الثَّالِثِ؛ لأَن الرَّجُلَ قَدْ يُحَرِّمُ الشيءَ لِلضَّرَرِ الْحَاصِلِ بِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا أَنه لَيْسَ بتحريم في الحقيقة (1)، فكذلك ها هنا لَا يُرِيدُ بِالتَّحْرِيمِ النَّذْرَ (2)، بَلْ يُرِيدُ بِهِ التَّوَقِّي خاصة (3)؛ أَي: إِني أَخاف عَلَى نَفْسِي العَنَتَ، وَكَانَ هَذَا الْمَعْنَى ـ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ـ هُوَ مَقْصُودَ الصَّحَابِيِّ رضي الله عنه.
فَالْجَوَابُ: أَن مَنْ يَلْحَقُه الضرر وقتاً مّا بِتَناول شيءٍ (4)، يُمْكِنُهُ أَن يُمسك عَنْهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ؛ إِذ التارك (5) لأَمر لَا يَلْزَمُهُ أَن يَكُونَ محرِّماً لَهُ، فَكَمْ مِنْ رَجُلٍ تَرَكَ (6) الطَّعَامَ الْفُلَانِيَّ، أَو النكاح لأَنه في الْوَقْتِ (7) لَا يَشْتَهِيهِ، أَو لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَعذار، حَتَّى إِذا زَالَ عُذْرُهُ تَنَاوُلَ مِنْهُ، وقد ترك صلى الله عليه وسلم أَكل الضَّبّ (8)، وَلَمْ يَكُنْ تَرْكُهُ مُوجِبًا لِتَحْرِيمِهِ له (9).
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَن الْمُرَادَ بِالتَّحْرِيمِ الظَّاهِرُ، وأَنه لَا يَصِحُّ ـ وإِن كَانَ لِعُذْرٍ ـ (10): أَن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ردَّ عَلَيْهِ بِالْآيَةِ، فَلَوْ كَانَ وُجُودُ مِثْلِ تِلْكَ الأَعذار مُبِيحًا لِلتَّحْرِيمِ بِالْمَعْنَى الثَّالِثِ لَوَقَعَ التَّفْصِيلُ فِي الْآيَةِ بالنسبة إِلى من حرَّم لعذر أَو لغير عُذْرٍ.
وأَيضاً فإِن الِانْتِشَارَ لِلنِّسَاءِ لَيْسَ بِمَذْمُومٍ؛ فإِن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الباءَة فَلْيَتَزَوَّجْ" (11) الْحَدِيثَ؛ فإِذا أَحب الإِنسان قضاءَ الشَّهْوَةِ تَزَوَّجَ فَحَصَلَ لَهُ مَا فِي الْحَدِيثِ زِيَادَةً إِلى النَّسْل الْمَطْلُوبِ فِي المِلَّة؛ فكأَن مُحرِّم مَا يَحْصُلُ بِهِ الانتشار ساعٍ في التشبه بالرهبانية، فكان (12) ذَلِكَ مُنْتَفِيًا (13) عَنِ الإِسلام كَسَائِرِ مَا ذُكر في الآية.--------------------------------------------
(1) في (خ): "ليس بتحريم حقيقة".
(2) في (ر): "التدين" بدل "النذر".
(3) قوله: "خاصه" سقط من (خ).
(4) في (خ): "وقت ما يتناول شيئاً".
(5) في (خ): "والتارك" بدل "إذ التارك".
(6) في (ر): "يترك".
(7) علق رشيد رضا هنا بقوله: لعل الأصل: "في ذلك الوقت"؛ أي الذي ترك فيه ما ذُكر. اهـ.
(8) تقدم تخريجه قريباً (ص217).
(9) قوله: "له" من (ر) فقط.
(10) في (خ): "تقدم" بدل "لعذر".
(11) أخرجه البخاري (1905)، ومسلم (1400).
(12) في (خ): "وكان".
(13) في (ر): "منهياً".

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 221)