التبرك وأقسامه وأحكامه
والنوع الثالث من أنواع الشرك الأصغر هو: التبرك، والمقصود بالتبرك: طلب البركة، وطلب البركة منه شيء مشروع، فإن الشرع قد كشف عن مواطن وأماكن وأشخاص وأقوام مباركين، فماء زمزم مبارك، وبلاد الشام مباركة، والحرم مبارك، وهناك أمور كثيرة مباركة بين النبي صلى الله عليه وسلم أن فيها بركة، وبين كيفية استعمال البركة الموجودة فيها.
وهناك نوع ثان من التبرك، وهو التبرك المذموم، وهو أن يتبرك الإنسان بأحجار أو بأشجار، أو يتبرك بأشخاص، أو يتبرك بفضلات إنسان، كالتبرك بما بقي من مائه أو ما بقي من أكله أو لبسه أو نحو ذلك، وكل ذلك من الشرك الأصغر.
إذاً: يمكن تقسيم التبرك إلى قسمين: تبرك محمود، وتبرك مذموم فالتبرك المحمود: يشترط فيه عدة شروط.
الشرط الأول: أن يدل دليل صحيح صريح على أن هذا الأمر فيه بركة.
الشرط الثاني: أن يكون التبرك به بنفس الطريقة المشروعة التي شرعها الرسول صلى الله عليه وسلم، فماء زمزم يكون التبرك به بشربه والتضلع منه، فلو أن إنساناً أخذ ماء زمزم ليداوي به الجروح فإنا نقول له: أخطأت الطريق هنا.
وبلاد الشام مباركة، والحرم مبارك، فلو أن إنساناً جاء إلى الحرم وقال: هذا مبارك، وبدأ يتمسح بأشجاره وأحجاره ويأكل من ترابه ويعمل نحو هذه الأعمال التي لم ترد في الشرع، فإنا نقول له: قد أخطأت، فإن الحرم مبارك، والبركة التي تكون فيه هي بكثرة الطواف بالطريقة المشروعة التي بينها النبي صلى الله عليه وسلم.
والنوع الثاني: التبرك الممنوع، وينقسم إلى قسمين: القسم الأول: ادعاء البركة في أماكن لم يدل الدليل الشرعي على أنها مباركة، فبعض الناس يأتي إلى قبر من القبور وينصب عليه قبةً كبيرةً ويجعل له مدخلاً ومخرجاً، ويجلس فيه ويقول: هذه روضة من رياض الجنة، وهذا المكان مبارك، فهذا ابتدع بدعة من عنده، فإن أماكن القبور لم يدل دليل صحيح صريح على أنها أماكن مباركة، فلا بد من أن يدل دليل صحيح على أن هذا الأمر مبارك؛ لأن البركة أمر موجود في العين المباركة لا يمكن أن يكشف عنه إلا من خلقه، وهو الله سبحانه وتعالى، وذلك إما بكلام منه في القرآن أو بكلام من النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن كلام النبي صلى الله عليه وسلم وحي، أما ادعاء البركة بدون دليل فهو من الشرك.
القسم الثاني: التبرك ببعض الأماكن المباركة بغير الطريقة الشرعية، مثل الذي يأتي ويتمسح بمقام إبراهيم، أو يأتي ويتمسح بسواري الحرم، أو يذهب إلى بيت المقدس ويتمسح به ونحو ذلك، مع أن هذه أماكن مباركة دل الدليل على أنها مباركة، لكنه تبرك بها بشكل غير مشروع فهذا من الشرك الأصغر.
