مَوْضُوعُ بَحْثِنَا) فَقَدْ ذَهَبَ طَوَائِفٌ مِنْ حَشْوِيَّةِ الفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الوُجُوبِ، عُزِيَ ذَلِكَ إِلَى ابْنِ سُرَيْجٍ … أَمَّا الوَاقِفِيَّةُ فَيُطْرَدُونَ [مَذَاهِبَهُمْ] فِي الوَقْفِ [فِي هَذِهِ الصُّوَرَةِ أَظْهَرُ]، وَأَمَّا أَصْحَابُ النَّدْبِ فَقَدْ يَصِيرُونَ إِلَيْهِ، وَهُوَ رَدِيءٌ مُزَيَّفٌ».
ثم قال: «فَالمُخْتَارُ إِذَنْ أَنَّ فِعْلَهُ صلى الله عليه وسلم لَا يَدُلُّ بِعَيْنِهِ، وَلَكِنْ يُثَبِتُ عِنْدَنَا وُجُوبَ حَمْلِهِ عَلَى نَفْيِ الحَرَجِ فِيهِ عَنْ الأُمَّةِ، وَمُسْتَنَدُ هَذَا الاخْتِيَارِ إِلَى عِلْمِنَا أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَوْ اخْتَلَفُوا فِي حَظْرٍ أَوْ إِبَاحَةٍ فَنَقَلَ النَّاقِلِ فِي مَوْضِعِ اخْتِلَافِهِمْ فِعْلاً عَنْ المُصْطَفَىَ صلى الله عليه وسلم لَفَهِمُوا مِنْهُ أَنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَىَ الأُمَّةِ فِي فِعْلِهِ. وُجَاحِدُ هَذَا جَاهِلٌ بِمَسَالِكِ النَّقْلِ فَضْلاً عَنْ المَعْنَى وَاللَّفْظِ» (14) ثم قال: «وَالذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ جَمَاهِيرُ الأُصُولِيِّينَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا رَأَىَ مُكَلَّفًا يَفْعَلُ فِعْلاً، أَوْ يَقُولُ قَوْلاً، فَقَرَّرَهُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ كَانَ ذَلِكَ شَرْعًا مِنْهُ فِي رَفْعِ الحَرَجِ فِيمَا رَآهُ» (15) وقال الشاطبى: «جُمْهُورُ الأُصُولِيِّينَ يَرَوْنَ أَنَّ الفِعْلَ مِنَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم يَدُلُّ عَلَىَ مُطْلَقِ الإِذْنِ الذِي يَشْمَلُ الوُجُوبَ وَالنَّدْبَ وَالإِبَاحَةَ، مَا لَمْ يُوجَدْ دَلِيلٌ عَلَىَ تَعْيِينِ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَكَوْنُ الفِعْلِ صَادِرًا عَنْ الرَّسُولِ عليه الصلاة والسلام بِوَصْفِهِ بَشَرًا كَالأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالنَّوْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الجِبِلِيَّةِ قَرِينَةً عَلَىَ أَنَّ الفِعْلَ يُفِيدُ الإِبَاحَةَ، لَا الوُجُوبَ وَلَا النَّدْبَ» (16).
هذه النصوص سُقْنَاهَا لِنُحَدِّدَ المُرَادَ من قضيتنا [السُنَّةُ كُلُّهُا تَشْرِيعٌ] وَقَدْ بَيَنَّا أَنَّ المُرَادَ من السُنَّةِ أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته، وَأَنَّ المُرَادَ من التشريع إثبات حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، ولو الإباحة، فأصبح المدلول: أقوال النبى صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته كلها تثبت حُكْمًا شَرْعِيًّا.
يؤكد هذا المعنى الإمام ابن تيمية - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - فيقول: «فَكُلُّ مَا قَالَهُ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ النُّبُوَّةِ، وَأَقَرَّ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُنْسَخْ فَهُوَ تَشْرِيعٌ، لَكِنَّ التَّشْرِيعَ يَتَضَمَّنُ الإِيجَابَ وَالتَّحْرِيمَ وَالإِبَاحَةَ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ المَنَافِعِ فِي الطِّبِّ. فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ إبَاحَةَ [ذَلِكَ] الدَّوَاءِ وَالانْتِفَاعَ بِهِ فَهُوَ شَرْعٌ لإِبَاحَتِهِ، وَقَدْ يَكُونُ شَرْعًا لاسْتِحْبَابِهِ … وَالمَقْصُودُ: أَنَّ جَمِيعَ أَقْوَالِهِ يُسْتَفَادُ مِنْهَا شَرْعٌ» (17).
وَيُصَرِّحُ بهذه القضية بوضوح عُمْدَةُ المُحَقِّقِينَ الأُصُولِيِّينَ الأستاذ الدكتور عبد الغني عبد الخالق (18) إذ يقول - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: «فَكُلُّ مَا تَلَفَّظَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَا عَدَا القُرْآنِ - أَوْ ظَهَرَ مِنْهُ، مِنْ ابْتِدَاءِ رِسَالَتِهِ إِلَى نِهَايَةِ حَيَاتِهِ، فَهُوَ مِنْ سُنَّتِهِ، سَوَاءٌ أَثَبَتَ حُكْمًا--------------------------------------------
(14) " البرهان " لإمام الحرمين: 1/ 487 وما بعدها. [انظر صفحة 70 من هذا الكتاب].
