسة)) (ص 751).
(3) ((آراء الخوارج)) (ص 125).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 476)

أ- انتخاب خليفة لا تتوفر فيه الكفاءات المطلوبة، وبذلك نخالف النصوص والمنطق.
ب- أو أن لا نعين إماماً وبذلك نخالف الافتراض القائل بضرورة وجود الخليفة.
6 - أن انتخاب الإمام قد يكون سبباً في إيجاد حرب أهلية بين المسلمين أنفسهم.
7 - أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشر صراحة أو وضع شروطاً لوجود خلفاء من بعده.8 - أن كتاب الله لم يبين حتمية وجود إمام وإنما أبان وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ (1).
ولا شك أن كل تلك المبررات التي قيلت عن رأي النجدات كلها اعتذارات غير مفيدة في تبرير رأيهم هذا في مقابل إجماع السلف وعامة الأمة ومنهم الخوارج على وجوب نصب الإمام، وما استند إليه هذا الوجوب من أدلة شرعية وضرورات اجتماعية. قال ابن حزم بعد أن ذكر أن القول بوجوب الإمامة قد أجمعت عليه جميع أهل السنة وجميع المرجئة وجميع الشيعة وجميع الخوارج: " قال أبو محمد: وقول هذه الفرقة (يعني النجدات) ساقط يكفي من الرد عليه وإبطاله إجماع كل من ذكرنا على بطلانه" (2).
والواقع أن تلك المبررات التي ذكرت لرأي النجدات مبررات باطلة فليس الناس سواءً، بل هم متفاوتون في الكمال، بحيث يمكن اختيار أفضلهم لإمامة الجماعة الإسلامية، والتزام الناس بالأحكام الشرعية يمنع من وقوع الحرب الأهلية بينهم بسبب اختيار الإمام كما يقال.
وأما القول بعدم وجود الإنسان الكامل فإنه لا يمنع من نصب الإمام حيث يختار لهذا المنصب أفضل الموجودين، ومن التصور الساذج القول بتناصف الناس فيما بينهم وقيامهم بواجباتهم وحفظهم لحقوق الآخرين، دون وجود قيادة حاكمة يرجع إليها الناس في كل ذلك طوعاً أو كرهاً حتى تستقيم أمور الأمة ومدار الأمر بعد ذلك على التزام الإمام بواجباته الشرعية فلا يجعل بينه وبين الأمة من الحجب ما يحول بينه وبين رعاية مصالحهم؛ فذلك مناط الحكم بضرورة الإمام شرعاً وعقلاً.

‌‌المصدر:الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص397--------------------------------------------
(1) راجع: ((عمان تاريخ يتكلم)) (ص 123).
(2) ((الفصل)) (4/ 87).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 477)

‌‌المطلب الثاني: وحدة الإمامة
يرى أكثر الخوارج كغيرهم من الفرق أن الإمامة يجب أن تسند إلى إمام واحد، وأن البيعة تلزم للمتقدم، فمهما كان صلاح الأخير وفضله لا ينبغي العدول إليه، بل يجب قتاله حتى يعود إلى من رضيت به الأمة، والقول بإقامة إمام واحد مسألة بدهية أطبق عليها جميع العقلاء، إذ لا يمكن أن تتحقق المصلحة وتجتمع الكلمة إلا برجوع الجميع إلى إمام واحد تختاره الجماعة من أهل الحل والعقد، يرعى المصالح ويرد الظالم عن ظلمه ويوصل كل حق إلى صاحبه فهل خرج عن هذا الأمر الواضح أحد؟ نعم لقد خرج عنه بعض الخوارج وهم الحمزية والخلفية من الإباضية فجوزوا أن يجتمع إمامان في وقت واحد، فيذكر الشهرستاني عن رئيس فرقة الحمزية قول: " وجوز حمزة إمامين في عصر واحد مالم تجتمع الكلمة ولم تقهر الأعداء" (1).أما الخلفية من الخوارج الإباضية فقد رأت أن كل إقليم ينبغي أن يكون مستقلاً عن الآخر لا يخضع إقليم لإقليم أو منطقة لمنطقة أخرى، ويكون لهذه المناطق أئمة بعدد مناطق تلك الحوزة من الأرض، قال أبو حفص عمرو بن جميع الإباضي: "وذهبت الخلفية من الإباضية إلى أن كل إقليم أو حوزة يستقل بها إمامها فلا يجوز لإمام أن يجمع بين حوزتين" (2).
والواقع أن هذا مما لا يتفق مع روح الإسلام وأهدافه، فإن تاريخ المسلمين الأوائل لم يعد فيه منهم إلا اختيار إمام واحد للمسلمين جميعاً، ويكون الذي يعين ولاته على الأمصار والجهات المختلفة فلا يستقل كل وال بإقليمه وإنما يكونون جميعاً تحت قيادة هذا الإمام الواحد، ولأن المؤمنين أمة واحدة فلا ينبغي أن يكون لها إمام واحد، وتعدد الأئمة في الأقاليم المختلفة كما تدعو إليه الخلفية لا ينتج عنه إلا كثرة المشاحنات وظهور الاختلافات بين هذه الأقاليم وضعف المسلمين كما يدلنا تاريخهم عندما تفرقت دويلاتهم وانفردت كل مجموعة من الناس برئيس حتى ضعفوا. وقد جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وأنه لا نبي بعدي وستكون خلفاء فتكثر. قالوا: فما تأمرنا قال: فوا ببيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم)) (3). وفي حديث آخر قال عليه الصلاة والسلام: ((من بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعمه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر)) (4). وهذا يرشدنا إلى المنع من تعدد الأئمة الذي نتج عنه كثرة الاختلافات والمشاحنات كما يدل عليه تاريخ المسلمين قديماً وحديثاً حتى تفرقت كلمة المسلمين وضعفت الرابطة الإسلامية التي كانت مصدر عز الإسلام وقوته.

‌‌المصدر:الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص406--------------------------------------------
(1) ((الملل والنحل)) (1/ 130).
(2) نقلاً عن ((آراء الخوارج)) (ص 128)، ولكن عموم الإباضية لا تجيز هذا، انظر ((مدارج الكمال)) (ص 172).
(3) رواه البخاري (3455)، ومسلم (1842). من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(4) رواه مسلم (1844).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 478)

