Arabic source text

📘 আত্তানাকীলু বিমা ফী তানীবিিল কাওসারী মিনাল আবাতীল - যিমনু আসারুল মুআল্লিমী (আব্দুর রহমান আল-মুয়াল্লিমি আল-ইয়ামানি - মৃত্যু 1386 হিজরী)

📘 التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - ضمن «آثار المعلمي» (عبد الرحمن المعلمي اليماني - ت 1386 هـ)

📘 আত্তানাকীলু বিমা ফী তানীবিিল কাওসারী মিনাল আবাতীল - যিমনু আসারুল মুআল্লিমী (আব্দুর রহমান আল-মুয়াল্লিমি আল-ইয়ামানি - মৃত্যু 1386 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
فأُتي بأبي سفيان ورهطٍ معه. قال: "ثم دعاهم ودعا ترجمانه فقال: أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قال أبو سفيان: قلت: أنا أقربهم نسبًا. قال أدنُوه مني، وقرِّبوا أصحابه، فاجعلوهم عند ظهره. ثم قال لترجمانه: قل لهم: إني سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كذَبني فكذِّبوه. قال: فوالله لولا الحياء من أن يأثُروا عليَّ كذبًا لكذبتُ عليه". قال ابن حجر في "فتح الباري"(1): "وفي قوله: "يأثروا" دون قوله "يكذبوا" دليل على أنه كان واثقًا منهم بعدم التكذيب أن لو كَذَب؛ لاشتراكهم معه في عداوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لكنه ترك ذلك استحياءً وأنَفَةً من أن يتحدّثوا بعد أن يرجعوا، فيصير عند سامعي ذلك كذابًا. وفي رواية ابن إسحاق التصريحُ بذلك".
أقول: وهذا هو الذي أراده هرقل. ثم جاء [1/ 29] الإسلام، فشدَّد في تقبيح الكذب جدًّا حتى قال الله عز وجل: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} [النحل: 105]. ورُوي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن رجلًا كذب عليه، فبعث عليًّا والزبير، وقال: "اذهبا، فإن أدركتماه فاقتلاه"(2).--------------------------------------------
(1) (1/ 35).
(2) بهذا اللفظ أخرجه عبد الرزاق في "المصنف": (5/ 308) عن معمر عن رجل عن سعيد بن جبير مرسلًا، وفي إسناده رجل لم يسمّه. وأخرجه بنحوه الطبراني في "طرق حديث من كذب عليّ" (178) وابن الجوزي في "الموضوعات" (44) عن عطاء بن السائب عن عبد الله بن الحارث. وروي بألفاظ وطرق أخرى كلها ضعيفة. قال الذهبي: "لم يصح بوجه". وأخرجه ابن شاهين في "الناسخ والمنسوخ" (550)، وابن عدي في "الكامل": (4/ 53 - 54) وابن الجوزي في "الموضوعات" (41، 42) من طريقهما من حديث بريدة مرفوعًا في سياق أطول. وفي سنده صالح بن حيان وهو ضعيف.

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 46)

وتوهَّم رجل من صغار الصحابة أمرًا، فأخبر بما توهّمه وما يقتضيه، ففضحه الله عز وجل إلى يوم القيامة، إذ أنزل فيه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}(1) [الحجرات: 6].
ثم كان الصحابيُّ يرى من إكرام التابعين له وتوقيرهم وتبجيلهم ما لا يخفى أثره على النفس، ويعلم أنه إن بان لهم منه أنه كذب كذبة سقط من عيونهم، ومقتوه، واتهموه بأنه لم يكن مؤمنًا، وإنما كان منافقًا.
وقد كان بين الصحابة ما ظهر واشتهر من الاختلاف والقتال، ودام ذلك زمانًا، ولم يبلغنا عن أحد منهم أنه رمى مخالفه بالكذب في الحديث. وكان التابعون إذا سمعوا حديثًا من صحابي سألوا عنه غيره من الصحابة، ولم يبلغنا أن أحدًا منهم كذَّب صاحبه، غاية الأمر أنه قد يخطِّئه.
وكان المهلَّب بن أبي صُفرة في محاربته الأزارقة يعمل بما رُخِّص فيه للمحارب من التورية الموهمة، فعاب الناس عليه ذلك حتى قيل فيه:
أنت الفتى كلُّ الفتى … لو كنتَ تصدق ما تقولُ(2)
ثم كان الرجل من أصحاب الحديث يرشَّح لطلب الحديث وهو طفل،--------------------------------------------
(1) وهي قصة الوليد بن عقبة لما أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحارث الخزاعي لأخذ الزكاة، أخرجه أحمد (18459)، والطبراني في "الكبير" (3395) وغيرهما، وفي سنده كلام، وله شواهد يعتضد بها. وانظر حاشية المسند (30/ 405).
(2) انظر "الكامل" (1249). والبيت لزياد الأعجم. انظر "الشعر والشعراء" (443).

