الثاني: أني تأملت هذا الحكم في التوراة على جهة التفصيل فوجدته مختلفا مشتبها جدا وذلك أنه ذكر فيها أن راحيل أم يوسف ماتت على طريق بيت لحم عند قدوم يعقوب من عند خاله" لابن" وذلك قبل أن يرى يوسف الرؤيا بمدة «1»، وذكر فيها: أن يعقوب بعد اجتماعه/ بيوسف بمصر «2» قال له:" وإني حين/ أقبلت من فدان «3» آرام- يعني قدومه من عند خاله" لابن" من حوران «4» - ماتت راحيل أمك في أرض كنعان «5» فقبرتها في بيت لحم «6» " فهذان نصان يقتضيان: أن أم يوسف ماتت قبل أن يرى الرؤيا، وذكر فيها: أن يوسف لما جاءه--------------------------------------------
(1) انظر الأصحاح الثامن والأربعين من سفر التكوين.
(2) مصر: البلد المعروف سميت باسم من أحدثها وهو مصر بن مصرايم بن حام بن نوح، فتحها عمرو بن العاص رضي الله عنه [انظر مراصد الاطلاع 3/ 1277].
(3) في النسخ الثلاث: فدن، بدون ألف بعد الدال المهملة. والصحيح فدان. كما في مراصد الاطلاع 3/ 1020، وفي التراجم الحديثة للكتاب المقدس (سفر التكوين الأصحاح الثامن والأربعين). وهي قرية من أعمال حران بالجزيرة.
(4) حوران: بفتح أوله: كورة واسعة من أعمال دمشق في القبلة، ذات قرى كثيرة ومزارع يقول فيها امرؤ القيس:
ولما بدت حوران والآل دونها نظرت فلم تنظر بعينك منظرا [انظر مراصد الاطلاع وهامشه 1/ 435]
(5) أرض كنعان: موضع من أرض الشام وهو منازل الكنعانيين نسبة إلى كنعان بن حام بن نوح، كان منزل يعقوب عليه السلام في قرية لها" سيلون" من بلاد كنعان، ويقال إن اسم المكان الذي كان فيه" بدا" وإياه عني جميل بقوله:
وأنت الذي حببت شعبا إلى بدا إلى وأوطاني بلاد سواهما. وببلاد كنعان الجب الذي ألقي فيه يوسف عليه السلام. [انظر مراصد الاطلاع 3/ 1182، وتفسير الشوكاني 3/ 56].
(6) انظر سفر التكوين الأصحاح الثامن والأربعين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 314)
إخوته يطلبون الميرة «1»، فعرفهم وهم له منكرون، اتهمهم بالجاسوسية وجعل ذلك ذريعة إلى سؤالهم عن عدتهم، حتى انتهى إلى ذكر" بنيامين" فقال: ائتوني به لأعلم صدقكم، فرجعوا إلى أبيهم فقالوا: أرسل معنا بنيامين، فقال لهم يعقوب:
" إن أخاه قد مات ولم يبق لأمه غيره ولعله تصيبه في الطريق" «2».
وظاهر هذا: أن أمه الآن حيه، وأنه خاف على وجع قلبها وقلبه لفقده وكذلك ذكر فيها: أن إخوة يوسف قالوا له حين سألهم عن عدتم «3»:" إن لنا أبا شيخا، وله ابن صغير، وهو ابن كبره، ومات أخوه، وهو واحد لا غير لأمه وأبيه، وأبوه يحبه «4» ".
وهذا قاطع في أن أم" بنيامين" حية إلى الآن «5» - وهي أم يوسف- وهذا تهافت في التوراة «6» كما تراه. فمن احتج بالنص الأول على موتها قبل هذا الحال--------------------------------------------
(1) الميرة: الطعام يمتاره الإنسان: أي يجلبه للبيع أو للاقتيات. والمور: الحركة ذهابا ومجيئا. فهم يذهبون لطلب الميرة" الطعام" ويجيئون قال تعالى: ولَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا ونَمِيرُ أَهْلَنا ونَحْفَظُ أَخانا ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ [يوسف: 65] وانظر في معنى الميرة: [لسان العرب 5/ 188، ومنال الطالب ص 139، 409، 454].
(2) النص في سفر التكوين آخر الأصحاح الثاني والأربعين، ولم تذكر الأم في التراجم الحديثة، مع أنها ذكرت في النص التالي بعده.
(3) في (أ)، (ش): عددهم.
(4) انظر سفر التكوين الأصحاح الرابع والأربعين.
(5) أي إلى وقت القصة.
(6) التي بأيديهم لا المنزلة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 315)
احتججنا عليه بهذا القاطع «1» أنها باقية إلى هذا الحال. ونؤكده بقول يعقوب ليوسف حين قال: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً والشَّمْسَ والْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (4) «2» فزجره يعقوب وقال له:" ما هذه الرؤيا التي رأيت؟ أجئ أنا وأمك وإخوتك فنسجد لك على الأرض"/ «3».
فنقول: إن كانت أم يوسف التي ولدته حية الآن فهو يناقض ما في التوراة من أنها ماتت قبل ذلك ودفنت ببيت لحم. وإذا وقع التناقض فيها سقط الاحتجاج بها «4»، وليس للخصم مستند في ذلك غيرها، وإن كانت قد ماتت فقد سمى يعقوب ليوسف بعد أمه أما، فتلك هي التي سجدت له مع يعقوب عند تأويل الرؤيا، سواء كانت هي والدته، أحياها الله حينئذ تصديقا/ لرؤياه «5»، كما قال--------------------------------------------
(1) عند اليهود والنصارى.
