Arabic source text

📘 মাওসূআতুল ফিরাকিল মুনতাসিবাহ লিল ইসলাম (মাজমুআহ মিনাল মুয়াল্লিফীন)

📘 موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام (مجموعة من المؤلفين)

📘 মাওসূআতুল ফিরাকিল মুনতাসিবাহ লিল ইসলাম (মাজমুআহ মিনাল মুয়াল্লিফীন)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
‌‌المطلب الثاني: سياق الأدلة على إثبات المرحلة الثالثة الأخيرة للأشعري
هذه المرحلة الأخيرة، وهي مرحلة العودة على السنة وترك الطريقة الكلابية، يدل على ثبوتها أمور:
أولا: أنها مرحلة قد أثبتها المؤرخون وعلى رأسهم الحافظ ابن كثير وهو من هو في التاريخ وسعة الاطلاع.
فقال: "ذكروا للشيخ أبي الحسن الأشعري ثلاثة أحوال:
أولها: حال الاعتزال التي رجع عنها لا محالة.
الحال الثاني: إثبات الصفات العقلية السبع وهي: الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام. وتأويل الخبرية كالوجه واليدين والقدم والساق ونحو ذلك. الحال الثالث: إثبات ذلك كله من غير تكييف ولا تشبيه جرياً على منوال السلف، وهي طريقته في (الإبانة) التي صنفها آخراً" (1) اهـ. وأشار إليها الذهبي في (السير) فقال: "قلت: رأيت لأبي الحسن أربعة تواليف في الأصول، يذكر فيها قواعد مذهب السلف في الصفات، وقال فيها: تمر كما جاءت، ثم قال: وبذلك أقول وبه أدين ولا تؤول" (2) اهـ. بل ونص عليها في كتابه (العرش) قائلاً: "ولد الأشعري سنة ستين ومائتين، ومات سنة أربع وعشرين وثلاثمائة بالبصرة رحمه الله، وكان معتزليا ثم تاب، ووافق أصحاب الحديث في أشياء يخالفون فيها المعتزلة، ثم وافق أصحاب الحديث في أكثر ما يقولونه، وهو ما ذكرناه عنه من أنه نقل إجماعهم على ذلك، وأنه موافق لهم في جميع ذلك، فله ثلاثة أحوال: حال كان معتزلياً، وحال كان سنياً في بعض دون البعض، وحال كان في غالب الأصول سنياً، وهو الذي علمناه من حاله." (3).
وأشار إلى هذا قبلهما شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: "إن الأشعري وإن كان من تلامذة المعتزلة ثم تاب، فإنه تلميذ الجبائي، ومال إلى طريقة ابن كلاب، وأخذ عن زكريا الساجي أصول الحديث بالبصرة. ثم لما قدم بغداد أخذ عن حنبلية بغداد أموراً أخرى، وذلك آخر أمره كما ذكره هو وأصحابه في كتبهم" (4) اهـ.
وقال العلامة الآلوسي: "فقلت: يا مولاي يشهد لحقية مذهب السلف في المتشابهات، وهو إجراؤها على ظواهرها مع التنزيه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: 11] إجماع القرون الثلاثة الذين شهد بخيرتهم خير البشر صلى الله عليه وسلم.
ولجلالة شأن ذلك المذهب ذهب إليه غير واحد من أجلة الخلف … ومنهم: الإمام أبو الحسن الأشعري، فإن آخر أمره الرجوع إلى ذلك المذهب الجليل، بل الرجوع إلى ما عليه السلف في جميع المعتقدات.
قال في كتابه (الإبانة) الذي هو آخر مؤلفاته بعد كلام طويل: "الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها التمسك بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان عليه أحمد بن حنبل نضر الله تعالى وجهه قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون" اهـ. وهو ظاهر في أنه سلفي العقيدة. وكيف لا؟! والإمام أحمد علم في ذلك، ولهذا (نعص لميه) (5) من بين أئمة الحديث. ويعلم من هذا أن ما عليه الأشاعرة غير ما رجع إليه إمامهم في آخر أمره من أتباع السلف الصالح، فليتهم رجعوا كما رجع، واتبعوا ما اتبع" (6) اهـ.--------------------------------------------
(1) ((طبقات الفقهاء الشافعيين)) (1/ 210)، ونقله عنه المرتضى الزبيدي في ((إتحاف السادة المتقين)) (2/ 4)، ولم يتعقبه.
(2) ((سير أعلام النبلاء)) (15/ 86).
(3) ((كتاب العرش للذهبي)) (ص: 302 - 303).
(4) ((مجموع الفتاوى)) (3/ 228).
(5) هكذا في المطبوع.
(6) ((غرائب الاغتراب ونزهة الألباب في الذهاب والإقامة والإياب)) (ص: 385 - 386).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 199)

ثانياً: أن ما قرره أبو الحسن الأشعري في (الإبانة) و (مقالات الإسلاميين) و (رسالة إلى أهل الثغر) من مسائل المعتقد ومنه صفات الله تعالى موافق لمعتقد السلف، ومخالف لما عليه الأشاعرة؛ إذ أنه قد أثبت الصفات لله تعالى على ظاهرها، ومنع من تأويلها، وعد من تأولها مبتدعة وجهمية، كما سبق نقل كثير من كلامه في ثنايا هذا الكتاب، وهذا يمنع تماماً أن يكون قد قرر فيه التفويض الذي يزعمه الأشعرية، بل إنه صرح بأن الصفات حقيقة، وأوجب الأخذ بالظاهر، وبين أن آيات الصفات مفهومة معلومة، ورد على من تأولها وأخرجها عن حقيقتها. وهذا يؤكد أنها تمثل مرحلة مغايرة عن مرحلته الكلابية.
ومما يؤكد هذا: قول بعض الطاعنين في أبي الحسن الأشعري أنه إما ألف (الإبانة) وقاية لأهل السنة … !!
فقد قال أبو علي الأهوازي: "وللأشعري كتاب في السنة قد جعله أصحابه وقاية لهم من أهل السنة، يتولون به العوام من أصحابنا، سماه كتاب (الإبانة) صنفه ببغداد لما دخلها، فلم يقبل ذلك منه الحنابلة وهجروه.
وسمعت أبا عبدالله الحمراني يقول: لما دخل الأشعري إلى بغداد جاء إلى البربهاري، فجعل يقول: "رددت على الجبائي، وعلى أبي هاشم ونقضت عليهم وعلى اليهود والنصارى وعلى المجوس، فقلت وقالوا"، وأكثر الكلام في ذلك، فما سكت، قال البربهاري: "ما أدري مما قلت قليلاً ولا كثيراً، ما نعرف إلا ما قال أبو عبدالله أحمد بن حنبل".فخرج من عنده وصنف كتاب (الإبانة)، فلم يقبلوه منه، ولم يظهر ببغداد إلى أن خرج منها" (1) اهـ.
وظاهر هذا يدل على أن كتاب (الإبانة) ليس على طريقة الأشاعرة، ولذلك ظن بعض الطاعنين فيه أنه إما ألفه إرضاءاً لهم، ووقاية لنفسه من إنكارهم عليه، وهذا الظن وإن لم يكن صحيحاً، إلا أنه يثبت أن منهج الأشعري في (الإبانة) موافق لأهل السنة، ومخالف للكلابية والأشعرية، وهو بيت القصيد. والعجيب هنا أن الكوثري على شدة تعصبه وحقده على السنة والجماعة، وعلى شدة مجازفاته وافتراءاته الكثيرة، اعترف بأن كتاب (الإبانة) للأشعري ينقض مذهب الاشاعرة، ولهذا ادعى أن الأشعري ألفه محاباة لأهل السنة ولإمامهم البربهاري حينئذ. فقال في مقدمته لكتاب (الإنصاف) للباقلاني: "وأما (الإبانة) التي كان قدمها إلى البربهاري في أوائل انتقاله إلى معتقد السنة، فتحتوي على بعض آراء غير مبرهنة، جارى فيها النقلة ليتدرج بهم إلى الحق، لكنه لم ينفع ذلك – على تلاعب الأقلام فيها -، فاستقر رأيه – بعد عهدي الإفراط والتفريط – على ما نقله هؤلاء عنه من الآراء المعتدلة على خلاف مزاعم ابن كثير" (2) اهـ.
وقال الإمام القاضي كمال الدين أبو حامد محمد بن درباس المصري الشافعي (659هـ) في رسالته (الذب عن أبي الحسن الأشعري): "فاعلموا معشر الإخوان … بأن كتاب (الإبانة عن أصول الديانة) الذي ألفه الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، هو الذي استقر عليه أمره فيما كان يعتقده، وبما كان يدين الله سبحانه وتعالى بعد رجوعه عن الاعتزال بمن الله ولطفه وكل مقالة تنسب إليه الآن مما يخالف ما فيه، فقد رجع عنها، وتبرأ إلى الله سبحانه وتعالى منها.--------------------------------------------
(1) نقله شيخ الإسلام ابن تيمية في ((الفتاوى الكبرى)) (5/ 341).
(2) مقدمة كتاب ((الإنصاف)) (ص: 11).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 200)