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 47)

ثم ينشأ دائبًا في الطلب والحفظ والجمع ليلًا ونهارًا، ويرتحل في طلبه إلى أقاصي البلدان، ويقاسي المشاقَّ الشديدة، كما هو معروف في أخبارهم، ويصرف في ذلك زهرة عمره إلى نحو ثلاثين أو أربعين سنة؛ وتكون أمنيته الوحيدة من الدنيا أن يقصده أصحاب الحديث، ويسمعوا منه، ويرووا عنه.
وفي "تهذيب التهذيب" (ج 11 ص 183): "قال عبد الله بن محمود المروزي: سمعت يحيى بن أكثم يقول: [1/ 30] "كنت قاضيًا وأميرًا ووزيرًا، ما ولج سمعي أحلى من قول المستملي(1): مَنْ ذَكَرت؟ رضي الله عنك".
وفيه (ج 6 ص 314): "روي عن عبد الرزاق أنه قال: حججت، فمكثت ثلاثة أيام لا يجيئني أصحاب الحديث، فتعلّقت بالكعبة وقلت: يا ربِّ مالي؟ أكذاب أنا؟ أمدلس أنا؟ فرجعت إلى البيت فجاؤوني".
وقد عَلِم طالب الحديث في أيام طلبه تشدُّدَ علماء الحديث وتعنُّتهم، وشدة فحصهم وتدقيقهم، حتى إن جماعة من أصحاب الحديث ذهبوا إلى شيخ ليسمعوا منه، فوجدوه خارج بيته يتبع بغلة له قد انفلتت، يحاول إمساكها، وبيده مخلاة يُريها البغلةَ، ويدعوها لعلها تستقر فيمسكها. فلاحظوا أن المخلاة فارغة، فتركوا الشيخ وذهبوا، وقالوا: إنه كذاب. كذب على البغلة بإيهامها أن في المخلاة شعيرًا، والواقع أنه ليس فيها شيء(2).--------------------------------------------
(1) كان إذا كثر الجمع عند المحدث يقوم رجل صيِّت يسمع إملاء الشيخ الحديث، ويستفهمه فيما يخفى، ثم يعيد ذلك بصوت عال ليسمعه الحاضرون. فهذا الرجل يقال له "المستملي". [المؤلف].
(2) ذكرها المؤلف أيضًا في "الأنوار الكاشفة" (ص 112) بنحوها.

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 48)

وفي "تهذيب التهذيب" (ج 11 ص 284): "وقال هارون بن معروف: قدم علينا بعض الشيوخ من الشام، فكنت أول من بَكَّر عليه، فسألته أن يملي عليَّ شيئًا، فأخذ الكتاب يملي؛ فإذا بإنسان يدق الباب، فقال الشيخ: من هذا؟ … فإذا بآخر يدق الباب، قال الشيخ: من هذا؟ قال: يحيى بن معين. فرأيت الشيخ ارتعدت يده، ثم سقط الكتاب من يده. وقال جعفر الطيالسي عن يحيى بن معين: "قدم علينا عبد الوهاب بن عطاء، فكتب إلى أهل البصرة: وقدمتُ بغداد، وقَبِلني يحيى بن معين، والحمد لله".
فمن تدبَّر أحوال القوم بان له أنه ليس العجب ممن تحرَّز عن الكذب منهم طول عمره، وإنما العجب ممن اجترأ على الكذب. كما أنه من تدبّر كثرة ما عندهم من الرواية، وكثرة ما يقع من الالتباس والاشتباه؛ وتدبَّر تعنُّت أئمة الحديث، بان له أنه ليس العجب ممن جرحوه، بل العجب ممن وثقوه.
ومن العجب أن أولئك الكُتَّاب يلاحظون الموانع في عصرهم هذا بل في وقائعهم اليومية، فيعلمون من بعض أصحابهم أنه صدوق، فيثقون بخبره، ولو كان مخالفًا لبعض ما يظهر لهم من القرائن(1)، بحيث لو كان المدار على القرائن، لكان الراجح خلاف ما في الخبر؛ ويعرفون آخر بأنه لا يتحرّز عن الكذب، فيرتابون في خبره، ولو ساعدته قرائن لا تكفي وحدها لحصول الظن. [1/ 31] وهكذا يصنعون في أخبار مكاتبي الصحف وفي الصحف أنفسها، فمن الصحف ما تعوَّد الناس منها أنها لا تكاد تنقل إلا الأخبار الصحيحة، فيميلون إلى الوثوق بما يقع فيها وإن خالف القرائن،--------------------------------------------
(1) (ط): "القرآن" خطأ.

