الثانية: ما دل عليه التواتر الكامل الشروط من أن جماعة من الرجال، ادّعوا أنهم رسل الله، وظهرت المعجزات على أيديهم، كمعجزات موسى وعيسى، ورد الشمس ليوشع «1». ثم ذهبوا على أوضح سنن من الطهارة والفضيلة والزهد في الدنيا، ودعوا الناس إلى مثل ذلك: فإن هذا يدل على صدقهم في دعواهم وذلك يفيد وقوع النبوة قطعا، هذا حاصل ما ذكره من الحجتين، لخصته أنا، وهو في عبارته طويل جدا.
قلت: وهاتان الحجتان مسلمتان. لكن الأولى مبنية على رعاية الأصلح ونحن لا نقول به وجوبا على الله، بل جوازا «2» على جهة--------------------------------------------
(1) يوشع بن نون أفرائيم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم- عليه السلام (البداية والنهاية 1/ 319) أحد أنبياء بني إسرائيل. أخرج البخاري في [كتاب الخمس باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:
«أحلت لكم الغنائم … » 6/ 220] عن أبي هريرة- رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولم يبن بها، ولا أحد بنى بيوتا ولم يرفع سقوفها ولا آخر اشترى غنما أو خلفات وهو ينتظر ولادها.
فغزا. فدنا من القرية صلاة العصر أو قريبا من ذلك، فقال للشمس: إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا، فحسبت حتى فتح الله عليهم … » الحديث، وقد أخرجه مسلم في كتاب الجهاد، باب تحليل الغنائم لهذه الأمة حديث 32، وأحمد في المسند 2/ 318 بألفاظ متقاربة، وأحمد في المسند (2/ 325) عن أبي هريرة بلفظ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الشمس لم تحبس إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس». وقد ذكر ابن حجر في الفتح (6/ 221) أن هذا الطريق مرفوعة صحيحة.
(2) رعاية الأصلح من المسائل المتفرعة عن الخوض في القدر، وقد خاض فيها المعتزلة وغيرهم فقال المعتزلة يجب على الله أن يفعل ما هو الأصلح للعباد في دينهم ودنياهم، وكان ممن نازعهم في ذلك الأشاعرة حيث قالوا إن الله يفعل الأصلح لعباده ولكن ليس هذا بواجب عليه بل-
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 254)
التفضل «1»، خلافا للمعتزلة.
وبهاتين الحجتين بعينهما ثبتت نبوة محمد- عليه السلام.
أما الأولى: فلأنه بعث على فترة من الرسل طويلة «2»، وقد أكل العالم بعضه بعضا خصوصا العرب في جاهليتها وغاراتها. وكانوا يعبدون الأوثان.
والنصارى الصلبان. والفرس: النيران. وغير ذلك من المنكرات فأزال الله به ذلك وأبدل الناس به خير ما ينبغي «3».--------------------------------------------
- جائز- وهذا ما يدل عليه كلام الطوفي هنا- والحق أن الله يخلق ويفعل لحكمة ومصلحة يريدها سبحانه وهذا من عدله ورحمته التي وسعت كل شيء، فإرسال الرسل مثلا مصلحة عامة للناس وإن تضمن شرا لبعضهم لمعصيتهم إياهم. وهكذا سائر ما يفعله ويقدره سبحانه تغلب فيه المصلحة والرحمة والمنفعة [انظر منهاج السنة 1/ 171 - 172، الغنية في أصول الدين للمتولي النيسابوري ص 139 - 141].
(1) في (ش)، (أ): التفصيل.
(2) أخبر الله تعالى أنه قد أرسل رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم إلى اليهود والنصارى وغيرهم من العرب والعجم فكان خاتم النبيين المعقب لهم فقال سبحانه: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ ونَذِيرٌ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (المائدة: 19] ومعنى" على فترة" أي بعد مدة متطاولة ما بين إرساله وعيسى بن مريم، وقد اختلفوا في مقدار هذه المدة، وأشهر الأقوال أنها ستمائة سنة. والله أعلم.
[انظر تفسير ابن كثير 2/ 5 3].
(3) أي خير ما يصلح الناس. قال ابن الأعرابي:" وما ينبغي له: وما يصلح له". (لسان العرب 14/ 77).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 255)
ولا نعلم زمنا قط، كان أحوج إلى/ النبوة من زمن نبوة محمد- عليه السلام «1» -.
وأما الثانية: فلأنه ثبت بالتواتر الكامل الشروط. أنه عليه السلام ادعى النبوة وظهرت على يديه «2» معجزات خارقة سيأتي بيانها وإثباتها على من أنكرها في موضعه إن شاء الله تعالى ثم توفي صلى الله عليه وسلم «3» على أوضح سنن، وأظهر طريقة، وأزكاها وأزهدها في الدنيا، ودعى الناس إلى ذلك، والخصم ينازع من هذه الجملة في ظهور المعجز على يده، وفي طهارته. وسيأتي إثباتهما.--------------------------------------------
(1) طال الزمن الذي لم يبعث فيه نبي، وساد الظلام في العالم. وخفقت أصوات الأنبياء والمرسلين بالتوحيد النقي والدين الخالص، حل محلها صيحات الجهل والضلالة التي صاح بها المحترفون والدجالون، وأصبحت الديانات- وآخرها المسيحية- فريسة العابثين، والمتلاعبين، ولعبة للمنحرفين، حتى فقدت روحها وشكلها. وعكف المجوس على عبادة النار وبناء الهياكل لها.