والتبرك قد يكون شركاً أكبر إذا أوصلك اعتقاد البركة في الشيء إلى عبادته، فالذي جعل كفار قريش يعبدون مناة واللات والعزى ونحو ذلك هو التبرك، واللات كان رجلاً صالحاً يلت السويق للحجاج ويطعمهم ويسقيهم، وكان رجلاً فاضلاً، فلما مات عكفوا على قبره فتبركوا به، ووصل التبرك به إلى درجة أنهم أصبحوا يعبدونه من دون الله، ويظنون أنه يرفع عبادتهم إلى الله سبحانه وتعالى، فوقعوا في الشرك، وهذا هو -أيضاً- فعل قوم نوح، كما قال الله عز وجل: {وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح:23]، فهذه أسماء لرجال صالحين كانوا في قوم نوح ماتوا في شهر واحد، فصوروا على صورهم على هيئة تماثيل، ثم بعد أن نسي العلم وزال عبدوا من دون الله سبحانه وتعالى.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما.
وقول الله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} [النجم:19 - 22].
جاء الشيخ بهذه الآية مع أنها في شرك المشركين المخرج من الملة؛ لأن السبب الذي جعلهم يعبدونها من دون الله هو التبرك، فالتبرك قد يصل إلى الشرك الأكبر إذا أوصل صاحبه إلى عبادة المبارك، وقد يصل إلى الشرك الأصغر إذا كان وسيلة، كما بينا في الفرق بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم يقال لها: ذات أنواط].
يعني: يعلقون أسلحتهم بها لأجل البركة.
قال: [فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الله أكبر! إنها السنن، قلتم -والذي نفسي بيده- كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [الأعراف:138]، لتركبن سنن من كان قبلكم) رواه الترمذي وصححه].
فهؤلاء قوم من المشركين كانوا يتبركون بشجرة ينوطون به
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 10)
الذبح وما يحرم منه
ومن أنواع الشرك الأصغر: الذبح لله في مكان يذبح فيه لغير الله سبحانه وتعالى، فلو أن مذبحاً تذبح فيه الهدايا والقرابين ونحو ذلك، وكان هذا المذبح مخصصاً للقرابين التي تذبح لغير الله عز وجل، كان تذبح للأولياء أو تذبح للجن والشياطين، فلا يجوز للمسلم أن يأتي ويذبح لله فيها، مع أنه ذبح لله وليس لغير الله، ولكن ذلك وسيلة إلى الشرك الأكبر، وقد سبق أن ضبطنا الشرك الأصغر بأنه هو الذي يكون وسيلة إلى الشرك الأكبر، والذبح عبادة مصروفة لله، لكن لما كان في مكان يذبح فيه لغير الله صار وسيلة من وسائل الشرك، فانطبق عليه حكم الشرك الأصغر، كما هو الحال في الغلو والتطير ونحو ذلك مما سيأتي بيانه في وسائل الشرك.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 11)
باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله
قال المؤلف رحمه الله: [باب: لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله.
وقوله تعالى: {لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا} [التوبة:108]].
قول الله تعالى: ((لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا)) هذا في قصة مسجد الضرار الذي بناه المنافقون، من أجل أن يضاهوا به مسجد قباء، فنهاه الله عز وجل أن يقوم فيه أبداً؛ لأن الموضع الذي يعبد فيه غير الله عز وجل أو لا يكون خالصاً لله عز وجل لا يصح الجلوس فيه والبقاء فيه، فالشاهد من هذه الآية للباب هو من جهة كون هذا المكان بني لغير الله سبحانه وتعالى، وليس فيه ما يتعلق بالذبح، فهو من باب الاستدلال بجهة عامة وليست جهة خاصة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه قال: (نذر رجل أن ينحر إبلا ببوانة، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا، قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم).
رواه أبو داود، وإسناده على شرطهما.
بوانة: موطن في الطريق للخارج من المدينة إلى تبوك، وهو موجود الآن بهذا الاسم.