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 49)

وفيها ما هو على خلاف ذلك.
وبالجملة فلا يرتاب عاقل أن غالب مصالح الدنيا قائمة على الأخبار الظنية، ولو التزم الناس أن لا يعملوا بخبر مَن عرفوا أنه صدوق، حتى توجد قرائن تغني في حصول الظن عن خبره، لاستغنوا عن الأخبار، بل لفسدت مصالح الدنيا. ولست أجهل ولا أجحد ما في طريقة الكُتَّاب من الحقّ، ولكنني أقول: ينبغي للعاقل أن يفكر في الآراء التي يتظنَّاها العقلاء في عصرهم نفسه بناء على العلامات والقرائن، أليس يكثر فيها الخطأ؟ هذا مع تيسر معرفتهم بعصرهم، وطباع أهله وأغراضهم، وسهولة الاطلاع على العلامات والقرائن؛ فما أكثر ما يقع لأحدنا كل يوم من الخطأ يتراءى أن القرائن والأمارات تقتضي وقوع الأمر ثم لا يقع، وتقتضي أن لا يقع ثم يقع! فما بالك بالأمور التي مضت عليها قرون، ولاسيَّما إذا لم يتهيّأ للناظر تتبُّع ما يمكن معرفته من القرائن والأمارات، ولم يلاحظ الموانع؛ فأما إذا كان له هوى فالأمر أوضح. والناظر إنما يشتدّ حرصه على الإصابة في القضايا العصرية، لأنه يخشى انكشاف الحال فيها على خلاف ما زعم. فأما التي مضت عليها قرون، والباحثون عنها قليل، فإنه لا يبالي، اللهم إلا أن يكون متدينًا محترسًا من الهوى. على أن الأستاذ لم يخلص لطريقة الكُتَّاب، بل كثيرًا ما يرمي بالقرائن القوية والدلالات الواضحة خلف ظهره، ويحاول اصطناع خلافها وسدَّ الفراغ بالتهويل والمغالطة، كما سترى أمثلة من ذلك في هذا الكتاب، وأسأل الله لي وله التوفيق.

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 50)

‌‌القسم الأول في القواعد

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 51)

‌‌1 - رمي الراوي بالكذب في غير الحديث النبوي
تقدم في الفصل الثالث(1) قول مالك: "لا تأخذ العلم من أربعة، وخذ ممن سوى ذلك: لا تأخذ عن [سفيه] مُعْلن بالسَّفَه وإن كان أروى الناس. ولا تأخذ عن كذّاب يكذب في حديث الناس إذا جُرِّب عليه ذلك، وإن كان لا يتهم أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم … ". أسنده الخطيب في "الكفاية" (ص 116) إلى مالك كما تقدم، ثم قال (ص 117): "باب في أن الكاذب في غيرِ حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تُرَدُّ روايته - قد ذكرنا آنفًا قولَ مالك بن أنس. ويجب أن يقبل حديثه إذا ثبتت(2) توبته". ولم يذكر ما يخالف مقالة مالك. وأسند (ص 23 - 24) إلى الشافعي: " … ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورًا، منها: أن يكون من حدَّثَ به ثقةً في دينه معروفًا بالصدق في حديثه … ". وهذه العبارة ثابتة في "رسالة الشافعي"(3).
وفي "لسان الميزان" (ج 1 ص 469)(4): "قال ابن أبي حاتم عن أبيه أن يحيى بن المغيرة سأل جريرًا (ابن عبد الحميد) عن أخيه أنس فقال: قد سمع من هشام بن عروة، ولكنه يكذب في حديث الناس، فلا يُكْتَب عنه".--------------------------------------------
(1) (ص 26).
(2) (ط): "ثبت" والمثبت من الكفاية.
(3) (ص 370).
(4) (2/ 223). وهو في "الجرح والتعديل": (2/ 289 - 290).

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 53)

وفي "النخبة وشرحها"(1): " (ثم الطعن) يكون بعشرة أشياء … ترتيبها على الأشدّ فالأشدّ في موجِب الردّ على سبيل التدلِّي … (إما أن يكون بكذب الراوي) في الحديث النبويّ … متعمِّدًا لذلك (أو تُهْمتِه بذلك) بأن لا يُروى ذلك الحديث إلا من جهته، ويكون مخالفًا للقواعد المعلومة. وكذا مَن عُرِف بالكذب في كلامه وإن لم يظهر منه وقوع ذلك في الحديث [1/ 33] النبوي، وهو(2) دون الأول. (أو فحش غلطه) أي: كثرته (أو غفلته) عن الإتقان (أو فسقه) … (أو وهمه) بأن يروي على سبيل التوهّم (أو مخالفته) أي الثقات(3) (أو جهالته) … (أو بدعته) … (أو سوء حفظه) … ".
هذه النقول تعطي أن الكذب في الكلام تُرَدُّ به الرواية مطلقًا، وذلك يشمل الكذبة الواحدة التي لا يترتّب عليها ضرر ولا مفسدة. وقد ساق صاحب "الزواجر" الأحاديث في التشديد في الكذب ثم قال (ج 2 ص 169): "عَدُّ هذا هو ما صرحوا به. قيل: لكنه مع الضرر، ليس كبيرة مطلقًا، بل قد يكون كبيرة كالكذب على الأنبياء، وقد لا يكون ــ انتهى ــ. وفيه نظر بل الذي يتجه أنه حيث اشتدّ ضررُه بأن لا يحتمل عادة كان كبيرة. بل صرَّح الروياني في "البحر" بأنه كبيرة وإن لم يضر، فقال: مَن كذب قصدًا رُدّت شهادته وإن لم يضر بغيره، لأن الكذب حرام بكل حال؛ وروى فيه حديثًا. وظاهر الأحاديث السابقة أو صريحها يوافقه، وكأن وجه عُدولهم عن ذلك ابتلاء أكثر الناس به، فكان كالغيبة على ما مرَّ فيها عند جماعة".--------------------------------------------
(1) (ص 87 - 89 - ط. العتر).
(2) في "النزهة": "وهذا".
(3) في "النزهة": "للثقات".