وتحولت البوذية في الهند وآسيا الوسطى، تحمل معها الأصنام حيث سارت، وتنصب تماثيل" بوذا" حيث حلت، وساءت أخلاق العرب فأولعوا بالخمر والقمار، وسقوط منزلة المرأة، وجعلها من سقط المتاع، وو أدوا البنات، وأغرموا بالحرب، وهانت عليهم إراقة الدماء فاختار الله من العرب من ينقذ البشرية من هذا الظلام الدامس، والشقوة الطويلة محمدا صلى الله عليه وسلم فسعدت البشرية حتى النصارى وغيرهم من أصحاب الديانات الذين كانوا يعيشون في ظل الدولة الإسلامية، وإن كانوا من أعداء ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا من أعظم ما يدل على أنه بعث رحمة للعالمين، وأنه رسول رب العالمين.
(2) في (ش)، (أ): على يده.
(3) سقطت كلمة" وسلم" من (أ) و (ش).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 256)
ومن معجزاته: انشقاق القمر له «1»، ورد الشمس لابن عمه علي بن أبي طالب رضي الله عنه «2» فكان ردها معجزا للنبي عليه السلام/ وكرامة لعلي رضي الله عنه «3» وقد صحح الحديث بذلك «4»:" الطحاوي «5» " و" القاضي عياض «6» وحسبك بهما إمامين في العلم ولا التفات مع ذلك إلى من جعله موضوعا. إذ--------------------------------------------
(1) قال الله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وانْشَقَّ الْقَمَرُ وأخرج البخاري في أكثر من موضع منها في تفسير سورة اقتربت الساعة (54) ومسلم في كتاب صفات المنافقين حديث 43، وأحمد في مواضع منها: (1/ 377) عن ابن مسعود قال: انشق القمر ونحن مع النبي صلى الله عليه وسلم فصار فرقتين، فقال لنا: (اشهدوا، اشهدوا).
(2) تقدمت ترجمته ص 89 من الدراسة.
(3) عنه: سقطت من (م).
(4) أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار 20/ 8 - 9) من طريقين صححها عن أسماء بنت عميس، والقاضي عياض في الشفاء (1/ 185) وتبع الطحاوي في تصحيح الحديث. وتبعهما بعض أهل العلم كعلي القاري وأحمد الخفاجي في شرحيهما للشفاء (3/ 10 - 13) وابن حجر في الفتح (6/ 221 - 222) وقال:" وهذا أبلغ في المعجزة، وقد أخطأ ابن الجوزي بإيراده له في الموضوعات، وكذا ابن تيمية في كتاب الرد على الروافض في زعم وضعه والله أعلم" اهـ. وقد خالف هؤلاء ابن الجوزي كما تقدم وابن تيمية في منهاج السنة (4/ 186 - 195) وبين وجاهة وضعه من حيث المتن، وتبع ابن تيمية تلاميذه ابن كثير في البداية والنهاية (1/ 323) وابن القيم في المنار المنيف ص 68، والذهبي في تلخيص الموضوعات. [انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني 2/ 400] وتبعهم الألباني في المرجع السابق (2/ 395 - 401].
قلت: وعدم الحاجة إليه في إقرار معجزة النبي محمد صلى الله عليه وسلم أو كرامة علي لوجود ما هو أقوى منه وأظهر في معجزته صلى الله عليه وسلم، وفضل علي- رضي الله عنه يجعلنا نميل إلى ضعفه وعدم الاحتجاج به لا انكاره وتكذيبه، والله أعلم بالصواب.
(5) تقدمت ترجمته في قسم الدراسة ص: 177.
(6) تقدمت ترجمته في قسم الدراسة ص: 178.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 257)
الإثبات مقدم، وردها ليوشع إنما ثبت عندنا بخبر من أخبار الآحاد، إذ لا وثوق لنا بما يخبر به أهل الكتاب.
فحينئذ الذي ثبت ليوشع النبي، قد ثبت مثله لواحد من أصحاب محمد- عليه السلام.
قال:" وأما ضرورة الخلق إليها، فلأنه لا يمكن التوصل إلى معرفة كثير من الأمور «1» الإلهية بمجرد العقل ضرورة، ولا نظرا. بدون الاطلاع الإلهي على ذلك تكميلا لقصور العقل الإنساني- إذ الموجودات بالنسبة إليه إما معلوم «2» ضرورة، كالعلم بأن/ الجزء أصغر من الكل، أو نظرا كالعلم بوجود الإله، واستحالة الخلاء «3»، أو ما يعجز عن إدراكه، كالعلم بعدد أنواع الحيوانات والنبات فضلا عن عدد أشخاصها، وكالعلم بفصول أكثر الأنواع وبكثير من الطبائع والحقائق على الجملة، لا نشك في أن المجهول عندنا غالب على المعلوم منها. فما ظنك بالأمور الإلهية/.--------------------------------------------
(1) كلمة:" الأمور" ساقطة من (أ).
(2) هكذا في النسخ الثلاث ولعل" معلومة" أصح.
(3) الاستحالة من استحال الشيء: أي تغير عن طبعه ووصفه، والمحال: الباطل غير الممكن الوقوع وهي عند الفلاسفة عبارة عن استبدال حال الشيء في ذاته أو صفة من صفاته لا دفعة واحدة بل يسيرا يسيرا.
وأما الخلاء فهو من خلا المنزل من أهله يخلو خلوا، وخلا فهو خال، أي لا شيء فيه ولا أحد.
وهو في اصطلاح الفلاسفة: عبارة عن بعد قائم لا في مادة من شأنه أن يملأه الجرم. ويمكن أن يعرف بأنه أبعاد ليس فيها جسم. وهو عند المتكلمين: الفضاء الموهوم.