‌‌المطلب الثالث: شروط الإمام
يشترط الخوارج في من يرتضونه إماماً أن تتوفر فيه عدة صفات تجعله جديراً بحمل الأمانة، وأهم هذه الشروط مما يأتي:
1 - أن يكون شديد التمسك بالعقيدة الإسلامية مخلصاً في عبادته وتقواه كثير التعبد والطاعات – على طريقتهم.
2 - أن يكون قوياً في نفسه ذا عزم نافذ وتفكير ناضج وشجاعة وحزم، كما يقول السالمي:
وليك ذا شجاعة وحزم … مرتدياً بعفة وحلم
وغيره على انتهاك الحرم … وذا وفا بعده والذمم (1).
3 - أن لا يكون فيه ما يخل بإيمانه من حب المعاصي واللهو واتباع الهوى، يقول السالمي أيضاً:
ولم يكن على كبير حدا … وحتى ولو تاب وأبدى الرشدا (2).
4 - أن يكون انتخابه برضى الجميع لا يغني بعضهم عن بعض في ذلك.
5 - لا عبرة بالنسب أو الجنس أو اللون. هذه بعض شروطهم التي ذكرتها المصادر عنهم، وقد وصف الأستاذ أبو زهرة موقفهم من طريقة اختيار الخليفة بأنه من آرائهم السديد المحكم، فقال في معرض بيانه للآراء التي تجمع فرق الخوارج " وأول هذه الآراء – وهو من بين آرائهم السديدة المحكمة – أن الخليفة لا يكون إلا بانتخاب حر صحيح يقوم به عامة المسلمين لا فريق منهم " (3).ويقول فيه الدكتور عبد الحليم محمود: " أما رأيهم في الإمامة فإنه هو الرأي الذي يؤيد الاتجاه الحديث، ويؤيده كل مخلص لدينه ووطنه" (4).
ويكون هذا المنتخب من أي جنس كان، سواء كان عربياً أم أعجمياً، قرشياً أو غير قرشي، بل يرون أن الأفضل تولية من لا نسب له ولا عشيرة معه ليسهل توجيهه إلى ما يريدون، ويسهل أيضاً خلعه أو قتله عندما يستحق ذلك في نظرهم."وليست لعربي دون أعجمي والجميع فيها سواء بل يفضلون أن يكون الخليفة غير قرشي ليسهل عزله أو قتله إن خالف الشرع وحاد عن الحق، إذ لا تكون له عصبية تحميه ولا عشيرة تؤويه، وعلى هذا الأساس اختاروا منهم عبد الله بن وهب الراسبي وأمروه عليهم وسموه أمير المؤمنين وليس بقرشي" (5).ويقول ابن الجوزي عن شروط الخوارج في الخليفة: (ومن رأي الخوارج أنه لا تختص الإمامة بشخص إلا أن يجتمع فيه العلم والزهد فإذا اجتمعا كان إماماً نبطياً" (6) (أي من أخلاط الناس وأوباشهم).وبالإضافة إلى ما تقدم فإنه يولون جانب الشجاعة والمهارة اهتماماً خاصاً، كما عبر عن هذه المسألة معاذ بن جوين الخارجي حين يقول: " وإنما ينبغي أن يلي على المسلمين إذا كانوا سواء في الفضل أبصرهم بالحرب وأفقههم في الدين وأشدهم اضطلاعاً بما حمل" (7).أي إن الخوارج يرون أن المهارة الحربية والشجاعة من صفات الخليفة الضرورية وذلك نظراً لحروبهم الدائمة مع مخالفيهم، وهذا ما يعبر عنه الإباضية بالإمام الشاري وهو بمعنى الفدائي، وقد عرفه السالمي بقوله: "هو الذي يتمتع بالثقة المطلقة من قبل أتباعه جميعاً ويعلن الجهاد ولا يجوز له الهرب من ساحة الميدان، ويقوده شعاران في المعركة: النصر أو الموت" (8). لأن الأئمة عند الخوارج ينحصرون في أربعة:
1 - الإمام الشاري، وقد تقدم تعريفه.
2 - إمام الدفاع: وهو الذي يتولى القيادة وعامة أتباعه في الحرب في الظروف العصيبة.
3 - إمام الظهور: وهو الذي تتم بيعته في السلم عن اختيار ورضى جميع المسلمين.
4 - إمام الكتمان: وهو الإمام الذي ترجع إليه الإباضية في حل مشكلاتهم عندما يكونون تحت سيطرة حكومية من غير الإباضية ولا يستطيعون مناوءتها بالقوة.--------------------------------------------
(1) ((مدارج الكمال)) (ص 171).
(2) ((مدارج الكمال)) (ص 171).
(3) ((تاريخ المذاهب الإسلامية)) (1/ 71).
(4) ((التفكير الفلسفي)) (1/ 191).
(5) ((تاريخ المذاهب)) (1/ 71).
(6) ((تلبيس إبليس)) (ص 96).
(7) ((تاريخ الطبري)) (5/ 175).
(8) ((عمان تاريخ يتكلم)) (ص 126).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 479)

وقد رأينا فيما سبق أن الخوارج ينادون بالاختيار الحر لرئيس الأمة، ويكون من بين أفرادها، لا يتمتع بأي ميزة غير كفاءته في إدارة شؤون المسلمين، وقد وصفوا بذلك بأنهم جمهوريون وأنهم ديمقراطيون إلخ … وإن نظرتهم هذه تستند إلى قوله تعالى: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ. يقول الطالبي: " تعتبر الخوارج ممثلة للنزعة الإجماعية أو الاتجاه الجمهوري في الفقه السياسي، وهي نظرة قرآنية لأن مصدر السلطة في الشريعة الإسلامية إنما هو اختيار الأمة وانتخابها، ومبدأ الشورى نص عليه القرآن بلا نزاع ولا فرق في ذلك بين مسلم ومسلم ولا نظر إلى الجنس أو اللون" (1).وقد زعم الأستاذ ألبير نصري بأن الخوارج هم أول من نادى بأن الأمة هم مصدر السلطة، وبالتالي كانوا أول من نادى بالاختيار الحر للإمام – فيقول: " إن الخوارج هم أول من ادعى في الإسلام أن الأمة هي مصدر السلطة فكان موقفهم هذا خطوة أولى نحو القول بحق الاختيار الحر رئيس الأمة، وهذا هو لب الديمقراطية، وإن جعلوا هذه الديمقراطية محدودة " (2).ويقول السالمي عن الإمامة في عمان: " كانت الإمامة تستند إلى قواعد وجذور قوية، كانت تستند إلى أساس ديمقراطي يتساوى فيه الغني والفقير والقوي والضعيف أمام قوانين الشريعة السمحاء؛ ولذا فإن بذور الحكم الجمهوري قد نبتت في عمان ومجتمعها الإباضي وكانت بذور صالحة في تربة صالحة" (3).وقال أيضاً: " ولذا فإن بذور الديمقراطية قد نشأت في هذا المجتمع وتطورت في سبيل مصلحة الشعب نفسه" (4).والواقع أن ما زعمه ألبير نصري من أن الخوارج هم أول من نادى بالانتخاب الحر للإمام - زعم باطل تاريخياً وموضوعياً؛ فإننا بتتبعنا لتاريخ المسلمين الأول نجد أنهم قد اختاروا الخلفاء اختياراً حراً كما في اختيارهم للخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أجمعين، وأنهم لم يخرجوا عن قوله تعالى: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ، فإذا ليس الخوارج هم أول من نادى باختيار الخليفة عن طريق الشورى ورضى الناس، يقول رفعت فوزي: " ولم يكن الخوارج هم أول من نادى بأن تكون الخلافة شورى بين المسلمين " (5).
أما القول الذي انفرد به الخوارج في موضوع الإمامة، فهو عدم اشتراط القرشية فيها، فمسألة أحقية قريش بالخلافة غير واردة في مفهوم الخوارج إذ أنها مسؤولية عظمى يتساوى الناس في صلاحيتهم لتوليها، فما معنى ربطها بأناس بخصوصهم؟! وهم في هذا الاتجاه لا ينظرون إلى ما ورد في ذلك من الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا إلى ما قاله جمهور الصحابة والتابعين وسلف الأمة، بل حكموا فيها مجرد رأيهم وما تميل إليه نفوسهم. يقول الأشعري: " ويرون أن الإمامة في قريش وغيرهم إذا كان القائم بها مستحقاً لذلك ولا يرون إمامة الجائر" (6).واعتبر الشهرستاني تجويز الخوارج للإمامة في غير قريش من بدعهم التي خرجوا من أجلها في الزمن الأول، فبعد أن ذكر خرافتهم في القول بالاستغناء عن الإمام قال مصوراً رأيهم: "وإن احتيج إليه فيجوز أن يكون عبداً أو حراً أو نبطياً أو قرشياً" (7).وقال ابن حزم: " وذهبت الخوارج كلها وجمهور المعتزلة وبعض المرجئة إلى أنها جائزة في كل من قام بالكتاب والسنة قرشياً كان أو عربياً أو ابن عبد" (8).--------------------------------------------
(1) ((آراء الخوارج)) (ص 121).
(2) ((أهم الفرق الإسلامية)) السياسية والكلامية (ص 12).
(3) ((عمان تاريخ يتكلم)) (ص 129، 130).
(4) ((عمان تاريخ يتكلم)) (ص 126).
(5) ((الخلافة والخوارج)) في المغرب العربي (ص 14).
(6) ((المقالات)) (1/ 204).
(7) ((الملل والنحل)) (1/ 116).
(8) ((الفصل)) (4/ 89).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 480)