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 54)

أقول: لا يلزم من التسامح في الشاهد أن يُتسامح في الراوي لوجوه:
الأول: أن الرواية أقرب إلى حديث الناس من الشهادة، فإن الشهادة تترتب على خصومة، ويحتاج الشاهد إلى حضور مجلس الحكم، ويأتي باللفظ الخاص الذي لا يحتاج إليه في حديث الناس، ويتعرَّض للجرح فورًا. فمن جُرِّبت عليه كذبة في حديث الناس لا يترتب عليها ضرر، فخوفُ أن يجرَّه تساهلُه في ذلك إلى التساهل في الرواية أشدُّ من خوف أن يجرَّه إلى شهادة الزور.
الثاني: أن عماد الرواية الصدق، ومعقول أن يشدَّد فيها فيما يتعلق به ما لم يشدَّد في الشهادة. وقد خُفِّف في الرواية في غير ذلك ما لم يخفَّف في الشهادة. تقومُ الحجةُ بخبر الثقة ولو واحدًا أو عبدًا أو امرأةً أو جالبَ منفعةٍ إلى نفسه أو أصله أو فرعه، أو ضررٍ على عدوّه ــ كما يأتي ــ بخلاف الشهادة. فلا يليق بعد ذلك أن يخفَّف في الرواية فيما يمسُّ عمادَها.
الثالث: أن الضرر الذي يترتب على الكذب في الرواية أشدُّ جدًّا من الضرر الذي [1/ 34] يترتّب على شهادة الزور، فينبغي أن يكون الاحتياط للرواية آكد. وقد أجاز الحنفية قبول شهادة الفاسق دون روايته. والتخفيف في الرواية بما تقدّم من قيام الحجة بخبر الرجل الواحد وغير ذلك لا ينافي كونها أولى بالاحتياط؛ لأن لذلك التخفيف حِكمًا أخرى، بل ذلك يقتضي أن لا يخفف فيها فيما عدا ذلك، فتزداد تخفيفًا على تخفيف.
الرابع: أن الرواية يختص لها قوم محصورون ينشؤون على العلم والدين والتحرُّز عن الكذب، والشهادة يحتاج فيها إلى جميع الناس؛ لأن

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 55)

المعاملات والحوادث التي يحتاج إلى الشهادة عليها تتفق لكل أحد، ولا يحضرها غالبًا إلا أوساط الناس وعامتهم الذين ينشؤون على التساهل. فمعقولٌ أنه لو رُدَّت شهادةُ كلِّ من جُرِّبت عليه كذبة لضاعت حقوق كثيرة جدًّا، ولا كذلك الرواية. نعم الفلتة والهفوة التي لا ضرر فيها ويعقبها الندم، وما يقع من الإنسان في أوائل عمره ثم يقلع عنه ويتوب منه، وما يدفع به ضرر شديد ولا ضرر فيه، وصاحبه مع ذلك مستوحش منه= ربما يُغتفر. والله أعلم.
فأما الكذب في رواية ما يتعلق بالدين ولو غير الحديث النبوي، فلا خفاء في سقوط صاحبه؛ فإن الكذب في روايةِ أثرٍ عن صحابي قد يترتب عليه أن يحتج بذلك الأثر من يرى قول الصحابي حجة، ويحتج هو وغيره به على أن مثل ذلك القول ليس خرقًا للإجماع، ويستند إليه في فهم الكتاب والسنة، ويردّ به بعض أهل العلم حديثًا رواه ذاك الصحابي يخالفه ذلك القول. ويأتي نحو ذلك في الكذب في رواية قولٍ عن التابعي، أو عالم ممن بعده، وأقلُّ ما في ذلك أن يقلّده العامي.
وهكذا الكذب في روايةِ تعديلٍ لبعض الرواة، فإنه يترتب عليه قبول أخبار ذلك الراوي، وقد يكون فيها أحاديث كثيرة، فيترتب على هذا من الفساد أكثر مما يترتب على كذب في حديث واحد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وكذلك الكذب في رواية الجرح، فقد يترتب عليها إسقاط أحاديث كثيرة صحيحة، وذلك أشد من الكذب في حديث واحد. وهكذا الإخبار عن الرجل بما يقتضي جرحه. وهكذا الكذب في الجرح والتعديل كقوله: "هو ثقة"، "هو ضعيف".

