علمتَ أنه مرجوح من جهة الرواية. وهكذا هو مرجوح من جهة النظر لما يأتي. وعلى فرض أنه لا يتبين أنه مرجوح، فلا يصحُّ التمسكُ بما اختص به بعض الروايات وخالفها غيرها؛ لأن الاختلاف إنما جاء [2/ 140] من جهة الرواية بالمعنى، فلا يصح التشبث بواحدة منها حتى يترجح أنها باللفظ الأصلي أو موافقة له.
ومع هذا، فاللفظ الواقع في الوجه الثاني لا يتعين حمله على ما زعمه صاحب هذا المسلك، فإنه يحتمل أن يكون المراد أن السارق لم يكن يُقطَع فيما دون ثمن ذاك المجن الذي قطَع فيه النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم. ولا مانع أن تعرف عائشة هذا، ولا تعرف قيمة ذاك المجن. وهذا المعنى أقرب وأولى مما زعمه صاحب هذا المسلك، فإنه يزعم أن المعنى أن اليد لم تكن تُقطَع إلا فيما يبلغ ثمنَ مجنٍّ من المَجان أيَّ مجنٍّ كان. وهذا بغاية البعد، فإن من المجانِّ الرديءَ البالي المعيب الذي تكون قيمته درهمًا واحدًا أو دونه، ومنها ما يزيد على ذلك زيادة متفاوتة، ولم يُعهَد من حكمة الشارع وإيثارِه الضبطَ: أن ينوط مثل هذا الحكم العظيم بمثل هذا الأمر الذي لا ينضبط.
فإن قيل: قد يختار مجنٌّ من أوسط الغالب على نحو ما قدَّمتَ أول المسألة.
قلت: أوسط الغالب بعيد أيضًا عن الانضباط، والذي تقدَّم إنما هو من بعضِ مَن بعدَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، رأى أنه لا ينبغي القطع في أقل مما قطع فيه النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم، وعرف أنه ذاك المجن ولم يعرف ثمنه، فاضطُرَّ إلى الحدس. والشارع لا ضرورة تُلجِئه ولا حاجة تدعوه إلى مثل هذا، فلماذا يعدل عن سنته من إيثار الضبط، وهو قادر على
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 233)
الضبط بالذهب أو الفضة، فيكون المناط ظاهرًا منضبطًا سهلَ المعرفة جاريًا على ما يعرفه الناس ويتعارفونه؟
فأما تقدير الدية بالإبل فذلك معروف متعارف من قبل الإسلام، وكان أغلب أموالهم الإبل، ووصفها الشارع بصفات معروفة تقرِّبها من الانضباط، ولا يُخشى بعد ذلك التباسٌ ولا مفسدة، كما يُخشى في نَوط القطع بثمن مِجنّ. فإنَّ مَنْ وجبت عليه الدية لا يلزمه أن يدفع النفيسة. فلو كانت عنده [ناقة](1) نفيسة، وأراد أن يشتري بها عشرًا كلُّهن على وصف الدية مُكِّن من ذلك، فيشتري بتلك الناقة عشرًا ويدفعها، فتُحسَب له عشرًا. واحتمالُ أن لا يتمكن من ذلك بعيد. فإن اتفق ذلك، فللفقيه أن يقول: هي بمنزلة المعدومة، ويعدل إلى قيمة القدر الواجب من [2/ 141] الغالب، كما قيل بنحو ذلك في الزكاة. فأما إذا طابت نفسُ صاحبها فدفَعَها، فلا إشكال. والحنفية لم ينكروا وجوب الإبل، وإنما قالوا: إن الواجب هي أو ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم، وإن التعيين بالتراضي أو القضاء.
وأقول: أما التراضي، فلا إشكال فيه. وكذلك القضاء إذا قضى القاضي بالإبل، أو بذاك المبلغ من الذهب أو الفضة، وهو قيمة الإبل. وأما إذا لم يكن ذلك قيمتها، فجعلُ الخِيَرةِ للقاضي منافٍ للعدل، وفتحٌ لباب اتباع القضاة للهوى، وأصول الشرع تأبى ذلك. والمقصود هنا أنه لا مفسدة في جعل الدية(2) من الإبل، فإن الواجب الحقيقي هو أقلُّ ما يتحقق به الصفة. فالمستحق بين أن يحصل له حقه، وأن يحصل له دونه برضاه، وأن يحصل--------------------------------------------
(1) الزيادة من (خ).
(2) في (ط): «الزكاة»، والمثبت يقتضيه السياق.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 234)
له فوقه برضا الدافع.
وعلى فرض أن المقوِّم أخطأ في التقويم، فالخطب سهل، إنما هو خسارة مالية يجبُرها الله عز وجل من فضله.
