وَلْيَشْرَبْ إِن كَانَ مَشْرُوبًا، وَلْيَلْبَسْ إِن كَانَ مَلْبُوسًا، وَلْيَمْلِكْ إِن كَانَ مَمْلُوكًا. وكأَنه إِجماع مِنْهُمْ مَنْقُولٌ عَنْ مَالِكٍ وأَبي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الزَّوْجَةِ. وَمَذْهَبُ مَالِكٍ: أَن التحريم طلاق كطلاق الثَّلَاثِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ (1) بَاطِلٌ (2)؛ لأَن الْقُرْآنَ شَهِدَ بِكَوْنِهِ اعْتِدَاءً، حَتَّى إِنه إِن حرم على نفسه وَطْءَ أَمته غير قاصد (3) بِهِ الْعِتْقَ، فَوَطْؤُهَا حَلَالٌ. وَكَذَلِكَ سَائِرُ الأَشياء: من اللباس والمسكن (4) والكلام (5) وَالصَّمْتِ وَالِاسْتِظْلَالِ والاسْتِضْحَاءِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ (6) الْحَدِيثُ فِي النَّاذِرِ لِلصَّوْمِ قَائِمًا فِي الشَّمْسِ سَاكِتًا، فإِنه تَحْرِيمٌ لِلْجُلُوسِ، وَالِاسْتِظْلَالِ، وَالْكَلَامِ (7)، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَمره بِالْجُلُوسِ وَالتَّكَلُّمِ وَالِاسْتِظْلَالِ. قَالَ مَالِكٌ (8): أَمَرَهُ أَنْ يُتِمَّ مَا كَانَ لِلَّهِ (9) فيه طاعة، ويترك ما كان عليه فيه مَعْصِيَةٌ.
فتأَملوا كَيْفَ جَعَلَ مَالِكٌ تَرْكَ الْحَلَالِ مَعْصِيَةً! وَهُوَ مُقْتَضَى الْآيَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَعْتَدُوا} الْآيَةَ، وَمُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ (10) رضي الله عنه لِصَاحِبِ الضَّرْع: هَذَا مِنْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ.
وَقَدْ ضعَّف ابْنُ رُشْدٍ الحَفِيدُ (11) الِاسْتِدْلَالَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ بِالْحَدِيثِ، وَتَفْسِيرَ مَالِكٍ لَهُ، وَذَكَرَ أَن قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ: "وَيَتْرُكْ مَا كَانَ عَلَيْهِ فِيهِ مَعْصِيَةٌ" لَيْسَ بِالظَّاهِرِ أَن تَرْكَ الْكَلَامِ مَعْصِيَةٌ، وَقَدْ أَخبر اللَّهُ تَعَالَى أَنه نَذْر مَرْيَمَ (12). قَالَ: وَكَذَلِكَ يُشْبِهُ أَن يَكُونَ الْقِيَامُ [في الشمس] (13) ليس--------------------------------------------
(1) قوله: "فهو" ليس في (غ) و (ر).
(2) في (ر) و (غ): "فباطل".
(3) في (خ): "وطء أمة غيره قاصداً" وفي (م): "وطء أمة غيره قاصد".
(4) قوله: "والمسكن" ليس في (غ).
(5) قوله: "والكلام" ليس في (خ).
(6) تقدم تخريجه (ص176).
(7) في (خ): "والكلام والاستظلال".
(8) في "الموطأ" (2/ 476) بنحو ما هنا.
(9) في (خ) و (م): "أمره ليتم ما كان له".
(10) المتقدم في الصفحة السابقة.
(11) في "بداية المجتهد" (1/ 310).
(12) في قوله تعالى في سورة مريم (26): {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا}.
(13) في جميع النسخ: "للشمس"، والمثبت من "بداية المجتهد".

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 215)