كيف، وقد نص فيه على أنه ديانته التي يدين الله سبحانه بها، وروى وأثبت ديانة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث الماضي، وقول أحمد بن حنبل رضي الله عنهم أجمعين، وأنه ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله. فهل يسوغ أن يقال: إنه رجع إلى غيره؟ فإلى ماذا يرجع تراه! يرجع عن كتاب الله وسنة نبي الله، خلاف ما كان عليه الصحابة والتابعون، وأئمة الحديث الماضين، وقد علم أنه مذهبهم ورواه عنهم!! هذا لعمري ما لا يليق نسبته إلى عوام المسلمين، كيف بأئمة الدين … !! "، إلى أن قال: "وقد ذكر هذا الكتاب، واعتمد عليه وأثبته عن الإمام أبي الحسن رحمه الله، وأثنى عليه لما ذكره فيه، وبرأه من كل بدعة نسبت إليه، ونقل منه إلى تصنيفه: جماعة من الأئمة الأعلام من فقهاء الإسلام، وأئمة القراء، وحفاظ الحديث وغيرهم" ثم ذكر جماعة منهم (1) اهـ.
ثالثاً: أنه قد بين في (مقالات الإسلاميين) أن الكلابية فرقة مباينة لأهل الحديث، ونقل أقوالهم، في كثير من المسائل، ولم يجعلهم في جملة أهل الحديث، وقد سبق نقل أقواله، ولو كان كلابياً لما فرق بينهم وبين أهل الحديث، ولجمعهم في مصطلح واحد، إما أن يدخلهم تحت مصطلح أهل الحديث، أو تحت الكلابية.
رابعاً: مما يؤكد هذا أن الأشاعرة المتأخرين لا ينقلون في كتبهم شيئاً مما ذكره الأشعري في كتبه الموجودة وهي (مقالات الإسلاميين) و (رسالة إلى أهل الثغر) و (الإبانة)، وحاولوا عبثاً أن ينكروا نسبة كتاب (الإبانة) المطبوع المتداول إليه، وما ذاك إلا لعلمهم أنه ينقض عليهم أصولهم، وقد سبق إثبات كونه كلامه غير محرف ولا معبوث به.
بل يكفي في إبطال دعواهم ما سطره في (مقالات الإسلاميين) و (رسالة إلى أهل الثغر)، وما نقله ابن عساكر في (تبيين كذب المفتري) والبيهقي في (الأسماء والصفات)، والذهبي في (العلو) من كتاب (الإبانة) فضلاً عما نقله ابن تيمية وابن القيم منه في كتبهم التي سبق الإشارة إليها.
خامساً: أن أبا الحسن الأشعري ذكر في أول كتاب (الإبانة): أنه سائر على درب الإمام أحمد ووصفه بأنه إمام أهل السنة، ولم ينتسب قط لابن كلاب ولا اعتزى إليه في شيء من كتبه الموجودة. ومعلوم أن ابن كلاب كان مبايناً لطريق الإمام أحمد، وأن الإمام أحمد كان ينهى عن الكلابية وعن كبارهم كالحارث المحاسبي وأصحابه، ويصفهم بالجهمية، كما سبق تقريره، وهذا مشهور مستفيض عنه، فلو كان الأشعري على طريق ابن كلاب لما انتسب إلى الإمام أحمد، مع علمه بنهيه عن ابن كلاب وتحذيره ومن طريقته.

‌‌المصدر:الأشاعرة في ميزان أهل السنة لفيصل الجاسم - ص 715
المطلب الثالث: الرد على ما أورده نفاة المرحلة الأخيرةأما ما أورده المؤلفان (2) على هذا من أن كثيراً ممن ترجم لأبي الحسن لم يذكروا المرحلة الأخيرة.
فالجواب أن يقال: إن هذا قد يكون بسبب جهلهم بذلك.
والقاعدة تقول: إن المثبت مقدم على النافي، ومن علم حجة على من لم يعلم.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا: "فإن قيل إن ابن فورك وأتباعه لم يذكروا هذا، قيل: له سببان:--------------------------------------------
(1) ((رسالة الذب عن أبي الحسن الأشعري)) لابن درباس (ص: 107).
(2) يقصد بهما المؤلفان لكتاب ((أهل السنة الأشاعرة شهادة علماء الأمة وأدلتهم)).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 201)

أحدهما: أن هذا الكتاب – أي: (الإبانة) للأشعري – ونحوه، صنفه ببغداد في آخر عمره، لما زاد استبصاره بالسنة، ولعله لم يفصح في بعض الكتب القديمة بما أفصح فيه وفي أمثاله، وإن كان لم ينف فيها ما ذكره هنا في الكتب المتأخرة، ففرق بين عدم القول، وبين القول بالعدم. وابن فورك قد ذكر فيما صنفه من أخبار الأشعري تصانيفه قبل ذلك، فقال – أي: ابن فورك -: " … وبقي إلى سنة أربع وعشرين وثلاثمائة"، قال: "فأما أسامي كتبه إلى سنة عشرين وثلاثمائة، فإنه ذكر في كتابه الذي سماه (العمد في الرؤية) أسامي أكثر كتبه" … ثم قال: "وقد عاش بعد ذلك إلى سنة أربع وعشرين وصنف فيها كتباً" ذكر منها أشياء. قال ابن عساكر بعد أن ذكر كلام ابن فورك: "وهذا آخر ما ذكره ابن فورك من تصانيفه، وقد وقع إلى أشياء لم يذكرها في تسمية تواليفه، فمنها … " (1) اهـ.

‌‌المصدر:الأشاعرة في ميزان أهل السنة لفيصل الجاسم - ص 723
المطلب الرابع: أسباب انتقال الأشعري لمذهب أهل السنة وتركه للطريقة الكلابية
كان من أسباب انتقاله إلى السنة، وتركه للمذهب الكلابي التقاؤه بمحدث البصرة الحافظ زكريا الساجي، وهو الذي أخذ عنه معتقد أهل السنة. قال الذهبي في ترجمة الساجي: "وكان من أئمة الحديث، أخذ عنه أبو الحسن الأشعري مقالة السلف في الصفات، واعتمد عليها أبو الحسن في عدة تآليف" (2) اهـ. وقال في (العلو): "وكان الساجي شيخ البصرة وحافظها، وعنه أخذ أبو الحسن الأشعري الحديث ومقالات أهل السنة" (3) اهـ.
وقد سبق نقل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وقوله: "وأخذ زكريا الساجي أصول الحديث بالبصرة، ثم لما قدم بغداد أخذ عن حنبلية بغداد أموراً أخرى، وذلك آخر أمره كما ذكره هو وأصحابه في كتبهم" اهـ.
وقال أيضاً في موضع آخر: "ومذهب أهل السنة الذي يحكيه الأشعري في مقالاته عن أهل السنة والحديث، أخذ جملته عن زكريا بن يحيى الساجي الإمام الفقيه عالم البصرة في وقته، وهو أخذ عن أصحاب حماد وغيرهم، فيه ألفاظ معروفة من ألفاظ حماد بن زيد كقوله: "يدنو من خلقه كيف شاء"، ثم أخذ الأشعري تمام ذلك عن أصحاب الإمام أحمد لما قدم بغداد، وإن كان زكريا بن يحيى وطبقته هم أيضاً من أصحاب أحمد كذلك. وقد ذكر أبو عبدالله ابن بطة في (إبانته الكبرى) عن زكريا بن يحيى الساجي جمل مقالات أهل السنة، وهي تشبه ما ذكره الأشعري في (مقالاته)، وكان الساجي شيخ الأشعري الذي أخذ عنه الفقه والحديث والسنة، وكذلك ذكر أصحابه" (4) اهـ.

‌‌المصدر:الأشاعرة في ميزان أهل السنة لفيصل الجاسم - ص 725--------------------------------------------
(1) ((نقض التأسيس)) (ص: 90 - 91).
(2) ((سير أعلام النبلاء)) (14/ 198).
(3) ((العلو)) (ص: 205).
(4) ((نقض التأسيس)) (ص: 123).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 202)

‌‌المبحث الثالث: ظهور علم الكلام
للحديث عن نشأة الأشاعرة وكيف ظهرت هذه الطائفة، لابد من الحديث أولاً عن الظروف والملابسات التي أدت إلى ظهور هذا المذهب على خشبة تاريخ الفرق الإسلامية، إذ أنها من أكثر الفرق الكلامية انتشاراً إلى يومنا هذا، رغم اندثار واندراس كثير من الفرق القديمة وللوقوف على معالم هذه الطائفة لابد من الوقوف على عوامل نشأتها وسنبدأ من علم الكلام.
تعريف علم الكلام: علم الكلام: "علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه" (1).قال ابن خلدون: "هو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية" (2).وعرف أيضاً بأنه: "علم يبحث فيه عن ذات الله تعالى وصفاته وأحوال الممكنات من المبدأ والمعاد على قانون الإسلام" (3).وكذلك عرفه طاش كبري زاده، بأنه "علم يقتدر معه على إثبات الحقائق الدينية بإيراد الحجج عليها ودفع الشبه عنها" (4).
ومثله تعريف صديق خان. "انظر (أبجد العلوم) 2/ 589".وعرف أيضاً بأنه: "باب من الاعتبار في أصول الدين يدور النظر منه على محض العقل في التحسين والتقبيح والإحالة والتصحيح والإيجاب والتجويز والاقتدار والتعديل والتحوير والتوحيد والتفكير" (5).
وسمي علم الكلام بهذا الاسم لعدة أسباب منها:
- أن مسألة الكلام هي من أشهر مباحثه التي وقع فيها نزاع وجدل بين المتكلمين، والمقصود من مسألة الكلام هي مسألة خلق القرآن التي تبنتها المعتزلة، ونفوا صفة الكلام عن الله تعالى وأكثروا فيها القيل والقال.
- وقيل لأن العادة جرت عند المتكلمين الباحثين في أصول الدين أن يعنونوا لأبحاثهم بـ"الكلام في كذا … إلخ".- وقيل لأن الكلام والمجادلة والقيل، والقال قد كثر فيه وأصبح سمة لأهله (6).
نشأة علم الكلام:
من خلال استعراض كتب العقيدة والفرق الإسلامية، يتضح أن الكلام في العقيدة ظهر في أواخر عصر الصحابة رضي الله عنهم، ولم يكن بعد قد اتضحت معالمه، وأصبح هو الأصل في تقرير العقيدة، ولكن ضل الكلام في هذه الحقبة في بعض جوانب العقيدة دون البعض وموافقة أغلب المتكلمين لأهل السنة في سائر أبواب العقيدة، حتى إذا اجتمعت هذه الأصول التي تكلم فيها المتكلمون ولملم شتاتها ظهر علم الكلام الذي يمثل الشق والطرف المخالف لأهل السنة في إثبات وتقرير العقائد ابتداء على أيدي المعتزلة.
وأول ما يطلعنا في كتب العقائد والفرق، الكلام في القدر.--------------------------------------------
(1) الإيجي ((المواقف في علم الكلام)) (ص: 7).
(2) ابن خلدون ((المقدمة)) (ص: 458).
(3) الجرجاني ((التعريفات)) (ص: 162).
(4) ((مفتاح السعادة)) (2/ 150).
(5) عامر النجار ((الخوارج عقيدة وفكر وفلسفة)) (ص: 24).
(6) د/ حسن شبانه ((العقيدة الإسلامية بين السلف والمتكلمين)) (ص: 25).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 203)