وأما المجن، فإن قيل: إنه يُقطع في سرقته مطلقًا بأي صفة كان، فلا يخفى ما فيه. وإن قيل: لا يُقطع فيه إلا إذا كان بوصف مخصوص، فما هو ذاك الوصف؟ وما الدليل على تعيينه؟ وإن قيل: لا يُقطع فيه إلا إذا بلغت قيمته حدًّا معينًا، كما يدل عليه قول أنس(1): «سرق رجلٌ مِجنًّا على عهد أبي بكر، فقُوِّم خمسةَ دراهم، فقُطِع»، فهذا قولنا، وبطل هذا المسلك الطريف رأسًا.
وإذا كان المسروق ذهبًا أو فضة، فعلى ذلك المسلك ينبغي أن ينظر هل هو قيمة مجن أو لا؟ وهذا عكس المعروف المتعارف من اعتبار مقادير السِّلع بالذهب والفضة. وإذا كان المسروق سلعة أخرى احتيج إلى تقويمين، تقويم السلعة بالذهب أو الفضة، وتقويم المجن الذي لم تبيَّن صفته بالذهب أو الفضة، واحتمالُ الخطأ في ذلك أشد من احتماله في تقويم واحد.
فإن قيل: إنما كان ذلك في أول الأمر، ثم استقر الحال على العشرة الدراهم.
قلت: فهل كان الشارع يجهل عاقبة الأمر؟ وقد قال الشاعر:
رأى الأمرَ يُفضي إلى آخِرٍ … فصيَّر آخرَه أوَّلا(2)--------------------------------------------
(1) أخرجه النسائي (8/ 77).
(2) من أبيات لمحمود الوراق في «عيون الأخبار» (3/ 54) و «طبقات» ابن المعتز (ص 367) وغيرهما. وتنسب إلى علي بن أبي طالب. انظر تخريجه في «ديوان الوراق» (139).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 235)
[2/ 142] وإذا كان المجن لا يصلح أن يُجعل معيارًا مستمرًّا، فكذلك لا يصلح أن يكون معيارًا موقتًا بلا ضرورة ولا حاجة.
فإن قيل: قد يكون صاحب هذا المسلك إنما عنى ذاك المِجنَّ المعيَّن الذي قطع فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
قلت: فيلزم أن يكون ذاك المِجنُّ بقي محفوظًا في بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم في بيوت الخلفاء. فكلما رُفِعَ سارقٌ قُوِّم المسروقُ، ثم أُخرج ذاك المجنُّ، فقُوِّم بقيمة الوقت! وهذا باطل من وجوه:
منها: أنه لم يُنقل، ولو كان لَنُقِل لغرابته. ومنها: أن النقل يأباه. ومنها: أنه خلاف المعهود من براءة الشريعة عن مثل هذا التكلف الذي لا تُبرِّره حكمة. وكثيرٌ مما تقدَّم يرد على هذا أيضًا. وأشدُّ ذلك: الداهية الدهياء، وهي النسخُ بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
فإن قيل: لعل صاحب هذا المسلك إنما أراد أن ذلك التدرج واستقرار الأمر على عشرة الدراهم كان كلُّه في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
قلت: ظاهر صنيعه خلاف ذلك، لتنظيره بحدِّ الخمر، ولأنه لا يجهل أنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شيء في ذكر العشرة(1)، وإنما يصح ــ إن صحَّ شيء ــ عمن بعده وبعد الخلفاء الراشدين. وهَبْ أنه إنما أراد--------------------------------------------
(1) قلت: في هذا نظر، فإن المومى إليه قد صرح بتصحيح حديث ابن عباس في العشرة! [ن].
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 236)
ما زعمت، لم يأت عليه بشبهة فضلًا عن حجة، ويرد عليه أكثر ما تقدم. وكيف يقول: إن أحاديث «الصحيحين» قطعية الثبوت، ثم ينسخها بما لم يثبت!
وأما قضية المهر فلم يثبت تحديده، وإنما اقتسر الحنفية قياسه على ما يُقطَع فيه السارق. والأصل باطل، والقياس أبطل.
وأما حدُّ الخمر، فالحق أنه أربعون. واستنبط الصحابة من تدريج الأمر في الخمر من حُكمٍ إلى أشدَّ منه رعايةً للحكمة جوازَ زيادة التشديد تعزيرًا، واستأنسوا لتحديد الزيادة بقولهم: «إنه إذا سكر هَذَى، وإذا هَذَى افترى»(1)، مع علمهم بأنه لا يلزمه بمجرد الاحتمال حكمُ [2/ 143] المرتد ولا حكم المطلِّق، ولا غير ذلك مما يحتمل صدوره منه عند هذيانه. والسرقةُ لم يقع في تحريمها تدريجٌ، لا من حال إلى أشدَّ منها، ولا من حال إلى أخفَّ منها.
فإن قيل: قد يقال: إن للتدريج حكمةً، وهي أن الناس كانوا في ضيق، فكان المسروقُ منه يتضرَّر بأخذ اليسير من ماله، ثم اتسعوا فصار لا يتضرَّر إلا بأخذ أكثر من ذلك، وهكذا.