وهذا الرأي قد قام به قدماء المعتزلة أيضاً فيما يرويه ابن أبي الحديد بقوله: "وقد اختلف الناس في اشتراط النسب في الإمامة، فقال قوم من قدماء أصحابنا - يعني المعتزلة -: إن النسب ليس بشرط فيها أصلاً وإنها تصلح في القرشي وغير القرشي، إذا كان فاضلاً مستجمعاً للشرائط المعتبرة، واجتمعت الكلمة عليه وهو قول الخوارج" (1).ويقول ابن حجر: "وقالت الخوارج وطائفة من المعتزلة، يجوز أن يكون الإمام غير قرشي وإنما يستحق الإمامة من قام بالكتاب والسنة سواء أكان عربياً أو أعجمياً" (2).ولهذا فهم كما يذكر تسموا بالخلفاء لأنهم لا يعتبرون القرشية شرطاً في الخلافة كما ينص على هذا بقوله: " إن الخوارج في زمن بني أمية تسموا بالخلافة واحداً بعد واحد ولم يكونوا من قريش" (3).وهذا بناء على أن " الخلافة حق لكل مسلم وغايتها إقامة الأحكام" (4).
أما رأي الإباضية في اشتراط قرشية الإمام فهو لا يخرج عن رأي عامة الخوارج في عدم اشتراط هذا الشرط وعدم ارتباطها بجنس أو لون أو أسرة أو قبيلة، بل المدار في من يصلح لها أن يكون كفئاً في دينه وخلقه وعلمه وعقله، فإذا وجد عدد من الناس فيهم هذه الكفاءة أمكن حينئذ النظر إلى ناحية الجنس وغيره من أسباب المفاضلة. وهذا ما يقوله علي معمر، ومثله الحارثي الإباضي عن الخلافة أنها: " لا يمكن أن تخضع لنظام وراثي ولا أن ترتبط بجنس أو قبيلة أو أسرة أو لون، إنما يجب أن يشترط فيها الكفاءة المطلقة، الكفاءة الدينية والكفاءة الخلقية والكفاءة العلمية والكفاءة العقلية، فإذا تساوت هذه الكفاءات في مجموعة من الناس أمكن أن تجعل الهاشمية أو القرشية أو العروبة من أسباب المفاضلة، أو من وسائل الترجيح أما في غير ذلك فليس لها حساب" (5). ونحو هذا عند السالمي.
ويقول علي معمر أيضاً: " ولم يكن الإباضية أو الخوارج هم أول من قال بهذا، وإنما سبقتهم إليه كبار الصحابة عندما ناقشوا أول خليفة في الإسلام"، واستدل المؤلف على هذا بالأدلة الآتية:
1 - قول الأنصار يوم السقيفة: " منا أمير ومنكم أمير"؛ إذ لم يكن الأنصار يعرفون أنه يجوز أن يتولى الإمارة غير قرشي لما قالوا ذلك، ولكن هذا الدليل يتطرق إليه ضده وهو احتمال أن يكونوا قالوا هذا القول قبل أن يعرفوا النص الذي يثبت الخلافة في قريش ولهذا فقد رجعوا إلى رشدهم حين بين لهم أبو بكر هذه المسألة.
2 - من أدلتهم أيضاً قول عمر رضي الله عنه: " لو كان سالم مولى حذيفة حياً لبايعته"؛ فلو كان غير القرشي لا يصح أن يتولى لما قال ذلك، وقد أجيب عن هذا وما في معناه مما ورد على لسان عمر رضي الله عنه باحتمالين ذكرهما ابن حجز وهما:--------------------------------------------
(1) ((شرح نهج البلاعة)) (9/ 87).
(2) ((فتح الباري)) (13/ 118).
(3) ((فتح الباري)) (13/ 119).
(4) ((تاريخ الفكر العربي)) (ص 207).
(5) ((الإباضية في موكب التاريخ)) (ص 63)، وانظر: ((عمان تاريخ يتكلم)) (ص 129)، وانظر: ((العقود الفضية)) (ص 290).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 481)

1 - إما أن يكون الإجماع انعقد بعد عمر على اشتراط أن يكون الخليفة قرشياً. 2 - وإما أن يكون قد تغير اجتهاد عمر في ذلك (1).3 - استنتجوا من قول أبي بكر رضي الله عنه – أن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش – بأن هذا تعليل لطاعة العرب لهم فإذا تغير الحال تغير موضع الاختيار (2)، وهكذا عللوه مع أنه ظاهر في أحقية قريش بالخلافة وهذا ما فهم منه الصحابة المهاجرون منهم والأنصار بدليل تسليمهم بالطاعة لأبي بكر رضي الله عنه حينما بين لهم هذا الدليل. وهذا القول عليه أكثر المعتزلة كما يذكر ابن أبي الحديد ذلك بقوله: " وقال أكثر أصحابنا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الأئمة من قريش)) (3) أن القرشية شرط إذا وجد في قريش من يصلح للإمامة، فإن لم يكن فيها من يصلح فليست القرشية شرطاً فيها" (4).ولا يخفى أن دعوى الخوارج استحقاق الخلافة لمن كان أهلاً لها من أي طبقة كان – هذه الدعوى قد اجتذبت بعض الموالي والعجم متطلعين إلى الخلافة، ومن الدلائل على ذلك أنه لما اشتد النزاع بين الخوارج انفصل قسم كبير منهم عن قطري وولوا عليهم عبد ربه الصغير وكان أكثرهم من الموالي والعجم، وكان سبب انفصالهم هذا أنهم طلبوا من قطري أن يعزل المقعطر، " فأبى قطري أن يعزله فقال له القوم: إنا خلعناك وولينا عبد ربه الصغير، فانفصل إلى عبد ربه أكثر من الشطر وجلهم الموالي والعجم وكان هناك منهم ثمانية آلاف وهم القراء" (5).
ولنا أن نتساءل هل كان الخوارج صادقين في قولهم إن الإمامة حق مشاع لكل من كان كفئاً لها؟ وهل وصل أحد من الموالي إلى الحكم مصداقاً لهذه النظرية على كثرة عدد الموالي الذين كانوا في تلك الحروب مع الخوارج؟
والواقع أن الخوارج وإن نادوا بتلك الشعارات البراقة كانوا في غاية العصبية للعروبة، وكان أكثرهم من ربيعة وكانت تلك العصبية ظاهرة فيهم، فإن تولى أحد الموالي ولاية، فإنما هي حالة طائرة أملتها الظروف ريثما ينتخبون عربياً مكانه كما وقع لأبي طالوت وثابت التمار وغيرهما من الموالي. يقول عبدالرحمن النجم: " وقد انضم إلى الخوارج عدد من الموالي واشتركوا في الثورات التي قامت ضد الحكم الأموي، ووصل بعضهم إلى مركز الرئاسة ومنهم أبو طالوت سالم بن مطر الذي قاد الحركة في مراحلها الأولى في اليمامة، وثابت التمار الذي اختاره الخوارج رئيساً لهم بعد عزل نجدة ولكنه خلع بسرعة" (6). وقد أرجع النجم هذه السرعة في عزله إلى العصبية التي كانت مستعرة بين عرب الخوارج (7).
وقد رد كثير من العلماء على الخوارج رأيهم في جواز تولي الإمامة من غير قريش بناء على الأحاديث الواردة في أحقية قريش بالخلافة، وهذه الأحاديث منها ما جاء خبراً مطلقاً عن الخلافة أنها في قريش، ومنها ما جاء مقيداً بشرط.--------------------------------------------
(1) انظر: ((فتح الباري)) (13/ 119).
(2) انظر: ((الإباضية بين الفرق)) (ص 464).
(3) رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (4/ 26)، والحاكم (4/ 85). من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه. والحديث حسنه ابن حجر في ((موافقة الخبر الخبر)) (1/ 472)، وقال الألباني في ((صحيح الجامع)) (2757): صحيح.
(4) ((شرح نهج البلاغة)) (9/ 87).
(5) ((الكامل)) للمبرد (2/ 237).
(6) ((البحرين في صدر الإسلام)) (ص 133).
(7) ((البحرين في صدر الإسلام)) (ص 137).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 482)

أما الأحاديث المطلقة فمنها: 1 - جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان)) (1).2 - حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الناس تبع لقريش في هذا الشأن؛ مسلمهم تبع لمسلمهم وكافرهم تبع لكافرهم)) (2).3 - حديث جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الناس تبع لقريش في الخير والشر)) (3).فهذه هي الأحاديث العامة، وقد ورد ما يقيد عمومها باستقامة قريش على الدين والمحافظة عليه كما جاء في حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أنه قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما أقاموا الدين)) (4).
وقد أورد ابن حجر رحمه الله روايات عدة في حصر الخلافة في قريش ثم استشهد بكلام العلماء في هذا الباب، ومنه قول القرطبي: " هذا الحديث - يشير إلى حديث: " ما بقي منهم اثنان" المتقدم - خبر عن المشروعية أي لا تنعقد الإمامة الكبرى إلا لقريش مهما وجد منهم أحد".--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (3501).
(2) رواه البخاري (3495)، ومسلم (1818).
(3) رواه مسلم (1819).
(4) رواه البخاري (3500).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 483)