وهذا الحديث يدل على المنع من عبادة الله عز وجل في المكان الذي يعبد فيه غير الله سبحانه وتعالى؛ لأن ذلك ذريعة لعبادة غير الله، ووسيلة وطريق يفضي إليها، وهذا الحديث يدل على باب عظيم، وهو باب سد الذرائع، فهذا الباب باب عظيم يجهله كثير من الناس، وفي نفس الوقت يستغربون من مواقف بعض الصالحين وبعض أهل العلم الذين يقفون من بعض التصرفات ومن بعض الأعمال موقفاً قوياً، فيتعجبون من هذا التصرف مع أن الشيء ليس حراماً في الظاهر، والسبب هو أن الشيء إذا كان وسيلةً وطريقةً إلى محرم فإنه لا يجوز أبداً بأي حال من الأحوال، فأي وسيلة من وسائل الاختلاط تكون محرمة، وأي وسيلة من وسائل عبادة غير الله عز وجل تكون محرمة، وأي وسيلة من وسائل الشر بأي وجه من الوجوه تكون محرمة، فالحديث مع النساء -مثلاً- فيما لا داعي إليه محرم؛ لأنه طريق سيوصل إلى الحرام، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحديث مع النساء، ويحمل نهيه على ما لا داعي إليه، أما إذا كان هناك داع فإنه يصح الحديث، كما حصل منه عليه الصلاة والسلام.
وهكذا أشياء كثيرة جداً لم تحرم لذاتها، وإنما لأنها طريق مفض إلى الحرام، وهذه القاعدة يجهلها كثير من الناس ولا يعرفها، ولهذا قد يتعجب من بعض آراء وأفكار ومناهج بعض المصلحين وبعض الدعاة في بعض التصرفات والأقوال والأعمال.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 12)
باب ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده؟! في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها: (أن أم سلمة ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال: أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح -أو العبد الصالح- بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة) فهؤلاء جمعوا بين فتنتين: فتنة القبور وفتنة التماثيل].
هذا الباب يشبه الباب الذي قبله، فالذي قبله كان في الذبح، وهذا الباب عام فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، يعني: جاء إلى قبر رجل صالح وصلى عنده لله، أو دعا عنده لله، أو بدأ يقرأ القرآن عنده لله عز وجل، فهذا لا يجوز؛ لأنه وسيلة إلى الشرك، فإذا كان النهي عن عبادة الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده من دون الله؟! فلا شك في أن النهي سيكون أكبر، فهذا الباب يشبه الباب الذي قبله، والفرق بينهما أن الأول في الذبح وهذا عام في العبادات كلها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهما عنها قالت: (لما نُزِل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك أُبرز قبره، غير أنه خُشي أن يتخذ مسجداً) أخرجاه].
وموطن الشاهد من الحديث هو قوله: (اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يعني: جعلوا المكان الذي يقبر فيه النبي مسجداً للصلاة، فلو كانت الصلاة لله عز وجل فإنها تجوز؛ لأنها وسيلة من وسائل الشرك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولـ مسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل؛ فإن الله قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك).
وموطن الشاهد هنا هو نفسه موطن الشاهد من الحديث السابق.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فقد نهى عنه في آخر حياته ثم إنه لعن -وهو في السياق- من فعله، والصلاة عندها من ذلك، وإن لم يبن مسجد].
قوله: [وهو في السياق] يعني: في سياق الموت.
والمعنى أنه لو جاء إلى مقبرةً ليس فيها مسجد، وأنشأ الصلاة عندها فإنه تشمله هذه الأحاديث جميعاً، فكيف إذا بنى مسجداً وأصبح مكاناً يعهد للتعبد؟! فلا شك فإن ذلك سيكون أشد، ويكون انطباق الحديث عليه أصرح.
قال: [وهو معنى قولها: (خشي أن يتخذ مسجداً).
فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجداً، وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجداً، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجداً كما قال صلى الله عليه وسلم: (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً).
ولـ أحمد بسند جيد عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعاً: (إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد).
ورواه أبو حاتم في صحيحه].
هذه النصوص كلها تدل على أن اتخاذ القبور مساجد وأماكن للصلاة من الوسائل التي توصل إلى الشرك الأكبر، وهي من الشرك الأصغر، وهي تدل على قاعدة عظيمة من قواعد الشرع، وهي قاعدة سد الذريعة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 13)
باب ما جاء في الرياء
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في الرياء.