فقد روى مسلم، بسنده عن يحيى بن يعمر، قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة، معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبدالرحمن الحميري حاجين أو معتمرين فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوافق لنا عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه داخلاً المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت: يا أبا عبدالرحمن إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف قال: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم براء مني، والذي يحلف به عبدالله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر، ثم ساق حديث جبريل الطويل المعروف المشهور وسؤاله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان والساعة. يقول الشهرستاني: "أما الاختلافات في الأصول فحدثت في آخر أيام الصحابة بدعة معبد الجهني وغيلان الدمشقي، ويونس الأسواري، في القول بالقدر، وإنكار إضافة الخير والشر إلى القدر (1).ثم ظهر القول بخلق القرآن ونفي الصفات على يد الجعد بن درهم، قال بن كثير: "كان الجعد بن درهم من أهل الشام وهو مؤدب مروان الحمار – مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية – ولهذا يقال له: مروان الجعدي – فنسب إليه -، وهو شيخ الجهم بن صفوان، الذي تنسب إليه الطائفة الجهمية الذين يقولون أن الله في كل مكان بذاته" (2).وقد روى الإمام البخاري – رحمه الله – في (خلق أفعال العباد) أن خالد بن عبدالله القسري، قام بواسط في يوم أضحى وقال: "ارجعوا فضحوا تقبل الله منكم فإني مضح بالجعد بن درهم زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً ولم يكلم موسى تكليماً، تعالى الله علواً كبيراً عما يقول الجعد بن درهم ثم نزل فذبحه" (3)، وكان كذلك عام 188هـ تقريباً (4).
وفي مقابل غلو الخوارج برز قرن المرجئة والكلام في الإيمان وظهر الكلام في الإرجاء، وإخراج العمل عن مسمى الإيمان، وأول من أظهر هذا القول، ذر ابن عبدالله الهمداني.
روى أن إبراهيم النخعي أنه كان يقول لذر: ويحك يا ذر ما هذا الدين الذي جئت به، قال ذر: ما هو إلا رأي رأيته. قال: ثم سمعت ذراً يقول: إنه لدين الله الذي بعث به نوح (5).
وقيل أول من أحدث الإرجاء وتكلم في مسألة الإيمان قيس الماصر، نقل الحافظ ابن حجر ذلك عن الأوزاعي قال: أول من تكلم في الإرجاء رجل من أهل الكوفة يقال له قيس الماصر.--------------------------------------------
(1) ((الملل والنحل)) (ص: 28).
(2) ((البداية والنهاية)) ابن كثير (15/ 11).
(3) ((خلق أفعال العباد)) (ص: 12).
(4) انظر ((الأعلام)) (2/ 120).
(5) عبدالله بن الإمام أحمد ((السنة)) (ص: 84).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 204)

وقيل أول من أحدثه حماد بن أبي سليمان، شيخ أبي حنيفة، وتلميذ إبراهيم النخعي، ثم تبعه أهل الكوفة وغيرهم، ذكر ذلك شيخ الإسلام بن تيمية. قال البغدادي: ثم حدث في زمان المتأخرين من الصحابة خلاف القدرية في القدر والاستطاعة من معبد الجهني، وغيلان الدمشقي، والجعد بن درهم، وتبرأ منهم المتأخرون من الصحابة كعبدالله بن عمر، وجابر بن عبدالله، وأبي هريرة، وابن عباس، وأنس بن مالك، وعبدالله بن أبي أوفى، وعقبة بن عامر الجهني، وأقرانهم، وأوصوا أخلافهم بأن لا يسلموا على القدرية ولا يصلوا على جنائزهم، ولا يعودوا مرضاهم، ثم اختلفت الخوارج بعد ذلك فيما بينها (1).ثم تأتي البدايات الأولى لوعيدية المعتزلة، والقول بالمنزلة بين المنزلتين، يقول البغدادي: ثم حدث في أيام الحسن البصري خلاف واصل بن عطاء الغزالي، في القدر وفي المنزلة بين المنزلتين وانضم إليه عمر بن عبيد بن باب في بدعته فطردهما الحسن من مجلسه فاعتزلا إلى سارية من سواري مسجد البصرة فقيل لهما ولأتباعهما "معتزلة" لاعتزالهم قول الأمة في دعواهم أن الفاسق من أمة الإسلام لا مؤمن ولا كافر (2).
وقال الشهرستاني في معرض الحديث عن البدع والمحدثات التي كانت في أواخر عصر الصحابة أولها بدعة القدر كما مر معنا قال: "ونسج على منوالهم واصل بن عطاء الغزال وكان تلميذ الحسن البصري، وتلمذ له عمر بن عبيد، وزاد عليه في مسائل القدر … والوعيدية من الخوارج، والمرجئة من الجبرية، والقدرية، ابتدءوا بدعتهم في زمان الحسن واعتزل واصل عنهم، وعن أستاذه بالقول منه بالمنزلة بين المنزلتين، فسمي هو وأصحابه معتزلة، وقد تلمذ له زيد بن علي وأخذ الأصول فلذلك صارت الزيدية كلهم معتزلة".
وهكذا بدأ الكلام في مسائل الاعتقاد وإن كان مفرق لكنه أشبه ما يكون بالسيل يبدأ قطرات ثم ما يلبث أن يتجمع ثم يطبق بعد ذلك الأرض.
وهكذا انتقل علم الكلام إلى طور جديد أكثر تطوراً وأكثر فاعلية ووضوح، على يد الجهم بن صفوان الذي جمع شتات الأقوال السابقة، وأخرجها من مخرج واحد، وصبها في بوتقة واحدة. قال الذهبي – رحمه الله: "عن الجهم أبو محرز الراسبي مولاهم السمرقندي الكاتب رأس الضلالة ورأس الجهمية كان صاحب ذكاء وجدل … وكان ينكر الصفات وينزه الباري عنها بزعمه ويقول بخلق القرآن ويقول بأن الله في كل مكان" (3).يقول الدكتور سفر الحوالي: "أما الجهم بن صفوان فهو رأس الضلالات وأس البليات جعله الله فتنة الناس، وسبباً للإضلال، كما جعل السامري في بني إسرائيل، وحسبنا أن نعلم أن هذا الرجل الذي كان من شواذ المبتدعة في مطلع القرن الثاني قد ترك من الأثر في الفرق الإسلامية الاثنين والسبعين، ما لا يعادله أثر أحد غيره، هذا مع أنه ليس بإمام يحتج بقوله ولا عالم يعتد بخلافة ولا شهد له أحد بخير" (4).روى اللالكائي، بسنده عن أحدهم: "قرأت في دواوين هشام بن عبدالملك، إلى عامله بخرسان نصر بن سيار، أما بعد فقد نجم قبلك رجل من الدهرية من الزنادقة يقال له جهم بن صفوان فإن أنت ظفرت به فاقتله وإلا فادسس إليه من الرجال غيلة ليقتلوه" (5).ونقل الحافظ بن حجر عن ابن أبي حاتم، أن سلم بن أحواز، عامل نصر بن سيار على مرو، لما قبض على جهم قال: "يا جهم إني لست أقتلك لأنك قاتلتني، أنت عندي أحقر من ذلك، ولكن سمعتك تتكلم بكلام باطل أعطيت لله عهداً أن لا أملك إلا قتلك فقتله" (6).--------------------------------------------
(1) ((الفرق بين الفرق)) (39 - 40).
(2) ((الفرق بين الفرق)) (ص: 41).
(3) ((سير أعلام النبلاء)) (6/ 26 - 27).
(4) ((ظاهرة الإرجاء)) (2/ 390 - 391).
(5) ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) (3/ 381).
(6) ((فتح الباري)) (13/ 346).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 205)

وبظهور الجهم بن صفوان، تحول علم الكلام من طور الإنشاء إلى طور أكثر تناسق، بل إلى طور الظاهرة، وذلك للأثر السيىء الذي تركه الجهم بن صفوان في الفرق الإسلامية المختلفة، حتى تأثرت هذه الفرق به في قليل أو كثير من أصوله، ولا سيما في الصفات حتى المنتسبون للسنة من أهل الكلام، فهم على أصوله في كثير من أصول الاعتقاد.

‌‌المصدر:الفروق في العقيدة بين أهل السنة والأشاعرة لصادق عبده السفياني - ص 47
تطور الظاهرة الكلامية
إن الظواهر المختلفة لا تستقر ولا تترعرع إلا بعد أن تمر بمراحل مختلفة، وأطوار عديدة متغيرة، وأزمان متباعدة.
ولقد انتقل علم الكلام بهذه المراحل، والأطوار جميعاً حتى صار ظاهرة تحمل العامة على مقتضاه، وتمثل هذه المرحلة منعطفاً خطيراً في عقيدة الأمة، وذلك لاضطلاع الخلافة الإسلامية عليها، وهو سبق خطير ليس له نظير قبله في تاريخ خلفاء الأمة، وكان ذلك في زمن المأمون العباسي، وهذه هي مرحلة الاستقرار الأول لعلم الكلام. يقول الشهرستاني: "ثم طالع بعد ذلك شيوخ المعتزلة كتب الفلاسفة حين نشرت أيام المأمون، فخلطت مناهجها بمناهج علم الكلام، وأفردتها فناً من فنون العلم، وسمتها علم الكلام، إما لأن أظهر مسألة تكلموا فيها وتقاتلوا عليها هي مسألة الكلام، فسمي النوع باسمها، وإما لمقابلتهم الفلاسفة في تسميتهم فناً من فنون علمهم بالمنطق، والمنطق والكلام مترادفان" (1).
يقول شيخ الإسلام – ملاحظاً هذا التطور-: في أواخر عصر التابعين حدث ثلاثة أشياء الرأي، والكلام، والتصوف، فكان جمهور الرأي في الكوفة، وكان جمهور الكلام والتصوف في البصرة.
ومر علم الكلام بمراحل مختلفة يمكن ذكرها فيما يلي:
المرحلة الأولى – وهي مرحلة قدامى المتكلمين، كواصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، وأبي الهذيل العلاف، وإبراهيم النظام، وغيرهم.
وقد تميزت هذه المرحلة بالتأثر بالمصطلحات اليونانية، وخاصة عند المتأخرين منهم كالعلاف، حيث ترجمت كتب الفلسفة اليونانية، وقد كانت المباحث الكلامية في هذه المرحلة متناثرة حسب موضوعاتها التي يتفق الكلام فيها دون وضع قواعد صريحة لهذا العلم، كما خلت هذه المرحلة من الاستعانة بعلم المنطق الأرسطي.
المرحلة الثانية – وهي المرحلة التي دخل فيها الأشاعرة معترك الكلام في مقابل المعتزلة، وتعد هذه المرحلة أكثر تطوراً، نظراً لوضع قواعد علم الكلام ومقدماته التي يحتاج إليها الدارس مثل إثبات الجوهر – الفرد وغيره -.
المرحلة الثالثة – حيث تتميز هذه المرحلة بمناقشة كلام الفلاسفة وإدخال ذلك في علم الكلام كما تتميز أيضاً باستعمال المنطق الأرسطي في مقدمات علم الكلام ودراسة أدلته وبراهينه. المرحلة الرابعة – تتميز بالخلط بين مذاهب الفلسفة والكلام واشتباه الأمر فيها على الكاتب والقارئ جميعاً. ثم التقليد المحض لتلك الآراء من غير نظر في أصولها (2).--------------------------------------------
(1) ((الملل والنحل)) (ص: 29).
(2) محمد العبد، وطارق عبدالحليم، ((المعتزلة بين القديم والحديث)) (ص: 37 - 39)، ((أبجد العلوم لصديق خان)) (ص: 450 - 541).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 206)