وقال القاضي عياض: " اشتراك كون الإمام قرشياً مذهب العلماء كافة، وقد عدوها في مسائل الإجماع ولم ينقل عن أحد من السلف فيها خلاف وكذلك من بعدهم في جميع الأمصار".ولكن ابن حجر يذكر أنه لا يتم القول بالإجماع إلا بتأويل ما ورد عن عمر رضي الله عنه في إرادته جعل الخلافة في معاذ بن جبل وهو أنصاري ليس من قريش، وذلك في قوله: (إن أدركني أجلي وأبو عبيدة حي استخلفته … فإن أدركني أجلي وقد مات أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل) – فأجاب ابن حجر عن دعوى الإجماع هذه التي ذكرها القاضي بأنه: " لعل الإجماع انعقد بعد عمر على اشتراط أن يكون الخليفة قرشياً أو تغير اجتهاد عمر في ذلك" (1).وقد ذكر الإجماع على حصر الخلافة في قريش النووي، فقال بعد ذكره للأحاديث الدالة على ذلك: "هذه الأحاديث وأشباهها دليل ظاهر أن الخلافة مختصة بقريش لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة فكذلك بعدهم، ومن خالف فيه من أهل البدع أو عرض بخلاف من غيرهم فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين فمن بعدهم بالأحاديث الصحيحة " (2).وقال أيضا: "ولا اعتداد النظام ومن وافقه من الخوارج وأهل البدع أنه يجوز كونه من غير قريش" (3).ويذكر البغدادي أن من أصول السلف أنهم " قالوا من شرط الإمامة النسب من قريش" (4).ويؤكد هذا المعنى أيضاً ابن حزم الأندلسي فيقرر عن عدد من الفرق الإسلامية أنهم يرون وجوب جعل الإمامة في قريش في ولد فهر بن مالك، وأن من هذه الفرق فرقة أهل السنة فقال: "ثم اختلف القائلون بوجوب الإمامة على قريش؛ فذهب أهل السنة وجميع الشيعة وبعض المعتزلة وجمهور المرجئة إلى أن الإمامة لا تجوز إلا في قريش خاصة من كان ولد فهر بن مالك … " (5).ثم قال: " فصح أنه ليس يجوز البتة أن يوقع اسم الإمامة مطلقاً ولا اسم أمير المؤمنين إلا على القرشي لجميع أمور المؤمنين كلهم أو الواجب له ذلك وإن عصاه كثير من المؤمنين … وكذلك اسم الخلافة بإطلاق لا يجوز أيضاً إلا لمن هذه صفته" (6).وقد جعل الشيخ أبو عبد الله محمد بن علي الحنبلي الأحاديث التي وردت في استحقاق قريش الخلافة بأنها تدل على أن قريشاً يشتركون جميعهم في استحقاقها؛ حيث قال: " من الأحكام ما تشترك فيه قريش كلها نحو الإمامة الكبرى" (7).ومع ما ورد من الأحاديث في هذا المقام وأقوال العلماء فإن الخوارج لم يبعثوا بذلك، يقول الدكتور عزت عطية: "وأما الخوارج فلم يبعثوا بالنصوص والأخبار الواردة في ذلك وتمسكوا ببدعتهم" (8).
ولا شك أن الخوارج أو بعضهم قد سمع ما قيل في يوم السقيفة إذ أن هذا الموقف كان معروفاًً في ذهن كل واحد، فإنه لازال طرياً في مسامع الناس حين خرج الخوارج على علي، فيبعد أن لا يسمع أحد منهم بما روي هناك من أن الأئمة في قريش. ويقول ابن حجر مبطلاً احتجاج من احتج بتولية الرسول صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة وأسامة وغيرهم على أن الخلافة غير لازمة في قريش – بقوله: " وأما ما احتج به من لم يعين الخلافة في قريش من تأمير عبدالله بن رواحة وزيد بن حارثة وأسامة وغيرهم في الحروب، فليس من الإمامة العظمى في شيء، بل فيه أنه يجوز للخليفة استنابة غير القرشي في حياته" (9).--------------------------------------------
(1) ((فتح الباري)) (13/ 119).
(2) ((شرح النووي)) على مسلم (12/ 200).
(3) ((شرح النووي)) على مسلم (12/ 200).
(4) ((الفرق بين الفرق)) (ص 349).
(5) ((الفصل)) (4/ 89).
(6) ((الفصل)) (ص 90).
(7) ((مختصر الفتاوى المصرية)) (ص 566).
(8) ((البدعة)) (ص 409).
(9) ((فتح الباري)) (13/ 119).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 484)

ولنا أن نتساءل هل شرط القرشية على إطلاقه؟ وهل الأحاديث الواردة في ذلك دالة على الوجوب مطلقاً أم أن هناك احتمالات أخرى في الموضوع؟ قبل الإجابة على هذا التساؤل نورد ما ذكره ابن حجر من أن الأحاديث التي وردت في استحقاق قريش الخلافة جاءت على ثلاثة أوجه وهي:1 - وعيدهم باللعن إذا لم يحافظوا على المأمور به؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((الأمراء من قريش ما فعلوا ثلاثاً: ما حكموا فعدلوا، واسترحموا فرحموا، وعاهدوا فوفوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله)) (1). قال ابن حجر: وليس في هذا ما يقتضي خروج الأمر عنهم.2 - وعيدهم بأن يسلط عليهم من يبالغ في أذيتهم لقوله صلى الله عليه وسلم: ((يا معشر قريش إنكم أهل هذا الأمر ما لم تحدثوا، فإذا غيرتم بعث الله عليكم من يلحاكم كما يلحى القضيب)) (2). يقول ابن حجر: " وليس في هذا أيضاً تصريح بخروج الأمر عنهم وإن كان فيه إشعار به ".3 - الإذن في القيام عليهم وقتالهم، والإيذان بخروج الأمر عنهم لقوله صلى الله عليه وسلم: ((استقيموا لقريش ما استقاموا لكم، فإن لم يستقيموا فضعوا سيوفكم على عواتقكم فأبيدوا خضراءهم، فإن لم تفعلوا فكونوا زارعين أشقياء)) (3).
وهذا الحديث صريح في جواز الخروج عليهم عندما ينطبق عليهم حكمه وهو عدم استقامتهم؛ إذ أنهم حينئذ كغيرهم من أهل الضلال عندما انتفى عنهم موجب تقديمهم وهو لزوم شرع الله ولا يلتفت إلى نسبهم.
ولعل هذا هو ما يمكن أن يكون المدار الذي تجتمع عليه الأحاديث بحيث يقال إنهم أولى بالإمامة من غيرهم إذا كانوا صالحين، وإن كان في المجتمع غيرهم من أهل الصلاح، وأما إذا لم يكونوا كذلك وكان غيرهم أصلح منهم وجب تولية الصالح حيث لم يأمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بتولية غير الصالحين من قريش أو من غيرهم.
والأمر بين في هذا لولا أن الخوارج غلب عليهم الحقد واتباع ما تهوي أنفسهم فأنفوا من الرجوع إلى ما تقتضيه الأحاديث من أولوية قريش إذا كانوا صالحين وحكموا بالأولوية لغير قريش.
ولا ينبغي جحد فضل قريش وميزتهم على غيرهم عند صلاحهم، فقد وردت أحاديث كثيرة في بيان ذلك ويكفيهم فضلاً اختيار الله لرسوله منهم. ويشهد لما ذهبنا إليه في مدى اشتراط القرشية في الإمام ما انتهى إليه اجتهاد الشيخ أبي زهرة رحمه الله في هذا الأمر، فقد جمع بين الأحاديث التي توجب طاعة ولي الأمر مهما كان جنسه وإن كان عبداً حبشياً، وبين قوله عليه الصلاة والسلام: ((إن هذا الأمر في قريش)) (4). وغيره من الأحاديث - بأن "النصوص في مجموعها لا تستلزم أن تكون الإمامة في قريش وأنه لا تصح ولاية غيرهم، بل إن ولاية غيرهم صحيحة بلا شك، ويكون حديث ((الأمر في قريش)) من قبيل الإخبار بالغيب كقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الخلافة بعدي ثلاثون ثم تصير ملكاً عضوضاً)) (5)، أو يكون من قبيل الأفضلية لا الصحة)) (6).