[انظر مختار الصحاح ص 188، والمصباح المنير 1/ 190، 216، ولسان العرب 14/ 237، ودرء تعارض العقل والنقل 6/ 215، والمبين في شرح معاني ألفاظ الحكماء والمتكلمين ص 100، 96، والمعجم الفلسفي 1/ 65، 537].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 258)
ثم ذكر كلام" أرسطو" و" ابن رشد" و" أبي حامد" الذي قدمنا ذكره في المقدمة الثانية.
قلت: هذا كلام صحيح، لا نزاع فيه. لكن قوله:" كالعلم باستحالة الخلاء" رأي فلسفي، والمتكلمون يخالفونهم فيه، ونبهت «1» على هذا. وإن لم يتعلق بما نحن بصدده.
وقد ذكر المتكلمون فوائد النبوات «2»:
[فوائد النبوات ومنفعتها]
منها: تعريف أوضاع العبادات ومقاديرها ومواقيتها وكيفياتها ومقوماتها من شرط وركن ونحو ذلك.
ومنها: إقامة الحجة على الخلق. إذ بدونها لا تقوم حجة الله على خلقه، كما صرح به في غير موضع من القرآن، كقوله: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ … (165) «3» وقوله: ولَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ … (134) «4» الآية، وغيرها.
ومنها: تعريف الأحكام الفلكية كتفاصيل علم الهيئة «5»، وأدوار الفلك،--------------------------------------------
(1) في (أ): وشهد.
(2) في (أ): فوائد النبوة.
(3) سورة النساء، آية: 165.
(4) قال الله تعالى: ولَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ ونَخْزى (سورة طه، آية: 134).
(5) هو علم ينظر به في حركات الكواكب الثابتة، والمتحركة، والمتميزة، ويستدل من تلك الحركات على أشكال وأوضاع للأفلاك لزمت عنها لهذه الحركات المحسوسة بطرق هندسية. [مقدمة ابن خلدون ص 487، وانظر دائرة معارف القرن العشرين 6/ 628].
ويسمى أيضا علم المجريات وعند الفلاسفة الحدسيات. واطلاق لفظ العلم عليه فيه نظر [انظر الرد على المنطقتين ص 388].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 259)
وحركات الكواكب. فإن ذلك مما لا تستقل «1» به عقول البشر، ولا تفي أعمارهم بادراكه بالتجربة لو اشتغلت به عقولهم «2».
ومنها: تعريف الأحكام البطنية كقوى الأدوية والأغذية وخواصها، ومنافعها، ومضارها «3»، إذ الأعمار لا تفي بمعرفة ذلك بالتجربة «4»، كما قال" أبقراط «5» ":--------------------------------------------
(1) في (أ): يستقل.
(2) كان دور الأنبياء فيما يتصل بذلك: الاستدلال- بالكواكب والأفلاك وعظيم خلقها وحركتها العجيبة واتقان صنعها ونظامها العجيب- على وحدانية الله وعظيم قدرته وبيان الحكمة من خلق هذه الأفلاك والكواكب ومنفعتها للخلق، كالاستضاءة والاهتداء بها وحساب الوقت والزمن، وكونها مواقيت للناس في معاملاتهم وعباداتهم كالصوم والحج والفطر ومدة الحمل وغير ذلك.
والآيات القرآنية في ذلك كثيرة لا يمكن إيرادها في هذا المكان منها قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ والْحَجِ الآية (سورة البقرة 189) وقوله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والْقَمَرَ نُوراً وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (سورة يونس 5) وقوله تعالى: وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ والْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [الأنعام: 97] (سورة الأنعام 97) وغيرها.
(3) كلمة:" مضارها" ليست في (م)، (ش)، وهي من هامش (أ).
(4) عرف نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن كل داء له دواء، قد يهتدي إليه البشر أو لا يهتدون، كما في قوله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الإمام أحمد (4/ 278): «إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله» [وبعضه في البخاري ومسلم).
وأعظم الأدوية للمؤمنين القرآن الكريم: ونُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (الاسراء 82)، قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وشِفاءٌ (فصلت 44). وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا من الأغذية والأدوية كالعسل والحجامة وغيرهما وبين ما فيهما من منافع، ولكن تجارب الأطباء في الأدوية وخواصها ومنافعها ومضارها كثيرة جدا، فليس معرفة الأحكام الطبية مقصورة على النبوات.
(5) أبقراط بن راقيلسر الطبيب الحكيم اليوناني، وهو من نسل اسقلينوس الذي كان بداية صناعة الطب منه، والذي كان الملوك يختارون الملك من نسله، وكان أبقراط يلبس السواد، وهو شعاره، برع في علم الطب. (انظر نزهة الأرواح … في تاريخ الحكماء والفلاسفة 1/ 217 - 226).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 260)
" العمر قصير، والصناعة طويلة، … والتجربة «1» خطر، والقضاء عسر «2» ".
قلت: ومنها: ما أجرى الله سبحانه على أيديهم من البركات من جلب المصالح، ودرء المفاسد، والدعاء لهم، كإبراء المرضى «3»، ودعاء موسى لقومه، برفع العذاب عنهم مرارا «4»، ورد النبي- عليه السلام عين قتادة بن النعمان عليه «5»، وأشباه ذلك.--------------------------------------------
(1) في (م): وللتجربة.
(2) العبارة في الملل والنحل للشهرستاني (2/ 111):" العمر قصير، والصناعة طويلة، والوقت ضيق، والزمان جديد، والتجربة خطر، والقضاء عسر". اهـ.
(3) كما قال تعالى: ورَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ والْأَبْرَصَ وأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (سورة آل عمران آية 49).
(4) كما قال تعالى: ولَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ ومَلَائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (46) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ (47) وما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (48) وقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ (49) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (سورة الزخرف: 46 - 50)، ولَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (134) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (سورة الأعراف 134 - 135).
