وذكر الذهبي أَنَّ الرَّشِيْدَ أَخَذَ زِنْدِيقاً لِيَقْتُلَهُ، فَقَالَ: «أَيْنَ أَنْتَ مِنْ أَلْفِ حَدِيْثٍ وَضَعْتُهَا؟ فَقَالَ الرَّشِيْدُ: فَأَيْنَ أَنْتَ يَا عَدُوَّ اللهِ مِنْ أَبِي إِسْحَاقَ الفَزَارِيِّ، وَابْنِ المُبَارَكِ يَتَخَلَّلَانِهَا، فَيُخْرِجَانِهَا حَرْفاً حَرْفاً». وقيل لابن المبارك: هَذِهِ الأَحَادِيثُ المَوْضُوعَةُ [المَصْنُوعَةُ]؟ فقال: «تَعِيشُ لَهَا الجَهَابِذَةُ».
وذكر الذهبي عن إبراهيم بن إسحاق قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ يَقُولُ: «: حَمَلْتُ عَنْ أَرْبَعَةِ آلَافِ شَيْخٍ فَرَوَيْت عَنْ أَلْفٍ مِنْهُمْ».
بهذا كله يتبين لك خطأ ما ذهب إليه صاحب " فجر الإسلام " من وصف هذا الإمام العظيم بسلامة القلب حتى إنه لَيُحَدِّثُ بكل ما سمع.

2 - وأما زعمه بأن الناس خدعوا بصدقه … إلخ، فقد سمعت أنه كان نَقَّاداً للرجال مُتَشَِّّداً في الأسانيد، ومتى اجتمع الصدق والعدالة والتثبت في رجل فقد وجب الأخذ عنه، ولا يصح أن يقال: إن الناس خدعوا بصدقه.
هذا على أن أئمة الجرح والتعديل أجمعوا على توثيق ابن المبارك وإمامته وجلالة قدره. قال ابن مهدي: «الأَئِمَّةُ أَرْبَعَةٌ: الثَّوْرِي وَمَالِكٌ وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَابْنُ المُبَارَكِ».

وقال فيه الإمام أحمد: «لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهِ أَطْلَبُ لِلْعِلْمِ مِنْهُ، جَمَعَ أَمْرًا عَظِيمًا، مَا كَانَ أَحَدٌ أَقَلَّ قِسْطًا مِنْهُ، كَانَ رَجُلاً صَاحِبَ حَدِيثٍ، وَكَانَ يُحَدِّث مِنْ كِتَابٍ».
وقال ابن معين: «كَانَ كَيِّسًا مُتَثَبِّتًا ثِقَةً، وَكَانَ عَالِماً، صَحِيحَ الحَدِيثِ».
وقال ابن سعد صاحب " الطبقات ": «كَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا حُجَّةً كَِثيرَ الحَدِيثِ».
وقال الحاكم: «هُوَ إِمَامُ عَصْرِهِ فِي الآفَاقِ، وَأَوْلَاهُمْ بِذَلِكَ عِلْمًا وَزُهْدًا وَشَجَاعَةً وَسَخَاءً».
وقال النسائي: «لَا نَعْلَمُ فِي عَصْرِ ابْنِ المُبَارَكِ أَجَلَّ مِنْ ابْنِ المُبَارَكِ، وَلَا أَعْلَمَ مِنْهُ، وَلَا أَجْمَعَ لِكُلِّ خَصْلَةٍ مَحْمُودَةٍ مِنْهُ».

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 280)