‌‌المصدر:الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص408--------------------------------------------
(1) رواه أحمد (4/ 421) (19797)، وأبو يعلى (6/ 323). من حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه. قال المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (3/ 187): رواته ثقات. وقال العراقي في ((محجة القرب)) (188): صحيح. وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (5/ 196): رجاله رجال الصحيح خلا سكين بن عبد العزيز وهو ثقة. وحسنه ابن حجر في ((موافقة الخبر الخبر)) (1/ 478). وقال الألباني في ((صحيح الترغيب)) (2189): صحيح لغيره.
(2) رواه أحمد (1/ 458) (4380)، وأبو يعلى (8/ 438). من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (5/ 195): رجال أحمد رجال الصحيح، ورجال أبي يعلى ثقات. وقال الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) (1552): وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
(3) رواه أحمد (5/ 277) (22442)، والطبراني في ((الأوسط)) (8/ 15) وفي ((الصغير)) (1/ 134). من حديث ثوبان رضي الله عنه. قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (5/ 195): رواه الطبراني في ((الصغير))، و ((الأوسط)) ورجال الصغير ثقات. وقال ابن حجر في ((فتح الباري)) (13/ 125): رجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعا وله شاهد. وضعفه الألباني في ((السلسلة الضعيفة)) (1643).
(4) رواه البخاري (3500).
(5) رواه أبو داود (4646)، والترمذي (2226)، وأحمد (5/ 221) (21978)، والبيهقي (8/ 159). من حديث سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الترمذي: هذا حديث حسن قد رواه غير واحد عن سعيد بن جهمان ولا نعرفه إلا من حديث سعيد بن جهمان. وقال ابن عساكر في ((معجم الشيوخ)) (1/ 113): محفوظ من حديث سفينة. وحسنه ابن حجر في ((هداية الرواة)) (5/ 92) – كما أشار لذلك في المقدمة -. وصححه الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) (459).
(6) ((تاريخ المذاهب)) (1/ 91).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 485)

‌‌المطلب الرابع: محاسبة الإمام والخروج عليه
يرى الخوارج أن الإمام هو المثل الأعلى، ولهذا فيجب أن يكون متصفاً بذلك قولاً وفعلاً، فإن خطأه ليس كخطأ غيره من الناس، فإذا أخطأ خطيئة ما يجب فوراً محاسبته والخروج عليه، فإما أن يعتدل وإما أن يعتزل ولو أدى هذا إلى قتله؛ فإنه حق مشروع لهم حينئذ. وهكذا يعيش الإمام عندهم بين فكي الأسد يحاسب على كل ما يصدر منه محاسبة دقيقة لا تأخذهم فيه لومة لائم فلا طاعة لجائر؛ لأنهم ينكرون الجور أشد الإنكار ولا يعترفون بإمام يعتقدون أنه قد جار في حكمه، قال الأشعري: " ولا يرون إمامة الجائر" (1)، ويحل عليه الخروج عندهم إذا ارتكب ذنباً ولم يتب منه، أو أظهر جور في حكمه، أو كان فيه تقصير عن إقامة الحدود؛ فإن الخروج عليه حينئذ يكون واجباً وقتاله حق واستشهاد، " فهم مشهور بتشددهم وصرامتهم وجرأتهم في محاسبة رؤسائهم" (2).وإشهار السيف في وجهه ووجوه أتباعه من إقامة الدين وإظهاره عالياً؛ لأن الظلمة لا ولاية لهم، ولا تجب طاعتهم؛ فقد قال تعالى: لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة: 124]، وهذا دليل واضح عندهم على وجوب إقصائه عن الحكم إذا ظلم في حكمه أو جار. يقول الشهرستاني في بيانه لموقف الخوارج من الإمام: " وإن غير السيرة وعدل عن الحق وجب عزله أو قتله" (3).ويقول البغدادي فيما يرويه عن الكعبي: إن من الأمور التي أجمعت عليها الخوارج إجماعهم على " وجوب الخروج على الإمام الجائر" (4).
وهم كما سبق لا يرون للإمام ميزة إلا إقامة الأحكام الشرعية، ولهذا فمراجعته وانتقاده أمر عادي، ولقد أدت هذه النظرية من سلفهم القديم إلى المغالاة والشطط التي دفعت بذي الخويصرة بغير حق إلى نقد النبي صلى الله عليه وسلم نفسه فيما توهمه ظلماً في توزيع الغنائم. قال ابن حزم في كلامه عن خروج الخوارج على علي ومحاربته وعدم الرضى بخلافته وأن هذا كان بسبب جهلهم وقلة علمهم قال: " ولكن حق لمن كان إحدى يمينه ذو خويصرة الذي بلغ ضعف عقله وقلة دينه إلى تجويره رسول الله في حكمه والاستدراك، ورأى نفسه أورع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا وهو يقر أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، وبه اهتدى وبه عرف الدين، ولولاه لكان حماراً أو أضل" (5).--------------------------------------------
(1) ((المقالات)) (1/ 204)، وانظر: ((الإسلام والحضارة العربية)) (2/ 62 /63).
(2) انظر: ((الطرماح بن حكيم)) (ص 55).
(3) ((الملل والنحل)) (1/ 116).
(4) ((الفرق بين الفرق)) (ص 73).
(5) ((الفصل)) (4/ 157).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 486)

فإذا كانت هذه حال سلفهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف بمن بعده من الخلفاء؟! ولهذا فهم قلما يثبتون على إمام ويخضعون له خضوعاً تاماً إلا قليلاً، فنتج عن هذا الموقف ثم من المواقف الأخرى، وهو كثرة حروبهم مع مخالفيهم أو مع بعضهم البعض – كثرة أئمتهم. ومن غرائبهم ما يروى عن فرقة العوفية فقد اعتبرت كفر الإمام سبباً في كفر رعيته، وذلك في قولهم: "إذا كفر الإمام فقد كفرت الرعية الغائب منهم والشاهد" (1)؛ لهذا فينبغي أن يحال بينه وبين الحكم عندما يبدو منه أمر مكفر بأي وسيلة كانت، وإلا فقد كفروا هم أيضاً، فلا أشد من هذه المبالغة في تكفير الناس بغير حق، فإذا كفر الإمام بالمشرق فمن أي وجه تكفر رعيته بالمغرب، بل من أي وجه يكفر حتى ولده الذي هو في بيته مادام متمسكاً بالإسلام؟! ومن هذا القبيل ما قاله الملطي حاكياً عن رئيس البيهسية هيصم بن عامر بأنه قد افترى " فزعم أن حكم الإمام بالكوفة حكماً يستحق به الكفر، ففي تلك الساعة يكفر من كان في حكم ذلك الإمام بخراسان والأندلس، وعلى الإمام إذا أبصر كفره فتاب منه أرسل إلى أهل حكمه كلهم يستتيبهم من الكفر وإن لم يشعروا به، فإن أبي أن يتوب منه وقال ما لي أن أتوب مما لا شك فيه ولم أعلم به ضربت عنقه" (2).--------------------------------------------
(1) انظر: ((المقالات)) (1/ 194، ((الملل والنحل)) (1/ 126، ((الفرق بين الفرق)) (ص 109).
(2) ((التنبيه والرد)) (ص 169، ((الفصل)) لابن حزم (4/ 190).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 487)

