Arabic source text

📘 আল-মাওসূআতুল আকাদিয়্যাহ (মাজমুআহ মিনাল মুয়াল্লিফীন)

📘 الموسوعة العقدية (مجموعة من المؤلفين)

📘 আল-মাওসূআতুল আকাদিয়্যাহ (মাজমুআহ মিনাল মুয়াল্লিফীন)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
ومما أورده قوله: (والعجب أنهم عينوا محلاً من الدار مقدار مضجع، وقالوا له: موضع ولادته صلى الله عليه وسلم، ويبعد عندي كل البعد تعيين ذلك من طريق صحيح أو ضعيف، لما تقدم من الخلاف في كونه في مكة أو غيرها، وعلى القول بأنه فيها ففي أي شعابها؟ وعلى القول بتعيين هذا الشعب ففي أي الدور؟ وعلى القول بتعيين الدار يبعد كل البعد تعيين الموضع من الدار، بعد مرور الأزمان والأعصار، وانقطاع الآثار).
ثم قال أيضاً رحمه الله مستبعداً صحة تحديد ذلك المكان: (والولادة وقعت في زمن الجاهلية، وليس هناك من يعتني بحفظ الأمكنة، سيما مع عدم تعلق غرض لهم بذلك، وبعد مجيء الإسلام فقد علم من حال الصحابة وتابعيهم ضعف اعتناقهم بالتقييد، بالأماكن التي لم يتعلق بها عمل شرعي، لصرفهم اعتناءهم رضي الله عنهم لما هو أهم، من حفظ الشريعة، والذب عنها بالسنان واللسان) (1) اهـ.
ولا شك أن اختلاف العلماء والمؤرخين في تحديد موضع الولادة دليل على عدم اهتمام الصحابة الأجلاء رضي الله عنهم به – لأنه لا يتعلق به عمل شرعي – وإلا لنقل اتفاقهم على مكان معين معروف، كما تعرف أماكن مشاعر الحج مثلاً.
فهذا إذاً من دلائل عدم مشروعية التبرك بمكان الولادة، فالصحابة أحرص من غيرهم على فعل الخير والمسارعة إليه.
الوجه الثاني: لو صحت معرفة مكان ولادة النبي صلى الله عليه وسلم لما جاز التبرك به على أي وجه، لما تقدم تقريره والاحتجاج له … من عدم مشروعية التبرك بالمواضع التي جلس أو صلى فيها الرسول صلى الله عليه وسلم، ونحو ذلك من الآثار المكانية، ومكان الولادة جزء منها.
أما الاستدلال على شرعية تعظيم المكان الذي ولد فيه نبي، والتبرك به، بما روي أن جبريل عليه السلام أمر محمداً صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء والمعراج بصلاة ركعتين ببيت لحم، حيث ولد عيسى عليه السلام (2)، فيجاب عنه بما يأتي:
1 - أن علماء الحديث وغيرهم حكموا على هذه الرواية بأنها منكرة موضوعة، فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى في بيت لحم (3).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (ثبت في الصحيح ((أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أتى بيت المقدس ليلة الإسراء صلى فيه ركعتين)) (4) ولم يصل بمكان غيره ولا زاره، وحديث المعراج فيه ما هو في الصحيح، وفيه ما هو في السنن والمسانيد، وفيه ما هو ضعيف، وفيه ما هو من الموضوعات المختلقات، مثل ما يرويه بعضهم فيه ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له جبريل: هذا قبر أبيك إبراهيم، انزل فصل فيه، وهذا بيت لحم مولد أخيك عيسى، انزل فصل فيه)) (5) .... فهذا ونحوه من الكذب المختلق باتفاق أهل المعرفة). إلى أن قال: (وبيت لحم كنيسة من كنائس النصارى، ليس في إتيانها فضيلة عند المسلمين، سواء كان مولد عيسى أو لم يكن) (6).
وقال ابن القيم رحمه الله: (قد قيل: إنه – أي النبي صلى الله عليه وسلم – نزل ببيت لحم، وصلى فيه، ولم يصح ذلك عنه ألبتة) (7).--------------------------------------------
(1) ((الرحلة العياشية)) المسماة (ماء الموائد) للعياشي (1/ 225).
(2) من كتاب ((القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل صلى الله عليه وسلم) للشيخ إسماعيل بن محمد الأنصاري (ص: 43، 138) نقلاً عن رسالة لمحمد بن علوي المالكي.
(3) انظر كتاب ((القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل صلى الله عليه وسلم) للشيخ إسماعيل بن محمد الأنصاري (ص: 138 - 145) فقد أفاض مؤلفه وفقه الله في نقل كلام أهل العلم وحكمهم على هذه الرواية وأسانيدها.
(4) رواه مسلم (162).
(5) ينظر كتاب ((المجروحين)) (1/ 225) لابن حبان.
(6) ((اقتضاء الصراط المستقيم)) (2/ 814).
(7) ((زاد المعاد)) لابن القيم (3/ 34).