وقول الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف:110].
وعن أبي هريرة مرفوعاً: قال الله تعالى: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه)، رواه مسلم].
وهذا دليل صريح وواضح على أن العمل الذي يكون فيه الرياء يكون باطلاً؛ لأنه تعالى قال: (تركته وشركه)، فلو راءى تركه ورياءه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [عن أبي سعيد مرفوعاً: (ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: الشرك الخفي: يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته، لما يرى من نظر رجل) رواه أحمد].
بقي من أنواع الشرك الأصغر باب عقده المصنف خاص بالرياء، والرياء هو أصرح صورة من صور الشرك الأصغر؛ لأنه ورد في الحديث مصرحاً عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه فقال: الرياء)، وهذا صريح في اعتبار الرياء من الشرك الأصغر.
والرياء: هو أن يعمل الإنسان العمل لغير الله سبحانه وتعالى، فيزين الإنسان صلاته لنظر شخص من الأشخاص إليه، وهذا العمل من الشرك الأصغر، ويكون الرياء كفراً مخرجاً عن الملة بالكلية عندما يراءني بأصل إسلامه، فإذا جعل أصل إسلامه رياءً وفإنه يكون حينئذ منافقاً، أما إذا كان أصل الإسلام لله عز وجل وهو مسلم لله سبحانه وتعالى، لكن حصل له الرياء في بعض أعماله فهذا شرك أصغر، قد يكون شركاً أكبر بحسب العمل الذي يقع فيه الرياء، فإذا أنشأ العمل من أجل الناس فهذا من الشرك الأصغر، وإذا قصد به الإنسان نفسه فإنه يكون تعبداً لغير الله، فلو أن إنساناً قام فدفعه إلى الصلاة رؤية شخص وكانت الصلاة لله فهذا شرك أصغر؛ لأنه لم يصرف عبادة من العبادات لغير الله عز وجل، لكن الصلاة باطلة كلها ولا يقبل منها شيء؛ لأن الدافع هو مدح فلان أو المراءاة لفلان، أما إذا بدأ الصلاة لله سبحانه وتعالى، ثم طرأ عليه الرياء، فإما أن يغلب عليه ويستحسنه ويرتاح له، وإما أن يدفعه عن نفسه، فإن دفعه عن نفسه وجاهد نفسه فإن صلاته صحيحة، وأما إذا استرسل معه واستمر معه فلا تخلو العبادة من نوعين: النوع الأول: أن تكون هذه العبادة مما لا يتجزأ، مثل الصلاة، فتكون باطلة.
النوع الثاني: أن تكون العبادة مما يتجزأ، فما كان فيه مخلصاً فعمله صحيح، وما طرأ عليه الرياء فهو فاسد.
وذلك مثل صلاة التراويح، فقد يصلي الإنسان ركعتين بإخلاص لله تعالى، ثم صلى ركعتين فيرائي فيهما، فتبطل الركعتان اللتان راءى فيهما، وأما الركعتان اللتان أخلص فيهما فهما مقبولتان، مع أن الجميع يُسمى صلاة التراويح.
ومثل صلة الأرحام، فعندما يزور الإنسان أحد أقاربه مخلصاً لله عز وجل يكون عمله مقبولاً، فإن زار بعد ذلك مباشرة أحدهم وطرأ عليه الرياء وارتاح له واستمر معه فزيارته الثانية باطلة وغير مقبولة.
فهذا هو المقصود بالعبادة التي تتجزأ والعبادة التي لا تتجزأ.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 14)
خطر إرادة الدنيا بالعمل الصالح
والباب الذي بعد ذلك من أنواع الشرك الأصغر هو إرادة الإنسان بعمله الدنيا، وقد اختلف أهل العلم في الفرق بين الرياء وإرادة الإنسان بعمله الدنيا، فبعضهم جعل إرادة الإنسان بعمله الدنيا هي الرياء نفسه، مثل الحسن البصري وغيره.