قلت: تعقُّلُ الحكمةِ لا يثبت به الحكم، مع أن ما ذكرتم يعارضه أن المناسب في زمن الضيق أن يخفَّف على السارق لكثرة الحاجة. وقد شهدت الشريعة في الجملة لهذا المعنى دون الأول، وذلك بدَرْء(2) الحد--------------------------------------------
(1) هذا من قول علي بن أبي طالب، أخرجه مالك في «الموطأ» (2/ 842). قال الألباني في تعليقه: «هذا لم يصح، وهو معلل في إسناده ومتنه، وقد بينت ذلك في «إرواء الغليل» (2446)».
(2) (ط): «يدرء». والتصويب من (خ).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 237)
عن المضطر، وما يُروَى عن بعض السلف أنه لا قطع في زمن المجاعة(1).
فإن قيل: إن المقدار لم يتغير في المعنى، لأن السِّلَع كلها أو غالبها تساير المجنّ، فالسلعة المسروقة التي تكون قيمتها خمسةً حين بلغ ثمنُ المجنِّ خمسة، كانت قيمتها ثلاثة حين كانت قيمة المجن ثلاثة، وهكذا الدراهم نفسها، فإن الثلاثة كانت أولًا تُغْني غَناءً لا تُغْنيه أخيرًا إلا الخمسة(2) مثلًا.
قلت: هذا كله لا يُغْني فتيلًا فيما نحن بصدده. ثم هو غير مستقيم، فقد تغلو سلعة وترخص أخرى، ولا تزال تضطرب قيمتها ارتفاعًا وانخفاضًا إلى يوم القيامة. ولماذا إذا كان لوحظ ذاك المعنى وقع التحديد أخيرًا بالعشرة؟ وقد يزيد الاتساع، فتصير خمسة عشر لا تُغني إلا غناء الثلاثة، وقد يعود الضيق ويشتد أشدَّ مما كان أولًا. والمعروف إنما هو ضبط أثمان السلع بالدنانير والدراهم، لا ضبط الدنانير والدراهم بالسلع، فكيف بسلعةٍ لا تنضبط؟
وقد أطلتُ في ردِّ هذا المسلك، مع أنه لا يحتاج في ردِّه إلى هذا كلِّه، ولكن دعا إلى ذلك شهرةُ قائله. والله المستعان.--------------------------------------------
(1) قلت: يشير إلى ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «لا قطع في غدق، ولا في عام سنة». لكن في سنده جهالة كما بينته في المصدر السابق (2496). [ن].
(2) (ط): «لخمسة».
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 238)
[2/ 144] المسألة الخامسة عشرة
القضاء بشاهد ويمين في الأموال
قال الأستاذ (ص 185): «وأما القضاء بشاهد ويمين، فلم يرد فيه ما هو غير معلَّل عند أهل النقد. وحديث مسلم فيه انقطاعان مع عدم ظهور دلالته على المتنازع(1) فيه، كما فُصِّل في محلِّه. والليث بن سعد ردَّ على مالك ردًّا ناهضًا في رسالته إليه … حتى إن يحيى الليثي راوية «الموطأ» وغيرهم من كبار المالكية خالفوا مالكًا في المسألة. وكم بين الشافعية من خالف الشافعيَّ في المسألة! فسَلْ قضاةَ العصر ماذا كانت تكون النتيجة في الحقوق لو حكموا للناس بما يطالبون به بدون تكامل نصاب الشهادة؟ فضلًا عن الضعف الظاهر فيما يحتجُّون به في الأخذ بشاهد ويمين».
أقول: حديث مسلم هو قوله في «صحيحه»(2): «حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير قالا: ثنا زيد ــ وهو ابن حُباب ــ ثني سيف بن سليمان، أخبرني قيس بن سعد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بيمينٍ وشاهد».
فأما الانقطاعان المزعومان، فأحدهما بين عمرو وابن عباس، والآخر بين قيس وعمرو.
أما الأول، فقال ابن التركماني(3): «في «علل الترمذي»: سألت محمدًا--------------------------------------------
(1) في (ط): «التنازع». والتصويب من (خ).
(2) رقم (1712).
(3) «الجوهر النقي» (10/ 1679).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 239)
(البخاري) عنه ــ أي هذا الحديث ــ فقال: عمرو بن دينار لم يسمع عندي هذا الحديث من ابن عباس».
أقول: ليس لهذه العندية ما يُسنِدها سوى أمرين:
الأول: أن محمد بن مسلم بن سَوْسَن الطائفي روى هذا الحديث عن عمرو بن دينار، فقال بعض الرواة عنه: عن عمرو، عن طاوس، عن ابن عباس. وبعضهم قال: عن عمرو، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس.
الثاني: استبعاد صحة الحديث، لعدم اشتهاره عن ابن عباس ومخالفته لظاهر القرآن.