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 195)

2 - لو ثبت أنه عليه الصلاة والسلام صلى ليلة الإسراء في بيت لحم، لم يكن في ذلك ما يؤيد جواز الصلاة في مكان ولادة النبي صلى الله عليه وسلم تبركاً واحتساباً للأجر، لعدم صحة القياس في أمور العبادة، فهي توقيفية.
فضلاً عن أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أمته بتعظيم بيت لحم، ولم يأمرها بالصلاة فيه، ولم يكن أحد من الصحابة رضي الله عنهم يعظم بيت لحم ويصلي فيه (1)، فليس في إتيانه فضيلة عند المسلمين كما تقدم، وكذا مكان ولادة النبي صلى الله عليه وسلم، والله تعالى أعلم. التبرك أنواعه وأحكامه لناصر بن عبد الرحمن بن محمد الجديع – ص: 355
النوع الثاني: التبرك بالأولياء والصالحين
وردت أدلة كثيرة تدل على مشروعية التبرك بجسد وآثار النبي صلى الله عليه وسلم، كشعره وعرقه وثيابه وغير ذلك.
أما غير النبي صلى الله عليه وسلم من الأولياء والصالحين فلم يرد دليل صحيح صريح يدل على مشروعية التبرك بأجسادهم ولا بآثارهم، ولذلك لم يرد عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من التابعين أنهم تبركوا بجسد أو آثار أحد من الصالحين، فلم يتبركوا بأفضل هذه الأمة بعد نبيها، وهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ولا بغيره من العشرة المبشرين بالجنة، ولا بأحد من أهل البيت ولا غيرهم، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، لحرصهم الشديد على فعل جميع أنواع البر والخير، فإجماعهم على ترك التبرك بجسد وآثار غيره صلى الله عليه وسلم من الصالحين دليل صريح على عدم مشروعيته.
وعليه فإن من تبرك بذات أو آثار أحد من الصالحين غير النبي صلى الله عليه وسلم قد عصى الله تعالى، وعصى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم، وأعطى هذه الخاصية التي خص بها ربنا جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم لغيره من البشر، وسواهم بالنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، فسوى عموم الأولياء والصالحين بخير البشر وسيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم، وهذا فيه هضم لحقه صلى الله عليه وسلم، ودليل على نقص محبته عليه الصلاة والسلام في قلب هذا المتبرك.
ومن أنواع التبرك المحرم بالصالحين:
أ) التمسح بهم، ولبس ثيابهم، أو الشرب بعد شربهم طلباً للبركة.
ب) تقبيل قبورهم، والتمسح بها، وأخذ ترابها طلباً للبركة، وقد حكى جمع من أهل العلم إجماع العلماء على أن هذا كله منهي عنه (2)، وذكر أبو حامد الغزالي الشافعي المتوفي سنة 505هـ، وغيره من علماء الشافعية والحنفية أن هذه الأفعال من عادات النصارى، وذكر بعض علماء الشافعية وبعض علماء الحنفية أن استلام القبور تبركاً كبيرة من كبائر الذنوب.
ج) عبادة الله عند قبورهم تبركاً بها، معتقداً فضل التعبد لله تعالى عندها، وأن ذلك سبب لقبول هذه العبادة، وسبب لاستجابة الدعاء.
النوع الثالث: التبرك بالأزمان، والأماكن، والأشياء التي لم يرد في الشرع ما يدل على مشروعية التبرك بها.
ومن أمثلة هذه الأشياء:
1 - الأماكن التي مر بها النبي صلى الله عليه وسلم، أو تعبد لله فيها اتفاقاً من غير قصد لها لذاتها، وإنما لأنه صلى الله عليه وسلم كان موجوداً في هذه الأماكن وقت تعبده لله تعالى بهذه العبادة، ولم يرد دليل شرعي يدل على فضلها.--------------------------------------------
(1) من كتاب ((الرد القوي على الرفاعي والمجهول وابن علوي)) للشيخ حمود التويجري (ص: 88) بتصرف، وانظر ((اقتضاء الصراط المستقيم)) (2/ 813).
(2) ينظر: رسالة ((زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور)) (ص: 24 - 32)، ((الاستغاثة في الرد على البكري)) (1/ 356)، ((مجموع الفتاوى)) (4/ 521، 26/ 97، 27/ 79 - 109، 136 - 294)، ((الاختيارات)) الجنائز (ص: 92)، ((الصارم المنكي)) (ص: 109 - 178)، ((الزواجر)): الكبيرة (93 - 98، 1/ 149).