وهناك أسباب كامنة وراء تفش الظاهرة الكلامية منها:- تسامح المسلمين: فلقد كانت شروط الفتح الإسلامي تسمح ببقاء بذور الحضارات المختلفة عند طوائف كبيرة من الأهالي الذين واصلوا التمتع بعاداتهم وقوانينهم على شريطة أن يعطوا الجزية، وكان طبيعياً أن تتأسس الروابط والعلاقات بين الفاتحين وأهل البلاد في وقت مبكر سواء أكان ذلك بسبب الحوار أم بسبب اعتناق الإسلام، وكان قد التحق بالإسلام طوائف وفئام من كل ملة، دخلوا حاملين لما كان عندهم من فلسفات وديانات راغبين أن يصلوا بين الإسلام وبين تلك الأديان والفلسفات، فثارت الشبهات بعد ما هبت على الناس أعاصير الفتن (1)، ولاشك أن هذا التمازج والاختلاط والتوسع في الفتوحات مع السماح ببقاء بذور ورواسب الحضارات السابقة كان له الأثر في نشأة علم الكلام ولم يستطع المصلحون أن يواجهوا تلك الفتنة وإخمادها بل على العكس من ذلك.- ما إن فتحت البلدان على المسلمين، وتوسعت الرقعة التي يظلها الإسلام بظله، حتى تأثر المسلمون بما وفد عليهم من عوامل ومؤثرات، وحتى اختلطوا بأبناء الأمم المفتوحة الذين كانوا متأثرين بسابق حضارتهم، وما تحمله ثقافتهم ودياناتهم من أفكار ومعتقدات بل ومناهج نظر وبحث، تختلف باختلاف تلك الأمم، إلى جانب أن الكثير من أبناء الأمم قد دخلوا الإسلام حاملين ذلك التراث المثقل بركام التصورات القديمة، والمناهج الضالة فكانوا كبذور فتنة ألقيت في تربة الإسلام (2)، فتأثر بهم من تأثر من أبناء المسلمين وركبوا من المناهج مراكب الوافدون، فجاءت الثمار تحمل مناهج استدلال غير المنهج الذي عرفه السلف من الصحابة والتابعين، ولا يغيب عن أذهاننا أن بعض من دخل في الإسلام لم يدخل إلا لبث الشبهات وزلزلة العقائد ودس المناهج الضالة، والمتأمل في رؤوس الضلالة ورواد البدعة سيجد أن أغلبهم من بقايا الديانات والفلسفات التي سحقها الإسلام مثل اليهودية والنصرانية والمجوسية.- وهناك سبب آخر من أهم أسباب انتشار الظاهرة الكلامية، ذلك السبب هو حركة التعريب – الترجمة – لكتب الفلسفة والمنطق، وهي من أعظم أبواب الشر التي فتحت في زمن المأمون، فكثر تعريب كتب فلاسفة اليونان الأوائل مما كان له أسوأ الأثر في تكدير صفو العقيدة، وبلبلة الناس وشغلهم بالمنطق الإغريقي عن الكتاب والسنة حيث ترجمت العديد من الكتب مثل كتاب (الطبيعة) وكتاب (ما بعد الطبيعة) لأرسطو، وترجم كتاب (كليلة ودمنة) وكثير من كتب الكيمياء والطب والنجوم مثل (المجسطي)، وكتاب (الحكم الذهبية) لفيثاغورث، ومصنفات أبقراط وجالينوس وكتاب (طيماوس) لأفلاطون، و (السياسة) له أيضاً، وكتاب (النواميس)، و (جوامع المحاورات) له أيضاً (3).--------------------------------------------
(1) عامر النجار ((الخوارج)) (ص: 65).
(2) محمد العبده وطارق عبدالحليم ((المعتزلة بين القديم والحديث)) (ص: 11 - 12).
(3) عامر النجار ((الخوارج)) (ص: 73 - 74).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 207)

ولعل السر يكمن في أن أغلب المترجمين كانوا غير المسلمين، مثل يحيى البطريق، وجورجس بن جبرائيل، وتيادورس، وعبدالمسيح بن ناعمة الحمصي، وقسطا ابن لوقا البعلبكي، وحنين بن إسحاق وغيرهم. قال الإمام السفاريني: "قال العلماء إن المأمون لما هادن بعض ملوك النصارى أظنه صاحب قبرص، طلب منه خزانة كتب اليونان، وكانت عندهم مجموعة في بيت لا يظهر عليه أحد، فجمع الملك خواصه من ذوي الرأي واستشارهم في ذلك فكلهم أشاروا بعدم تجهيزها إليه إلا مطران واحد فإنه قال جهزها إليهم فما دخلت هذه العلوم على دولة شرعية إلا أفسدتها وأوقعت بين علمائها، وحدثني من أثق به أن شيخ الإسلام ابن تيمية – روح الله روحه – كان يقول: ما أظن أن الله يغفل عن المأمون ولابد أن يقابله على ما اعتمده مع هذه الأمة من إدخال هذه العلوم الفلسفية بين أهلها" (1).وفي هذه الأثناء مد أهل البدعة رواق بدعتهم وتنفذوا على البلاد والعباد وصارت المنابر والحلق والقضاء حكراً عليهم وضيق على أهل السنة ونالهم العنت الشديد (2).
وهكذا ظل علم الكلام يترقى في مراحله المذكورة سابقاً حتى صارت مباحثه مختلطة بالمباحث الفلسفية البحتة وصار هو الطريق المعبر عن عقيدة المسلمين على ما فيه من أغماض وتعقيد وتكلف يصعب على العلماء أنفسهم فهم أغلب مباحثه ومصطلحاته، هذا عابه السلف وإن لهم منه موقف.

‌‌المصدر:الفروق في العقيدة بين أهل السنة والأشاعرة لصادق عبده السفياني - ص 58
موقف السلف الصالح من علم الكلام:
لقد كان موقف السلف الصالح من علم الكلام موقفاً حازماً هو المنع من تعاطي هذا العلم والاشتغال به ومجالسة أصحابه أو حتى الرد عليهم وذلك أنهم نظروا إلى منهج الرسالة من الكتاب والسنة، فوجدوه قد انتهج منهجاً خاصاً في تقرير العقيدة الإسلامية، فاتجه إلى العقل الإنساني والفطرة البشرية يخاطب ما جبلت عليه من حقائق تجعل الإيمان بوجود الخالق وضرورة عبادته وحده أمراً بديهياً، لا حاجة فيه إلى الجدل والسفسطة، وأن الإسلام مبناه على الخضوع والاستسلام.
ثم نظروا إلى الأصول والمحاضن التي نشأ فيها علم الكلام، فوجدوا أن علم الكلام ترعرع في بيئة وثنية خالية من التوحيد، أساسه الفلسفة اليونانية، وبيئة المجتمع الإغريقي الإباحي المنحل، فأطلقوا صيحات الإنذار إشفاقاً على هذه الأمة من أن تأخذ مأخذ الأمم السابقة فكثرت أقوالهم في التحذير من علم الكلام، وهذه الورقات مع ما سبق طرحه من الأمر بلزوم السنة يعطنا صور واضحة متكاملة عن حرص السلف الصالح الكرام على هذه الأمة، وإليك نماذج من أقوالهم المحذرة من علم الكلام. يقول الإمام أحمد في رسالته للخليفة المتوكل في أمر القرآن: "ولست بصاحب كلام ولا أرى الكلام في شيء من هذا، إلا ما كان في كتاب الله – عز وجل – أو في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن أصحابه أو عن التابعين فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود" (3).--------------------------------------------
(1) ((لوامع الأنوار)) (1/ 9).
(2) أحمد القاضي ((مذهب التفويض في نصوص الصفات)) (ص: 35).
(3) الإمام أحمد ((المسائل والرسائل)) (2/ 398).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 208)

وعن صالح بن أحمد بن حنبل قال: كتب رجل إلى أبي فسأله عن مناظرة أهل الكلام والجلوس معهم فأملى علي جوابه."أحسن الله عاقبتك ودفع عنك كل مكروه ومحذور، الذي كنا نسمع وأدركنا عليه من أدركنا من أهل العلم أنهم كانوا يكرهون الكلام والخوض مع أهل الزيغ وإنما الأمر بالتسليم والانتهاء إلى ما في كتاب الله – جل وعلا" (1).وقال: "لا يفلح صاحب كلام أبداً ولا أرى أحداً نظر في الكلام إلا في قلبه دغل" (2).وعن الإمام الشافعي – رحمه الله – قال: "إياكم والنظر في الكلام فإن الرجل لو سئل عن مسألة الفقه فأخطأ فيه كان أكثر شيء أن يضحك منه عليه، ولو سئل عن مسألة في الكلام فأخطأ فيها نسب إلى البدعة لقد رأيت أهل الكلام يكفر بعضهم بعضا، ورأيت أهل الحديث يخطئ بعضهم بعضا، والتخطئة أهون من الكفر" (3).وقال أيضاً: "لأن يبتلى المرء بكل ذنب نهى الله عنه ما عدا الشرك، خير له من الكلام" (4).وقال أيضاً: "لقد اطلعت من أصحاب الكلام على شيء ما ظننت أن مسلماً يقول ذلك" (5).وقال أيضاً: "حكمي على أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، فيقال هذا جراء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام" (6).وقال الإمام مالك: "إياكم والبدع، قيل: يا أبا عبدالله ما البدع؟، قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته، وكلامه، وعلمه، وقدرته، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة وتابعيهم" (7).وقال أيضاً: "كلما جاءنا رجل أجدل من رجل، تركنا ما نزل به جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم لجدله" (8).وقال أبو يوسف – من الحنفية -: "من طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب الدين بالكلام تزندق" (9).وقال أبو محمد البربهاري: "واعلم أنها لم تكن زندقة، ولا كفر، ولا شكوك، ولا بدعة، ولا ضلالة، ولا حيرة في الدين، إلا من الكلام، وأهل الكلام" (10).وقال أيضاً: "وإذا أردت الاستقامة على الحق، وطريق السنة قبلك، فاحذر الكلام، وأصحاب الكلام" (11).وقال الإمام الدارمي – بعد ذكره لمقتل الجعد بن درهم، عن أهل الكلام -: "ثم لم يزالوا بعد ذلك مقموعين، أذلة مدحورين، حتى كان الآن بأخرى، حيث قلت الفقهاء، وقبض العلماء، ودعا إلى البدع دعاة الضلال، فشد ذلك طمع كل متعوذ في الإسلام من أبناء اليهود والنصارى وأنباط العراق، ووجدوا فرصة للكلام فحدوا في هدم الإسلام، وتعطيل ذي الجلال والإكرام، وإنكار صفاته وتكذيب رسله وإبطال وحيه، إذ وجدوا فرصتهم وأحسوا من الرعاع جهلاً، ومن العلماء قلة، فنصبوا عندها الكفر للناس إماماً، بدعوتهم إليه وأظهروا لهم أغلوطات من المسائل، وعمايات من الكلام ليغالطوا بها أهل الإسلام" (12).
هذا كلام أهل العلم الأساطين الأثبات، أخذنا منه قطرة من فيض عطائهم، وكلامهم في التحذير من علم الكلام والاشتغال به.
فيا ترى ما هو قول هذا الفن ممن اشتغل حياته بتحصيله والنظر فيه والاستدلال بموجبه إليك بعضاً من كلامهم.--------------------------------------------
(1) ((المسائل والرسائل)) (2/ 398).
(2) عامر النجار ((الخوارج)) (ص: 22).
(3) الرازي ((مناقب الإمام الشافعي)) (ص: 60).
(4) اللالكائي ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة)) (1/ 165).
(5) اللالكائي ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة)) (1/ 165).
(6) ابن أبي العز ((شرح الطحاوية)) (ص: 210).
(7) عامر النجار ((الخوارج)) (ص: 23).
(8) اللالكائي ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة)) (1/ 163).
(9) اللالكائي ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة)) (1/ 166).
(10) ((شرح السنة)) (ص: 44 – 45).
(11) ((شرح السنة)) (ص: 64 - 65).
(12) رواه مسلم (2670) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 209)