فأما الأول، فقد أجاب عنه البيهقي(1) بأنه إنما جاء ذلك عن بعض الضعفاء. فأما [2/ 145] الثقات، فرووه عن الطائفي، عن عمرو، عن ابن عباس، كما يأتي. ورواية الثقات لا تُعلَّل برواية الضعفاء.
أقول: ومع ذلك فلو صحَّ الوجهان المذكوران أو أحدهما لصحَّ الحديث أيضًا، كما صحَّح الشيخان(2) حديث حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن علي، عن جابر في لحوم الخيل؛ مع رواية ابن عيينة وغيره له عن عمرو عن جابر(3). ولهذا نظائر.
وأما الثاني، فالجواب عنه من وجهين:
الأول: أن ذاك الاستبعاد إن كان له وجه، فلا يُزيله إلا دعوى أن بين--------------------------------------------
(1) في «السنن الكبرى» (10/ 168).
(2) البخاري (5520) ومسلم (1941).
(3) انظر «فتح الباري» (9/ 649، 650).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 240)
عمرو وابن عباس واسطة ضعيفة، إذ لو كان بينه وبينه ثقة لصح الحديث أيضًا كما مرَّ. وليس لأحد أن يفرض الواسطة الضعيفة هنا، فإن عمرًا لا يدلِّس مثل هذا التدليس، وإنما قد يُرسل ما سمعه من ثقة متفق عليه، كما أرسل عن جابر ما سمعه من محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عنه، ومحمد إمام حجة.
وقد تتبعت ما قيل إن عمرًا أرسله مثل هذا الإرسال غير الحديث السابق، فلم أجد إلا حديثًا حالُه كحال الحديث السابق. وذلك أن في «مسند أحمد» (ج 3 ص 368)(1): «ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن عمرو بن دينار، عن جابر … ، قلت لعمرو: أنت سمعته من جابر؟ قال: لا». والحديث في «صحيح البخاري»(2) من طريق ابن عيينة «قال عمرو: أخبرني عطاء أنه سمع جابرًا … ». فبيْنَ عمرو وجابر في هذا عطاء بن أبي رباح، وهو إمام حجة.
ووجدت حديثين آخرين لم يتضح لي الإرسال فيهما، فإن صحَّ فالواسطة في أحدهما عكرمة وطاوس أو أحدهما، وفي الثاني: ابن أبي مليكة، وهؤلاء كلهم ثقات أثبات. فإن ساغ أن يقال في حديث رواه عمرو عن ابن عباس: لعله لم يسمعه منه، فإنما يسوغ أن يُفرَض أن عمرًا سمعه من ثقة حجة سمعه من ابن عباس.
وفي ترجمة عمرو من «تهذيب التهذيب»(3): «قال الترمذي: قال--------------------------------------------
(1) رقم (14957).
(2) رقم (5208).
(3) (8/ 30).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 241)
البخاري: لم يسمع عمرو بن دينار من ابن عباس حديثَه عن عمر في البكاء على الميت. قال ابن حجر: قلت: ومقتضى ذلك أن يكون مدلِّسًا».
[2/ 146] أقول: لم أظفر برواية عمرو ذاك الحديثَ عن ابن عباس، والقصة ــ وفيها الحديث ــ ثابتة في «صحيح مسلم»(1)، و «مسند الحميدي»(2) من رواية عمرو، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس. فإن كان بعضهم روى الحديث عن عمرو عن ابن عباس، فلا ندري مَن الراوي؟ فإن كان ثقةً، فالحال في هذا الحديث كما تقدَّم، حدَّث به عمرو مرارًا عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس حتى عرف أن الناس قد عرفوا أنه لم يسمعه من ابن عباس، ثم قال مرةً على سبيل الفتيا أو المذاكرة: «قال ابن عباس»، وليس هذا بالتدليس. على أنه لا مانع من أن يسمع من ابن أبي مليكة عن ابن عباس القصة وفيها الحديث، ويسمع من ابن عباس نفسه الحديث. ولا مانع من أن يسمع الرجل الحديث من رجل عن شيخ، ثم يسمعه من ذلك الشيخ نفسه، ثم يرويه تارة هكذا، وتارةً هكذا. وهذا النوع يسمى «المزيد في متصل الأسانيد». وقد عد بعضهم منه حديث عمرو في لحوم الخيل.
وقد ذكر مسلم في مقدمة «صحيحه»(3) أمثلةً مما قد يقع من غير المدلس من إرسال ما لم يسمعه، وذكر منها حديث عمرو بن دينار في لحوم الخيل، وقد مرَّ. وهذا حكمٌ من مسلم بأن عمرًا غير مدلس، وأن ما قد يقع عن(4) مثل--------------------------------------------
(1) (2/ 642).
(2) رقم (220).
(3) (1/ 31، 32).
(4) كذا في (ط)، ولعل الصواب: «من».