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 56)

فالكذب في هذه الأبواب في معنى الكذب في الحديث [1/ 35] النبوي أو قريب منه، وتترتب عليه مضارُّ شديدة ومفاسد عظيمة. فلا يتوهّم محلٌّ للتسامح فيه، على فرض أن بعضهم تسامح في بعض ما يقع [في] حديث الناس.
فالأستاذ يرمي بعض أئمة السنة فمَن دونهم مِن ثقات الرواة بتعمّد الكذب في الرواية وفي الجرح والتعديل كذبًا يترتب عليه الضرر الشديد والفساد الكبير، ثم يزعم أنه إنما يقدح بذلك فيما لا يقبله هو منهم، فأما ما عداه فإنهم يكونون فيه مقبولين. كذا يقول(1)! وكأنه يقول: وإذا لزم أن يسقطوا البتة فليسقطوا جميعًا. وليت شعري مَن الذي يعادي أبا حنيفة؟ أمن يقتضي صنيعه أنه لا يمكن الذبُّ عنه إلا بمثل هذا الباطل، أم مَن يقول: يمكن المتحرِّي للحق أن يذبَّ عنه بدون ذلك؟
تنبيه:
ليس من الكذب ما يكون الخبر ظاهرًا في خلاف الواقع، محتملًا للواقع احتمالًا قريبًا، وهناك قرينة تدافع ذاك الظهور، بحيث إذا تدبر السامعُ صار الخبر عنده محتملًا للمعنيين على السواء، كالمجمل الذي له ظاهر ووقت العمل به لم يجئ، وكالكلام المرخَّص به في الحرب، وكالتدليس، فإن المعروف بالتدليس لا يبقى قوله: "قال فلان" ــ ويسمي شيخًا له ــ ظاهرًا في الاتصال بل يكون محتملًا. وهكذا من عُرِف بالمزاح إذا مَزَح بكلمة يعرف الحاضرون أنه لم يُرِدْ بها ظاهرها، وإن كان فيهم من لا يعرف ذلك،--------------------------------------------
(1) وسيأتي ما فيه في القاعدة الآتية. [المؤلف].

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 57)

إذا كان المقصود ملاطفته أو تأديبه على أن ينبَّه في المجلس. وهكذا فلتات الغضب، وكلمات التنفير عن الغلو ــ وقد مرت الإشارة إليها في الفصل الثاني(1) ــ، على فرض أنه وقع فيها ما يظهر منه خلاف الواقع. وقد بسطت هذه الأمور وما يشبهها في "رسالتي في أحكام الكذب"(2).
فأما الخطأ والغلط، فمعلوم أنه لا يضرُّ وإن وقع في رواية الحديث النبوي، فإذا كثر وفحش من الراوي قدَحَ في ضبطه ولم يقدح في صدقه وعدالته. والله الموفق.
* * * *--------------------------------------------
(1) (ص 16 وما بعدها).
(2) واسمها "إرشاد العامه إلى الكذب وأحكامه" انظرها في "مجموع رسائل أصول الفقه" ضمن هذه الموسوعة.

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 58)

[1/ 36]‌‌ 2 - التهمة بالكذب
تقدم(1) أن أشدَّ موجبات ردِّ الراوي: كذبُه في الحديث النبوي، ثم تهمته بذلك، وفي درجتها كذبه في غير الحديث النبوي. فإذا كان في الرواية والجرح والتعديل بحيث يترتب عليه من الفساد نحوُ ما يترتب على الكذب في الحديث النبوي فهو في الدرجة الأولى، فالتهمة به في الدرجة الثانية أو الثالثة. وقد ذكر علماء الحديث بعد درجة الكذب في الحديث النبوي ودرجة التهمة به درجتين بل درجات، ونصوا على أن مَن كان مِن أهل درجة من الأربع الأولى فهو ساقط البتة في جميع رواياته، سواء منها ما طُعِن فيه بسببه وغيره.
والأستاذ يطعن في جماعة من أئمة السنة والموثَّقين من رواتها، فيرمي بعضهم بتعمّد الكذب، وبعضهم بالتهمة بذلك، ويجمع لبعضهم الأمرين: يكذِّب أحدَهم في خبر، ويتهمه في آخر؛ ويجزم بأنهم متهمون في كلِّ ما يتعلق بالغضّ من أبي حنيفة وأصحابه، ولو على بعد بعيد، كما يأتي في ترجمة أحمد بن إبراهيم(2)؛ ويصرِّح في بعضهم بأنهم مقبولون فيما عدا ذلك. فهل يريد أنهم عدول مقبولون ثقات مأمونون مطلقًا، ولا يُعتدُّ عليهم بتكذيب الأستاذ ولا اتهامه؛ لأنه خَرْق للإجماع في بعضهم ومخالف للصواب في آخرين، ولأنَّ الأستاذ لم يتأهل للاجتهاد في الكلام في القدماء، ولأنّ كلامه فيهم أمر اقتضته مصلحة مدافعة اللامذهبية التي يقول:--------------------------------------------
(1) (ص 54).
(2) رقم (11).