(5) الصحابي قتادة بن النعمان بن زيد بن عامر الأنصاري عقبي بدري شهد المشاهد كلها. قيل: إنه أول من دخل المدينة بسورة من القرآن هي سورة مريم. كانت معه يوم الفتح راية بني ظفر، توفي- رضي الله عنه في خلافة عمر بن الخطاب- رضي الله عنه سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، ونزل قبره أخوه لأمه أبو سعيد الخدري- رضي الله عنهما. وقصة رد عينه في غزوة أحد أو في غزوة بدر ذكرها الحاكم في المستدرك (3/ 295)، والبيهقي في دلائل النبوة (3/ 99 - 100، 251 - 253) بخمسة أسانيد وأورد منها ابن كثير في البداية والنهاية (3/ 291) طريقين قال في أحدهما:" وهذا غريب من هذا الوجه وإسناده جيد ولم يخرجوه" وذكر القصة ابن سعد في الطبقات الكبرى (1/ 187 - 188).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 261)
قال:" وأما منفعة النبوة: فكما قال" أبو حامد" في رسالة التوفيق «1» في ثلاثة أشياء.
أحدها: إصلاح الأخلاق النفسية كالعدل والعفة والصدق والنجدة والحلم والصبر/ والرحمة في مواضعها، والتزام/ حسنها، واجتناب سيئها كأضداد ذلك، فإنه لا غنى للعاقل في معاشه عن ذلك.
الثاني: حفظ حقوق الناس من دم ومال وعرض ونحوه، ورفع المظالم «2» من بينهم، وإلا هلك العالم/، واختل نظامه.
الثالث: نجاة النفس من الهلكة في الدار الآخرة بمعرفة الخالق- سبحانه- وطاعته، ولا سبيل إلى معرفة ذلك بمجرد الفلسفة «3» بدون النبوة.
ومن ادعى ذلك فدعواه مجردة عن دليل الحق «4»، إذ الفلاسفة مختلفون في الآراء كغيرهم، فمتابعة بعضهم دون بعض ترجيح بلا مرجح".
قلت: هذا كلام صحيح، وهو من جملة فوائد النبوة، وضرورة الناس إليها، المذكورة في الفصل قبله. وقد جاء محمد صلى الله عليه وسلم من ذلك بأفضل مما جاء به كل من سبقه. يعرف ذلك بالنظر الانصافي «5» في دين الإسلام، وقوانينه «6» الأصلية والفرعية.--------------------------------------------
(1) في (ش): الرفيق، قلت: لم أعثر على هذه الرسالة.
(2) في (ش): التظالم.
(3) في (أ): الفلاسفة.
(4) كلمة" الحق" ليست في (م) و (ش).
(5) " في": ليست في (أ). وفي هامشها: بنظر الإنصاف.
(6) قوانين: جمع قانون، وقانون كل شيء: طريقه ومقياسه. ويقال إنها دخيلة على العربية. (انظر لسان العرب 13/ 349، مختار الصحاح ص 553).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 262)
قال:" وإذ قد فرغنا مما ذكرناه. فنبين: ما النبي؟ وما شروطه؟ فنقول:
[النبي وشروطه]
النبي: هو الذي يعطى الوحي من عند الله على الصفة المذكورة في حد النبوة" «1».
قلت: هذا مسلم.
قال:" وأما شروطه فأربعة نسوقها بعد توطئة وتمهيد لذلك".
وحاصل التمهيد الذي ذكره:" أن من تردد في شيء فإنه لا يقف على حقيقته إلا بالنظر. فكذلك النبي إنما يعرف صدقه من كذبه بوجود الشروط الأربعة فيه «2».
أولها: الصدق.
وثانيها: طهارة النفس ونزاهتها عن الفواحش، لأن النبي--------------------------------------------
(1) النبي مشتق من النبأ بمعنى الخبر، فإن كان المراد أنه يخبر أمته بما أوحي إليه فهو فهو فعيل بمعنى فاعل، قال تعالى: نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (سورة الحجر: 49) وإن كان لم يؤمر بتبليغ أمته ما أوحي إليه فهو بمعنى مفعول. قال تعالى: مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (التحريم: 3) ويصح أن يكون مأخوذ من النبإ، أو النبوة- وهو ما ارتفع من الأرض- والنباوة، وكلها بمعنى الارتفاع والظهور، وذلك لرفعة قدر النبي وظهور شأنه وعلو منزلته. والنبي هو:
من أنبأه الله بخبر السماء. (انظر الرسل والرسالات، للأشقر ص 13، ولسان العرب 3/ 561 - 573، وبصائر ذوي التمييز 5/ 14، مذكرة التوحيد للشيخ عبد الرزاق عفيفي ص 44، ولوامع الأنوار 1/ 49، 2/ 265).
(2) لم أجد فيما أطلعت عليه من كتب السلف تحديد هذه الشروط الأربعة إلا الماوردي في أعلام النبوة ص 25 قال:" فإذا أثبت أن النبوة لا تصح إلا ممن أرسله الله تعالى بوحيه إليه فصحتها فيه معتبرة بثلاث شروط تدل على صدقه ووجوب طاعته: أحدها: أن يكون مدعي النبوة على-
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 263)
من عند الله، فوجب أن يكون على صفته «1» في الصدق--------------------------------------------
- صفات يجوز أن يكون مؤهلا لها لصدق لهجته وظهور فضله وكمال حاله …
والشرط الثاني: إظهار معجز يدل على صدقه …
والشرط الثالث: أن يقرن بالمعجز دعوى النبوة … " اهـ.
والظاهر أن هذا التقسيم وهذه الشروط استنتاجا من حال الأنبياء وإلا فإن الصادق المدعي للنبوة ومعه من الله برهان لا يشك العقلاء في نبوته.