يقول أبو حامد الغزالي: فإن قلت: فعلم الجدل والكلام مذموم كعلم النجوم أو هو مباح أو مندوب إليه؟ فاعلم أن الناس في هذا غلواً وإسرافاً، في أطراف فمن قائل إنه بدعة وحرام وأن العبد إن يلقى الله بكل ذنب سوى الشرك خير له من أن يلقاه بالكلام، ومن قائل إنه فرض إما على الكفاية وإما على الأعيان وأنه أفضل الأعمال وأعلى القربات، فإنه تحقيق لعلم التوحيد ونضال عن دين الله، وإلى التحريم ذهب الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل وسفيان وجميع أئمة الحديث من السلف .. وقد اتفق أهل الحديث من السلف على هذا، لا ينحصر ما نقل عنهم من التشديد فيه قالوا ما سكت عنه الصحابة مع أنهم أعرف بالحقائق وأفصح في ترتيب الألفاظ من غيرهم – إلا لما يتولد من الشر -.وكذلك قال صلى الله عليه وسلم: ((هلك المتنطعون)) (1).، أي المتعمقون في البحث والاستقصاء واحتجوا أيضاً بأن ذلك لو كان من الدين لكان أهم ما يأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعلم طريقه ويثني على أربابه … فإن قلت فما المختار عندك؟ فأجاب: فيه منفعة وفيه مضرة فهو في وقت الانتفاع حلال أو مندوب أو واجب كما يقتضيه الحال وهو باعتبار مضرته في وقت الاستقرار ومحله حرام، فأما مضرته فإثارة الشبهات وتحريف العقائد وإزالتها عن الجزم والتصميم وذلك مما يحصل بالابتداء ورجوعها بالدليل مشكوك فيه ويختلف فيه الأشخاص فهذا ضرورة في اعتقاد الحق وله ضرر في تأكيد اعتقاد البدعة وتثبيتها في صدروهم. بحيث تنبعث دواعيهم ويشتد حرصهم على الإصرار عليه لكن هذا الضرر بواسطة التعب الذي يثور من الجدل، أما منفعته فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه وهيئتها فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف ولعل التخبيط والتضليل أكثر من الكشف والتعريف، وهذا إذا سمعته من محدث أو حشوي ربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا فاسمع هذا ممن خبر الكلام ثم قلاه بعد حقيقة الخبرة وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم أخرى سوى نوع الكلام وتحقيق أن الطريق إلى المعرفة في هذا الوجه مسدود ولعمري لا ينفعك الكلام عن كشف وتعريف وإيضاح لبعض الأمور ولكن على الندور (2).أما كبير المتكلمين الذي يدور على مقالاته مذاهبهم أوحد زمانه في المعقول والمنقول أبو عبدالله الفخر الرازي، فقد أوصى عند موته كما في كتاب (عيون الأنباء) فقال: "وكنت أكتب في كل شيء شيئاً، لا أقف على كميه وكيفيه سواء كان حقاً أو باطلاً غثاً أو سميناً .. ولقد اختبرت الطريق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن العظيم، لأنه يسعى في تسليم العظمة والجلال بالكلية لله تعالى ويمنع عن التعميق في إيراد المعارضات والمناقصات، وماذاك إلا العلم بأن العقول البشرية تتلاشي، وتضمحل في تلك المضايق العميقة والمناهج الخفية .. وأقول ديني متابعة محمد سيد المرسلين وكتابي هو القرآن العظيم وتعويلي في طلب الدين عليهما" (3).وأما الإمام الجويني، فإنه ندم على ما كان منه من تضييع عمره في تحصيل علم الكلام ونهى أصحابه عن الخوض فيه فقال: "يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام فلو عرفت أن الكلام يبلغ إلى ما بلغ ما اشتغلت به، وقال عند موته: لقد خضت البحار الخضم وخليت أهل الإسلام وعلومهم ودخلت في الذي نهوني عنه والآن فإن لم يتداركني ربي برحمته، فالويل لابن الجويني ها أنا أموت على عقيدة أمي – أو قال – على عقيدة عجائز نيسابور (4)، وقال: اشهدوا علي أني رجعت عن كل مقالة يخالف فيها السلف" (5).ولقد اقتصرنا في سرد أقوال بعض المتكلمين وتركنا آخرين لكفاية ما ذكرنا، فرجوع هؤلاء الأكابر وقضاؤهم على النظر المتعمق فيه بما سمعت، بعد أن أفنوا فيه أعمارهم من أوضح الحجج على من دونهم (6) وبطلان مأخذهم واشتغالهم بعلم الكلام واستدلالهم بموجبه. ومن رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه حجبه مرامه عن خالص التوحيد وصافي المعرفة وصحيح الإيمان فيتذبذب بين الكفر والإيمان والتصديق والتكذيب والإقرار والإنكار موسوساً تائهاً شاكاً لا مؤمناً مصدقاً ولا جاحداً مكذباً (7).

‌‌المصدر:الفروق في العقيدة بين أهل السنة والأشاعرة لصادق عبده السفياني - ص 63--------------------------------------------
(1) ((الرد على الجهمية)) (ص: 22)، بتحقيق بدر البدر.
(2) ((إحياء علوم الدين)) (1/ 94 - 97). وانظر ابن أبي العز ((شرح الطحاوية)) (ص: 204 – 205).
(3) عبدالرحمن المعلمي ((القائد إلى تصحيح العقائد)) (ص: 74 - 75).
(4) ابن أبي العز الحنفي ((شرح الطحاوية)) (ص: 209).
(5) ابن أبي العز الحنفي ((شرح الطحاوية)) (ص: 70).
(6) المعلمي ((القائد إلى تصحيح العقائد)) (ص: 75).
(7) ((العقيدة الطحاوية)) (ص: 21 - 22) تعليق الشيخ بن باز – رحمه الله.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 210)

‌‌المبحث الرابع: نشأة المذهب الأشعري وانتشاره
لتحديد نشأة الأشعرية لا ينفك الأمر من حالين:
الحالة الأولى: النظر إلى حقيقة المذهب الذي تميز به الأشاعرة عن غيرهم، فهنا لا ترتبط النشأة بأبي الحسن الأشعري، وإنما ترتبط بابن كلاب ومدرسته الكلابية.
الحالة الثانية: النظر إلى التسمية، فلا شك أن التسمية بالأشاعرة أو المذهب الأشعري مرتبطة بأبي الحسن الأشعري وتلامذته من بعده.
ويتضح الفرق بالنسبة لمن كان معاصرا للأشعري وتتلمذ على ابن كلاب أو تلامذته دون الأشعري وتلامذته مع أنه يقول بقول ابن كلاب الذي هو قول الأشعري، فمثل هذا أشعري الاعتقاد لكنه لا ينسب إلا إلى ابن كلاب، وفي خراسان وغيرها من بلاد الإسلام النائية قد توجد مثل هذه النماذج، ولذلك لما عرض شيخ الإسلام ابن تيمية لنشأة المذهب الكلابي في كلام الله ربطه بابن كلاب ومدرسته، فقال: "وكان … قد نبغ في أواخر عصر أبي عبدالله (أحمد ابن حنبل) من الكلابية ونحوهم؛ أتباع أبي محمد عبدالله بن سعيد ابن كلاب البصري، الذي صنف مصنفات رد فيها على الجهمية والمعتزلة وغيرهم، وهو من متكلمة الصفاتية، وطريقته يميل فيها إلى مذهب أهل الحديث والسنة، لكن فيها نوع من البدع، لكونه أثبت قيام الصفات بذات الله ولم يثبت قيام الأمور الاختيارية بذاته، ولكن له في الرد على الجهمية – نفاة الصفات والعلو – من الدلائل والحجج وبسط القول ما بين به فضله في هذا الباب، وإفساده لمذاهب نفاة الصفات بأنواع من الأدلة والخطاب، وصار ما ذكره معونة ونصيرا وتخليصا من شبههم لكثير من أولي الألباب، حتى صار قدوة وإماما لمن جاء بعده من هذا الصنف الذين أثبتوا الصفات، وناقضوا نفاتها، وإن كانوا قد شاركوهم في بعض أصولهما الفاسدة، التي أوجبت فساد بعض ما قالوه من جهة المعقول ومخالفته لسنة الرسول".
"وكان ممن اتبعه الحارث المحاسبي وأبو العباس القلانسي، ثم أبو الحسن الأشعري، وأبو الحسن بن مهدي الطبري، وأبو العباس الصبغي، وأبو سليمان الدمشقي، وأبو حاتم البستي، وغير هؤلاء، المثبتين للصفات المنتسبين إلى السنة والحديث، المتلقبين بنظار أهل الحديث".
"وسلك طريقة ابن كلاب – في الفرق بين الصفات اللازمة كالحياة، والصفات الاختيارية، وأن الرب يقوم به الأول دون الثاني – كثير من المتأخرين، من أصحاب مالك، والشافعي، وأحمد، كالتميميين أبي الحسن التميمي، وابنه أبي الفضل التميمي، وابن ابنه رزق الله التميمي، وعلى عقيدة الفضل التي ذكر أنها عقيدة أحمد اعتمد أبو بكر البيهقي فيما ذكره من مناقب أحمد بن الاعتقاد"."وكذلك سلك طريقة ابن كلاب هذه أبو الحسن بن سالم وأتباعه "السالمية" والقاضي أبو يعلى وأتباعه كابن عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني، وهي طريقة أبي المعالي الجويني، وأبي الوليد الباجي، والقاضي أبي بكر بن العربي، وغيرهم، لكنهم افترقوا في القرآن، وفي بعض المسائل على قولين – بعد اشتراكهم في الفرق الذي قرره ابن كلاب –" (1).
فالأصل الذي قرره ابن كلاب قال به هؤلاء كلهم، وفيهم الأشاعرة وغيرهم ممن لا ينسب إليهم كالسالمية وبعض الحنابلة.
ومع مرور الزمن بدأت تنقرض النسبة إلى ابن كلاب لتحل محلها النسبة إلى الأشعري، والسؤال الذي يطرح هنا هو: إذا كان قول ابن كلاب هو الأصل فلماذا لم ينسب إليه مذهب الأشاعرة وإنما نسب إلى أبي الحسن الأشعري؟
ويمكن الجواب عن هذا السؤال من خلال الأمور التالية:--------------------------------------------
(1) الكلابية، ((مجموع الفتاوى)) (12/ 366 - 368).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 211)