(2) سورة يوسف، آية: 4. وقول التوراة غير هذا.
(3) نص التراجم الحديثة:" … فقال إني قد حلمت حلما أيضا وإذا الشمس والقمر وأحد عشر كوكبا ساجدة لي. وقصه على أبيه وعلى إخوته. فانتهره أبوه وقال له ما هذا الحلم الذي حلمت هل نأتي أنا وأمك وإخوتك لنسجد لك إلى الأرض … " الخ.
[سفر التكوين الأصحاح السابع والثلاثين].
(4) بها: ليست في (أ).
(5) ذكر هذا القول الشوكاني في تفسيره (3/ 52) ولم يعزه للحسن البصري، وفي زاد المسير (4/ 288) أن الحسن قال إنها أمه. قلت: ولم يرد عن موتها شيء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 316)
الحسن البصري «1»، أو كانت خالته وسميت أما مجازا، كما قال بعض المفسرين «2».
وكما قد ثبت في الإنجيل: أنهم كانوا يسمون مريم ويوسف: أبوي المسيح، في غير موضع، وقالت له مريم لما تخلف عنها في أوراشليم «3»:" يا بني لم تخلفت عنا وتركتني وأباك نطوف عليك «4» "؟ فكما سمى يوسف أبا المسيح لكونه زوج أمه مجازا «5»، فكذا سميت زوجة يعقوب أما ليوسف مجازا،--------------------------------------------
(1) التابعي الحسن بن أبي الحسن يسار، أبو سعيد، مولى زيد بن ثابت الأنصاري، وأمه مولاة لأم سلمة أم المؤمنين. ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، نشأ بوادي القرى، وحضر الجمعة مع عثمان- رضي الله عنه وسمعه يخطب، وشهد يوم الدار، وله يومئذ أربع عشرة سنة، خرجت به أم سلمة، وهو رضيع إلى الصحابة، ومنهم عمر فدعا له، وقال:" اللهم فقهه في الدين وحببه إلى الناس" توفي- رحمه الله عشية يوم خميس من أول رجب سنة عشر ومائة.
[انظر سير أعلام النبلاء 4/ 563 - 588].
(2) كابن عباس وقتادة والسدي. [انظر تفسير الطبري 12/ 152، 13/ 67، وتفسير القرطبي 9/ 121، وزاد المسير 4/ 180]. قلت: ولا لزوم إلى هذا التكلف من المفسرين في هل هي أمه أو خالته، فالآية واضحة لا تحتاج إلى مراعاة ما عند أهل الكتاب من أنها خالته. فهم محرفون للكلم عن مواضعه، ثم قد ورد في كتبهم مرة أنها أمه وأنها حية وأخرى أنها خالته وأن أمه ماتت. أما قول بعض المفسرين إن الله أحيا له أمه حين قدومهم إلى مصر، فهو قول من غير دليل، ولا برهان عليه. وإن كانت قدرة الله أكبر من هذا.
(3) وتروى:" شلّم" ويقال: أوريشلم، وهو اسم بيت المقدس بالعبرانية.
[انظر مراصد الاطلاع 1/ 131، 2/ 809].
(4) انجيل لوقا الأصحاح الثاني. والنص في التراجم الحديثة:" وقالت له أمه يا بني لماذا فعلت بنا هكذا هو ذا أبوك وأنا كنا نطلبك معذبين".
(5) قصة ولادة المسيح وتزوج مريم عند النصارى في أول إنجيل متى. وليس في هذا مجاز فإن النصارى بهذا يوافقون اليهود في أن المسيح ابن يوسف النجار زنا. لعنهم الله أنى يؤفكون.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 317)
خصوصا وكانت زوجة أبيه أخت أمه نسبا وهي" ليا/ بنت لابن" فقرب المجاز وزال الإشكال. والله أعلم بالصواب.
الثالث: أن المراد بأبويه: أبوه وخالته، والعرب تسمي الخالة أما، والعم أبا كما روى أبو إسحاق «1» عن البراء «2» عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الخالة بمنزلة الأم» رواه الترمذي، وقال: حديث صحيح «3». وعن ابن عمر «4»: أن رجلا قال:--------------------------------------------
(1) هو الهمداني كما صرح به الترمذي: عمرو بن عبد الله بن ذي يحمد. وقيل: عمرو بن عبد الله ابن علي شيخ الكوفة وعالمها ومحدثها ينسب السّبيعي. ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان- رضي الله عنه ورأى عليا يخطب وروى عن معاوية وعدي بن حاتم وابن عباس والبراء، وغيرهم. وكان أعلم التابعين بحديث علي وابن مسعود- رضي الله عنهما توفي- رحمه الله سنة سبع وعشرين ومائة. يوم دخل الضحاك بن قيس غالبا على الكوفة. [انظر سير أعلام النبلاء 5/ 392 - 401].
(2) أبو عمارة البراء بن عازب بن حارث بن عدي بن جشم بن مجدعة بن حارثة الخزرجي الأنصاري قيل إنه ممن استصغر يوم بدر وقيل يوم أحد، وقيل أول غزوة غزاها مع النبي صلى الله عليه وسلم الخندق- والله أعلم بالصواب- وشهد- رضي الله عنه مع علي الجمل وصفين، والنهروان، ثم نزل الكوفة ومات بها أيام مصعب بن الزبير- رحمه الله تعالى-.
[انظر الاستيعاب 1/ 155 - 157].
(3) " الخالة بمنزلة الأم" أخرجه البخاري عن البراء في قصة الحديبية في كتاب المغازي، باب عمرة القضاء، وفي كتاب الصلح، باب كيف يكتب هذا ما صالح فلان بن فلان … الخ.