(1) اختار الله في كل أمة رسولا أوحى إليه وأمره بدعوة الناس إلى عبادة الله، وكلهم صادقون مصدقون بارون راشدون كرام بررة أتقياء أمناء هداة مهتدون، مؤيدون من ربهم بالبراهين الظاهرة والآيات الباهرة قد بلغوا جميع ما أرسلهم به الله، لم يكتموا شيئا، ولم يغيروا ولم يزيدوا فيه شيئا من عند أنفسهم ولم ينقصوا حرفا فكانوا غاية في الصدق وطهارة النفس معصومين من الفواحش والكبائر، ولكنهم مع ذلك بشر حكمهم حكم البشر قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (آخر سورة الكهف). إلا أن الله حفظهم ويحفظهم من كبائر الذنوب وحتى الصغائر فيما يوحي إليهم ويبلغونه للناس، ولكنهم بشر لا يماثلون الله لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، كما هو مذهب النصارى الذين يقولون إن عيسى عليه السلام هو الله أو ابن الله:" لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ (المائدة 17، 72)، وقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (التوبة 30) والنصراني في هذه العبارة يرى بناء على مذهبه أن النبي يجب أن يكون على صفة من أرسله في الصدق والطهارة والنزاهة، ونحن لا نقبل هذا لأن الله سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ومَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً … (النساء 87) ومَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (النساء 122) فهو سبحانه متصف بصفات الكمال.
والرسل متصفون بالصدق وغيره من الصفات الحميدة والخلق الرفيعة: وإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [(القلم: 4) ولكن ليسوا على صفة الله لأنهم لو ساووا الله فيما يتصفون به لكانوا آلهة مشاركين لله في ربوبيته ولعلا بعضهم على بعض وهذا لا يقبله عقل سليم ولا فطرة، ولم يرد بذلك نص. والطوفي لم يفطن لهذا- والله أعلم- وإلا لرده كما رد على النصارى هذا المذهب في تعاليقه على الأناجيل (63 خ).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 264)
والطهارة والنزاهة «1».
قلت: هذا كلام صحيح. بل طهارة النفس وتزكيتها واجب على كل أحد لكن منهم من يحصل/ له ذلك، ومنهم من يحرمه. أما الأنبياء فهو لازم فيهم لأنهم أمناء الله على خلقه ووحيه، صيانة له.
قال:" وقد تكلم في هذا الموطن- يعني موطن الطهارة، وهي الشرط الثاني-" موسى بن عبيد الله «2» " الفيلسوف. في فصل" النبوة" في كتابه المسمى:
" دلالة الحائرين «3» " فقال:" امتحان النبي الصادق، هو اعتبار كماله، وتعقب أفعاله، وتأمل سيرته. وأكبر علاماته: اطراح اللذات البدنية، والتهاون بها، فإن ذلك شأن «4» أهل العلم، فضلا عن الأنبياء. وخاصة الحاسة التي هي عار علينا، كما ذكر" أرسطو" ولا سيما قذارة النكاح منها. ولذلك فضح الله بها كل مدع،--------------------------------------------
(1) في أ: وللنزاهة.
(2) تقدمت ترجمته في الدراسة ص 165.
(3) هو كتاب في الفلسفة سماه بالدلالة، وبعضهم يذمه ويسميه الضلالة، ترجم إلى اللاتينية، وطبع أيضا ونشر قسم منه سنة تسع وستين وثلاثمائة وألف من الهجرة في القاهرة باسم:" المقدمات الخمس والعشرون … من دلالة الحائرين" بالحروف العربية. قدم له محمد زاهد الكوثري.
[انظر الأعلام للزركلي 7/ 330، هامش رقم (5) الجزء الأول من كتاب درء تعارض العقل والنقل بتحقيق د. محمد رشاد سالم ص 131].
(4) في أ: من شأن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 265)
ليتبين الحق، ولا يضلوا، ولا يغلطوا «1» ".
ثم ذكر قصة رجلين ادعيا النبوة، وانهمكا في حساسة لذة الجماع، حتى زنيا، فافتضحا، وأحرقهما ملك بابل «2». كما ذكر ارمياء النبي أو قال برميا النبي «3» في الباب التاسع والعشرين «4».
قلت: شرع العلج «5» يدس الدسائس، ويقدم/ المقدمات الردية، ليستنتج--------------------------------------------
(1) قلت: هذه المغالطة كرر ترويجها في الترجيح بين المسيح ومحمد- عليهما السلام القس الإنجليزي الذي اختاره الإنجليز ليكون مندوبا لهم في الخليج لبسط نفوذهم فيه … وقد اشتهر بدهائه وعدائه للإسلام فكتب كتابا سماه:" مفتاح الخزائن ومصباح الدفائن" وضمنه الرد على المسلمين والاعتراض على نبوة سيد المرسلين ووزع منه نسخا كثيرة في الخليج للتلبيس على ضعفاء العلم والإيمان من المسلمين ومما وضع في هذا الكتاب هذه المغالطة. وقد تولى الشيخ عبد العزيز آل معمر- رحمه الله الرد على هذا النصراني- كما بينت في الدراسة-. [انظر منحة القريب المجيب في الرد على عباد الصليب ص 108 - 126].
(2) بابل: اسم ناحية منها الكوفة والحلة، وقيل: أرض العراق كلها هي بابل. [انظر مراصد الاطلاع 1/ 145، وهامش رقم 8 من نفس الصفحة].
(3) في (ش) و (م): ترميا، وفي الكامل (1/ 153، 2/ 21" برخيا بن حنانيا" ولم أجد له ترجمة يتضح منها صحة اسمه.