1 - أن أبا الحسن الأشعري لم يكن صورة طبق الأصل لابن كلاب ومدرسته، وأتباعه له في أصل معين لا يعني أنه في جميع آرائه وأقواله كان متابعا له، فمثلا مع أن الأشعري قال بنفي حلول الحوادث بذات الله وهو ما يسمى بالصفات الاختيارية القائمة بالله، وهذا هو الأصل الذي قال به ابن كلاب ومدرسته، إلا أن الأشعري خالف ابن كلاب في جوانب من مسألة الكلام التي هي أهم المسائل، فإنه قال بأزلية الأمر والنهي، أما ابن كلاب فقال بحدوث ذلك، وعدم التطابق بين آراء الرجلين له دلالته في تحديد نسبة المذهب إلى أحدهما، خاصة وأن مسألة الكلام من أهم المسائل التي تميز المذهب الأشعري لأن غيرها من المسائل قد شارك غير الأشاعرة القول فيها.2 - أن ابن كلاب جاء في وقت محنة أهل السنة من جانب المعتزلة، ولما زالت المحنة برز في مجتمع الإسلام كعلم من أعلام أهل السنة الإمام أحمد ابن حنبل، أما ابن كلاب ومن اتبعه فردودهم على المعتزلة والجهمية وإن كانت قوية إلا أنهم شابوها بشيء من البدع، فإذا أضيف إلى ذلك تحذير أئمة أهل السنة كالإمام أحمد وغيره من هؤلاء، فلا شك أن قدرة ابن كلاب في التأثير على الناس ستكون محصورة في نطاق معين لا تتعداه، وهذا ما حدث (1).
أما أبو الحسن الأشعري فقد جاء بعد هدوء العاصفة، وركون الناس إلى أن مذهب أهل السنة هو الغالب المسيطر، لذلك لما قام الأشعري في الرد على المعتزلة كانت الأوضاع مهيأة لاشتهاره وتبني مجموعة من الأعلام لمذهبه.3 - من الأمور المهمة قصة انتقال الأشعري عن الاعتزال إلى مذهب السلف فمن المعلوم أنه قد بلغ مكانة ومنزلة في مذهب المعتزلة حتى صار صنوا لأحد أعلامها، ينوب عنه في الدروس والمناقشات الاعتزالية، وحتى صار يؤلف الكتب لدعم مذهبهم، وهي كتب صارت معتمدة في مذهبهم حتى قال الأشعري عن أحدها بعد أن نقضه ورد عليه: "إنه لم يرق لهم كتاب مثله" (2)، وفي ظل هذه الأوضاع التي تنبئ عن وجود نهضة اعتزالية – تعيد إليها سابق عزها – إذا بالعالم الإسلامي يفاجأ بهذا القرار الخطير يتخذه أشهر أعلام المعتزلة معلنا رجوعه التام عن جميع أقوال المعتزلة، ويتبع ذلك بكشف ضلالاتهم، والرد عليم بأسلوب كلامي قوي يوازي ما عند المعتزلة من قدرة وأساليب. والمفاجأة إذا وقعت بهذا المستوى ينسى الناس معها تفاصيل الأمور، من مثل أن الأشعري لم يكن رجوعه إلى مذهب السلف كاملا، وأن لديه بعض البقايا من أصول المعتزلة – وتنحصر القضية في رد العدو الأكبر "المعتزلة" ولا شك أن الرد عليهم وكشف ضلالاتهم في ذلك الوقت جهاد وأي جهاد، يقول ابن عساكر - فيما رواه عن ابن عذرة – في قصة رجوع الأشعري وصعوده المنبر وإعلان ذلك على الملأ: "ودفع الكتب إلى الناس فمنها كتاب (اللمع) وكتاب أظهر فيها عوار المعتزلة سماه بكتاب (كشف الأسرار وهتك الأستار) وغيرهما، فلما قرأ تلك الكتب أهل الحديث والفقه من أهل السنة والجماعة أخذوا بما فيها، وانتحلوه، واعتقدوا تقدمه، واتخذوه إماما، حتى نسب مذهبهم إليه، قال لي أبو بكر – أي ابن عذرة – فصار عند المعتزلة ككتابي أسلم وأظهر عوار ما تركه فهو أعدى الخلق إلى أهل الذمة، وكذلك الأشعري أعدى الخلق على المعتزلة، فهم يشنعون عليه من الأشانيع وينسبون إليه الأباطيل" (3).--------------------------------------------
(1) انظر: ((دراسات في الفرق والعقائد الإسلامية)) عرفان عبدالحميد (ص: 147 - 148).
(2) ((تبيين كذب المفتري)) (ص: 131).
(3) ((تبيين كذب المفتري)) (ص: 131).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 212)

4 - ومن أسباب نسبة المذهب إلى الأشعري كثرة مؤلفاته، ورسائله، فمؤلفاته قد تزيد على ثلاثمائة كتاب، وكما أن الأسئلة كانت تأتيه من الآفاق ويكتب في ذلك رسائل مختلفة، وسرعان ما تشتهر وتنتشر بين الناس، وهذا بخلاف ابن كلاب الذي كانت مؤلفاته قليلة، ولم تكن تلقى قبولا بسبب موقف أئمة أهل السنة منه، بل وصل الأمر إلى أن يتستر بالكلابية بما عندهم كما حدث لتلامذة ابن خزيمة الموافقين لابن كلاب، فإنهم لم يستطيعوا أن يظهروا ما عندهم فضلا عن أن ينشروه أو يدّرسوه.5 - وأخيرا يأتي دور تلاميذ الأشعري، ومن جاء بعدهم من تلامذتهم في ترسيخ نسبة المذهب إليه في دروسهم وكتبهم، إضافة إلى دورهم في نشره والدفاع عنه، يقول القاضي عياض عن الأشعري: "فلما كثرت تواليفه، وانتفع بقوله، وظهر لأهل الحديث والفقه ذبه عن السنن والدين، تعلق بكتبه أهل السنة وأخذوا عنه، وتفقهوا في طريقه، وكثر طلبته وأتباعه لتعلم تلك الطرق في الذب عن السنة، وبسط الحجج والأدلة في نصر الملة، فسموا باسمه، وتلاهم أتباعهم وطلبتهم فعرفوا بذلك، وإنما كانوا يعرفون قبل ذلك بالمثبتة، سمة عرفتهم بها المعتزلة؛ إذ أثبتوا من السنة والشرع ما نفوه، فبهذه السمة أولا كان يصرف أئمة الذب عن السنة من أهل الحديث كالمحاسبي، وابن كلاب، وعبدالعزيز بن عبدالملك المكي، والكراسي، إلى أن جاء أبو الحسن، وأشهر نفسه، فنسب طلبته والمتفقهة عليه في علمه ونسبه، كما نسب أصحاب الشافعي على نسبه وأصحاب مالك وأبي حنيفة وغيرهم من الأئمة إلى أسماء أئمتهم الذين درسوا كتبهم، وتفقهوا بطرقهم في الشريعة، - وهم لم يحدثوا فيها ما ليس منها – فكذلك أبو الحسن، فأهل السنة من أهل المشرق والمغرب بحججه يحتجون، وعلى منهاجه يذهبون، وقد أثنى عليه غير واحد منهم، وأثنوا على مذهبه وطريقه" (1).