وبعضهم فرق بينهما، والصحيح هو التفريق، وأصح نوع من أنواع التفريق هو القول: بأن إرادة الإنسان بعمله الدنيا عامة والرياء إرادة خاصة، وكل ذلك فعل لغير الله سبحانه وتعالى، لكن إرادة الدنيا عامة، فقد يريد الإنسان منفعة مالية، وقد يريد منفعةً دنيويةً، وقد يتعلق بشيء من الشهوات لا بالمدح والثناء، أما الرياء فمتعلق بالمدح والثناء، والأحكام التي سبقت في موضوع الرياء هي -أيضاً- منطبقة على إرادة الإنسان بعمله الدنيا، فتكون إرادة الإنسان بعمله الدنيا شركاً أكبر مخرجاً عن الملة إذا كان أصل الإسلام يريد الإنسان به الدنيا، ويكون حينئذ من جملة المنافقين، أما إذا كان أصل إسلامه يريد به وجه الله والدار الآخرة، وعمل بعض الأعمال لأجل الدنيا؛ فإنه يحكم عليه بحسب هذا العمل وبحسب درجة إرادة الدنيا فيه، كما سبق في الرياء، فإن كان بدأ بالعمل من أصله يريد به الدنيا فهو مردود، وكل الآيات والأحاديث التي جاءت في بطلان العمل إذا كان شركاً يستدل بها على بطلان إرادة الإنسان بعمله الدنيا، مثل قوله عز وجل: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} [إبراهيم:18]، وقول الله عز وجل: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر:65]، والحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك)، وغيرها من النصوص التي تدل على بطلان الشرك، وهي -أيضاً- تدل على بطلان الرياء؛ لأنه من الشرك، وتدل على بطلان إرادة الإنسان بعمله الدنيا؛ لأنها من الشرك، فإذا كان أصل العمل مراداً به الدنيا فهو باطل، وإذا كان أصل العمل مراداً به وجه الله عز وجل، ثم طرأ عليه إرادة الدنيا فهو بحسب حال العامل، وإن دفع هذه الإرادة وجاهد نفسه فعبادته مقبولة، وإن لم يدفعها وغلبت عليه فإنه يحكم بالبطلان بحسب نوع العبادة، فإذا كانت تتجزأ فإنه يقبل منها العمل الخالص، وأما غير الخالص فلا يقبل، وإذا كانت لا تتجزأ فإنها لا تكون مقبولة، على نحو ما فصلناه في موضوع الرياء.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا.
وقوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ} [هود:15]].
هذه الآية فيمن أراد الدنيا بأصل إسلامه، أو غلبت عليه إرادة الدنيا حتى أصبحت هي كل شيء بدل الدين، فهذا لا شك في أنه ليس بمسلم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع)].
هذا الحديث فيه كثير من الفوائد، ومما يتعلق بموضوعنا هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى من أراد الدنيا -ومثله من أراد المال- عبداً، فقال: تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة وعبد الخميلة، وهذا بحسب درجة العبودية التي عنده على نحو ما سبق تفصيله، وقد قسم الناس في هذا الحديث إلى قسمين: قسم تعيس: وهو من أراد بعمله الدنيا.
وقسم له الطوبى، و (طوبى) في الأحاديث الواردة قيل: إنها الجنة، وقيل: هي شجرة عظيمة في الجنة.