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 242)
ذاك الإرسال ليس بتدليس. واحتج الشيخان بكثير من أحاديث عمرو التي لم يُصرِّح فيها بالسماع. واحتج مسلم(1) بحديث في المخابرة رواه ابن عيينة عن عمرو عن جابر، مع أنه قد ثبت عن ابن عيينة أن عمرًا لم يصرِّح فيه بالسماع من جابر. وهذا الترمذي(2) حاكي الحكايتين عن البخاري صحَّح في حديث لحوم الخيل روايةَ ابن عيينة التي فيها: «عمرو عن جابر»، وخطَّأ حماد بن زيد في قوله: «عمرو، عن محمد بن علي، عن جابر» مع جلالة حماد وإتقانه، فلو كان عند الترمذي أن عمرًا يدلِّس لَما كان عنده بين الروايتين منافاة. والصحيح أنه لا منافاة ولا تدليس، كما مرَّ.
فأما ما في «معرفة الحديث» للحاكم (ص 111) في صدد كلامه في التدليس: «فليعلم صاحب الحديث أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة … وأن عامة حديث عمرو بن دينار عن الصحابة غير مسموعة»، فإنما قال ذلك في صدد من روى عمن لم يره قطُّ ولا سمع منه شيئًا. فإن تلك العبارة هي في صدد قوله (ص 109): «الجنس السادس من التدليس: قوم رووا عن شيوخ لم يروهم قطُّ … ». وحاصل ذلك أن عمرًا يرسل عمن لم يره من الصحابة. وهذا ــ على قلة ما قد يوجد [2/ 147] عن عمرو فيه ــ ليس بتدليس، وإنما يسمِّيه جماعة تدليسًا إذا كان على وجه الإيهام. فأما أن يرسل المحدِّث عمن قد عرف الناس أنه لم يدركه أو لم يلقه، فلا إيهام فيه، فلا تدليس.
وعادة أئمة الحديث إذا كان الرجل ممن يكثر منه هذا الإرسال أن--------------------------------------------
(1) رقم (1536/ 93).
(2) رقم (1793).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 243)
ينصُّوا على أسماء الذين روى عنهم ولم يسمع منهم، كما تراه في تراجم مكحول، والحسن البصري، وأبي قلابة عبد الله بن زيد، وغيرهم. ولم نجد في ترجمة عمرو إلا قول ابن معين: «لم يسمع من البراء بن عازب». ولعله لم يرسل عن البراء إلا خبرًا واحدًا(1). وسماع عمرو من ابن عباس ثابت.
والحكم عندهم فيمن ليس بمدلِّس، ولكنه قد يرسل لا على سبيل الإيهام أن عنعنته محمولة على السماع، إلا أن يتبين أنه لم يسمع، كالحديث الذي رواه شعبة عن عمرو عن جابر، وقد تقدم. ووجه ذلك أنه لم يثبت عليه إلا أنه قد يُرسل لا على وجه الإيهام، ومعنى ذلك أنه لا يرسل إلا حيث يكون هناك دليل واضح على أنه لم يسمعه، فحيث وجدنا دليلًا واضحًا على عدم السماع فذاك، وحيث لم نجد كان الحكم هو السماع.
ألا ترى أن الثقة قد يخطئ، ومع ذلك فروايته محمولة على الصواب ما لم يقم دليل واضح على الخطأ، فأولى من ذلك أن يُحكَم بالاتصال في حديث من لم يُعرف عنه إلا الإرسالُ حيث لا إيهام؛ لأن المخطئ قد يخطئ حيث لا دليل على خطائه، بخلاف المرسل.
والحكم عندهم فيمن عُرف بالتدليس وكثُر منه، إلا أنه لا يدلِّس إلا فيما سمعه من ثقة لا شك فيه، أن عنعنته مقبولة، كما قالوه في ابن عيينة، فما بالك بما نحن فيه؟--------------------------------------------
(1) وهو عن البراء مرفوعًا: «يا معشر التجار، إنكم تكثرون الحلف، فاخلطوا بيعكم هذا بالصدقة». أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (7/ 21، 22) والطحاوي في «مشكل الآثار» (2082) والبيهقي في «شعب الإيمان» (4848).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 244)
وأما عدم اشتهار الحديث عن ابن عباس، فلا يضرُّه بعد أن رواه عنه ثقة جليل فقيه، وهو عمرو بن دينار. وكم من حديث صحَّحه الشيخان وغيرهما مع احتمال أن يقال فيه مثلُ هذا أو أشدُّ منه. هذا حديث «إنما الأعمال بالنيات» عظيم الأهمية عند أهل العلم حتى قالوا: إنه نصف العلم، وهذا مما يقتضي اشتهاره. وفي روايته ما يشير إلى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطب به على المنبر(1)، وهذا مما يقتضي اشتهاره. وذُكِر فيه أن عمر بن الخطاب رواه وهو يخطب على المنبر، وهذا مما يقتضي اشتهاره. ومع ذلك لم يروه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير عمر بن الخطاب، ولا رواه عن عمر غير علقمة بن وقاص، ولا رواه عن علقمة غير محمد بن إبراهيم [2/ 148] التيمي، ولا رواه عن محمد غير يحيى بن سعيد الأنصاري. ومع ذلك صحَّحه الشيخان وغيرهما، وجعلوه أصلًا من أصول العلم، بل جعلوه نصف العلم، كما مرَّ.