‌‌المصدر:موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – 2/ 493--------------------------------------------
(1) ((ترتيب المدارك)) (5/ 25) – ط مغربية -.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 213)

‌‌المبحث الخامس: أسباب انتشار المذهب الأشعري
لا شك أن مذهب الأشاعرة انتشر في أنحاء العالم الإسلامي، حتى كاد يستقر في بعض الأزمنة أن مذهبهم هو مذهب أهل السنة والجماعة، ومع أن هناك مواقف لكثير من العلماء من المذهب الأشعري إلا أن هذه المواقف كثيرا ما تأخذ شكل صراعي مذهبي تنتقل بسببه القضية إلى إطار آخر، ومن ثم يكثر الخصام وتتعدد الاتهامات، ويحمل كل فريق على الآخر، ثم قد يصاحب البعض الهوى والتعصب المذهبي، فيزاد في الكلام وينقص، ويحمل على غير محامله، ويسيىء كل طرف الظن بالطرف الآخر، ولذلك قلما تنتهي مناقشة من هذه المناقشات إلى اتفاق على رأي واحد يكون مبنيا على أسس سليمة من مذهب ومنهج أهل السنة والجماعة حيث يدعي الطرفان أنهم لا يخالفونه.
وهذا تفسير لما حدث، وإلا فالواجب أن يكون رائد كل مسلم الوصول إلى الحق بالأدلة الصحيحة. ومذهب أهل السنة والجماعة إنما هو ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون لهم بإحسان، ومن ثم فعلى كل عالم أن لا يجعل الانتساب إلى طائفة أو جماعة - غير أهل السنة – شعارا له يفاصل عليه ويوالي ويعادي من أجله.
وقد يقول القائل: إذا كان مذهب الأشاعرة فيه ما فيه من هنات وعليه ما عليه من ملاحظات فلماذا انتشر في العالم الإسلامي؟ ولماذا تبناه جمهرة من جلة العلماء من أهل الفقه والحديث؟ يجيب على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية من وجوه:
"أحدها: كثرة الحق الذي يقولونه، وظهور الآثار النبوية عندهم.
الثاني: لبسهم ذلك بمقاييس عقلية، بعضها موروث عن الصابئة، وبعضها مما ابتدع في الإسلام، واستيلاء ما في ذلك من الشبهات عليهم، وظنهم أنه لم يمكن التمسك بالإثارة النبوية من أهل العقل والعلم إلا على هذا الوجه.
الثالث: ضعف الإثارة النبوية الدافعة لهذه الشبهات، والموضحة لسبيل الهدي عندهم. الرابع: العجز والتفريط الواقع في المنتسبين إلى السنة والحديث، تارة يروون مالا يعلمون صحته، وتارة يكونون كالأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، ويعرضون عن بيان دلالة الكتاب والسنة على حقائق الأمور" (1).
أما أهم أسباب انتشار مذهب الأشاعرة في العالم الإسلامي فيمكن تلخيصها في الأمور التالية:1 - أفول نجم المعتزلة، مع ظهور المذهب الأشعري كخصم لمذهبهم (2).2 - نشأة المذهب في حاضرة الخلافة العباسية "بغداد"، ولا شك أن أنظار الناس في شتى الأقطار تتجه في الغالب إلى دار الخلافة، ففيها الفقهاء والمحدثون والمقرئون، كما أنها من أهم البلدان التي يرحل إليها العلماء ليسمعوا الروايات أو يحدثوا فيها بمروياتهم، فلما نشأ المذهب الأشعري في بغداد وهي على هذه الحالة كثر المتلقون لهذا المذهب، الناقلون له إلى كل مكان، وهذا – مثلا – بخلاف مذهب الماتريدي الذي نشأ في زمن الأشعري لكنه كان في بلاد ما وراء النهر فلم ينتشر كانتشار المذهب الأشعري (3).--------------------------------------------
(1) ((مجموع الفتاوى)) (12/ 33).
(2) انظر ((علم الكلام: الأشاعرة)) (ص: 68).
(3) انظر ((علم الكلام: الأشاعرة)) (ص: 28).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 214)

3 - تبني بعض الأمراء والوزراء لمذهب الأشاعرة واحتضان رجالهم له، ومن أبرز هؤلاء: أ- الوزير نظام الملك الذي تولى الوزارة لسلاطين السلاجقة، فتولى الوزارة لألب أرسلان وملكشاة مدة ثلاثين سنة، من سنة 455 - 485هـ والسلاجقة جاءوا على أثر البويهيين الشيعة الذين كانوا يوالون الدولة الفاطمية الباطنية، ولما استولى السلاجقة على بغداد وقضوا عليهم سنة 447هـ لم تمض سنوات قليلة حتى حدثت فتنة البساسيري – أحد القواد الأتراك الموالين لبني بويه – وكان ذلك سنة 450هـ، وكان من آثارها أن احتل بغداد وأعلن الخطبة للخليفة المستنصر بالله العلوي العبيدي، وأمر بأن يؤذن بحي على خير العمل، وعزل الخليفة العباسي القائم بأمر الله وكتب عليه عهدا أن لا حق له في الخلافة ولا لبني العباس وأرسل العهد إلى الخليفة الفاطمي في القاهرة، وقد استمرت فتنة البساسيري سنة كاملة حتى قضى عليها السلاجقة وأعيد الخليفة العباسي. لذلك جاءت دولة السلاجقة لتنصر أهل السنة ضد أهل الرفض والبدعة، والوزير نظام الملك من أعظم وزرائهم أثرا وخطرا وكانت له جهود عظيمة في حرب الحركات الباطنية والإسماعيلية وتحدث عنها طويلا في كتابه المشهور (سياست نامة) أو (سير الملوك) (1)، ومن أهم آثاره المدارس النظامية التي أنشئت في مدن عديدة منها: البصرة، وأصفهان، وبلخ، وهراة، ومرو، والموصل، وأهمها وأكبرها المدرسة النظامية في نيسابور وفي بغداد، وقد جعلهما أوقافهما وقفا على أصحاب الشافعي أصلا وفرعا (2)، وكان نظام الملك معظما للصوفية وللقشيري والجويني وغيرهما من أعلام الأشعرية، وقد كان هؤلاء يلقون دروسهم في هذه المدارس على المذهب الشافعي، ويدرسون أصول العقيدة الأشعرية، فكان لذلك دور عظيم في نشرها (3).ب- المهدي بن تومرت، مهدي الموحدين، توفي سنة 524هـ، فقد دعا إلى المذهب الأشعري وتبناه وكان له دور عظيم في نشره (4).ج- نور الدين محمود بن زنكي، الذي جاهد الصليبيين، وقد ولد سنة 511هـ وتوفي سنة 569هـ (5)، وكان من آثاره أنه بني أكبر دار للحديث في دمشق ووكل مشيختها إلى ابن عساكر صاحب (تبيين كذب المفتري) (6)، كذلك أنشأ في حلب سنة 544هـ المدرسة النفرية النورية، وكانت للشافعية، وتولى التدريس فيها قطب الدين مسعود بن محمد النيسابوري (7) وكان أحد أساتذة المدرسة النظامية في نيسابور، وكان أحد أعلام أهل الكلام على المذهب الأشعري، وفي عهد نور الدين بدأت صلة قطب الدين مسعود بصلاح الدين الأيوبي، وتوثقت فيما بعد – كما سيأتي -.--------------------------------------------
(1) (ص: 234 – وما بعدها -)، وانظر عن فتنة البساسيري: ((الكامل)) (9/ 640 - 650) و ((التاريخ الفارقي)) (ص: 152)، و ((تاريخ دولة آل سلجوقي)) (ص: 16 - 20)، و ((زبدة التواريخ للحسيني)) (ص: 59 - 63)، و ((سياسة الفاطميين الخارجية)) (ص: 179).
(2) انظر: ((المنتظم)) (9/ 65 - 66)، و ((تاريخ الفكر الفلسفي)) – ((أبو ريان)) (ص: 213).
(3) انظر: ((المنتظم)) (9/ 65)، و ((طبقات السبكي)) (4/ 316).
(4) انظر: ((المعجب صك)) (275)، و ((الخطط للمقريزي)) (2/ 358)، و ((ظهر الإسلام)) (4/ 97 - 98).
(5) انظر: في ترجمته: ((الكواكب الدرية في السيرة النورية لابن قاضي شهبة)) (ص: 15) وما بعدها، ((والروضتين / وما بعدها والتاريخ الباهر)) (ص: 95) وما بعدها.
(6) انظر: ((التاريخ السياسي والفكري)) (ص: 261).
(7) انظر: ((التاريخ السياسي والفكري)) (ص: 252).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 215)

ولا شك أن لهذه المدارس، والمدارس النظامية، متمثلة بأولئك العلماء الذين درسوا فيها أثرا عظيما في مقاومة التيار الباطني الإسماعيلي، ومعلوم أن من أعظم آثار نور الدين وصلاح الدين القضاء على الدولة الفاطمية الباطنية في مصر، حيث حلت محلها دولة سنية حكمها صلاح الدين الأيوبي نائبا لنور الدين ثم مستقلا بعد وفاته – رحمهم الله.د- صلاح الدين الأيوبي:، يقول المقريزي: "وأما العقائد فإن السلطان صلاح الدين حمل الكافة على عقيدة أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري تلميذ أبي علي الجبائي، وشرط ذلك في أوقافه التي بديار مصر كالمدرسة الناصرية بجوار قبر الإمام الشافعي من القرافة، والمدرسة الناصرية التي عرفت بالشريفية" (1). ثم يقول عن المذهب الأشعري: "فلما ملك السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ديار مصر كان هو وقاضيه صدر الدين عبدالملك بن عيسى بن درباس الماراني على هذا المذهب قد نشآ عليه منذ كانا في خدمة السلطان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي بدمشق، وحفظ صلاح الدين في صباه عقيدة ألفها له قطب الدين أبو المعالي مسعود بن محمد بن مسعود النيسابوري، وصار يحفظها صغار أولاده، فلذلك عقدوا الخناصر وشدوا البنان على مذهب الأشعري، وحملوا في أيام دولتهم كافة الناس على إلتزامه، فتمادى الحال على ذلك جميع أيام الملوك من بني أيوب، ثم في أيام مواليهم الملوك من الأتراك" (2)، وإذا كان قطب الدين مسعود قد ألف لصلاح الدين عقيدة (3)، فإن الفخر الرازي قد ألف كتابه المشهور (أساس التقديس) – الذي نقضه شيخ الإسلام ابن تيمية – للملك العادل محمد بن أيوب بن شادي أخو صلاح الدين. المتوفى سنة 615هـ (4). أما ابنه الأشرف بن العادل فقد مال إلى الحنابلة وأهل السنة في العقيدة، وجرت بينه وبين العز بن عبدالسلام – وهو أشعري – مناقشة ومحنة طويلة (5).
4 - ومن أسباب انتشار المذهب الأشعري أن جمهرة من العلماء اعتمدوه ونصروه، وخاصة فقهاء الشافعية والمالكية المتأخرين، والأعلام الذين تبنوه: الباقلاني، وابن فورك، والبيهقي، والإسفراييني، والشيرازي، والجويني، والقشيري، والبغدادي، والغزالي، والرازي، والآمدي، والعز ابن عبدالسلام، وبدر الدين ابن جماعة، والسبكي، وغيرهم كثير، ولم يكن هؤلاء أشاعرة فقط، بل كانوا مؤلفين ودعاة إلى هذا المذهب، ولذلك ألفوا الكتب العديدة، وتخرج على أيديهم عدد كبير من التلاميذ. كما انتشر في أنحاء عديدة بواسطة هؤلاء، ففي الحجاز انتقل إليه المذهب الأشعري بواسطة أبي ذر الهروي (6)، كما انتقل عن طريقه إلى المغرب عن طريق المغازبة الذين كانوا يأتون إلى الحج، وكان ممن له أثر في نشره في المغرب بين المالكية أبو بكر الأبهري، والباقلاني وتلامذته (7)، والباجي وابن العربي (8) وغيرهم، كما دافع كل من ابن أبي زيد القيرواني، وأبي الحسن القابس عن الأشعري (9).ويذكر المقريزي أنه قد انتشر في العراق نحو سنة 380هـ، وانتقل منه إلى الشام (10)، وممن انتشر على يديه في الشام أبو الحسن عبدالعزيز بن محمد الطبري المعروف بالدمل (11).
وفي العصور المتأخرة كان لتبني كثير من دور العلم والجامعات عقيدة ومذهب الأشاعرة دور في نشره، ومن أهمها الجامع الأزهر في مصر مع ما له من مكانة علمية في العالم الإسلامي.
هذه أهم أسباب انتشار المذهب الأشعري، وهي تدل على مدى تغلغل هذا المذهب بين الناس، وإن كانت الجمهرة الغالبة للمسلمين تؤمن بهذا الدين وعقيدته بإجمال وتعظم السلف ومنهجهم، لأنها لا تعرف المداخل الكلامية والقضايا العقلية التي يعتمدها أهل الكلام.