والترمذي في كتاب البر والصلة باب ما جاء في بر الخالة وقال:" وفي الحديث قصة طويلة، وهذا حديث صحيح" اهـ. وأبو داود عن علي- رضي الله عنه في كتاب الطلاق باب من أحق بالولد، والدارمي في" كتاب الفرائض، باب ميراث ذي الأرحام" عن عبد الله.
(4) عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي ولد سنة ثلاث من البعثة النبوية، وأسلم مع أبيه وهاجر وهو ابن عشر سنين وعرض يوم بدر وعمره ثلاث عشرة سنة فاستصغره رسول الله صلى الله عليه وسلم فرده وعرض يوم أحد وعمره أربع عشرة فرده النبي صلى الله عليه وسلم وعرض يوم الخندق وعمره خمس-
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 318)
يا رسول الله إني أصبت ذنبا عظيما، فهل لي من توبة؟ قال: (هل لك من أم؟» قال: لا. قال: «هل لك من خالة؟» قال: نعم. قال: «فبرها». أخرجه الترمذي أيضا «1».
وقال الله تعالى حكاية عن بني يعقوب أنهم قالوا له: نَعْبُدُ إِلهَكَ وإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وإِسْماعِيلَ وإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً «2» فسموا إسماعيل أباه، وإنما هو عمه، وتكملة هذا الوجه قد سبق في الذي قبله.
الرابع: ما ذكره الحسن وهو أن الله- سبحانه- أحيا راحيل أم يوسف حتى سجدت له تحقيقا لرؤياه.
وقول القائل:" إن هذا ونحوه لم يذكر في التوراة": جهالة، وضيق عطن «3» في العلم، فإن التوراة التي عندكم- إن صح أنها التي جاء بها موسى---------------------------------------------
- عشرة سنة فقبله النبي صلى الله عليه وسلم وهو من أكثر الصحابة رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا ينام من الليل إلا قليلا. قال عنه جابر- رضي الله عنه:" ما منا من أحد أدرك الدنيا إلا مالت به ومال بها غير عبد الله بن عمر" اشتهر بعلمه وجهاده في سبيل الله. وهو آخر من توفي من الصحابة بمكة سنة ثلاث وسبعين للهجرة في أصح الأقوال. (انظر سير أعلام النبلاء 3/ 203 - 329، والإصابة 2/ 347 - 350، وطبقات ابن سعد 4/ 142 - 188).
(1) في كتاب: البر والصلة، باب ما جاء في بر الخالة، وابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك (كتاب البر والصلة 4/ 155) وقال:" هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".
وأخرجه أحمد في المسند (2/ 14).
(2) سورة البقرة، الآية رقم: 133.
(3) ضيق عطن: يقال واسع العطن: أي واسع الصبر والحيلة عند الشدائد، سخي كثير المال. وضده ضيق العطن. [المعجم الوسيط 2/ 609]. أو يقال: رجل رحب العطن أي رحب الذراع كثير المال واسع الرحل، والعطن. [لسان العرب 13/ 287]، فيكون ضيق العطن ضد ذلك. ويأتي العطن بمعان أخرى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 319)
فهو جزء «1» يسير من علم الله، وتضمنت يسيرا مما جرى للقوم، وقد جرى لهم جزئيات وتفاصيل لم تذكر، فلعل هذا منها. والله- سبحانه- يفضل من شاء على من شاء في العلم والجسم والمال والعقل وغير ذلك «2». فما المانع أن يكون/ الله- سبحانه- اختص محمدا من العلم بما لم يخصكم «3» كما خصه باذلالكم وإرغام أنوفكم، وأخذ الجزية منكم، نحو ثمانمائة سنة «4».
والجواب عن الثاني- وهو سجودهم له- من وجوه:
أحدها: هذا بعينه، وهو أن في القرآن زيادة علم لم تبلغكم، تخصيصا من الله لغيركم عليكم.
الثاني: أن السجود المذكور في القرآن ليس المراد به وضع الجباه على الأرض بل هو الإيماء بالرءوس، والانحناء على جهة التعظيم، وكانت تلك تحية الملوك عندهم، فلعله لخفاء صورته وعدم ظهور تأثيره في هيئة الإنسان الانتصابية «5» لم يذكر في التوراة اعتبارا/ بصورته، وذكر في القرآن اعتبارا بمعناه، وهو التعظيم «6».--------------------------------------------
(1) في (أ): فهو حرف.
(2) قال الله تعالى: وقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا ونَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ والْجِسْمِ واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ [سورة البقرة: 247].
(3) في (م): يختصكم.
(4) هكذا في النسخ الثلاث والصحيح: أكثر من سبعمائة سنة.
(5) كلمة" الانتصابية" غير واضحة في (أ).
(6) انظر تفسير الطبري 13/ 68 - 69، وتفسير القرطبي 9/ 265.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 320)
على أنه قد صرح في التوراة «1» بأن إخوة يوسف لما عرفهم وهم له منكرون" خروا له سجدا".
ثم لما «2» عادوا المرة الثانية" خروا له سجدا" «3»، وأن يوسف لما جاء بابنيه" ميشا" «4» و" أفرايم" إلى يعقوب ليبرّك عليهما، سجدا له «5».
وأن" إبراهيم" لما اشترى مغارة" عفرون" «6» ليجعلها مقبرة لسارة، فقالوا له:--------------------------------------------
(1) انظر سفر التكوين الأصحاح الثاني والأربعين، والنص في التراجم الحديثة:" فأتى إخوة يوسف وسجدوا له بوجوههم إلى الأرض" اهـ.