(15) المصدر السابق: ص 498.
(16) " الموافقات ": 4/ 58. [انظر صفحة 69 من هذا الكتاب].
(17) " مجموعة الفتاوى ": 18/ 11، 12.
(18) كان - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - أستاذاً ورئيس قسم أصول الفقه في كلية الشريعة - جامعة الأزهر - توفي سَنَةَ 1983 م.
ثم قال: «فَالمُخْتَارُ إِذَنْ أَنَّ فِعْلَهُ صلى الله عليه وسلم لَا يَدُلُّ بِعَيْنِهِ، وَلَكِنْ يُثَبِتُ عِنْدَنَا وُجُوبَ حَمْلِهِ عَلَى نَفْيِ الحَرَجِ فِيهِ عَنْ الأُمَّةِ، وَمُسْتَنَدُ هَذَا الاخْتِيَارِ إِلَى عِلْمِنَا أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَوْ اخْتَلَفُوا فِي حَظْرٍ أَوْ إِبَاحَةٍ فَنَقَلَ النَّاقِلِ فِي مَوْضِعِ اخْتِلَافِهِمْ فِعْلاً عَنْ المُصْطَفَىَ صلى الله عليه وسلم لَفَهِمُوا مِنْهُ أَنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَىَ الأُمَّةِ فِي فِعْلِهِ. وُجَاحِدُ هَذَا جَاهِلٌ بِمَسَالِكِ النَّقْلِ فَضْلاً عَنْ المَعْنَى وَاللَّفْظِ» (14) ثم قال: «وَالذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ جَمَاهِيرُ الأُصُولِيِّينَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا رَأَىَ مُكَلَّفًا يَفْعَلُ فِعْلاً، أَوْ يَقُولُ قَوْلاً، فَقَرَّرَهُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ كَانَ ذَلِكَ شَرْعًا مِنْهُ فِي رَفْعِ الحَرَجِ فِيمَا رَآهُ» (15) وقال الشاطبى: «جُمْهُورُ الأُصُولِيِّينَ يَرَوْنَ أَنَّ الفِعْلَ مِنَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم يَدُلُّ عَلَىَ مُطْلَقِ الإِذْنِ الذِي يَشْمَلُ الوُجُوبَ وَالنَّدْبَ وَالإِبَاحَةَ، مَا لَمْ يُوجَدْ دَلِيلٌ عَلَىَ تَعْيِينِ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَكَوْنُ الفِعْلِ صَادِرًا عَنْ الرَّسُولِ عليه الصلاة والسلام بِوَصْفِهِ بَشَرًا كَالأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالنَّوْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الجِبِلِيَّةِ قَرِينَةً عَلَىَ أَنَّ الفِعْلَ يُفِيدُ الإِبَاحَةَ، لَا الوُجُوبَ وَلَا النَّدْبَ» (16).
هذه النصوص سُقْنَاهَا لِنُحَدِّدَ المُرَادَ من قضيتنا [السُنَّةُ كُلُّهُا تَشْرِيعٌ] وَقَدْ بَيَنَّا أَنَّ المُرَادَ من السُنَّةِ أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته، وَأَنَّ المُرَادَ من التشريع إثبات حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، ولو الإباحة، فأصبح المدلول: أقوال النبى صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته كلها تثبت حُكْمًا شَرْعِيًّا.
يؤكد هذا المعنى الإمام ابن تيمية - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - فيقول: «فَكُلُّ مَا قَالَهُ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ النُّبُوَّةِ، وَأَقَرَّ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُنْسَخْ فَهُوَ تَشْرِيعٌ، لَكِنَّ التَّشْرِيعَ يَتَضَمَّنُ الإِيجَابَ وَالتَّحْرِيمَ وَالإِبَاحَةَ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ المَنَافِعِ فِي الطِّبِّ. فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ إبَاحَةَ [ذَلِكَ] الدَّوَاءِ وَالانْتِفَاعَ بِهِ فَهُوَ شَرْعٌ لإِبَاحَتِهِ، وَقَدْ يَكُونُ شَرْعًا لاسْتِحْبَابِهِ … وَالمَقْصُودُ: أَنَّ جَمِيعَ أَقْوَالِهِ يُسْتَفَادُ مِنْهَا شَرْعٌ» (17).
وَيُصَرِّحُ بهذه القضية بوضوح عُمْدَةُ المُحَقِّقِينَ الأُصُولِيِّينَ الأستاذ الدكتور عبد الغني عبد الخالق (18) إذ يقول - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: «فَكُلُّ مَا تَلَفَّظَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَا عَدَا القُرْآنِ - أَوْ ظَهَرَ مِنْهُ، مِنْ ابْتِدَاءِ رِسَالَتِهِ إِلَى نِهَايَةِ حَيَاتِهِ، فَهُوَ مِنْ سُنَّتِهِ، سَوَاءٌ أَثَبَتَ حُكْمًا--------------------------------------------
(14) " البرهان " لإمام الحرمين: 1/ 487 وما بعدها. [انظر صفحة 70 من هذا الكتاب].
(15) المصدر السابق: ص 498.
(16) " الموافقات ": 4/ 58. [انظر صفحة 69 من هذا الكتاب].
(17) " مجموعة الفتاوى ": 18/ 11، 12.
(18) كان - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - أستاذاً ورئيس قسم أصول الفقه في كلية الشريعة - جامعة الأزهر - توفي سَنَةَ 1983 م.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)