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 59)

إنها قنطرة اللادينية(1)! كما يقول بعض سلفه من المتكلّمين: إن كثيرًا من نصوص الكتاب والسنة المتعلقة بصفات الله عز وجل ونحوها صريحة في الباطل مع علم الله عز وجل ورسوله بالحق في نفس الأمر، ولكن دعت إلى ذلك مصلحةُ اجترار العامة إلى قبول الشريعة العملية(2)! فإن كان هذا مراد الأستاذ فالأمر واضح، وإلا فإن أراد بالقبول القبول على جهة الاستئناس في الجملة انحصر الكلام معه في دعوى الكذب والتهمة، وسيأتي إن شاء الله تعالى. وإن أراد أنهم في ما يتعلق بتلك الشجرة الممنوعة ــ وهي الغضّ من أبي حنيفة وأصحابه ــ كذابون ومتهمون، وفيما عدا ذلك عدول مقبولون ثقات مأمونون، فهذا تناقض وخرق للإجماع فيما نعلم.
نعم، [1/ 37] هناك أمور قد يتشبَّث بها في دعوى اجتماع التهمة والعدالة، وقد أشار الأستاذ إلى بعضها، وسأكشف عنها إن شاء الله.
وينبغي أن يُعلم أن التهمة تقال على وجهين:
الأول: قول المحدّثين: "فلان متهم بالكذب". وتحرير ذلك أن المجتهد في أحوال الرواة قد يثبت عنده بدليل يصح الاستناد إليه أن الخبر لا أصل له وأن الحَمْل فيه على هذا الراوي، ثم يحتاج بعد ذلك إلى النظر في الراوي أتعمَّد الكذبَ، أم غلِط؟ فإذا تدبر وأنعم النظر فقد يتجه له الحكم بأحد الأمرين جزمًا، وقد يميل ظنُّه إلى أحدهما إلا أنه لا يبلغ أن--------------------------------------------
(1) للكوثري مقال بهذا العنوان ضمن "مقالاته" (ص 106).
(2) ترى الكلام عن ذلك في الاعتقاديات [ص] إن شاء الله تعالى. [المؤلف]. وانظر "الحموية" (ص 267 - 268) لشيخ الإسلام.

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 60)

يجزم به. فعلى هذا الثاني إذا مال ظنه إلى أن الراوي تعمد الكذب قال فيه: "متهم بالكذب"، أو نحو ذلك مما يؤدي هذا المعنى.
ودرجة الاجتهاد المشار إليه لا يبلغها أحدٌ من أهل العصر فيما يتعلق بالرواة المتقدمين، اللهم إلا أن يتهم بعضُ المتقدمين رجلًا في حديث يزعم أنه تفرَّد به، فيجد له بعضُ أهل العصر متابعات صحيحة، وإلا حيث يختلف المتقدمون فيسعى في الترجيح. فأما مَن وثَّقه إمام من المتقدمين أو أكثر، ولم يتهمه أحد من الأئمة، فيحاول بعض أهل العصر أن يكذِّبه أو يتهمه، فهذا مردود؛ لأنه إن تهيَّأ له إثبات بطلان الخبر وأنه ثابت عن ذلك الراوي ثبوتًا لا ريب فيه، فلا يتهيأ له الجزم بأنه تفرَّد به، ولا أن شيخه لم يروه قط، ولا النظر الفني(1) الذي يحق لصاحبه أن يجزم بتعمد الراوي للكذب أو يتهمه به. بلى قد يتيسر بعض هذه الأمور فيمن كذَّبه المتقدمون، لكن مع الاستناد إلى كلامهم، كما يأتي في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت(2)، وترجمة محمد بن سعيد البورقي(3)؛ وإن كان الأستاذ يخالف في ذلك، فيصدِّق من كذَّبه الأئمة وكذبُه واضح، كما يكذِّب أو يتَّهم من صدَّقوه وصدقُه ظاهر، شأنَ المحامين في المحاكم، معيارُ الحق عند أحدهم مصلحةُ موكِّله!
هذا، والأستاذ فيما يهوِّل بدعوى دلالة العقل والتواتر والنقل الراجح،--------------------------------------------
(1) كذا في (ط) وأخشى أن تكون مصَحّفة.
(2) رقم (34).
(3) رقم (207).

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 61)