فهذا ما يتعلق بالكلام في الشرك في الألوهية، وبعض أنواع الشرك الأصغر.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 15)
الأسئلة
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 16)
حكم الشرك الأصغر في الآخرة
السؤال
هل توزن أعمال صاحب الشرك الأصغر أم أنه يعذب على قدر شركه ثم يدخل الجنة؟
الجواب
الشرك الأصغر فيه خلاف بين أهل العلم هل هو داخل في قول الله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء:48]، أم أنه داخل في قوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:48] على قولين مشهورين لأهل العلم، ويبدو أنه داخل في عموم قول الله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء:48]؛ لعموم هذه الآية.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 17)
ما يدعو به الإنسان ربه للنجاة من الشرك
السؤال
هل هذا الدعاء صحيح: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً فيما أعلمه، وأستغفرك لما لا أعلمه؟
الجواب
نعم هذا الدعاء صحيح، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 18)
المراد بالعصرانيين
السؤال
تذكر في دروسك بكثرة كلمة (العصرانيين)، فما المقصود بهم؟
الجواب
العصرانيون: هم طائفة من المنتسبين إلى الدعوة الإسلامية وإلى الإسلام أثر عليهم ضغط الواقع الذي يعيشون فيه تأثيراً سلبياً، بحيث إنهم أصبحوا يؤولون النصوص الشرعية بسبب ضغط الواقع الذي يعيشون فيه، ومفهوم العصرانية يدخل فيه دعاة العلمانية؛ لأن العصرانية هي دعوة نشأت في الأديان الثلاثة الكبرى عند اليهود وعند النصارى وعند المسلمين، وأساس الفكرة التي عند هؤلاء جميعاً هو أن الواقع المعاصر المتطور لا يصلح لفهم النصوص الشرعية كما كان يفهمها السابقون، ولا بد من تطوير وتطويع هذه النصوص حتى توافق الواقع وتكون مناسبة له، ثم تاهوا في كيفية تطويعها، فطائفة منهم انسلخوا من الدين وقالوا: إن الدين هو عبادة في المسجد فقط، وأما بقية الحياة فلا علاقة لها بالدين، ونحن نبنيها بمقتضى العقل، وهؤلاء هم العلمانيون ودعاة التنوير كما يسمونهم.
وطائفة أخرى أنكروا على هؤلاء العلمانيين وقالوا: الدين شامل لكل شيء، لكن قضايا المرأة وقضايا الفنون وقضايا التعامل مع الكفار لهم فيها آراء غريبة عن آراء الجيل الأول وعن إجماع الجيل الأول، فهم يبيحون السفور، ويبيحون الفنون، ويختلفون في ذلك، فمنهم من يغلو، ومنهم من يكون دون ذلك، فبعضهم عنده غلو في هذا، وبعضهم أقل من بعض، فبعضهم يبيح التصاوير والمتاحف المشهورة ويبيح الموسيقى بكل أنواعها وصورها، ولهذا قد يشجع وجود بعض أنواع الموسيقى الغريبة؛ لأنها تهذب النفس وتهذب الضمير برأيه، وهناك كتاب للأستاذ محمد حامد الناصر عن العصرانيين بين التجديد والتغريب.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 19)
حكم اعتقاد كون الحجر الأسود أو الركن اليماني شفاء للأبدان
السؤال
شخص استلم الحجر الأسود واستلم الركن اليماني من الكعبة المشرفة وقال: فيه شفاء للأبدان، فما حكم ذلك؟
الجواب
استلام الحجر الأسود ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، واستلام الحجر الأسود بصفات متعددة: منها استلامه بيده، ومنها تقبيله، ومنها الإشارة إليه، ومنها استلامه بمحجن وتقبيل المحجن، وأما الركن اليماني فقد ورد أنه مسحه ولم يرد أنه قبله، ولم يرد أنه قبل يده عندما مسحه، فيجب الاكتفاء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما اعتقاد أنه شفاء للأبدان فهذا اعتقاد فاسد يرده كلام عمر بن الخطاب عندما قبله وقال: [والله إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك].