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 196)

ومن هذه الأماكن: جبل ثور، وغار حراء، وجبل عرفات، والأماكن التي مر بها النبي صلى الله عليه وسلم في أسفاره، والمساجد السبعة التي قرب الخندق، والمكان الذي يزعم بعضهم أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد فيه – مع أنه مختلف في مكان ولادته عليه الصلاة والسلام اختلافاً كثيراً – ومثل الأماكن التي قيل إنه ولد فيها نبي أو ولي أو عاشوا فيها ونحو ذلك – مع أن كثيراً من ذلك لم يثبت -.
فلا يجوز للمسلم قصد زيارة هذه الأماكن للتعبد لله تعالى عندها، أو فوقها، بصلاة أو دعاء أو غيرهما، كما لا يجوز للمسلم مسح شيء من هذه الأماكن لطلب البركة، ولا يشرع صعود هذه الجبال لا في أيام الحج ولا غيرها، حتى جبل عرفات، لا يشرع صعوده في يوم عرفة، ولا غيره، ولا التمسح بالعمود التي فوقه، وإنما يشرع الوقوف عند الصخرات القريبة منه إن تيسر، وإلا وقف الحاج في أي مكان من عرفات.
ولذلك لم يثبت عن أحد من الصحابة أنه قصد شيئاً من هذه الأماكن للتبرك بها بتقبيل أو لمس أو غيرهما ولا أن أحداً منهم قصدها للتعبد لله فيها.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى)) (1) رواه البخاري ومسلم، وثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي هو ثاني الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباع سنتهم (أنه لما رأى الناس وهو راجع من الحج ينزلون فيصلون في مسجد، فسأل عنهم، فقالوا: مسجد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إنما هلك من كان قبلكم أنهم اتخذوا آثار أنبيائهم بيعاً، من مر بشيء من هذه المساجد فحضرت الصلاة فليصل، وإلا فليمض) (2).
فهذا قول الخليفة الراشد عمر بن الخطاب الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه)) (3). وقال عنه النبي صلى الله عليه وسلم وعن أبي بكر – رضي الله عنهما – ((اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر)) (4).
وهو – أي قول عمر السابق – يدل على التحذير من التبرك بالأماكن التي مر بها أو تعبد فيها نبينا صلى الله عليه وسلم دون قصد لها، وعلى عدم مشروعية قصد هذه الأماكن للتعبد لله فيها، وعلى هذا أجمع سلف هذه الأمة وكل من سار على طريقتهم؛ ولأن ذلك من المحدثات التي لا دليل عليها.--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (1197)، ومسلم (827).
(2) رواه عبد الرزاق (2/ 118) (2734). قال ابن تيمية في ((التوسل والوسيلة)) (203)، وابن كثير في ((مسند الفاروق)) (1/ 142): إسناده صحيح.
(3) [3958])) رواه الترمذي (3682) ، وأحمد (2/ 53) (5145) ، وابن حبان (15/ 318) ، والحاكم (3/ 93) ، والطبراني في ((الأوسط)) (3/ 338) ، قال الترمذي هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقال أحمد شاكر في ((مسند أحمد)) (7/ 133): إسناده صحيح، وصححه الألباني في ((صحيح الترمذي)). والحديث روي عن أبي هريرة، ومعاوية ابن أبي سفيان، وأبو ذر الغفاري، وبلال، رضي الله عنهم.
(4) رواه الترمذي (3663، 3799) وابن ماجه (97) ، وأحمد (5/ 385) (23324). وقال: هذا حديث حسن. وحسنه ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) (2/ 1165)، وابن الملقن في ((البدر المنير)) (9/ 579). وقال الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)): صحيح.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 197)

2 - التبرك ببعض الأشجار وبعض الأحجار وبعض الأعمدة وبعض الآبار والعيون التي يظن بعض العامة أن لها فضلاً، إما لظنهم أن أحد الأنبياء والأولياء وقف على ذلك الحجر، أو لاعتقادهم أن نبياً نام تحت تلك الشجرة، أو يرى أحدهم رؤيا أن هذه الشجرة أو هذا الحجر مبارك، أو يعتقدون أن نبياً اغتسل في تلك البئر أو العين، أو أن شخصاً اغتسل فيها فشفي، ونحو ذلك، فيغلون فيها ويتبركون بها فيتمسحون بالأشجار والأحجار، ويغتسلون بماء هذه البئر أو تلك العين طلباً للبركة، ويعلقون بالشجرة الخرق والمسامير والثياب، فربما أدى بهم غلوهم هذا في آخر الأمر إلى عبادة هذه الأشياء، واعتقاد أنها تنفع وتضر بذاتها.
ولا شك أن التبرك بالأشجار والأحجار والعيون ونحوها، بأي نوع من أنواع التبرك، من مسح أو تقبيل، أو اغتسال، أو غيرها مما سبق ذكره تبركاً وتعظيماً محرم بإجماع أهل العلم، ولا يفعله إلا الجهال؛ لأنه إحداث عبادات ليس لها أصل في الشرع، ولأنه من أعظم أسباب الوقوع في الشرك الأكبر، ولما روى أبو واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حنين، ونحن حديثو عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون حولها وينوطون بها أسلحتهم وأمتعتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال صلى الله عليه وسلم: ((الله أكبر، هذا كما قالت بنو إسرائيل: اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف: 138]، ثم قال: إنكم قوم تجهلون، لتركبن سنن من كان قبلكم)) (1).
فلما طلب حدثاء العهد بالإسلام من الصحابة شجرة يتبركون بها تقليداً للمشركين أنكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وأخبرهم أن طلبهم هذا يشبه طلب بني إسرائيل من موسى عليه السلام أن يجعل لهم آلهة تقليداً لمشركي زمانهم، فطلبهم مشابه لطلب بني إسرائيل من جهة طلب التشبه بالمشركين فيما هو شرك، وإن كان ما طلبه هؤلاء الصحابة من الشرك الأصغر.
ومن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أنه ليس هناك حجر أو غيره يشرع مسحه أو تقبيله تبركاً، حتى مقام إبراهيم الخليل – عليه السلام – لا يشرع تقبيله مطلقاً مع أنه قد وقف عليه، وأثرت فيه قدماه – عليه السلام، وهذا كله قد أجمع عليه أهل العلم.
ومسح الحجر الأسود وتقبيله، وكذلك مسح الركن اليماني في أثناء الطواف إنما هو من باب التعبد لله تعالى، واتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال عمر رضي الله عنه لما قبل الحجر الأسود: (إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك) (2) رواه البخاري ومسلم.
كما أنه يجب قطع الأشجار وهدم الآبار والعيون، وإزالة الأحجار التي يتبرك بها العامة، حسماً لمادة الشرك، كما فعل عمر – رضي الله عنه – حين قطع شجرة بيعة الرضوان.
2 - التبرك ببعض الليالي والأيام التي يقال: إنها وقعت فيها أحداث عظيمة، كالليلة التي يقال إنها حصل فيها الإسراء والمعراج، ونحو ذلك تسهيل العقيدة الإسلامية لعبد الله بن عبد العزيز الجبرين - ص: 296
النوع الرابع: التبرك بالأماكن والأشياء الفاضلة
وردت نصوص شرعية كثيرة تدل على فضل وبركة كثير من الأماكن، كالكعبة المشرفة، والمساجد الثلاثة، وكثير من الأزمان كليلة القدر ويوم عرفة، وكثير من الأشياء الأخرى، كما زمزم، والسحور للصائم، والتبكير في طلب الرزق ونحوه، وغير ذلك.--------------------------------------------
(1) رواه الترمذي (2180)، وأحمد (5/ 218) (21947). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)): صحيح.
(2) [3961])) رواه البخاري (1597) ومسلم (1270).