وهذه أحكام خاطئة لا تصدر إلا عن عقول جاهلة بمعاني الشريعة وأحكامها، وعلى هذا فما تراه من كثرة حروبهم وخروجهم على أئمتهم أو أئمة مخالفيهم يعتبر أمراً طبيعياً إزاء هذه الأحكام الخاطئة تجاه الإمام؛ فهو عندهم مراقب مراقبة صارمة لا تغتفر له خطيئته، ولا يقبل له عذر في الخطأ إلا بعد الاعتراف والتوبة، أمام طائفة من المؤمنين. فقد " كان المجتمع الإباضي - كما يقول السالمي - يحرص حرصاً شديداً على مراقبة أئمته طيلة الوقت … فقد كانت جميع خطواته محسوبة عليه، وغلطة بسيطة غير متعمدة تبدر منه عفواً كانت كافية لإثارة الضجة من حوله، وربما أدت إلى عزله وإن كان الخطأ بسيطاً جداً، فعليه أن يعترف به أمام كبار أعلام المسلمين وأن يطلب المغفرة من الله وأن يتوب إليه، وقد قيل بأن كبار العلماء قاموا بمحاسبة الإمام عزان بن قيس لأنه أرسل إلى بلده الرستاق بعض القطع النحاسية التي كسبوها في المعركة، وقد اعترف بخطئه وطلب المغفرة من الله" (1).ومع أن النص يشير إلى الغلو والتشدد المفرط، إذ أن الخطأ اليسير غير المتعمد يكون كافياً لإثارة الضجة والمداولات العنيفة التي قد تؤدي إلى عزل الإمام وسقوطه، وما يتبع سقوطه من فتن ومخاوف- لا يرى الإباضية أن هذا تشدداً بل هو مثل عليا تمثل عصر الخلفاء الراشدين في بساطتهم وعدلهم، كما يذكر السالمي ذلك عن فرقة الإباضية فيقول: " وبحكم بساطتها وعدم غلوها ومثلها العليا استطاعت أن تعيش حتى يومنا هذا، واستطاعت أن تقيم حكم الإمامة الذي انقطع بموت الخلفاء الراشدين وأن توصل حبله" (2).وإضافة إلى ما ذكره السالمي فيما سبق فإن الأشعري يقول عنهم: " ولكنهم يرون إزالة أئمة الجور ومنعهم أن يكونوا أئمة بأي شيء قدروا عليه، بالسيف أو بغير السيف" (3).ولكننا نجد من علماء الإباضية من ينكر أن يكون من رأيهم وجوب الخروج على الأئمة الجورة، بل من رأيهم جواز الخروج وعدمه، وأيضاً يستثنون من جواز الخروج إذا لم يؤد ذلك إلى فتنة أكبر من فتنة الخروج عليه، وإن نازعهم في صحة هذا الاستثناء بعض الكتاب المحدثين، مثل أحمد صبحي الذي اعتبر قول الإباضية المتأخرين وخصوصاً علي يحيى معمر بأنه يجوز الخروج إذا لم يؤد ذلك إلى فتنة أكبر- أنه لم يكن من آراء الخوارج الأصلية – بما فيهم الإباضية واتهم علي يحيى معمر بتقريب مذهب الإباضية إلى مذهب الأشعرية القائلين بهذا التحفظ (4).
ولكننا نجد نصوصاً كثيرة من علماء الإباضية تشهد لما ذهب إليه علي يحيى من جواز الخروج على الأئمة ما لم تكن فتنة أكبر. قال أبو يعقوب الوارجلاني: " وأجزنا الخروج عليهم والكون معهم، فإن خرجنا عليهم قاتلناهم حتى نزيل ظلمهم على البلاد والعباد، وإن لم نخرج عليهم ورضينا بالكون معهم وتحتهم فجائز لنا" (5).ويقول قطب الأئمة محمد يوسف أطفيش: " ونحن بعد لا نقول بالخروج على سلاطين الجور الموحدين، ومن نسب إلينا وجوب الخروج فقد جهل مذهبنا " (6).ويقول علي يحيى معمر: " يجب على الأمة المسلمة أن تقيم دولة عادلة، فإذا كانت الدولة القائمة جائزة جاز البقاء تحت حكمها وتجب طاعتها في جميع ما لا يخالف أحكام الإسلام، على أنه ينبغي للمسلمين أن يستنيموا على الظلم وإنما ينبغي لهم أن يحاولوا تغيير الحكم إذا كان ذلك لا يسبب في إحداث أضرار جسيمة بالأمة " (7).--------------------------------------------
(1) ((عمان تاريخ يتكلم)) (ص 126).
(2) ((عمان تاريخ يتكلم)) (ص 128).
(3) ((مقالات الأشعري)) (1/ 204).
(4) ((الإباضية بين الفرق)) (ص 456).
(5) نقلاً عن ((الإباضية بين الفرق الإسلامية)) (ص 289).
(6) نقلاً عن ((الإباضية بين الفرق الإسلامية)) (ص 291).
(7) ((الإباضية بين الفرق)) (ص 292).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 488)

ويقول أبو يعقوب الوارجلاني أيضاً: " اعلم يا أخي أن مذهب أهل الدعوة في الخروج على الملوك والظلمة والسلاطين الجورة جائز وليس كما تقول السنية أنه لا يحل الخروج عليهم ولا قتالهم، بل التسليم لهم على ظلمهم أولى. قالوا: وقد اختلف الأئمة في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: قول أهل الدعوى أنه جائز الخروج عليهم وقتالهم ومناصبتهم والامتناع من إجراء أحكامهم علينا إذا كنا في غير حكمهم، وأما إذا كنا تحت حكمهم فلا يسعنا الامتناع في كثير من أحكامهم، وإن أردنا الشراء والخروج جاز لنا" (1).ويقول الثعاريتي عن الإمام: " وللأمة عزله بموجب كأن يقع منه ما يخل بأمور المسلمين، فإن أدى عزله إلى الفتنة ارتكب أخف الضررين" (2).
وبعد فهل كان الخوارج فيما ذهبوا إليه من وجوب الخروج على الحكام – هل كانوا فيه على صواب أم على خطأ؟ وذلك بالاستناد إلى ما ورد من نصوص واضحة في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وقبل إيراد بعض تلك النصوص نقول: إنه لا يخفى على أحد مقدار الخسارة التي تلحق بالأمة حين يخرج بعض الناس على الإمام الشرعي، ويؤيده البعض الآخر وما ينتج عن هذا من تشتت الكلمة ودخول الأهواء في كل أمر، وتعاظم الحقد في صدور الناس وسفك الدماء المستحقة والبريئة على حد سواء من جراء تلك الفتن الأهلية، كما وقع ذلك في كل وقت من الأوقات التي يغلب فيها الجهل على العلم والظلم على العدل ولهذا فقد حث الإسلام على الوحدة واجتماع الكلمة.
يقول الله تعالى: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا [آل عمران: 103]، ويقول الله تعالى آمراً عباده بالتعاون فيما بينهم على الخير واجتناب الشر: وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة: 2].
وقد أمر الله بطاعة أولي الأمر إذ أنه لابد لكل مجتمع من وال لأمرهم يكون مرجعاً في قضاياهم، وإلا لفسد الأمر واختل النظام ووقعت الفوضى وبطل تنفيذ شرع الله، فلهذا أوجب طاعتهم التامة بعد أن أمر بطاعته هو جل وعلا وطاعة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ [النساء: 59] والولاة من أولي الأمر.
وقد وردت عدة أحاديث تشير إلى وجوب طاعة أولي الأمر وتحريم الخروج عليهم، ومنها: 1 - حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني)) (3)، أي أنه اعتبر طاعة الأمير كأنها طاعة له وعصيانه كأنه عصيان له.2 - عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة)) (4)؛ فقد أوجب صلى الله عليه وسلم طاعة الأمير مهما كان جنسه أو لونه أو منزلته عند الناس، ما دام أنه قد نصب أميراً شرعياً على الأمة.3 - قال صلى الله عليه وسلم في التحذير من مفارقة الجماعة بالخروج على الإمام: عن ابن عباس يرويه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبراً فيموت إلا مات ميتة جاهلية)) (5).--------------------------------------------
(1) ((الإباضية بين الفرق)) (ص 458).
(2) ((الإباضية بين الفرق)) (ص 485).
(3) رواه البخاري (7137)، ومسلم (1835).
(4) رواه البخاري (693).
(5) رواه البخاري (7054)، ومسلم (1849).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 489)

والأحاديث في هذا الباب كثيرة كلها توجب طاعة أولي الأمر لتتم وحدة الأمة ويقوم كيانها به، على أنه وإن تظاهرت الأحاديث بطاعة أولي الأمر والرضا بحكمهم، إلا أن تلك الطاعة ليست على إطلاقها فقد قيدت طاعة الحاكم بما إذا كان ملتزماً لحكم الله غير آمراً بالمعصية، أما إذا كان بخلاف ذلك فلا طاعة لمخلوق في معصية خالقه تعالى. يقول صلى الله عليه وسلم: ((السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)) (1).4 - عن علي رضي الله عنه قال: ((بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية وأمّر عليهم رجلاً من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه، فغضب عليهم وقال: أليس قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تطيعوني قالوا: بلى، قال: عزمت عليكم لما جمعتم حطباً وأوقدتم ناراً ثم دخلتم فيها، فجمعوا حطباً فأوقدوا فلما هموا بالدخول فقام ينظر بعضهم إلى بعض فقال بعضهم: إنما تبعنا النبي صلى الله عليه وسلم فراراً من النار أفندخلها؟! فبينما هم كذلك إذ خمدت النار وسكن غضبه، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها أبداً، إنما الطاعة في المعروف)) (2).
وهذا اللفظ في البخاري وقد أورد مسلم عدة روايات في مثل هذا المعنى، وهي واضحة في عدم طاعتهم في المعصية المحرمة.
إلا أنه لا ينبغي أن يفهم منها أنه بمجرد ارتكاب الحاكم المعصية يباح الخروج عليه كما ترى ذلك الخوارج، إذ أن المعاصي لا يمكن أن يخلو عنها بشر، فإذا أبيح الخروج على الحاكم لأنه عصى سترتكب حينئذ من المعاصي أضعاف ما ارتكب، إضافة إلى أن خلفه الذي سينصب لابد وأن يعصي معصية ما فيفضي ذلك إلى الفوضى وارتكاب المنكرات فيضعف الدين، وتبطل حكم التشريع الربانية.
فلا يجوز الخروج على الحكام ما داموا ملتزمين بالشريعة محافظين على الصلاة وسائر شعائر الإسلام، إلا أن يظهروا كفراً بواحاً فيه دليل لنا عليه من كتاب الله وسنة نبيه، أو أن يأمروا الناس بترك شعيرة من شعائر الإسلام كالصلاة أو الحج وغيرهما من شعائر الإسلام، أو يأمرونهم بفعل المعاصي.