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 20)
حكم استعمال الأسورة والحلقات المغناطيسية لعلاج أمراض المفاصل والروماتيزم
السؤال
هناك أسورة أو حلقه مغناطيسية تباع لعلاج أمراض المفاصل والروماتيزم، فما حكمها؟
الجواب
إذا ثبت طبياً أن هذا المغناطيس له أثر على العظام فلا بأس، ويكون دواءً عادياً، لكن المنهي عنه هو الخيوط التي لا نفع فيها ولا فائدة فيها بأي وجه من الوجوه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 21)
حكم كتابة اسم الزوجة في الخاتم خشية سحر الصرف
السؤال
هل يحرم وضع الخاتم في يدي إذا كتب فيه اسم زوجتي لدفع السحر الذي يفرق بيني وبينها؟
الجواب
هذا لا يجوز؛ لأن السحر طريقة علاجه تكون بالرقى والتعاويذ الشرعية، ولم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعالج الناس بخيوط أو خواتم توضع في أيديهم ويكتب فيها اسم الزوجة، فهذه طريقة داخلة فيما سبق أن أشرنا إليه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 22)
حكم اتخاذ الخيط في اليد للزينة
السؤال
بعض الناس يعلق في يده خيطاً ولا يقصد به شيئاً ولكن للزينة؟
الجواب
هذا ليس فيه إشكال، ولكن لم يعهد أن الخيط يتخذ زينة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 23)
حكم وضع حرز عند المسجد للطفل المولود بقصد حبه للصلاة
السؤال
ما حكم وضع حرز للطفل المولود بعد الولادة عند المسجد بقصد حبه للصلاة، أو عند المدرسة بقصد حب المدرسة؟
الجواب
هذا من الخرافات، وهو من التفاؤل والتشاؤم الذي لا دليل عليه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 24)
حكم وضع خيط الزينة
السؤال
ما حكم وضع خيط الزينة؟
الجواب
إذا كان خيط الزينة فيه تشبه بالكفار فإن النهي يكون من باب النهي عن التشبة بالكفار، لكن لا يعتبر تميمة إذا كان لا يعتقد فيه، وهي عادات قبيحة اعتادها بعض الناس؛ لأن الخيط لم يعرف منذ قديم الزمان أنه يستخدم للزينة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 25)
حكم طلب البركة من المرء مزاحاً
السؤال
كثر من الشباب الملتزمين -هداهم الله- قول بعضهم لبعض: تبرك بفلان؛ فإنه رجل طيب، من باب المزاح، فما حكم ذلك؟
الجواب
هم لا يقصدون البركة، لكن المزاح إذا تجاوز حده لا يكون محموداً.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 26)
حكم التبرك بأستار الكعبة
السؤال
هل التبرك بأستار الكعبة من جوانبها مشروع؟
الجواب
هذا ليس بمشروع، ولهذا لما جاء معاوية بن أبي سفيان وتبرك بجميع أركان الكعبة نهاه ابن عباس رضي الله عنه، وبين أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستلم من الكعبة إلا الحجر الأسود والركن اليماني.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 27)
قطع عمر بن الخطاب شجرة بيعة الرضوان
السؤال
ما صحة ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه منع من كان يأتي إلى الشجرة التي كانت عندها بيعة الرضوان؟
الجواب
نعم منعهم عندما كانوا يجتمعون فيها، بل إنه قطعها.
أما إتيان ابن عمر رضي الله عنه إلى الأماكن التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فيها فليس مقصوده التبرك بها بقدر ما هو تطبيق سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان ابن عمر يجتهد في اتباع هديه في كل شيء، ومع ذلك أنكر عليه بعض الصحابة رضوان الله عليهم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 28)
كيفية التداوي المشروع بماء زمزم
السؤال
ذكرت أن التداوي للجرح بماء زمزم ليس مشروعاً، كيف ذلك، وفي الحديث: (ماء زمزم طعام طعم وشفاء سقم)؟
الجواب
أنا لم أقل لا يتداوى به مطلقاً بأي طريقة، ولكن يتداوى به عن طريق الشرب، فيشرب ماء زمزم وينوي به الشفاء لمرضه، أما أن يضع الماء على الجرح فهذا غير وارد في سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 29)