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 198)

والتبرك بهذه الأشياء يكون بفعل العبادات وغيرها مما ورد في الشرع ما يدل على فضلها فيها، ولا يجوز التبرك بها بغير ما ورد، وعليه فمن تبرك بالأزمان، أو الأماكن، أو الأشياء التي وردت نصوص تدل على فضلها أو بركتها بتخصيصها بعبادات أو تبركات معينة لم يرد في الشرع ما يدل على تخصيصها بها، فقد خالف المشروع، وأحدث بدعة ليس لها أصل في الشرع، وذلك كمن يخص ليلة القدر بعمرة، وكمن يتبرك بجدران الكعبة بتقبيلها أو مسحها، أو يتمسح بمقام إبراهيم أو بالحجر المسمى حجر إسماعيل، أو بأستار الكعبة، أو بجدران المسجد الحرام، أو المسجد النبوي وأعمدتهما ونحو ذلك، فهذا كله محرم، وهو من البدع المحدثة، وقد اتفق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وسلف هذه الأمة على عدم مشروعيته (1)، وعندك أن يتبرك بأحجار أو تراب شيء من المواضع الفاضلة بالتمرغ عليه أو يجمعه أو الاحتفاظ به.
ومما يدل أيضاً على تحريم التبرك بالأشياء الفاضلة بغير ما ورد في الشرع ما ثبت في (صحيح البخاري) عن ثاني الخلفاء الراشدين الذين أمرنا بأتباع سنتهم: عمر بن الخطاب رضي الله عنه والذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله جعل الحق على قلب عمر ولسانه)) (2)، وقال صلى الله عليه وسلم عنه وعن أبي بكر: ((اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر)) (3)، أنه قال رضي الله عنه لما قبل الحجر الأسود: (إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك) (4) رواه البخاري ومسلم، فقول عمر هذا صريح في أن تقبيل الحجر الأسود إنما هو اتباع للنبي صلى الله عليه وسلم، فالمسلم يفعله تعبداً لله تعالى، واقتداء بخير البرية صلى الله عليه وسلم، وليس من باب التبرك في شيء.
وإذا كان هذا في شأن الحجر الأسود الذي هو أفضل الكعبة، فغيره من الأماكن والأشياء الفاضلة أولى، فيتعبد المسلم فيها بما ورد في الشرع ولا يزيد عليه.
ومما يدل كذلك على تحريم التبرك بالأشياء الفاضلة بغير ما ورد في الشرع ما ثبت عن حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما – أنه أنكر على من استلم أركان الكعبة الأربعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستلم إلا الحجر الأسود والركن اليماني (5).رواه البخاري. تسهيل العقيدة الإسلامية لعبد الله بن عبد العزيز الجبرين - بتصرف– ص: 308--------------------------------------------
(1) ((اقتضاء الصراط المستقيم)) (ص: 808، 809)، ((مجموع الفتاوى)) (4/ 521، 27/ 79، 106 - 110)، ((الاختيارات)) الجنائز (92)، و ((الحج)) (ص: 118)، ((زيارة القبور)) للبركوي الحنفي (ص: 52)، ((مجلس الأبرار)) للرومي الحنفي مع ((خزينة الأسرار)) لسبحان بخش الهندي الحنفي (ص: 130)، و ((نقائش الأزهار للسورتي الحنفي (ص: 161) نقلاً عن ((جهود علماء الحنفية)) (ص: 657)، ((إصلاح المساجد)) للقاسمي (ص: 52)، ((القول السديد)) للسعدي (ص: 53)، ((فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم)) (5/ 11، 12).
(2) [3963])) رواه الترمذي (3682) ، وأحمد (2/ 53) (5145) ، وابن حبان (15/ 318) ، والحاكم (3/ 93) ، والطبراني في ((الأوسط)) (3/ 338) ، قال الترمذي هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقال أحمد شاكر في ((مسند أحمد)) (7/ 133): إسناده صحيح، وصححه الألباني في ((صحيح الترمذي)).والحديث روي عن أبي هريرة، ومعاوية ابن أبي سفيان، وأبو ذر الغفاري، وبلال، رضي الله عنهم.
(3) رواه الترمذي (3663، 3799) وابن ماجه (97) ، وأحمد (5/ 385) (23324). وقال: هذا حديث حسن. وحسنه ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) (2/ 1165)، وابن الملقن في ((البدر المنير)) (9/ 579). وقال الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)): صحيح.
(4) [3965])) رواه البخاري (1597) ومسلم (1270).
(5) رواه البخاري (244).