‌‌المصدر:الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص422--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (7144)، ومسلم (1839). من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(2) رواه البخاري (7145)، ومسلم (1840).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 490)

‌‌المطلب الخامس: رأي الخوارج في إمامة المفضول
اختلف الخوارج في صحة إمامة المفضول مع وجود الفاضل إلى فريقين:
ذهب فريق منهم إلى عدم الجواز، وأن إمامة المفضول تكون غير صحيحة مع وجود الأفضل. وذهب الفريق الآخر منهم إلى صحة ذلك، وأنه تنعقد الإمامة للمفضول مع وجود الأفضل، كما هو الصحيح (1).
اختلف الخوارج في صحة إمام المفضول مع وجود الفاضل إلى فريقين متقابلين:
1 - فذهب الفريق الأول منهم إلى عدم الجواز وأن إمامة المفضول تكون غير صحيحة مع وجود الأفضل.2 - وذهب الفريق الآخر منهم إلى صحة ذلك وأنه تنعقد الإمامة للمفضول مع وجود الأفضل، وفي هذا يقول أبو محمد بن حزم: " ذهبت طوائف من الخوارج، وطوائف من المعتزلة، وطوائف من المرجئة، منهم محمد بن الطيب الباقلاني ومن اتبعه وجميع الرافضة من الشيعة إلى أنه لا يجوز إمامة من يوجد في الناس أفضل منه. وذهبت طائفة من الخوارج وطائفة من المعتزلة وطائفة من المرجئة وجميع الزيدية من الشيعة وجميع أهل السنة إلى أن الإمامة جائزة لمن غيره أفضل منه " (2).والإباضية من هذا الفريق الثاني الذي يجوز إمامة المفضول مع وجود الفاضل، قال الثعاريتي الإباضي: " وتجوز (أي الإباضية) إمامة المفضول مع وجود الفاضل خلافاً لقوم كالإمامية، هذا ما عليه أصحابنا وهو بعينه مذهب الأشاعرة " (3).ومن هنا فإن الطالبي لم يكن دقيقاً عندما أطلق الحكم بأن الخوارج بصفة عامة لا يجيزون إمامة المفضول مع وجود الفاضل، عندما قال: " ولا يجوز عند الخوارج أن، يتولى الإمامة شخص مفضول إذا وجد من هو أفضل منه" (4). فقد تبين لنا مما سبق من كلام ابن حزم والثعاريتي أن بعضهم يجيز ذلك.

‌‌المصدر:الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص430--------------------------------------------
(1) ((الفصل)) لابن حزم (4/ 163)، ((الإباضية بين الفرق الإسلامية)) (ص462)، ((آراء الخوارج)) لعمار الطالبي (128).
(2) ((الفصل)) (4/ 163).
(3) نقلاً عن ((الإباضية بين الفرق)) (ص 462).
(4) ((آراء الخوارج)) (ص 128).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 491)

‌‌المطلب السادس: رأي الخوارج في إمامة المرأة
إمامة المرأة:
الإمامة مسئولية عظمى وعبء ثقيل يتطلب سعة الفكر وقوة البصيرة ورباطة الجأش، ويتطلب أيضاً مزايا عديدة جعل الله معظمها في الرجال دون النساء، ولقد علم بالضرورة أن الخلفاء والقواد العظام الذين سطرت لهم الصفحات البيضاء في التاريخ كان معظمهم من الرجال، ولا أدل على هذا من اختيار الله جل وعلا لرسالته والتبليغ عنه ممن علم فيه الكفاءة والكمال وذلك من جنس الرجال فقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَاّ رِجَالاً [الأنبياء: 7]، وما ذاك إلا لما يعلم من تحمل الرجال لمتاعب المسؤولية العظمى وما أودعه في تركيبهم من أسرار.
وقد أطبق جميع العقلاء على أن الخلافة لا يصلح لها النساء، وقد روي ابن حزم في قوله الآتي اتفاق جميع المسلمين على عدم جواز تولي المرأة الإمامة العظمى فقال: "قال أبو محمد: وجميع فرق أهل القبلة ليس منهم أحد يجيز إمامة المرأة " (1).ولكن نجد فرقة من فرق الخوارج وهي الشبيبة كان لها تأثير بالغ في محاربة جيش الخلافة وانتصارهم عليه مرات عديدة – تذهب إلى جواز تولي المرأة الإمامة العظمى، وذلك أن شبيب بن يزيد الشيباني زعيم هذه الطائفة كان في جيش صالح بن مسرح الذي ثار على الخلافة الأموية في زمن عبد الملك بن مروان، فقابله جيش الخلافة على باب حصن جلولا فانهزم صالح جريحاً، فلما أشرف على الموت استخلف شبيباً هذا فأحدث في زمنه القول بجواز تولي المرأة الإمامة العظمى فيذكر عنه البغدادي: " إنه مع أتباعه أجازوا إمامة المرأة منهم إذا قامت بأمورهم وخرجت على مخالفيهم، وزعموا أن غزالة أم شبيب كانت الإمام بعد قتل شبيب إلى أن قتلت، واستدلوا على ذلك بأن شبيباً لما دخل الكوفة أقام أمه على منبر الكوفة حتى خطبت" (2).
وهنا يسجل العلماء على هذه الفرقة تناقضهم واتباعهم الهوى في انتقادهم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين خرجت تطالب بدم عثمان أول الأمر مجتهدة فتأولوا عليها قول الله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب: 33]، فقالوا إنها خالفت ما أمرها الله به من الستر والحجاب والقرار في البيت، فإذا كانوا ينتقدون خروج عائشة وهي مع محرمها محجبة تقية، فكيف أجازوا لنسائهم تولية الإمامة العظمى والخروج على الحكام يحاربن معهم في ميادين القتال، فقد كانت نساؤهم – كما ذكرنا في خصائصهم – يقلدن السيوف ويركبن ظهور الخيل ويحضرن المعارك ويبارزن الشجعان حتى اشتهرن بتلك الصفات. وعائشة رضي الله عنها خرجت مع جندها الذي كل واحد منهم محرم لها، لأنها أم جميع المؤمنين بنص القرآن، ولم تخرج لطلب الإمامة العظمى، وقد أخبر صلى الله عليه وسلم عن المرأة بأنها ناقصة عقل ودين، فكيف يجوز إلقاء مصير الأمة على عاتق امرأة واحدة لا تقبل شهادتها بمفردها على رغم أنوف دعاة المرأة إلى الخروج عن قانونها الذي جعلها الله فيه، وقد ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)) (3).

‌‌المصدر:الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص432--------------------------------------------
(1) ((الفصل)) (4/ 110).
(2) ((الفرق بين الفرق)) (ص 110 – 111).
(3) رواه البخاري (4425).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 492)

