كما ثَبَتَ أن بعض الصحابة كانت لهم صُحُفٌ يُدَوِّنُونَ فيها بعض ما سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم كصحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص التي كان يسميها بـ " الصادقة "، فقد أخرج أحمد والبيهقي في " المدخل " عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: «مَا كَانَ أَحَد أَعْلَم بِحَدِيثِ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم مِنِّي إِلَاّ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو، فَقَدْ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ» وكتابة عبد الله بن عمرو استرعت أنظار بعض الصحابة الذين قالوا: إنك تكتب عن رسول الله كُلَّ مَا يَقُولُ، وَرَسُولُ اللهِ قَدْ يَغْضَبُ فَيَقُولُ مَا لَا يُتَّخَذُ شَرْعًا عَامًّا، فرجع ابن عمرو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: «اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا خَرَجَ مِنْهُ إِلَاّ [حَقٌّ]» (1).

وثبت أنه كان عند علي رضي الله عنه صحيفة فيها أحكام الدية على العاقلة وغيرها (2)، كما ثبت أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كتب لبعض عُمَّالِهِ كُتُبًا حَدَّدَتْ فيها مقادير الزكاة في الإبل والغنم (3).

وقد اختلف العلماء في التوفيق بين أحاديث النهي عن الكتابة وبين هذه الآثار التي تدل على الإذن بها، فالأكثرون على أن النهي منسوخ بالإذن، ومن قائل بأن النهي خاص بمن لا يُؤمَنُ عليه الغلط والخلط بين القرآن وَالسُنَّةِ، أما الإذن فهو خاص بمن أُمِنَ عليه ذلك، وأعتقد أنه ليس هنالك تعارض حقيقي بين أحاديث النهي وأحاديث الإذن، إذا فهمنا النهي على أنه نهي عن التدوين الرسمي كما كان يُدَوِّنُ القرآن، وأما الإذن فهو سماح بتدوين نصوص مِنَ السُنَّةِ لظروف وملابسات خاصة أو سماح لبعض الصحابة الذين كانوا يكتبون السُنَّةَ لأنفسهم (4) والتأمل في نص حديث النهي قد يؤيد هذا الفهم، إذ جاء عَامًّا مخاطبًا فيه الصحابة جميعا. لا يقال: إن--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله ": 1/ 76 عن ابن عمرو.
(2) المصدر السابق والرقم السابق.
(3) المصدر والرقم السابقان.
(4) ويؤكده ما أخرجه الخطيب في " تقييد العلم ": ص 47 عن الضحاك من قوله: «لَا تَتَّخِذُوا لِلْحَدِيثِ كَرَارِيسَ كَكَرَارِيسِ المَصَاحِفِ».

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)