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 199)

‌‌1 - الجهل بالدين
من الأمور المسلم بها: أهمية العلم، ولاسيما العلم الشرعي، أي معرفة أمور الدين وشرائعه، ومن ثم العمل بذلك، حتى يعبد الله تعالى على بصيرة، قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر: 9].
ومن هنا فإن الجهل بالدين وبأحكامه آفة خطيرة، وداء عظيم، فهو يحجب عن معرفة الحق، ويبعد عن سنن الهدى، ويؤدي إلى الضلال، ويوقع في البدع المتعددة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (ما أحدث في الإسلام من المساجد والمشاهد على القبور والآثار فهو من البدع المحدثة في الإسلام، من فعل من لم يعرف شريعة الإسلام، وما بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم من كمال التوحيد، وإخلاص الدين لله، وسد أبواب الشرك التي يفتحها الشيطان لبني آدم. ولهذا يوجد أن من كان أبعد عن التوحيد، وإخلاص الدين لله، ومعرفة دين الإسلام هم أكثر تعظيماً لمواضع الشرك، فالعارفون بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحديثه أولى بالتوحيد وإخلاص الدين لله، وأهل الجهل بذلك أقرب إلى الشرك والبدع) (1). الخ.
فالجهل إذاً أحد أسباب حصول كثير من صور التبرك الممنوع عند بعض المسلمين، حيث لم يميزوا بين التبرك المشروع والممنوع، بل خلطوا بينهما أو قاسوا الثاني على الأول.
ولقد انتشر الجهل في العصور المتأخرة في أنحاء العالم الإسلامي، وخاصة الأقطار النائية.
ومن أهم أسباب انتشار الجهل بين الناس: سكوت علماء أهل السنة عن بيان الحق وتبليغ شرائع الدين وأحكامه، وتخاذلهم عن إنكار البدع المحدثة والتحذير عنها، وإعراض الناس عن سؤال أهل العلم في أمور دينهم.
وفي مقابل هذا: تشجيع ورعاية علماء أهل البدع – وعلى رأسهم الروافض والصوفية – لبدعهم، وإحيائها، أو إفتاء البعض بدون علم ولا دراية، فيحصل الضلال والإضلال.
هذا ومن آثار الجهل السيئة، والمفاسد المترتبة عليه: تقليد الأسلاف، وتحكيم العادات السائدة بدون دليل، وهي شبهة قديمة احتج بها الكفار المخالفون لدعوة الرسل عليهم السلام، كما أخبرنا الله تعالى عن ذلك في كتابه الكريم.
يقول الإمام الشوكاني رحمه الله مبيناً خطر هذا الأمر: (بهذه الذريعة الشيطانية، والوسيلة الطاغوتية بقي المشرك من الجاهلية على شركه، واليهودي على يهوديته، والنصراني على نصرانيته، والمبتدع على بدعته، وصار المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، وتبدلت الأمة بكثير من المسائل الشرعية غيرها، وألفوا ذلك، ومرنت عليه نفوسهم، وقبلته قلوبهم، وأنسوا إليه) (2).
كما أن من مفاسد الجهل أيضاً الوقوع في فتنة الشيطان وتلبيسه.
قال الإمام ابن القيم عند ذكره الأمور التي أوقعت عباد القبور في الافتتان بها، مع العلم بأن ساكنيها أموات، لا يملكون لهم ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياتاً ولا نشوراً.
قال رحمه الله تعالى: (منها: الجهل بحقيقة ما بعث الله به رسوله، بل جميع الرسل: من تحقيق التوحيد، وقطع أسباب الشرك، فقل نصيبهم جداً من ذلك، ودعاهم الشيطان إلى الفتنة، ولم يكن عندهم من العلم ما يبطل دعوته، فاستجابوا له بحسب ما عندهم من الجهل، وعصموا بقدر ما معهم من العلم) (3) الخ.
وعلى أي حال فإن الواجب على المسلم تعلم أمور دينه والتفقه فيه، حتى لا يعبد الله بغير ما شرعه، ولأن من أمكنه التعلم ولم يتعلم يأثم.
وقد يعذر الجاهل لعدم علمه، أو عدم استطاعته التعلم، لكنه لا يعذر بعد العلم، فقد قامت عليه الحجة حينئذ التبرك أنواعه وأحكامه لناصر بن عبد الرحمن بن محمد الجديع – ص: 467--------------------------------------------
(1) ((تفسير سورة الإخلاص)) (ص: 366).
(2) ((الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد)) لمحمد بن علي الشوكاني (ص: 28)، المطبوع ضمن مجموعة الرسائل السلفية. انظر ((رسالة تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد)) للصنعاني (ص: 33).
(3) ((إغاثة اللهفان)) (1/ 214، 215).