(4) هذا النص لم أجده في التراجم الحديثة، وسيأتي قول المؤلف أنه لم يجده أيضا في نبوة ارمياء في تراجم القرن السابع الهجري [انظر ص 278 من هذا الكتاب].
(5) العلج: الرجل من الكفار العجم ويقال أيضا لحمار الوحش لاستعلاج خلقه وغلظه، وكذا إذا سمن وقوي قيل له: علج، والأنثى علجة وجمعه علجة وأعلاج وعلوج، أخرج البخاري في فضائل الصحابة باب الاتفاق على عثمان وقصة مقتل عمر:" فطار العلج بسكين ذات حرفين … فلما ظن العلج أنه مأخوذ نحر نفسه … " الحديث. ويجمع على أعلاج، كما روى أبو داود في الجهاد باب في قتل الأسير بالنبل:" غزونا مع عبد الرحمن بن خالد بن الوليد فأتى بأربعة أعلاج من العدو فأمر بهم فقتلوا صبرا" أي في غير المعركة وفي حديث البخاري السابق أن عمر قال لابن عباس:" قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة" [انظر بالإضافة إلى ما سبق لسان العرب 2/ 326، والمصباح المنير 1/ 507].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 266)
منها النتائج الخبيثة،" ومثلي لا يغالط في الحساب" «1».
فأقول: أما قول الفيلسوف:" امتحان النبي الصادق باعتبار كماله، وتعقب أفعاله. وتأمل سيرته" فهذا صحيح. ومن تأمل ذلك من نبينا محمد- عليه السلام تأمل منصف، لم يجد مقالا، فإنه كان على الغاية في العدل والزهد والورع والتواضع. يعرف ذلك بالنظر في سيرته المنقولة عنه، ولسنا بصدد بيان ذلك مفصلا، إذ فيه كتب مصنفة/ من جيدها كتاب" رياض الصالحين" للنووي «2».
وأما اطراحه اللذات البدنية سوى النكاح- فكان في الغاية منه، فإنه لم ينقل عنه أنه أكل مرققا «3»، ولا على--------------------------------------------
(1) مثل تقوله العرب لمن يريد مغالطة آخر. [انظر لسان العرب 7/ 363]. قلت: أخرج البخاري في المواقيت باب الصلاة كفارة، ومسلم في الإيمان باب بيان أن الإسلام بدأ غريبا، حديث (231) عن حذيفة- رضي الله عنه:" وحدثته أن ذلك الباب رجل يقتل أو يموت. حديثا ليس بالأغاليط" وهذا لفظ مسلم: والأغاليط جمع أغلوطة وهي اعتراض العلماء بصعاب المسائل التي يكثر فيها الغلط ليستزلوا بها ويستسقط رأيهم فيها. [انظر معالم السنن بهامش سنن أبي داود 4/ 66، وفتح الباري 6/ 606].
(2) في نسخة (أ): للنواوي، وفي فوات الوفيات، والذيل عليها للكتبي (4/ 264 - 265)، ويقول ابن العماد:" بحذف الألف ويجوز إثباتها"، وترجمته تقدمت في الدراسة ص 175.
(3) مرققا: أي خبزا ملينا محسنا كخبز الجواري وشبهه، والترقيق: التليين ولم يكن عندهم مناخل.
وقد يكون المرقق: الرقيق الموسع. قال ابن حجر بعد أن نقل هذا الكلام عن القاضي عياض:
" وهذا هو المتعارف وبه جزم ابن الأثير، قال: الرقاق الرقيق، مثل طوال وطويل، وهو الرغيف الواسع الرقيق". [فتح الباري 9/ 530].
قلت: قد أخرج البخاري في الأطعمة، باب الخبز المرقق … عن قتادة قال:" كنا عند أنس وعنده خباز له فقال: ما أكل النبي صلى الله عليه وسلم خبزا مرققا ولا شاة مسموطة حتى لقي الله" اهـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 267)
أسكرجة «1»، ولا نام على فراش وطئ «2». وكان يقول:" ما لي وللدنيا/. إنما أنا والدنيا كراكب نام تحت شجرة ثم قام وتركها «3» ".
[موقف النصارى من النكاح]
وأما قوله:" الحاسة التي هي عار علينا، كما ذكر" أرسطو" ولا سميا قذارة النكاح منها".
فنقول أولا لهذا المصنف النصراني: أنت قد قدمت في فوائد النبوة: أن مقاصدها لا تحصل بمجرد الفلسفة. فكيف جعلت قول الفلاسفة كموسى بن عبيد الله، وأرسطو: حجة في تقبيح حاسة النكاح؟ هذا تهافت لا يسمع.--------------------------------------------
(1) أسكرجة: أوله همزة، وهو قول بعض أهل اللغة، وفي لسان العرب: سكرجة بدون همز، بضم السين والكاف والراء والتشديد بعد جيم مفتوحة. وهو لفظ الحديث الذي أخرجه البخاري في الأطعمة، باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يأكلون، عن أنس- رضي الله عنه قال:" ما أكل النبي صلى الله عليه وسلم على خوان ولا في سكرّجة، ولا خبز له مرقق. فقلت لقتادة: على ما يأكلون؟ قال على السفر" وأخرج الحديث أيضا الترمذي في أول الأطعمة، وابن ماجه في الأطعمة باب الأكل على الخوان والسفرة. وأحمد في المسند (3/ 130) والسكرجة: فارسية معربة، وهي إناء يؤكل فيه، منه الصغير ومنه الكبير [انظر لسان العرب 2/ 299، وفتح الباري 9/ 532].
(2) الوطي السهل اللين. [انظر إكمال الإعلام بتثليث الكلام 2/ 754].