(2) " لما" سقطت من (م).
(3) انظر سفر التكوين الأصحاح الثالث والأربعين.
(4) " ميشا" هكذا في النسخ الثلاث وفي ترجمة سنة 1979 م: منسّ.
(5) انظر سفر التكوين الأصحاح الثامن والأربعين. قلت: والصواب أن السجود كان جائزا في شريعتهم ثم نسخ في شريعتنا، لأنه ليس في النص قرينة تصرفه عن المعنى الحقيقي- والله أعلم ومما ورد في شريعتنا من النهي عن السجود لغير الله، ما أخرجه أبو داود عن قيس بن سعد قال: أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فقلت: رسول الله أحق أن يسجد له، قال:
فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: إني أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فأنت يا رسول الله أحق أن نسجد لك، قال: «أرأيت لو مررت بقبري أكنت تسجد له»؟ قال: قلت: لا، قال: «فلا تفعلوا لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن، لما جعل الله لهم عليهن من الحق» وأخرج الترمذي في الرضاع باب حق الزوج على المرأة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» وفي مسند أحمد وسنن النسائي نصوص أخرى غير هذه.
(6) هي قرية من قرى فلسطين قرب بيت المقدس يقال إن فيها قبر إبراهيم- عليه السلام واسمها حبرون. واسمها الآن الخليل. واسم مالكها قبل ذلك عفرون.
[انظر مراصد الاطلاع 1/ 376].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 321)
قد وهبناها لك، خر لهم ساجدا «1» على جهة الشكر حيث ياسروه ولم/ يعاسروه. وسألهم أن يأخذوا منه ثمنها. فقد كان السجود عندهم سهلا متعارفا في هذه المواطن اليسيرة الخطب، وهو من ملة أبيهم إبراهيم «2».
وفي التوراة:" أن يعقوب لما التقى بأخيه العيص سجد له «3» بالأرض سبع مرات" «4»، فما ظنك بحال الدخول على يوسف من قوم متشوقين إليه، وخجلين منه بعد سنين متطاولة، فإن العقول تجزم بأن هذا المقام أولى بالسجود من كل مقام، خصوصا لشخص قد أحياهم الله به، وقد غمرهم بإحسانه بعد أن بالغوا في الإساءة إليه.
ففي السجود له فوائد «5».
منها: إقامة رسم الملك بفعل تحيته «6».
والثانية: التوصل إلى إزالة ما في نفسه.--------------------------------------------
(1) انظر سفر التكوين الأصحاح الثالث والعشرين.
(2) قلت: هذا ادعاء وزعم منهم أنه حصل منه هذا، وأنهم على ملته لا أن ذلك صدقا. فالله أعلم بالصواب.
(3) في (أ): أسجد له بالأرض.
(4) سفر التكوين الأصحاح الثالث والثلاثين.
(5) هذا إذا كان على سبيل الخلق كما في شريعتهم المنسوخة لا العبادة وعلى سبيل التنزل منا بصحة ذلك في شرائعهم.
(6) روى ابن جرير الطبري في تفسيره (13/ 68) عن قتادة:" وكانت- أي السجود- تحية من قبلكم كان بها يحي بعضهم بعضا، فأعطى الله هذه الأمة: السلام تحية أهل الجنة، كرامة من الله تبارك وتعالى عجلها لهم، ونعمة منه" اهـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 322)
والثالثة: إظهار المحبة ليوسف والطاعة له ليرضى/ عنهم يعقوب، ويطيب قلبه بتصافيهم.
الرابعة: مكافأته على بعض إحسانه.
الخامسة: تصحيح رؤياه، فإن" رؤيا الأنبياء وحي «1» ".
الثالث: أنه ذكر في التوراة «2» أن يوسف لما قص رؤياه على يعقوب زجره لما قصها، وقال له:" ما هذه الرؤيا التي رأيت؟ أجيء أنا وأمك وإخوتك فنسجد لك على الأرض؟ " وكان يعقوب قد وعى معنى الرؤيا.
قلت: وإنما أراد أن يصد عنه كيد إخوته له باستبعاده ذلك وإنكاره «3».
قلت: فهذا يعقوب قد فهم أن تأويل رؤيا يوسف: سجود إخوته وأبويه له.
وقد ثبت أن الرؤيا صحت، فكذا تأويلها، خصوصا والرؤيا رؤيا نبي، والتأويل تأويل نبي ورؤيا الأنبياء وحي، وتأويلهم إلهام.
وأيضا: فإن في التوراة «4» أن يوسف رأى رؤيا أخرى وهي أنه رأى أنه وإخوته جمعوا حزما في المزرعة، وقد قامت حزمته، وجاءت حزم إخوته، فسجدت لها. وهذا يدل على سجودهم له، لما التقوا لأن الرؤيتين دلتا على حكم واحد، وهو السجود.--------------------------------------------
(1) طرف من حديث أخرجه البخاري في الوضوء، باب التخفيف في الوضوء وفي الأذان باب وضوء الصبيان وهو من قول عبيد بن عمير رضي الله عنه قال هذا:" إن رؤيا الأنبياء وحي" ثم قرأ: إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ الآية (102) من سورة الصافات.
(2) في سفر التكوين الأصحاح السابع والثلاثين.
(3) في (ش) كيد اخوته وأبوه له وقد ثبت أن الرؤيا صحت.