حيث لا ينبغي له دعوى ذلك. وليس من شأني أن أناقشه في كلِّ موضع، ولكني أقول: حيث تصح دعواه، فلا يصح ما بناه عليها من تكذيب الثقات واتهامهم. وحيث يلزم من صحة الدعوى صحة البناء، [1/ 38] فالدعوى غير صحيحة. وإنما كتبتُ هذا بعد فراغي من النظر في التراجم، وأسأل الله التوفيق.
الوجه الثاني: مقتضى اللغة. والتهمة عند أهل اللغة مشتقة من الوهم، وهو كما في "القاموس"(1): "من خَطَرات القلب أو مرجوح طَرَفَي المتردَّدِ فيه". والتهمة بهذا المعنى تعرض في الخبر إذا كان فيه إثبات ما يظهر أن المخبر يحبّ أن يعتقد السامع ثبوته. وذلك كشهادة الرجل لقريبه وصديقه، وعلى من بينه وبينه نُفْرة، وكذلك إخباره عن قريبه أو صديقه بما يُحْمَد عليه، وإخباره عمن هو نافر عنه بما يُذَمّ عليه. وقس على هذا كلَّ ما من شأنه أن يدعو إلى الكذب. وتلك الدواعي تخفى، وتتفاوت آثارها في النفوس وتتعارض، وتُعارِضُها الموانعُ من الكذب. وقد تقدمت الإشارة إليها في الفصل الخامس(2). فلذلك اكتفى الشارع في باب الرواية بالإسلام والعدالة والصدق، فمَن ثبتت عدالته وعُرف بتحرّي الصدق من المسلمين فهو على العدالة والصدق في أخباره، لا يقدح في إخباره(3) أن يقوم به بعض تلك الدواعي، ولا أن يتهمه من لا يعرف عدالته، أو لا يعرف أثر العدالة على النفس، أو مَن له هوى مخالف لذلك الخبر فهو يتمنّى أن لا يصح، كما قال المتنبي:--------------------------------------------
(1) (ص 1507 - الرسالة).
(2) (ص 43 - 50).
(3) كذا في (ط) بفتح الهمزة في الأولى وكسرها في الثانية.

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 62)

شقَّ الجزيرةَ حتى جاءني نبأ … فزعتُ منه بآمالي إلى الكذِبِ(1)
حتى إذا لم يَدَعْ لي(2) صدقُه أملًا … شرِقتُ بالدمع حتى كاد يشرَقُ بي
وكأنه أخذه من قول الأول(3):
إنّي أتَتني لِسانٌ ما أُسَرُّ بها … من عَلْوَ لا عَجَبٌ فيها ولا سَخَرُ
جاءَتْ مُرَجَّمَةً قد كنتُ أَحْذَرُها … لو كان يَنفعُني الإشفاقُ والحَذَرُ
تأْتي على النّاس لا تَلوي على أَحدٍ … حتى أتَتْنا، وكانت دوننا مُضَرُ
إذا يُعَادُ لها ذِكْرٌ أُكَذِّبُهُ … حتى أتَتْني بِهَا الأنْبَاءُ وَالخَبَرُ
وجماعة من الصحابة روى كلٌّ منهم فضيلة لنفسه يرون أن على الناس قبول ذلك منهم، فتلقَّت الأمةُ ذلك بالقبول. وكان جماعة من الصحابة والتابعين يقاتلون الخوارج، ثم روى بعض أولئك التابعين عن بعض أولئك الصحابة أحاديث في ذمِّ الخوارج، فتلقت الأمة تلك الأحاديث بالقبول. وكثيرًا ما ترى في تراجم ثقات الرواة من التابعين فمن بعدهم إخبارَ الرجل منهم بثناء [1/ 39] غيره عليه، فيتلقى أهل ذلك بالقبول. وقبلوا من الثقة دعواه ما يمكن من صحبته للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو لأصحابه، أو إدراكه لكبار الأئمة وسماعه منهم وغير ذلك، مما فيه فضيلة للمدعي،--------------------------------------------
(1) كذا في (ط). والرواية: "طوى الجزيرة حتى جاءني خبر … فزعت فيه ..... ".
انظر: شرح الواحدي لديوان المتنبي (608) وغيره.
(2) (ط): "إلى".
(3) هو أعشى باهلة. والأبيات بهذه الرواية في جمهرة أشعار العرب ــ طبعة البجاوي (568 - 569). وانظر طبعة الهاشمي (714) والأصمعيات (88).

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 63)

وشرف له، وداع للناس إلى الإقبال عليه، وتبجيله، والحاجة إليه.
ولم يكن أهل العلم إذا أرادوا الاستيثاق من حال الراوي يسألون إلّا عما يمسّ دينه وعدالته. ونص أهل العلم على أن الرواية في ذلك مخالفة للشهادة. وفي "التحرير" لابن الهمام الحنفي مع "شرحه" لابن أمير حاج (ج 3 ص 245)(1): " (وأما الحرية والبصر وعدم الحدّ في قذف و) عدم (الولاء) [أي القرابة من النسب أو النكاح … ] (و) عدم (العداوة) الدنيوية (فتختص بالشهادة) أي: تشترط فيها، لا في الرواية".
فأما الشهادة فإن الشرع شَرَط لها أمورًا أخرى مع الإسلام والعدالة، كما أشار إليه ابن الهمام، وشرط في إثبات الزنا أربعة ذكور وفي غيره من الحدود ونحوها ذَكَرين، وفي الأموال ونحوها رجلًا وامرأتين إلى غير ذلك.
فأما الشهادة للنفس فمتفق على أنها لا تقبل. وأما الشهادة للأصل وللفرع وللزوج وعلى العدوّ ففيها خلاف. وفي بعض كتب الفقه(2) أن الردّ في ذلك لأجل التهمة، وظاهر هذا أن التهمة هي العلة، فيُبنى عليها قياسُ غير المنصوص عليه. وهذا غير مستقيم، إذ ليس كلُّ شاهدٍ لنفسه حقيقًا بأن يتّهم. ألا ترى أن كبار الصحابة وخيار التابعين لو شهد أحدُهم لنفسه لم نتهمه، ولاسيّما إذا كان غنيًّا والمشهود به يسيرًا كخمسة دراهم، والمشهود--------------------------------------------
(1) (3/ 46) وما بين المعكوفين منه.
(2) انظر "المحيط البرهاني": (9/ 189)، و"حاشية العدوي": (7/ 207)، و"الحاوي": (11/ 328).