‌‌المطلب السابع: الفرق بين الخوارج والشيعة في الإمامة
وإذا أردنا أن نقارن بين آراء الخوارج والشيعة في الإمامة نجد أن بينهم بوناً شاسعاً في هذه القضية كما نتبين ذلك فيما يأتي:
1 - فالخوارج منهم من يقول بالاستغناء عن الإمام، والشيعة على العكس ترى أن وجود إمام من آل البيت أصل من أصول الدين.
2 - الإمامة عند الخوارج حق مشاع بين كل طبقات المجتمع إذا وجد الكفء، بينما الشيعة تحصر الخلافة في علي ونسله من بعده.
3 - الخوارج لا تقول بعصمة الأئمة والشيعة تدعى عصمتهم.4 - لا يعتقد الخوارج رجعة أحد أئمتهم، والشيعة تعتقد رجعة الإمام المنتظر، والقول بعدم رجعة أحد هو قول عامة الخوارج إلا فرقة شذت عنهم تسمى الخلفية ورئيسهم يسمى مسعود بن قيس، ففي أثناء محاربة حمزة بن أكرك لهذه الفرقة وهزيمتها هرب مسعود بن قيس فغرق في واد ومات غريقاً، إلا أن طائفته لم تصدق بموته واعتقدوا رجعته، وصاروا ينتظرونه (1) انتظار الشيعة للإمام المنتظر الذي يسألون له الرجوع وتعجيل الخروج في كل لفظة يذكر فيه المهدي ويرمزون لذلك بحرفي " عج".5 - يرى الخوارج جواز الخروج مع أي شخص كان مادام مستقيماً على الحق، بينما الشيعة يرون أنه لا يجوز الخروج على مخالفيهم إلا مع وجود الإمام الحق، وبدونه لا يجب ولا يلزم بل هو إضرار بالغير، ولا صحة لإمامة من ليس من أهل البيت، فمتى وجد هؤلاء جاز الخروج معهم على الحكام الجائرين وبدونهم لا يجوز (2).6 - التقية عند الشيعة واجبة ويحضون على التزامها دائماً وخصوصاً عندما تقتضي الظروف، أما الخوارج فلا مكان لها عند الأزارقة منه ولا مكان للتقية العملية عند الصفرية كذلك، أما الشيعة فإنهم جميعاً يوجبونها، يقول أحمد أمين: " وعلى عكس الشيعة في القول بالتقية الخوارج "، ويقول: " وحياة الشيعة والخوارج السياسية مظهر من مظاهر قولهم في التقية، فالخارجي يعلن الخروج على الإمام في صراحة ولو كان وحده " (3).
7 - يرى الزيدية من الشيعة جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل، وهم بذلك يخالفون معظم الخوارج الذين يمنعون ذلك.
وإذا كانت هذه الفوارق تمثل اختلافاً حاداً بين الخوارج والشيعة في كثير من مسائل الإمامة، فإن هذا الخلاف لم يكن جديداً فيما بينهم فقد بدأ حاداً في قضية الإمامة منذ أول أمرهم حينما انفصل الخوارج عن الشيعة على عهد الإمام علي رضي الله عنه.

‌‌المصدر:الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص435--------------------------------------------
(1) انظر: ((الفرق بين الفرق)) (ص 99).
(2) انظر: ((إبانة المناهج)) (ص 166).
(3) ((ضحى الإسلام)) (3/ 249).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 493)

‌‌المبحث السادس: آراء الخوارج في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل عظيم من أصول الدين الإسلامي لا يماري فيه مسلم لوروده في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
قال الله تعالى: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران: 104]، والآيات في هذا المعنى كثيرة. ويقول صلى الله عليه وسلم: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)) (1).وهذا الأمر عام لكل من يصلح له هذا الخطاب، ويقول عليه الصلاة والسلام موجباً – حتى على الجالسين على الطرقات – الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما يرويه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إياكم والجلوس بالطرقات، فقالوا: يا رسول الله ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه، فقالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)) (2). والأحاديث في هذا الباب كثيرة. وقد اتفق على القول بوجوب تغيير المنكر كل الفرق – وإن اختلف بعضهم عن بعض في الطريقة التي يتم بها – ومنهم الخوارج، يقول ابن حزم في هذا: " وذهبت طوائف من أهل السنة وجميع المعتزلة وجميع الخوارج والزيدية إلى أن سل السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إذا لم يكن دفع المنكر إلا بذلك" (3).ويقول القاضي عبدالجبار: " وجملة ما نقول في هذا الموضع أنه لا خلاف بين الأمة في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (4). وقد اتفق أهل العلم على أنهما فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط عن الآخرين. يقول الحنبلي في مختصر الفتاوى لابن تيمية: " والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، وكل واحد من الأمة مخاطب بقدر قدرته، وهو من أعظم العبادات" (5).والخوارج – كما قدمنا – كغيرهم من الفرق الإسلامية التي تنادي بإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكنهم غالوا في تطبيقه فأوجبوا الخروج تغييراً للمنكر ولو لأدنى سبب وعلى أي حال، حتى ولو كان السبب إهمال الإمام لسنة من السنن مهما كانت، ويقول الشهرستاني: إنهم " يرون الخروج على الإمام إذا خالف السنة حقاً واجباً" (6).ويقول صاحب إبانة المناهج: إن من أصولهم " القول بالخروج على الإمام الجائر" (7)، ويقول فلهوزن: "وتغيير المنكر واجب على كل فرد بلسانه وبيده، وهذا المبدأ إسلامي عام، ولكن تحقيقه بمناسبة وغير مناسبة كان علامة دالة على الخوارج" (8). وسنتبين طريقتهم فيما يأتي من عرض أقوالهم. يقول أول رئيس للخوارج وهو عبد الله بن وهب الراسبي مخاطباً أتباعه حين اجتمعوا في منزله موجباً عليهم القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والخروج من أجله: "وما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن وينسبون إلى حكم القرآن أن تكون هذه الدنيا التي إيثارها عناء؛ آثر عندهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول بالحق، فاخرجوا بنا" (9).--------------------------------------------
(1) رواه مسلم (49) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(2) رواه البخاري (6229).
(3) ((الفصل)) (4/ 171).
(4) ((شرح الأصول الخمسة)) (ص 741).
(5) ((مختصر الفتاوى)) (ص 579).
(6) ((الملل والنحل)) (1/ 115).
(7) ((إبانة المناهج)) (ص 154).
(8) ((الخوارج والشيعة)) (ص 41).
(9) ((تلبيس إبليس)) (ص 92).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 494)

وهذا النص يوضح تمام الوضوح نظرهم إلى فكرة تغيير المنكر وحمل الناس على التزام المعروف كما يريدون، فهو يدعو إلى الخروج المسلح وترك شهوات الدنيا والرغبة في الآخرة وخوض المعارك والاستشهاد في سبيل الله؛ لأجل تغيير المنكرات التي يرونها في مجتمعهم ذلك. والخوارج – وهو ما تميزوا به كما قلنا – أرادوا بإقامة هذا الأمر حمل كافة الناس على قبول آرائهم واعتبار كل شيء لا يوافق ما يعتقدونه منكراً يجب الامتناع عنه، وكانوا يولون ذلك أكبر الاهتمام والمحافظة البالغة على تطبيقه تطبيقاً كاملاً صغر الأمر أو كبر دون هوادة في ذلك مهما كانت النتائج، ولو أدى تغيير المنكر إلى الجهاد الجماعي لمخالفيهم بامتشاق السيف وخوض الحروب، خصوصاً إذا كان المرتكب لذلك المنكر – في نظرهم – أحد حكام المسلمين الذي يمثل بطبيعة وظيفته الخلافة الإسلامية، ويناط به الحكم بما أنزل الله، فإن الخروج عليه أوجب وأولى، وفي هذا يقول أحد علمائهم وهو سليمان ابن عبد الله الباروني أن الشراة هم الذين "اشتروا آخرتهم بدنياهم، بمعنى أنهم تخلوا عن الدنيا وعاهدوا الله على إنكار المنكر والأمر بالمعروف بدون مبالاة ولا خوف من الموت ولو أدى بهم ذلك إلى القتال" (1).
وكان زعماؤهم يرددون في كل خطبة لهم على مسامع إخوانهم الخوارج أن تغيير المنكر من الأمور الواجبة عليهم التي لا يعذر الله من قصر في القيام بها؛ نظراً لما شاع في المجتمع من المظالم وإضاعة معالم الدين. يقول حيان بن ظبيان وهو أحد رؤسائهم يخاطب أصحابه: " فانصرفوا بنا رحمكم الله إلى مصر فلنأت إخواننا فلندعهم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإلى جهاد الأحزاب، فإنه لا عذر لنا في القعود وولاتنا ظلمة، وسنة الهدى متروكة، وثأرنا الذين قتلوا إخواننا في المجالس آمنون" (2).ويقول أيضاً معاذ بن جوين الطائي في "دوافع خروجهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعدم الإعذار في ذلك: " يا أهل الإسلام إنا والله لو علمنا أنا إذا تركنا جهاد الظلمة وإنكار الجور كان لنا به عند الله عذر لكان تركه أيسر علينا وأخف من ركوبه، ولكنا قد علمنا واستيقنا أنه لا عذر لنا وقد جعل لنا القلوب والأسماع حتى ننكر الظلم ونغير الجور ونجاهد الظالمين" (3).--------------------------------------------
(1) ((الأزهار الرباضية)) (ص 210).
(2) ((تاريخ الطبري)) (ج، 5/ 174).
(3) ((تاريخ الطبري)) (5/ 174) وانظر (ص 310)، وانظر ((الكامل)) للمبرد (2/ 179).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 495)