(4) في سفر التكوين الأصحاح السابع والثلاثين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 323)
الرابع: أنه يجوز حمل ما في القرآن على أن قوله: ورَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ «1» جملة. وقوله: وخَرُّوا جملة مختص ضميرها بإخوة يوسف لم يتناول أبويه، فيكون ذلك موافقا لرؤيا الحزم، فإنها إنما تضمنت ما يدل على سجود الإخوة فقط دون أبويه، ويصير هذا قريبا جدا «2» لأن إخوته سجدوا له قبل ذلك مرتين بنص التوراة، وهذه تكون ثالثة ووقتها أولى بالسجود من غيره على ما سبق وإنما ترك ذكره في التوراة اكتفاء عنه بالمرتين الأوليين، وتنبيها عليه بطريق أولى.
قلت: وفي ورود/ القرآن برؤيا النجوم دون رؤيا الحزم أقوى دليل على صدق محمد- عليه السلام وأن القرآن وحي من الله، وأنه إنما أخبر بما أوحى إليه، وإلا فلو كان ينقل ذلك من كتب/ الأولين لتتبعها/ ولظفر برؤيا الحزم، ولذكرها خشية أن يطعن عليه بالنقص والزيادة فاعلم ذلك.--------------------------------------------
(1) سورة يوسف، الآية رقم: 100.
(2) وذكر الرازي في كتابه" عصمة الأنبياء" ص 84، تفسيرا آخر وهو:" المعنى: خروا لأجله سجدا لله". وقال القرطبي في تفسيره (9/ 264):" الهاء في قوله (خروا له) قيل: إنها تعود على الله تعالى، المعنى وخروا شكرا لله سجدا، ويوسف كالقبلة لتحقيق رؤياه، وروي عن الحسن" اهـ.
ولكن رد بعض المفسرين على هذا القول بأن الهاء راجعة إلى يوسف لقوله تعالى في أول السورة: رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ وأن هذا كان تحيتهم أن يسجد الوضيع للشريف.
قلت: تعبيرهم" بالوضيع للشريف" هضم لحق نبي الله يعقوب- عليه السلام فليس وضيعا، وإنما نقول كانت تلك تحيتهم كما تقدم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 324)
[رد شبهة النصراني في ورود بنات شعيب ماء مدين وعددهن واستئجار موسى ثماني حجج]
قال:" ومن ذلك في سورة القصص بعد ذكر موسى: ولَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ ووَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ … إلى قوله: … إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ … «1» قال: الكذب في هذه القصة في مواضع:
أحدها: قوله:" وجد على الماء قوما يسقون" ولم يكن كذلك يعني بل «2» القوم طرءوا «3» على بنات شعيب، وقد ملأن الحياض «4» ليسقين غنم أبيهن، فأخرجوهن فقام موسى فحماهن وسقى غنمهن كما سيأتي في لفظ التوراة.
الثانى" أن النساء كن سبعا لا اثنتين.
الثالث: أن عرض شعيب ابنته على موسى واستئجاره على نكاحها ثماني سنين لم يكن منه شيء، إنما كان هذا في زواج يعقوب براحيل بنت خاله" لابن" وإنما اختلطت لهذا الإنسان القصة، أو خلطت له بقصة زواج يعقوب النبي، ثم ذكر ما في التوراة من قصة موسى في ذلك. وهو أن قال فيها بعد ذكر قتل موسى للقبطي «5»:" فسمع فرعون هذا الخبر وكان يطلب قتل موسى فهرب من حضرته، وأقام بأرض مدين «6»، وجلس جوار البئر.--------------------------------------------
(1) سورة القصص من 23 - 27.
(2) في (ش) يعني أن القوم.
(3) أي وردوا على بنات شعيب، وأتوهن فجأة. [لسان العرب 1/ 114].
(4) في (م): الحوض.
(5) القصة في سفر الخروج الأصحاح الثاني.
(6) أرض مدين: مدينة قوم شعيب قرية من أرض معان من أطراف الشام مما يلي ناحية الحجاز، قريبا من بحيرة قوم لوط، بينها وبين تبوك ست مراحل، وهي أكبر من تبوك في ذلك الوقت وبها البئر التي استقى منها موسى لغنم شعيب. ومدين قبيلة من بني مدين بن مديان بن إبراهيم الخليل- عليه السلام وشعيب عليه السلام نبيهم. ذكرت قصة عتوهم في القرآن الكريم، وكانوا يخيفون المارة ويعبدون الأيكة- شجرة من الأيك- أهلكهم الله بأنواع من العذاب. [انظر مراصد الاطلاع 3/ 1246، والبداية والنهاية 1/ 184 - 191].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 325)
وكان لإمام مدين سبع بنات. كن أقبلن لاستقاء الماء فملأن الحياض وأحببن سقي غنم" يثرا" «1» أبيهن، فأقبل الرعاة عليهن وأخرجوهن فقام موسى وحمى الجواري وسقى نعاجهن، فلما انصرفن إلى" يثرو" أبيهن، قال لهن: لم جئتن أسرع من المعتاد «2»؟ فأجبن: رجل مسلم «3» مصري أنجانا من الرعاة، وبزيادة استقى الماء وسقى النعاج «4». فقال: أين هو؟ لم خلفتن الإنسان؟ ادعونه ليأكل خبزا، فحلف «5» موسى أن يسكن معه وأخذ سابور «6» بنته زوجة". اهـ.
قال:" هذا نص التوراة/ أن الجواري كن سبعا، لا اثنتين، وأن والدهن كان اسمه يثرو لا شعيب، ولا ذكر لاستئجاره ثماني حجج.
ثم ذكر قصة زواج يعقوب من التوراة إلى آخرها.