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 200)

‌‌2 - التشبه بالكفار
لقد دل القرآن الكريم والسنة النبوية وإجماع العلماء على الأمر بمخالفة الكفار، والنهي عن مشابهتهم، لما ينشأ عن مشابهتهم والاقتداء بهم من الأضرار الكثيرة.
فمن الأدلة على ذلك في القرآن الكريم قول الله تعالى: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ اليَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [البقرة: 120].
وأما الأحاديث في ذلك فكثيرة.
منها ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من تشبه بقوم فهو منهم)) (1).
وما أخرجه الشيخان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لتتبعن سنن الذين من قبلكم، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم. قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟)) (2).
قال ابن تيمية رحمه الله: وهذا خرج منه مخرج الخبر عن وقوع ذلك، والذم لمن يفعله، كما كان يخبر عما يفعله الناس بين يدي الساعة من الأشراط والأمور المحرمات (3).
كما جاءت السنة بالنهي عن مشابهة الكفار في أمور مخصوصة كثيرة، في العبادات والعادات، كنهيه صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد، وأن في ذلك مشابهة لأهل الكتاب.
وقد تقدم لنا إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على من طلب اتخاذ شجرة لتعليق الأسلحة، وللعكوف عندها من أجل التبرك، اقتداء بفعل مشركي الجاهلية.
هذا ومن صور التبرك الحاصلة بسبب التشبه بالكفار مما ابتلي به بعض المسلمين ما يأتي:
1 - الغلو في الأنبياء والصالحين.
فإن النصارى قد عظموا أنبياءهم وأتباعهم حتى عبدوهم، فقلدهم بعض المسلمين وتأثروا بهم، حيث غلوا في محبة وتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء والصالحين، كما تقدم قريباً.
وقد أضل النصارى كثيراً من جهال المسلمين، حتى صاروا يزورون كنائسهم، ويلتمسون البركة من قسيسيهم ورهابينهم ونحوهم (4).
2 - إحداث الاحتفال بالموالد والأعياد.
ومن أمثلة ذلك الاحتفال بزمان المولد النبوي، وموالد الأولياء، ونحو ذلك من المناسبات تعظيماً وتبركاً.
ولا يخفى أن أهم دواعي إحداث هذه الأعياد والاحتفالات البدعية في بلاد المسلمين هو التشبه بأهل الكتاب، ولاسيما النصارى منهم، حيث إنهم يقيمون أعياداً عديدة في مواسم وأحوال عيسى عليه السلام.
3 - بناء المساجد وغيرها على القبور، والتبرك بها.
فإن منشأ ما ابتلي به الكثير في بلاد المسلمين من بناء المساجد على القبور، أو اتخاذ القبور مساجد بلا بناء، أو تعظيم القبور والمشاهد، إن منشأ ذلك هو التقليد الأعمى لمن كان قبلنا من الضالين، بل والمغضوب عليهم (5).--------------------------------------------
(1) رواه أبو داود (4031)، وأحمد (2/ 50) (5114). من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) (15/ 509)، والعراقي في ((المغني)) (1/ 359): إسناده صحيح. وقال ابن حجر في ((فتح الباري)) (10/ 282): ثابت [و] إسناده حسن. وقال الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)): حسن صحيح.
(2) رواه البخاري (7319) ، ومسلم (2669).
(3) ((اقتضاء الصراط المستقيم)) (1/ 147).
(4) ((مجموع فتاوى ابن تيمية)) (27/ 460، 461) بتصرف.
(5) ((مجموع فتاوى ابن تيمية)) (27/ 460)، ((اقتضاء الصراط المستقيم)) (1/ 77، 295)، بحث الوادعي ((حول القبة المبنية على قبر الرسول صلى الله عليه وسلم) (ص: 286) بتصرف.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 201)