فإن قيل: لكن له شواهد.
قلت: وحديث القضاء بالشاهد واليمين كذلك، فقد جاء من رواية جماعة من الصحابة بأسانيد جيدة قد صححوا نظائرها. وجاء من رواية آخرين بأسانيد تصلح للاستشهاد. وجاء من مرسل عدةٍ من التابعين، وكان عليه عمل أهل الحجاز لا يُعرف عندهم خلافُه.
فإن قيل: فقد قلتَ في حديث ابن إسحاق، عن أيوب بن موسى، عن عطاء، عن ابن عباس في قطع يد السارق في ثمن المِجنّ، ما قلتَ.--------------------------------------------
(1) كما في «صحيح البخاري» (6953).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 245)
قلت: ذاك خبر اضطرب فيه ابن إسحاق أشدَّ اضطراب، وابن إسحاق في حفظه شيء، وجاءت أدلة تقضي بأنه من قول عطاء، لا من روايته عن ابن عباس، كما تقدم تفصيلُه في المسألة السابقة. وليس الأمر هاهنا كذلك، ولا قريبًا من ذلك. وقد تجتمع عدة أمور يقدح مجموعها في صحة الحديث، ومنها ما لو انفرد لم يَضُرَّ.
وأما مخالفته لظاهر القرآن ــ كما قد يشير إليه صنيع البخاري في «صحيحه»(1) ــ فكم من حديث صححه هو وغيره، وهو مخالف لظاهر القرآن، كحديث المنع من الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها(2)، وحديث النهي عن أكل كل ذي ناب أو مخلب(3)، وحديث النهي عن أكل لحوم الحمر الأهلية(4)، وغير ذلك. وكم من دلالة ظاهرة من القرآن خالفها الحنفية أنفسهم، وقد تقدَّم شيءٌ من ذلك في المسألة الثانية عشرة. وذكر ابن حجر في «الفتح»(5) أمثلة من ذلك، وبسط الشافعي الكلام في «الأم» (ج 7 ص 6 - 31)(6). ومع ذلك فمخالفةُ حديث القضاء بشاهد ويمين لظاهر القرآن مدفوعةٌ، كما ستراه.--------------------------------------------
(1) (5/ 280 مع «الفتح»).
(2) أخرجه البخاري (5109) ومسلم (1408) من حديث أبي هريرة.
(3) أخرجه البخاري (5530) ومسلم (1932) من حديث أبي ثعلبة الخشني. وأخرجه مسلم (1934) من حديث ابن عباس.
(4) أخرجه البخاري (5521) ومسلم عقب (1936) من حديث ابن عمر. وفي الباب أحاديث أخرى في الصحيحين وغيرهما.
(5) (5/ 281، 282).
(6) (8/ 36 - 83).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 246)
قال الله تبارك وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} إلى أن قال: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} إلى أن قال: {ذَلِكُمْ [2/ 149] أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا} إلى أن قال: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة: 282 - 283].
إن قيل: أمر الله تعالى أن يُستشهد عند المداينة رجلان، فإن لم يكونا فرجل وامرأتان؛ فدل ذلك على أنه لا يثبت الحق عند التداعي عند الحاكم إلا بذلك.
فالجواب: إن أردتم أنه لا يثبت مطلقًا إلا بذلك، فهذا باطل؛ إذ قد يثبت الحق بالاعتراف، وبالنكول فقط عند الحنفية، ومع يمين المدعي عندنا. وإن أردتم أنه لا يثبت بشهادة إلا كذلك، فهذا لا يفيدكم؛ فإن الحديث إنما أثبته بالشاهد واليمين، لا بالشاهد وحده.
فإن قيل: لو كان يثبت بشاهد ويمين لما كان بالأمر برجلين أو رجل وامرأتين فائدة.
قلنا: بلى، له فوائد عظيمة:
الأولى: ما نصت عليه الآية: {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا} [البقرة: 282]، وهذا كما يحصل بالكتابة مع أن الحق لا يثبت بالكتاب وحده، فكذلك يحصل بالشهادة التامة. فإن القضاء بشهادة تامة
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 247)
أظهر في القسط والعدل من القضاء بشاهد ويمين، وأقوم للشهادة لأن كلًّا من الشاهدين يبالغ في التحفظ لئلا تخالف شهادته شهادة الآخر، وأبعد عن الريبة كما لايخفى. وقد دل الإتيان بصيغة التفضيل على أن أصل القسط، وقيام الشهادة، والبعد عن الريبة= قد يحصل بما هو دون ما ذُكر، فما هو؟ ليس إلا الشاهد واليمين، كما دل عليه الحديث. فالآية تدل على صحة الحديث، لأنه لو لم يكن صحيحًا لما كان هناك ما يحصل به ما اقتضته الآية.