ثم قال:" فتأمل يا قارئ اختلاط إحدى القصتين بالأخرى".
قلت: والجواب عن هذا السؤال من وجوه:--------------------------------------------
(1) اختلف المفسرون في اسم أبي المرأتين المشار إليهما: فقال بعضهم: اسمه يثرون أو يثرى. وقال بعضهم: اسمه شعيب وهو النبي- عليه السلام وكلا القولين لا دليل عليهما، ولسنا متعبدين بمعرفته ولا بمعرفة اسمي المرأتين بل بالإيمان والتصديق بالقصة دون معرفة الأسماء والله أعلم.
(2) في (ش): المضاد.
(3) كلمة" مسلم" ليست في (م)، (ش).
(4) عبارة (أ):" وبزيادة استقى الماء وسقى النعاج" وفي التراجم الحديثة:" فقلن رجل مصري أنقذنا من أيدى الرعاة، وأنه استقى لنا أيضا وسقى الغنم فقال لبناته فأين هو … ".
(5) فحلف: ليست في (ش) وفي التراجم الحديثة:" فارتضى" موسى أن يسكن مع الرجل" والمعنى: فأقسم على موسى أن يسكن معه …
(6) في التراجم الحديثة اليونانية:" صفّورة".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 326)
أحدها: الجواب العام بالقدح في التوراة وعدم الوثوق بها، كما تقرر في المقدمة وقد وجدنا فيها من التناقض والاختلاف/ ما بعضه يقدح في الاحتجاج بها.
ولذلك سببان ظاهران:
أحدهما: أن اليهود حرفوا منها اسم محمد- عليه السلام «1» ودلائل نبوته «2» لئلا يكون عليهم حجة له من كتابهم، وحرفوا مع ذلك أشياء مما جاء به محمد عن وضعه الذي في التوراة ليصير ذلك شبهة لهم في تكذيبه، ويقولون: ما نصنع به؟ لو وافق ما عندنا أو ذكر فيه، آمنا به «3».--------------------------------------------
(1) قال الله تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ والْإِنْجِيلِ … الآية [سورة الأعراف آية 157] وقال تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ … [سورة البقرة 146، وسورة الأنعام 20].
(2) أخرج البخاري في (البيوع، باب كراهية السخب في الأسواق وفي تفسير سورة الفتح 3) عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنهما فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة، قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن [قال في التوراة]: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح بها أعينا عميا وآذانا صما وقلوبنا غلفا" اهـ.
(3) قال الله تعالى: مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ الآية [سورة النساء 46]، وقال تعالى: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وهُمْ يَعْلَمُونَ (75) [سورة البقرة 75].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 327)
السبب الثاني:
أن التوراة تقادم عهدها وحرفت في زمن" بختنصر «1» " وتعاورتها «2» التغيرات والتنقلات من العبراني إلى السرياني إلى القبطي إلى العربي لفظا وخطا.
وبعيد من مثل هذه التغيرات أن لا تخل بالمعاني. ولذلك صارت التوراة التي بيد النصارى «3» تخالف التي بيد اليهود «4»، والتي بيد اليهود يخالف بعضها بعضا كما أن أناجيل النصارى يخالف بعضها بعضا «5»، كما قد بينته/ في التعليق عليها «6» لأن أهل الكتاب معتمدهم على الخط، لا على الحفظ، وعلى الرواية بالمعنى لا باللفظ.
الثاني: أن علماء المسلمين ذكروا قصة موسى، على وفق ما هي في القرآن وكان لهم اجتماع بأهل الكتاب واطلاع على علمهم، وأسلم جماعة من أهل--------------------------------------------
(1) بختنصر: أحد ملوك بني إسرائيل، ذكر ابن أبي حاتم أنه كان فقيرا مقعدا ضعيفا يستعطي الناس، ويستطعمهم ثم آل به الحال إلى ما آل، وأنه سار إلى بيت المقدس فقتل بها خلقا كثيرا من بني إسرائيل، وذكر ابن كثير أن ابن إسحاق وغيره ذكروا أن خراب بيت المقدس كان على يديه في عهد نبي الله" أرمياء" [انظر تفسير ابن كثير 3/ 25، البداية والنهاية 1/ 34 - 39].
(2) كلمة:" وتعاورتها" غير واضحة في (أ).
(3) وتسمى باليونانية.
(4) وهي نسختان: العبرانية والسامرية.
(5) إنجيل متى، وإنجيل مرقس، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا وغيرها.
(6) في كتابه:" تعاليق على الأناجيل" خ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 328)
الكتاب ووافقوهم على ذلك كعبد الله بن سلام/ من اليهود، والعاقب والسيد «1» رئيسي نجران من النصارى والنجاشي «2» صاحب الحبشة «3» في ناس كثير، فدل أن ما في القرآن موافق لما في الكتب القديمة، ولكن هذا الذي تدعونه تحريف حدث.
فإن قيل: إنما كان إسلام بعض أهل الكتاب «4» وعدم إنكارهم ما جاء به القرآن من الوهم مخافة من سيف الإسلام، فإنه كان مشهورا منصورا، لا يقوم له أحد.--------------------------------------------
(1) العاقب: اسمه عبد المسيح، وكان صاحب مشورة قومه نصارى نجران.
وأما السيد فكان اسمه: الأيهم وقيل شرحبيل، وكان صاحب رحالهم ومجتمعهم ورئيس في ذلك. وقصتهما مع وفد نجران الذي قدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم مشهورة. ذكرها البخاري في صحيحه- في كتاب المغازي، باب قصة أهل نجران- وابن سعد في الطبقات الكبرى (1/ 358) وذكر ابن سعد أنهما أسلما بعد ذلك وأنزلهما النبي صلى الله عليه وسلم دار أبي أيوب الأنصاري- رضي الله عنه.