(3) أخرجه الترمذي بسند عن عبد الله قال:" نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير فقام وقد أثّر في جنبه، فقلنا يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء، فقال: ما لي وما للدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها" قال الترمذي:" وفي الباب عن عمر وابن عباس، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح" اهـ. وقد أخرجه ابن ماجه عن عبد الله في الزهد، باب مثل الدنيا، وأحمد في المسند (1/ 301) عن ابن عباس ولفظهما نحو لفظ الترمذي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 268)
ثم نقول لهذا الفيلسوف: حاسة النكاح عار على من «1»؟ عليك؟ أو على الأنبياء ومن تابعهم؟ إن قلت: عليك. قلنا: عندك أو عندهم؟ إن قلت: عندك فأنت لا عند لك: بل أنت من أعداء أهل الشرائع. ومن أول عداوتك لهم، وطعنك عليهم، تقبيحك عليهم شيئا أجمعوا على جوازه منذ أهبط آدم إلى الآن، وأنت قد اعترفت بصحة نبوتهم وعقولهم، فأحد الأمرين لازم: إما فساد عقلك في إنكارك عليهم التشاغل بالنكاح، أو فساد عقلك في اعترافك بصحة نبوتهم، وكمال عقولهم.
ويقال لأرسطو: ألست القائل آنفا: إن حال عقولنا عند النظر إلى المبادئ «2» كحالة الخفاش عند النظر إلى الشمس. فمن أين لك أن عقلك لم يقصر عن إدراك حكمة الباري- سبحانه- في إباحة النكاح للأنبياء- عليهم السلام «3» -؟
وهل هذا إلا تهافت؟
وإن قلت: عند الأنبياء. فهذا كذب عليهم. فإن الأنبياء أجمعوا على حسنه وحكمة الله فيه، من تكثير العباد والعبّاد، وعمارة الأرض، ودوام العالم، وبقاء النوع الإنساني الذي أجمعت الحكماء على أنه خلاصة الوجود، وتنوع «4» أنواعه.
وإن قلت على الأنبياء- عليهم السلام «5» - فأنت قد اعترفت بكمالهم! / والاقدام على العار ينافي الكمال. فهذا تهافت منك بكل حال.--------------------------------------------
(1) على من: ليست في (ش).
(2) في (أ): المتاذى.
(3) " عليهم السلام": ليست في (م).
(4) في ش، م: ونوع أنواعه.
(5) " عليهم السلام": ليست في (م)، (ش).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)
[فوائد النكاح وفضيلته]
وأما ما ذكر من قذارة/ النكاح، فنقول:
لا نسلم أن فيه قذارة، بل فيه مصالح:
منها: سرور النفس به، وانشراحها للعبادة، ولعل بدونه لا تنشرح لذلك.
ومنها: تحصين الفرج عن الزنا المحرم «1» بإجماع أهل الملل والعقول.
ومنها: تحليل فضلات البدن المحتقنة فيه، وانعاش الحار الغريزي «2» به، فيخف بذلك البدن وينشط. ولهذا بعض الناس يمرض بتركه وتكثر في بدنه الجراحات «3» والدماميل ونحوها «4».--------------------------------------------
(1) وقد دعا محمد صلى الله عليه وسلم إلى ذلك فقال: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج … » الحديث. أخرجه البخاري في عدة مواضع منها" كتاب الصوم، باب الصوم لمن خاف على نفسه العزبة" ومسلم في النكاح الحديث الثالث، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي كل منهم في أول كتاب النكاح، وأحمد في المسند (1/ 378، 324، 425، 432، 447).
(2) الحار: الساخن. والحرارة حرقة في الفم من طعم الشيء أو حرقة في القلب من التوجع.
والغريزي: هو المنسوب إلى الغريزة، وهي صورة من صور النشاط النفسي، فيقال: الحرارة الغريزية، أو الميول الغريزي.
ويقال إن الحرارة الغريزية تزيد من الصباح إلى بعد الظهر زيادة بطيئة تصل إلى الكمال وتبقى كذلك إلى الثلث الأول من الليل ثم تأخذ بعد ذلك في النقص ثانيا وهكذا- والله أعلم-[انظر المعجم الوسيط 1/ 165، المعجم الفلسفي 2/ 127 - 128، ودائرة معارف القرن العشرين 3/ 407].
(3) في (ش): الحرارات.
(4) ومما يسببه المني إذا دام احتقانه: الوسواس، والجنون والصرع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 270)
ومنها: أنه يحسن الخلق، ويبسط بشرة الوجه «1».
وقد نص" جالينوس" «2» على أن سبب سوء خلق الخصيان، وتعبيس وجوههم وانتهارهم لمن كلمهم: ترك «3» الجماع، لاحتباس الماء، وتعفنه في أبدانهم.
ولئن سلمنا أن فيه قذارة فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن قذارته شرعية أو طبيعة؟ إن قلت: شرعية. فهو ممنوع فإن الذي «4» يصلح أن يضاف إليه الاستقذار في الجماع/ هو: المنيّ «5»،--------------------------------------------
(1) ومن مصالح النكاح ومقاصده الحسنة: حفظ النسل، ودوام النوع الإنساني، إلى أن تتكامل العدة التي قدر الله تعالى بروزها إلى هذا العالم، وهذه مصلحة عظيمة دالة على فضيلة النكاح، والشرائع جاءت لتحصيل المصالح.
(2) هو أشهر الأطباء اليونانيين القدماء بعد أبقراط، قيل كان من حكماء اليونانيين الذين كانوا في الدولة القيصرية بعد بنيان رومية، ومولده ومنشؤه بفرغامس مدينة صغيرة من مدن آسيا شرقي قسطنطينية. وكان عالما بالتشريح. [انظر طبقات الأطباء والحكماء لابن جلجل ص 41، ودائرة معارف القرن العشرين 3/ 3 - 13، نزهة الأرواح وروضة الأفراح في تاريخ الحكماء والفلاسفة 1/ 340 - 359].