الفائدة الثانية: أن ذلك أحوط للحق، إذ لو استُشهِد رجلٌ واحد فقط، فقد يموت قبل أداء الشهادة، أو يعرض له ما تفوت به شهادته، كالجنون أو النسيان أو الفسق أو الغَيبة، فإذا كانا اثنين فالغالب أنه لا يعرض لهما ذلك معًا. وهذه أدنى درجات الاحتياط نبهتْ عليها الآية، ولم تمنع مما فوقها، بل في هذا إشارة إلى أنه إذا اقتضت الحال ينبغي مظاهرة الاحتياط، وذلك كأن تكون مدة الدَّين طويلة كخمس عشرة سنة، ووجد شاهدان شيخين كبيرين، فينبغي الزيادة في عدد الشهود بحيث يغلب أنهم لا يموتون جميعًا قبل حلول الدين، أو يعرض لهم جميعًا ما تفوت به شهادتهم.
[2/ 150] الفائدة الثالثة: أن الشاهد الواحد لا يثبت به الحق، بل لا بد معه من اليمين، وقد يكبر على المدعي أن يحلف خشية أن يتهمه بعض الناس، أو لأنه قد نسي القضية أو صفتها، أو لأنه لم يحضرها وإنما حضرها مورثه الذي قد مات. وقد يُجَنُّ الدائن أو يموت ويكون وارثه صبيًّا أو مجنونًا، فتتعذر اليمين وقت المطالبة، فيتأخر القضاء بالحق إلى أن يكمل صاحبه أو يموت.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 248)
فإن قيل: ذكر البخاري في «الصحيح»(1) عن ابن شبرمة أنه احتج على أبي الزناد بالآية، وذكر قوله تعالى: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} [البقرة: 282]. قال: «قلت: إذا كان يُكتفَى بشهادة شاهد ويمين المدعي، فما يحتاج أن تُذكِّر إحداهما الأخرى؟ ما كان يصنع بذكر هذه الأخرى؟ ».
قلت: قد تقدم ما يُعلم منه الجواب. ولا بأس بإيضاحه، فأقول: يصنع بذكر الأخرى أنه إذا كان الرجل باقيًا حاضرًا جائز الشهادة أن تتم الشهادة، فيكون ذلك أقسط عند الله، وأقوم للشهادة، وأبعد عن الارتياب. ولا يتوقف ثبوتُ الحق على يمين المدعي، وقد تكبر عليه، أو تتعذر منه، فيضيع الحق أو يتأخر، كما تقدم. وإن كان الرجل قد مات أو عرض له ما فوَّت شهادته، شهدت المرأتان، وحلف المدعي معهما، وثبت الحق كما هو مذهب مالك. والظاهر أنه كان مذهب أبي الزناد، وهو مذهب قوي؛ فإن الآية أقامت المرأتين مقام رجل. وفي «الصحيحين»(2) من حديث أبي سعيد الخدري في قصة خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم العيد ومروره على النساء وموعظته لهن: «قال: «أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ » قلن: بلى». وهذا قاضٍ بأن شهادة المرأتين في ما تُقبل فيه شهادتهن مثل شهادة رجل. فأما اشتراط الآية لاستشهاد المرأتين أن لا يكون رجل، فإنما هو ــ والله أعلم ــ لأن المطلوب في حق النساء الستر والصيانة، والشهادة تستدعي البروزَ، وحضورَ مجالس الحكام، والتعرضَ لطعن المشهود عليه.--------------------------------------------
(1) (5/ 280 مع «الفتح»).
(2) البخاري (304). وأخرجه مسلم (889) وليس فيه لفظ الموعظة.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 249)
فقد اتضح بحمد الله تبارك وتعالى أنه ليس في الآية ما يتجه معه أن يقال: إن الحديث مخالف لظاهر القرآن، بل ثبت أن فيها ما يشهد له بالصحة.
وأما المخالفة لبعض الأحاديث الصحيحة، فذكروا هاهنا ما جاء في قصة الأشعث بن قيس [2/ 151] أنه ادعى على رجل، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «شاهداك أو يمينه»(1). وحديث «الصحيحين»(2) عن ابن عباس مرفوعًا: «لو يُعطى الناسُ بدعواهم لادعى ناسٌ دماءَ رجال وأموالَهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» لفظ مسلم.
والجواب عن الحديث الأول: أنه في «الصحيحين» وغيرهما من طريق أبي وائل شقيق بن سلمة عن الأشعث بن قيس، واختلفت ألفاظ الرواة في ما قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ففي رواية(3): «شاهداك أو يمينه»، وفي أخرى(4): «بيِّنتك أو يمينه»، وفي ثالثة أنه بدأ فقال للأشعث: «ألك بينة؟». قال الأشعث: قلت: لا. قال: «فليحلف». هكذا في «صحيح البخاري»(5) في كتاب الأحكام في باب الحكم في البئر من طريق سفيان الثوري عن منصور والأعمش عن أبي وائل. وهكذا رواه أبو معاوية عن الأعمش إلا أنه قال: «فقال لليهودي: احلفْ». أخرجه البخاري(6) في كتاب--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (6677) ومسلم (138) من حديث الأشعث.