والله أعلم وقد ذكرها أيضا ابن تيمية في الجواب الصحيح (1/ 241 - 265) بتحقيق د. على حسن عسيري.
(2) أصحمة بن بحر، أحد ملوك الحبشة. والنجاشي لقب لكل من ملكوهم. كان رضي الله عنه ذا عدل في ملكه. هاجر إليه جمع من الصحابة فسألهم عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه وتلوا عليه شيئا من القرآن فقال:" إن هذا والذي جاء به موسى يخرج من مشكاة واحدة" وأسلم خفية عن قومه وقال:" أشهد أنه رسول الله وأنه الذي بشر به عيسى بن مريم، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أحمل نعليه" توفي في رجب سنة تسع من الهجرة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مات، مات اليوم رجل صالح فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمة. [انظر صحيح البخاري كتاب مناقب الأنصار، باب موت النجاشي، وسنن أبي داود، كتاب الجنائز باب الصلاة على المسلم يموت في بلاد الشرك، ومسند أحمد (1/ 203)، وفتح الباري (3/ 187).
(3) الحبشة: جيل معروف يرجع نسبهم إلى حبش بن كوش بن حام ابن نوح. والجمع أحبوش، وهم أمة كبيرة، ويذكرهم المؤرخون في عداد أمم السودان. ودولة الحبشة اليوم تقع في شرق إفريقيا.
[انظر فتح الباري 7/ 190 - 191، تهذيب الأسماء واللغات للنووي 2/ 288].
(4) عبارة «إسلام بعض أهل الكتاب» سقطت من (ش).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 329)
قلنا: هذا مما لا يفيدكم، فإن مصنف هذا الكتاب قد أبرز فيه كل ما عنده من الطعن في دين الإسلام مع المخافة وظهور الإسلام، ولم يمنعه ذلك، فلو أمكن الأوائل من أهل الكتاب قدح لفعلوا، ولو في خفية ثم لاشتهر في ذلك العصر ثم نقل إلينا. كيف والمسيح صلى الله عليه وسلم «1» يقول:" ما من خفي إلا سيظهر، ولا مكتوم إلا سيعلن «2» ". وهو قول معصوم لا يجرم.
وأيضا فإن من الممتنع عادة أن أحدا لا «3» ينتقل من دين إلى دين إلا بعد انشراحه لما انتقل إليه وانقباضه عما كان عليه، وأن من ينشرح صدره لدين يحتمل الذل والصغار والقتل، ولا ينتقل عنه كاليهود والنصارى في بلاد المسلمين، والمسلمين في بلاد النصارى. فمن المحال عادة أن جماعات من أحبار «4» اليهود والنصارى ورؤسائهم ورعاعهم يتركون دينهم في/ عصر النبوة إليها إلا بعد علمهم بصحة ما جاءت به «5»، وحينئذ يصير هؤلاء حجة على من يقدح في الإسلام من أهل الدينين.--------------------------------------------
(1) " وسلم" ليست في النسخ الثلاث.
(2) إنجيل متى الأصحاح العاشر.
(3) " لا" سقطت من (ش).
(4) الأحبار جمع حبر وهو العالم. وفي حبر لغتان: بكسر الحاء وفتحها [المصباح المنير 1/ 142] والأول أصح لأن جمعه أحبار، والله تعالى يقول: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ ورُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ الآية 31 من سورة التوبة والمراد بالأحبار علماء اليهود الذين يحبرون الكلام ويحسنونه.
والفرق بينه وبين الراهب أن الراهب بمعنى المتعبد الخاشع الزاهد. وأصله عند النصارى التخلي عن أشغال الدنيا، وترك ملاذها والزهد فيها، والعزلة عن أهلها.
[انظر لسان العرب 4/ 157 - 158 وتفسير القاسمي 8/ 184].
(5) مثل عبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، والنجاشي، وغيرهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 330)
وهذا" ابن جزلة" «1» صاحب" منهاج البيان" في الطب كان نصرانيا فأسلم وصنف كتابا سماه" إفحام النصارى" ولما مات وقف كتبه على تربة الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت «2» / ببغداد «3» وكثيرون مثله يسلمون ويحسن إسلامهم، وبعد ذلك يطعنون فيما كانوا عليه من اليهودية أو النصرانية «4» ولم نر مسلما خرج عن الإسلام، فحمد ما انتقل إليه «5» فإن قيل: لأن المسلمين لا يتركونه بل--------------------------------------------
(1) تقدمت ترجمته في قسم الدراسة ص: 182.
(2) النعمان بن ثابت بن زوطي التميمي الكوفي، مولى بني تيم الله بن ثعلبة، يقال: إنه من أبناء الفرس. إمام أصحاب الرأي، وفقيه أهل العراق، وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة ولد بالكوفة، وطلب العلم في صباه، ثم انقطع للتدريس والإفتاء. رأى أنس بن مالك رضي الله عنه وسمع عطاء بن أبي رباح وغيره من التابعين، كان طويل الصمت كثير العقل، يسمى الوتد لكثرة صلابته، قال عنه الشافعي:" الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة" قدم بغداد فأقام بها حتى توفي سنة خمسين ومائة رحمه الله تعالى.
[انظر سير أعلام النبلاء 6/ 390 - 403، وتاريخ بغداد 13/ 323 - 423].