فإن اليهود والنصارى هم الأئمة في ذلك، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم محذراً عن فعلهم، في مرض موته: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) (1).
والنصارى أشد غلوا في ذلك من اليهود، كما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأينها بالحبشة، فيها تصاوير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة)) (2).
ومن المعلوم أن النصارى يفرحون بما يفعله أهل البدع والجهل من المسلمين، مما يوافق دينهم، ويشابهونهم فيه، ويحبون أن يقوى ذلك ويكثر، ليقوى بذلك دينهم، ولئلا ينفر المسلمون عنهم وعن دينهم (3). ولا شك أن من دواعي التشبه بأفعال الكفار مجاورتهم أو مخالطتهم، حتى وصل الحال – مثلاً – ببعض جهال المسلمين في بلاد الهند إلى أن أحدهم صار يمشي زحفاً لزيارة قبر الولي، ويرجع على قفاه تقديراً وتعظيماً. وهذا بسبب مجاورة البوذيين هناك ومخالطتهم، حيث تأثروا بهم فقلدوهم في هذا الفعل ونحوه. التبرك أنواعه وأحكامه لناصر بن عبد الرحمن بن محمد الجديع – ص: 475--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (1390)، ومسلم (529) من حديث عائشة.
(2) رواه البخاري (427)، ومسلم (528).
(3) ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية)) (27/ 462 - 464) باختصار.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 202)

‌‌3 - تعظيم الآثار
المقصود بالآثار هنا: الآثار المكانية، ونحوها.
وقد تقدم أنه لا يجوز تعظيم مكان لم يعظمه الشرع، كما أن هذا التعظيم يجب أن يكون على وفق الشرع أيضاً، وما جاوز ذلك من التعظيم والتبرك بالأماكن فممنوع.
وقد لاحظنا … أن تعظيم الآثار المكانية وتقديسها هو السبب الباعث على التبرك بها وطلب الخير عندها.
كما يلاحظ أن معظم هذه الآثار التي يتبرك بها هي آثار النبي والصالحين المكانية المنسوبة إليهم، مثل أماكن ولادتهم، ومواضع عبادتهم أو إقامتهم، أو بعض أحوالهم، …
ويدخل في هذا تعظيم قبور الأنبياء والصالحين والبناء عليها.
وهذه الآثار المكانية إما أن تكون ثابتة – وهي الأكثر – أو منقولة، مثل ما يزعم في بعض البلدان من أحجار عليها أثر قدم النبي صلى الله عليه وسلم، وما ينقل من تراب القبور تبركاً.
ولا شك أن تعظيم تلك الآثار، ومن ثم التبرك بها، قد حصل بسبب تعظيم أصحاب هذه الآثار والغلو فيهم.
ومن الأسباب الأخرى أيضاً تقليد الكفار، فإن الكفار يعظمون آثار عظمائهم، وتعظيم الآثار من سماتهم.
ويمكن أن يدخل فيما تقدم مما يعظم ويتبرك به: التبرك الممنوع ببعض البقاع المقدسة، أو ما هي مظنة التقديس والتعظيم، كالتبرك ببعض أجزاء الكعبة، أو بالمشاعر المقدسة، أو بصخرة بيت المقدس، ونحو ذلك.
هذا ولعل من أسباب انتشار التبرك بالمواضع: تساهل الكثير من العلماء في رواية أخبار فضائل المواضع، وعدم تمحيصها، فكثرت في كتب الفضائل الأحاديث والآثار والأخبار الضعيفة، بل والموضوعة، عن فضائل بعض المواضع وما تحتوي عليه من البركة.
ومن النماذج لما وصل إليه تعظيم وتقديس الآثار المكانية، والمبالغة في اقتضائها للبركة ما يأتي:
(1) أن مفتاح الكعبة إذا وضع في فم الصغير الذي ثقل لسانه عن الكلام يتكلم سريعاً بقدرة الله تعالى (1).
(2) ما يروى أن الله تعالى قال للصخرة: (أنت عرشي الأدنى).
(3) تمسح الجهال بالحاج أو المعتمر من مكة المكرمة، أو الزائر للمدينة المنورة، بل وبسكان الحجاز وما حوله.
(4) نقل شيء من تراب قبر الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة وحفظه تبركاً، وكذا قبر غيره صلى الله عليه وسلم.
(5) أكل تراب جبل عرفات، ونحوه.
وغير ذلك كثير …
وهناك أسباب أخرى عامة ساعدت على وجود وانتشار هذا التبرك الممنوع وفشوه في المجتمع.
ومن أهم هذه الأسباب على سبيل الإجمال: تأثير الفرق المبتدعة، كالصوفية والرافضة، والتمسك بالآثار الضعيفة أو الموضوعة، وقياس الممنوع من التبرك على المشروع منه، وسكوت العلماء عن الإنكار، والاستسلام للعاطفة، والتعصب للهوى، والله تعالى أعلم. التبرك أنواعه وأحكامه لناصر بن عبد الرحمن الجديع – بتصرف – ص: 479--------------------------------------------
(1) انظر ((رحلة الصديق إلى البيت العتيق))، للسيد صديق حسن خان (ص: 24).