(3) في (أ): بترك.
(4) في (م): فالذي.
(5) اختلف العلماء في طهارة مني الآدمي فذهب مالك وأبو حنيفة إلى نجاسته إلا أن أبا حنيفة قال يكفي في تطهيره فركه إذا كان يابسا وهو رواية عن أحمد وقال مالك لا بد من غسله يابسا أو رطبا. ودليلهم حديث عائشة عن مسلم في الطهارة باب حكم المني:" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغسل المني ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه" وذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه إلى أنه طاهر، ودليلهم الرواية الثانية عن عائشة عند مسلم في الموضع السابق في المني قالت" وكنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركا فيصلي فيه" وحملوا رواية الغسل على الاستحباب والتنزه والنظافة كما هو شأن النجاسة والبصاق ونحوهما. وهذا هو الراجح- والله أعلم-. [انظر شرح النووي لصحيح مسلم 3/ 197 - 198، مجموع فتاوى ابن تيمية 21/ 587 وما بعدها].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)
والمذي «1»، ورطوبة فرج المرأة «2». وهذه الأشياء طاهرة عند كثير من أهل الشرع.--------------------------------------------
(1) مذي فيه لغات: بفتح الميم وإسكان الذال وبفتح الميم وكسر الذال مع تشديد الياء، وبفتح الميم وكسر الذال مع تخفيف الياء والأوليان مشهورتان كما قال الإمام النووي:" وأولهما أفصحهما وأشهرهما." وهو ماء رقيق لزج يخرج عند ملاعبة المرأة. [انظر المصباح المنير 2/ 689، وشرح النووي على صحيح مسلم 3/ 213]، واختلف العلماء في نجاسته فقال جمهورهم: إنه نجس، واستدلوا بحديث علي عند مسلم (كتاب الحيض، باب المذي) وعند غيره:" كنت رجلا مذاء، وكنت استحي أن أسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمكان ابنته، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله فقال: (يغسل ذكره ويتوضأ) فأمر النبي صلى الله عليه وسلم له بالغسل دليل على نجاسته. وقال بعض الإمامية: المذي طاهر.
ويفهم من كلام الطوفي هنا أن معهم في هذا القول غيرهم. والراجح أنه نجس لورود الدليل بالأمر يغسله ولم يرد ما يدل على طهارته- والله أعلم-.
[انظر شرح النووي على صحيح مسلم 3/ 213، وفتح الباري 1/ 381، ومعالم السنن بهامش سنن أبي داود 1/ 143، ونيل الأوطار 1/ 64].
(2) اختلف في طهارة رطوبة فرج المرأة على نحو الخلاف في المني فقال بعض العلماء: إنه طاهر عملا برواية حك المني. وأن الاحتلام مستحيل في حق النبي صلى الله عليه وسلم لأنه من تلاعب الشيطان بالنائم، فلا يكون المني في ثوبه إلا من جماع ويلزم منه مرور المني على موضع أصاب رطوبة الفرج فلو كانت نجسة لتنجس بها المني ولما تركه في ثوبه ولما اكتفى بالفرك. وأجاب من قال بنجاسته عن هذا بأن الاحتلام منه صلى الله عليه وسلم جائز وليس من تلاعب الشيطان بل هو فيض زيادة المني، ويجوز أن يكون حصل بمقدمات جماع فسقط منه شيء على الثوب، أما المتلطخ بالرطوبة فلم يكن على الثوب. قلت: والأرجح طهارته لأنه يشق الاحتراز عنه كالمخاط والنخامة والبصاق وإلحاقا له بالمني، ولأنه لم يرد دليل صريح على نجاسته- والله أعلم-.
[انظر شرح النووي على صحيح مسلم 3/ 198].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 272)
ومن قال بنجاستها منهم عفا «1» عن يسيرها دفعا للحرج والمشقة فأما مخرج البول والغائط فلا وطء «2» فيه «3»، والحيض يحرم الوطء «4» في زمنه. فأين القذارة إذن في الجماع؟.
وإن قلت: طبعيّة لم يلزم من ذلك وجوب اجتنابها عقلا، ولا شرعا، لأن هذه الأشياء كالبصاق، وبلغم المعدة والرأس والمخاط وعرق الحمى. بل مطلق العرق. فإن هذه كلها فضلات تحللها الحرارة من البدن، وهي تورثه خفة ونشاطا وصحة، ومعتمد العلاج الطبي تنقية «5» البدن من المواد التي ليس من شأنها أن تكون فيه.
الثاني: سلمنا أن فيه قذارة بكل حال. لكن مفسدة تلك القذارة مغمورة بما فيه من المصالح العظيمة الدنيوية والأخروية «6». والعقول/ الصحيحة لا ترجح إعدام مفسدة واحدة خفيفة خصوصا وقد باشرها الأنبياء والصديقون أجمعون،- إلا من شذ منهم- على وجود مصالح كثيرة جمة النفع.--------------------------------------------
(1) في النسخ الثلاث: عفى.
(2) في (أ): فلا وطى.
(3) أما مخرج البول فلعدم إمكان ذلك، وأما مخرج الغائط فلحرمته وقذارته.
(4) في (أ): الوطي.
(5) في (أ) بتنقية.
(6) من ذلك ما تقدم، وغض البصر، وكف النفس، والقدرة على العفة عن الحرام وتحصيل ذلك للمرأة، فهو نفع لهما في الدنيا والآخرة، وشيء هذه مصالحه ومشروع للأنبياء ويحبونه يحمل المقتدي بهم على تحصيله ليترتب عليه ما ذكر من المصالح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 273)