(3) المدينة المعروفة الآن في العراق. وهي عاصمة الدولة العباسية وعاصمة دولة العراق الآن.
(4) من أمثال السموأل بن يحي بن عباس المغربي المتوفي سنة 570 هـ فقد كان يهوديا ثم أسلم وألف في الرد على اليهود" إفحام اليهود". وأمثال عبد الله بن عبد الله الترجمان الميورقي المتوفي سنة 832 هـ في جزيرة ميورقة والذي كان يدعى قبل إسلامه" أنسليم تورميدا" فقد كان من أحبار النصارى ثم أسلم ورد عليهم بكتابه" تحفة الأديب في الرد على أهل الصليب" وغيرهما كثير.
(5) قلت: وقد شهد بذلك هرقل ملك النصارى وعالمهم في عهد النبوة، حيث سأل أبا سفيان عن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فقال:" وسألتكم هل يرجع أحد منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه؟
فقلتم: لا. وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب لا يسخطه أحد".
وستأتي القصة بتمامها في نص الكتاب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 331)
يقتلونه فلا يتسع له زمن النظر والترجيح، بين ما انتقل عنه وإليه، ثم انحسمت «1» مادة الردة في الإسلام خوف القتل.
قلنا: لا شك أن مصلحة الدين ومنفعته عظيمة وهي النجاة الأبدية، وعظم مصلحته توجب قوة الداعي المحرك إليه وذلك يوجب انفتاح أبواب الوسائل الموصلة إلى المقصود منه.
وهذه بلاد النصرانية ملاصقة لبلاد الإسلام، والسبل إليها آمنة مسلوكة وفي المسلمين ناس كثير وقفوا على حقيقة دين المسلمين والنصارى وهم عقلاء ألباء، فلو صح لهم ما ذكرتم من القدح في دين الإسلام لتوصلوا إلى أرض النصرانية واعتصموا بها وجعلوها هجرة دينية «2».- والله أعلم-.
ثم لو لم يكن في هذا الجواب إلا معارضة ما نقله المسلمون لما نقلتموه لأوقف دعواكم في صناعة النظر حتى تبدوا مرجحا لما قلتموه أو دليلا آخر.--------------------------------------------
(1) في (ش): أحسمت.
(2) قلت: لقد كان كثير من أهل الكتاب لا يرغبون بالعيش والبقاء في بلاد المسلمين بديلا، وذلك لما ينعمون به من الأمن على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم ومن العدل والحماية، وعدم تكليفهم ما لا يطيقون أو تعذيبهم إذا قاموا بما فرضه الإسلام عليهم من الجزية وعدم حرب المسلمين أو التعرض لأذاهم أو محاربة دينهم بأي نوع من أنواع الحرب الفكرية أو المادية. وهذا لا يجدونه في غير بلاد المسلمين ولا تحت حكم طغاتهم. وتحدث الأئمة من السلف الصالح عن أحكام الذميين" أهل الكتاب" وموقف الإسلام منهم وما لهم من حقوق في الإسلام إذا كانوا أهل ذمة:
مثل الخلال في:" أحكام أهل الملل" وابن القيم في:" أحكام أهل الذمة" وغيرهما.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 332)
الثالث: أن ما حكاه هذا المصنف من القصة في التوراة/ لا ينافي ما في القرآن بل في القرآن «1» زيادة بيان ومناسبة للقضية «2»، فرد تلك الزيادة لكونها لم تذكر في التوراة جهالة، لأنه إبطال للوجود المحض بالعدم المحض، وذلك عناد أو قصر باع في العلم لما بيناه في الوجه الرابع من الجواب عن قوله: ورَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ «3» في السؤال قبل هذا، وبيان عدم المنافاة: أما قوله:" إن موسى لما ورد ماء مدين لم يجد القوم/ يسقون بل طرءوا بعد ذلك". فهذه مناقشة باردة ممن لا يعلم مواقع الكلام خصوصا لغة العرب واتساعها، بل ولا حقائق المعقولات فإن" لما" في لغة العرب أداة زمانية: أي تدل على الوقت والزمان، فإذا قلت: قام زيد لما قعد عمرو، معناه: قام زيد وقت أو زمان قيام عمرو. فقوله: ولَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً «4» / أي: وقت أو زمن ورود ماء مدين وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً ولا شك أن الزمان والمكان يكونان حقيقة ومجازا، فحقيقة المكان: هو الموضع الذي يستقر فيه الجسم، ويحيط به فقط دون ما حوله، كدائرة الكرسي مثلا «5» لمن جلس عليه، ومجاز المكان:
ما قارب مستقر الجسم وما أحاط به من مكانه الحقيقي كالبيت أو الدار بالنسبة إلى الكرسي الذي جلس عليه «6» وحقيقة زمان الفعل: الجزء الذي يحدث فيه الفعل فقط لا يتناول شيئا مما قبله ولا بعده، كالجزء الذي كان فيه ورود موسى، ومجازه: هو ما قارب ذلك الجزء بساعة أو ساعتين أو أقل أو أكثر بحسب قرب المجاز وبعده وعظم الحقيقة وصغرها.--------------------------------------------
(1) عبارة (بل في القرآن) سقطت من (ش).
(2) في (ش): القضية.
(3) سورة يوسف، آية رقم: 100.
(4) سورة القصص، آية رقم: 23.
(5) في (ش): الكرسي الذي جلس …
(6) عبارة «مثلا لمن جلس عليه ومجاز المكان: ما قارب مستقر الجسم وما أحاط به من مكانه الحقيقي كالبيت أو الدار بالنسبة إلى الكرسي» سقطت من (ش).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 333)