‌‌المصدر:موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – 2/ 497--------------------------------------------
(1) ((الخطط للمقريزي)) (2/ 343).
(2) ((الخطط)) (2/ 358)، وانظر ((خبيئة الأكوان)) (ص: 48)، و ((نظريات شيخ الإسلام، للاووست)) (1/ 141 - 142)، و ((ابن تيمية لأبي زهرة)) (ص: 25).
(3) انظر ((سيرة صلاح الدين لابن شداد)) (ص: 7)، و ((طبقات السبكي)) (7/ 297).
(4) انظر ((أساس التقديس)) (ص: 3)، و ((سير أعلام النبلاء)) (22/ 120).
(5) انظر: ((طبقات السبكي)) (8/ 218)، و ((التاريخ السياسي والديني)) (ص: 298).
(6) انظر: ((صون المنطق)) (1/ 122)، و ((درء التعارض)) (1/ 27، 2/ 101).
(7) انظر: ((تبيين كذب المفتري)) (ص: 120، 121، 410)، و ((التطور المذهبي بالمغرب)) (ص: 28 - 30).
(8) انظر: ((نشأة الفكر الفلسفي)) – النشار (1/ 284).
(9) انظر: ((تبيين كذب المفتري)) (ص: 123 - 124)، ولأبي نصر السجزي في ((رسالة من أنكر الحرف والصوت)) وتعليق مهم على ذلك (ص: 298 - 304).
(10) انظر: ((الخطط)) (2/ 358).
(11) انظر: ((التبيين)) (ص: 195).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 216)

‌‌المبحث السادس: تطور مذهب الأشاعرة
من الأمور المسلمة لدى الأشاعرة وغيرهم أن أقوال الأشاعرة تعددت واختلفت في مسائل عديدة من مسائل العقيدة، وكل علم من أعلامهم حوت مؤلفاته ورسائله آراء توصل إليها إما باجتهاده أو تقليدا لأحد أعلام عصره أو مدرسته ممن تلقى على يديه العلوم والمعارف، فأصبح ذا منهج مستقل، ثم قد يرجع عن بعض أقواله في مؤلف أومؤلفات أخرى فتكثر الأقوال وتتعدد المناهج.
ويعتبر الأشاعرة مثل هذا الاختلاف أو التعدد في الأقوال اجتهادا داخل المذهب لا يؤثر عليه، ويجددون التفسير المناسب لمثل ذلك، فيقولون مثلا في بعض الصفات الخبرية، قال قدماء أصحابنا أو شيوخنا بإثباتها مع التفويض ونفي التشبيه، ثم يذكرون القول الثاني بالتأويل تنزيها لله عن مشابهة المخلوقات، والقولان - عندهم - صحيحان ولا تعارض بينهما، والعجيب أن يتلقى الأشاعرة بعضهم عن بعض مثل هذا، لا يتوقفون عنده، ولا يثيرهم ما فيه من تناقض.
والحق أن التطور في المذهب الأشعري لم يكن في مسألة من المسائل بحيث لا يؤبه له، ولا يلفت النظر، بل كان تطورا في الأصول والمناهج، ويتعدى ذلك إلى مسائل عديدة في العقيدة، وقد كان أبرز مظاهر التطور في المذهب الأشعري ما يلي:
أ - القرب من أهل الكلام والاعتزال.
ب - الدخول في التصوف، والتصاق المذهب الأشعري به.
جـ- الدخول في الفلسفة، وجعلها جزءا من المذهب.
هذه أهم الخطوط العامة لما وقع من التطور فيه، وقد تكون هناك تطورات جزئية، لكنها تدخل ضمن أحد هذه الأمور، وهناك بعض الظواهر في المذهب الأشعري قد تلفت نظر المطلع، وذلك مثل ظاهرة ارتباط المذهب الشافعي الفقهي بالمذهب الأشعري، ومثله المالكي، ولكن هذه لا تعدو أن تكون دعوى يدعيها بعض المتحمسين للمذهب الأشعري، وأقرب الأمثلة على ذلك السبكي في (طبقات الشافعية)، فقد حاول أن يجعل من كتابه هذا ما يمكن أن يسمى بـ (طبقات الأشعرية)، ويلاحظ ذلك من يطلع على التراجم في هذا الكتاب وأسلوبه في عرض كل ترجمة، ولا شك أن المدارس النظامية وبعض أعلام الشافعية كان لهم أثر فيما يلمس من تبني جمهرة كبيرة من فقهاء الشافعية للمذهب الأشعري، ولكن ليس بهذه الصورة التي يدعيها هؤلاء، كما أنه ليس كل الحنابلة مثبتة على وفق مذهب السلف، بل فيهم أعداد مالت إلى مذهب الأشاعرة أو إلى ما هو أشد غلوا منه.
1 - إن الانحراف يبدأ في الغالب صغيرا، ثم يكبر، والمتتبع لأغلب المقالات، يجدها تبدأ صغيرة ثم يزداد انحرافها وغلوها مع الزمن، والمذهب الأشعري لما أن حوى منذ البداية انحرافا معينا سواء كان بالدخول في علم الكلام، أو تبني بعض آراء المعتزلة - وهذا كله مما يخالف مذهب السلف ومنهجهم - أصبح قابلا للزيادة في هذا الانحراف من خلال التمادي في علم الكلام والتزام لوازم الأقوال الفاسدة، والاستسلام لبعض شبهات أهل الضلال، وعدم القدرة على رد باطلهم إلا بالتزام بعض الأقوال الفاسدة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 217)

2 - كثرة مؤلفات مؤسسة أبي الحسن الأشعري، مع ما صاحب ذلك من كونه نشأ وعاش زمنا طويلا في ظل مذهب المعتزلة، وكان من آثار ذلك عدم استطاعته التخلص من المنهج الكلامي في عرض العقيدة، بل زاد على ذلك بأن التزم بعض أصولهم، وهذا كله بعد رجوعه، وقد كان من المفترض أن يكون رجوعه كاملا عن منهجهم وعقيدتهم إلى منهج وعقيدة السلف، لكن الذي وقع أنه ترك الاعتزال وتبنى مذهب الكلابية، فإذا أَضيف إلى ذلك كثرة مؤلفاته ورسائله التي ألفها بعد رجوعه واستخدامه في غالبها الأسلوب العقلي الكلامي، كما هو واضح في مثل كتابه (اللمع) وفي ما حواه كتاب ابن فورك (مجرد مقالات أبي الحسن الأشعري)، مع تأخر كتابه (الإبانة)، وكونه كتابا واحدا في مقابل عشرات الكتب المنتشرة، فهذا يفسر ما وقع من تطور في مذهب الأشاعرة، مع قناعة أعلامهم بأنهم لم يخالفوا أقوال شيخهم الأشعري مخالفة أصولية.
3 - إن المذهب لم يبن منذ البداية على منهج مؤصل؛ حيث لم يحدد له أصول واضحة في الاعتقاد أو كيفية التعامل مع النصوص، والأشعري في (الإبانة) كان صاحب منهج يختلف عن منهجه في كثير من كتبه، لذلك فالمذهب منذ البداية نشأ على التذبذب بين موافقة مذهب السلف، والرد على المعتزلة، وتأييد العقيدة بعلم الكلام، ولو نشأ المذهب واضح المعالم في الاستدلال للعقيدة أو الرد على المخالفين لكان ذلك مانعا من اجتهاد يأتي فيما بعد يؤدي إلى الانحراف، وهذا ما حدث بالنسبة لما كتبه أعلام السلف في ردودهم على الجهميةو المعتزلة، فعلى الرغم من المناقشات العقلية، والإلزامات القوية للخصوم، في مؤلفات الأئمة مثل الإمام أحمد، والكناني، والدارمي، وابن قتيبة، وغيرهم، لم تؤد هذه الردود- التي بقيت وحفظت - إلى شيء من الانحراف، بل على العكس كان لها دور في دعم مذهب السلف وإسكات خصومهم.
4 - رفض أهل السنة للمذهب الأشعري منذ البداية مما كان سببا في جعله مذهبا منعزلا عنهم، ولقد كان رفض أئمة الحديث والسنة له الأثر النفسي والواقعي في حياة الناس، حرص المتأخرون على الدفاع عن مذهبهم وعقيدتهم الأشعرية ودعمها بالأدلة، وبيان بعدها عن التشبيه والتجسيم الذي قد يصمون به أهل الإثبات، والمعارضة القوية من جانب علماء السلف لمذهب الأشاعرة ورمي معتنقيه - أحيانا - بأنهم نفاة ومعتزلة، يؤدي إلى ردود فعل نفسية من جانب هؤلاء فيؤدي إلى اتساع دائرة البعد بين الفريقين.
5 - ومن الأسباب أيضا فشو التقليد في أصول العقيدة وفروع الأحكام فقد يقلد شيخه في إحدى المسائل؛ ظنا منه أنه - وهو العالم المشهور- ما قال بها إلا هي حق، ثم يضطر في النهاية إلى التزام لوازم هذه المسألة، وقد تكون لوازم باطلة، لكنه التزمها التزاما لأصلها الذي أخذه تقليدا، وقد يكون شيخه قال بهذه المسألة بناء على وجه معين وهو يرفض لوازمها لو ألزمها.
6 - وهناك أسباب أخرى مثل الهوى، والتعصب لطائفة أو لمذهب، وحرص أهل الباطل على التفريق بين المسلمين بإثارة الفتن بينهم، وغيرها.

‌‌المصدر:موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – 2/ 511

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 218)