(2) البخاري (4552) ومسلم (1711).
(3) عند البخاري (2516، 2670) ومسلم (138/ 221).
(4) عند البخاري (4550، 6677).
(5) رقم (7183).
(6) رقم (2667) وأيضًا (2417).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 250)
الشهادات من «صحيحه»، باب سؤال الحاكم المدعي: ألك بينة؟ ونحوه في «صحيح مسلم»(1) و «مسند أحمد» (ج 5 ص 211)(2) من طريق أبي معاوية ووكيع عن الأعمش ــ إلى غير ذلك.
فلا ندري ما هو اللفظ الذي نطقَ به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لكنْ أجلُّ مَن روى الحديث عن أبي وائل منصورٌ والأعمش، وأجلُّ مَن رواه عنهما سفيان الثوري، وهو إمام في الإتقان والفقه، وروايته هي الأشبه بآداب القضاء: أن يبدأ القاضي فيسأل المدعي: أله بيِّنة؟ فإن لم يكن له بينة وجَّه اليمينَ على المدعى عليه. والبينة كلُّ ما بيَّن الحق، فتصدق على البينة التامة، وهي ما لا يحتاج معها إلى يمين، وبالبينة(3) الناقصة وهي ما يحتاج معها إلى يمين.
على أنه لو ثبت أن لفظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «شاهداك أو يمينه» فدلالةُ هذا على نفي القضاء بشاهد ويمين ليست بالقوية، ودلالة أحاديث القضاء بالشاهد واليمين واضحة.
فإن قيل: يقوِّي هذه أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
قلت: فإن ظاهرها يقتضي أن لا تقبل شهادة رجل وامرأتين.
فإن قيل: يجوز أن يكون الأشعث قد علم قبولَ رجل وامرأتين.
قلت: ويجوز أن يكون قد علم قبول شاهد ويمين. والحق أنه يجوز أن لا يكون قد [2/ 152] علِمَ ذا ولا ذاك، وليس هناك محذور؛ لأن من شأن--------------------------------------------
(1) رقم (138/ 220).
(2) رقم (21837).
(3) كذا في الأصل، والأوفق للسياق: «على البينة».
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 251)
المدعي أن يكون حريصًا على إظهار كلِّ ما يؤمِّل أن ينفعه، فلو كان له شاهد وامرأتان، أو شاهد فقط، أو امرأة واحدة، وقيل له: «شاهداك أو يمينه» = لقال: لا أجد شاهدين، ولكني أجد كذا. وقد نازع في تحليف المدعى عليه كما في بقية القصة، فإن فيها «قلت: يا رسول الله ما لي بيمينه؟ وإن تجعلها بيمينه تذهب بئري، إن خصمي امرؤ فاجر». أفتراه ينازع في هذا، ويأخذ بما يُشعِر به قولُ النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن كان ما قاله «شاهداك»، فلا يقول: لي شاهد واحد، إن كان له؟
وأما الحديث الثاني، فأوله يبيِّن آخره، ويدل على أن محلّ قوله: «اليمين على المدعى عليه» حيث لا يكون للمدعي إلا دعواه فقط. وكما أنه لا يتناول من له شاهدان، لأنه لم يُعطَ بمجرد دعواه، وإنما أُعطِي بدعواه مع شهادة الشاهدين، فكذلك لا يتناول من له شاهد، لأنه إن أُعطِي فلم يُعطَ بمجرد دعواه.
وأما ما يقال: إن اختصاص المدعى عليه باليمين أصل من الأصول، فحديثُ القضاء بشاهد ويمين المدعي مخالفٌ للأصول= فتهويل. ويمكن دفعه بأن المدعي لما أقام شاهدًا عدلًا صار الظاهر بيده، فإذا أصرَّ المدعى عليه على الإنكار فهو مدّعٍ لبطلان ذاك الظهور، فقد صار المدعي في معنى المدعى عليه، وصار المدعى عليه في معنى المدعي. ويمكن معارضته بأصل آخر، وهو: أنه لا يحلَّف المدعى عليه مع وجود بينة للمدعي.
فإن قيل: ذاك إذا كانت بينة تامة.
قلت: لنا أن نمنع هذا. ويتحصل من ذلك أن المتفق عليه أنه لا يمين للمدعي حيث لا شاهد له، ولا يمين للمدعى عليه مع وجود بينة تامة. ويبقى ما إذا كان للمدعي شاهد واحد مترددا بين هذين الأصلين، فيؤخذ فيه بالدليل
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 252)