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 64)

عليه معروفًا بجحد الحقوق. أقول هذا لزيادة الإيضاح، وإلا فالواقع أننا لا نتهمهم مطلقًا حتى لو شهد أحدهم لنفسه على آخر منهم وأنكر ذاك لم نتهم واحدًا منهما، بل نعتقد أن أحدهما نسي أو غلط. وليس ذلك خاصًّا بهم، بل كل من ثبتت عدالته لا يتهمه عارفوه الذين يعدِّلونه ولا الواثقون بتعديل المعدِّلين. فإن اتهمه غيرهم كان معنى ذلك أنه غير واثق بتعديل المعدّلين، ومتى ثبت التعديل الشرعيّ لم يُلتفت إلى من لا يثق به.
ولو كان لك أن تعدِّل الرجل وأنت لا تأمن أن يدعي الباطل ويشهد لنفسه زورًا بخمسة دراهم مثلًا، لكان لك أن تعدِّل من تتهمه بأنه لو رشاه رجل عشرة دراهم أو أكثر لشهدوا له زورًا. وهذا باطل قطعًا، فإنَّ تعديلك للرجل إنما هو شهادة منك له بالعدالة، والعدالة "مَلَكة تمنع صاحبها من اقتراف الكبائر وصغائر الخسة … " فكيف [1/ 40] يسوغ لك أن تشهد بهذه المَلَكة لمن تتهمه بما ذكر؟ ولو كان كلُّ عدل حقيقًا بأن يتهمه عارفوه بنحو ما ذكر لما كان في الناس عدل.
وفي أصحابنا من لا نتهمه في شهادته ولو حصل له بسببها مائة درهم أو أكثر، كأن يدعي صاحبنا على فاجر بمائة درهم فيجحده، ثم تتفق للفاجر خصومة أخرى، فيجيء إلى صاحبنا فيقول له: أنت تعرف هذه القضية، فاحضر، فاشهد بما تعلم، فيقول صاحبنا: نعم أنا أعرفها، ولكنك ظلمتني مائة درهم، فأدِّها إليَّ إن أردت أن أشهد، فيدفع له مائة درهم، فيذهب فيشهد= فإننا لا نتهم صاحبنا في دعواه ولا شهادته.
وفي أصحابنا مَن لو اؤتُمِن على مئات الدراهم، ثم بعد مدة ادعى ما

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 65)

يحتمل من تلفها، أو أنه ردَّها على صاحبها الذي قد مات، لَما اتهمناه. نعم قد يتهمه مَن لا يعرفه كمعرفتنا، أو من لا يعرف قدر تأثير الموانع عن الخيانة في نفس من قامت به. فالفاسق المتهتك لا يعرف قدر العدالة، فتراه يتهم العدول، ولا يكاد يعرف عدالتهم، ولو كانوا جيرانه.
فإن قيل: يكفي في التعليل أن ذلك مظنة التهمة، ولا يضر تخلُّفها في بعض الأفراد، كما قالوا في قصر الصلاة في السفر: إنه لأجل المشقة وإن تخلفت المشقة في بعض المسافرين كالمَلِك المترَفِّه. قلت: العلة في قصر الصلاة هي السفر بشرطه لا المشقَّة، فكذلك تكون العلة في رد الشهادة للنفس هي أنها شهادة للنفس، أو دعوى كما يومئ إليه حديث: "لو يُعطى الناسُ بدعواهم لادّعى ناسٌ دماءَ رجالٍ وأموالهم … "(1).
فعلى هذا لا يتأتَّى القياس، ألا ترى أن في أعمال العمّال المقيمين ما مشقَّته أشدّ من مشقة السفر العادي، ذلك كالعمل في المناجم ونحوها، ومع ذلك ليس لهم أن يقصروا الصلاة؟
فإن قيل: الشهادة للأصل والفرع مظنة للتهمة، كما أن الشهادة للنفس مظنة لها. قلت: فالعمل في المناجم مظنة للمشقة، بل المشقة فيه أشقّ وأغلب، والتهمة في الشهادة للأصل أو الفرع أضعف وأقل من التهمة في الشهادة للنفس، وقد يكون الرجل منفردًا عن أصله أو فرعه وبينهما عداوة.
والشافعي ممن يقول برد الشهادة للأصل والفرع، ولم يعرِّج على--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (4552)، ومسلم (1711) مختصرًا من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 66)