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 203)

‌‌ثالثاً: آثار التبرك الممنوع
لاشك أن التبرك الممنوع يفضي إلى شرور كثيرة، اعتقادية وعملية، وإلى مفاسد عظيمة، دينية ودنيوية، فله آثار سيئة وخطيرة.
وسأتكلم عن أهم هذه الآثار بالتفصيل، مبيناً كيفية حصول كل أثر منها، مع الاستشهاد بنماذج توضح ذلك.
أولا: الشرك:
من آثار التبرك الممنوع: الشرك، والمقصود به الشرك الأكبر.
وهو أعظم الآثار وأشدها خطراً، كيف لا وهو أكبر الكبائر، يخرج من ملة الإسلام، ويحبط جميع الأعمال، ويوجب الخلود في النار لمن مات عليه، وفيه تنقص لله رب العالمين.
ولهذا بعث الله تعالى رسله من أجل إفراده بالعبادة بجميع أنواعها، وترك عبادة ما سواه، كما قال عز وجل: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ [النحل: 36].
أما كيف يوصل التبرك الممنوع إلى الشرك؟ فإن ذلك يحصل من إحدى حالتين:
الأولى: أن يكون التبرك الممنوع في حد ذاته شركاً.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك: التبرك بالأموات – من الأنبياء والصالحين وغيرهم – في دعائهم لقضاء الحاجات الدينية أو الدنيوية، وتفريج الكربات والاستغاثة بهم، والتقرب إليهم بالذبح أو النذر لهم، والطواف على قبورهم.
فهذا ونحوه من الشرك الأكبر، لأنهم قد اعتقدوا فيهم ما لا يجوز أن يعتقد إلا في الله، فأنزلوهم منزلة الربوبية، أو صرفوا لهم من العبادات ما لا يجوز أن يصرف إلا لله تبارك وتعالى، وهذا بسبب المبالغة في تعظيمهم، والافتتان فيهم، والتعلق بهم.
ووصل الأمر في اعتقاد بعض المشركين بأصحاب القبور إلى أن قالوا: إن البلاء يندفع عن أهل البلد بمن هو مدفون عندهم من الأنبياء والصالحين.
وكل هذه الأمور الشركية تفعل باسم التبرك، وأحياناً باسم التوسل والتشفع.
الحالة الثانية: أن يؤدي التبرك الممنوع إلى الشرك، فيكون التبرك الممنوع من وسائله، ويكون الشرك من نتائج التبرك الممنوع ومن آثاره.
ولهذا حصل المنع من بعض أنواع التبرك سداً للذريعة إلى الشرك، وخوفاً من الوقوع فيه.
ومن الأمثلة على ذلك النهي عن الصلاة عند القبور، أو بناء المساجد أو القباب عليها، أو الدعاء عندها، ونحو ذلك من المظاهر والمشاهد مما يراد به تعظيم أصحابها.
ويلحق بذلك: التبرك بأمكنة وآثار الأنبياء والصالحين، وتعظيمها وتقديسها.
فإن هذه الأمور ونحوها من أعظم الذرائع والأسباب المؤدية إلى وقوع الشرك بأصحاب القبور والآثار في وقت من الأوقات مع تطاول الأيام.
وقد كان أصل حصول الشرك وعبادة الأصنام في الأرض بسبب تعظيم الموتى الصالحين.
روى ابن جرير الطبري رحمه الله عن بعض السلف في تفسيره لقوله تعالى: وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا [نوح: 23 - 24] أن هذه أسماء رجال صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا جاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم. وروى ابن جرير أن هذه الأصنام كانت تعبد في زمان نوح عليه السلام، ثم اتخذها العرب بعد ذلك (1).
وأيضا فإن (اللات) التي هي من أكبر أوثان العرب في الجاهلية، كان سبب عبادتهم تعظيم قبر رجل صالح والعكوف عليه (2).
وبهذا تبين أن سبب عبادة الأصنام هو المبالغة في تعظيم الصالحين.--------------------------------------------
(1) ((تفسير الطبري)) (29/ 98، 99) وانظر: ((صحيح البخاري)) (6/ 736) كتاب التفسير، تفسير سورة نوح.
(2) انظر: ((تفسير الطبري)) (27/ 58، 59).

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 204)

ولهذا نهى الشارع الحكيم عن كل ما يؤدي إلى اتخاذ الأوثان، مثل تعظيم قبور الأنبياء والصالحين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع هي التي أوقعت كثيراً من الأمم، إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك، فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين … ونحو ذلك، فلأن يشرك بقبر الرجل الذي يعتقد نبوته أو صلاحه، أعظم من أن يشرك بخشبة أو حجر على تمثاله، وبهذا نجد أقواماً كثيرين يتضرعون عندها ويخشعون، ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في المسجد، بل ولا في السحر، ومنهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء بها ما لا يرجونه في المساجد التي تشد إليها الرحال).
ثم قال رحمه الله: (فهذه المفسدة، التي هي مفسدة الشرك – كبيره وصغيره – هي التي حسم النبي صلى الله عليه وسلم مادتها، حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقاً، وإن لم يقصد المصلي بركة البقعة بصلاته، كما يقصد بصلاته بركة المساجد الثلاثة، ونحو ذلك، كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس واستوائها وغروبها، لأنها الأوقات التي يقصد المشركون بركة الصلاة للشمس فيها، فنهى المسلم عن الصلاة حينئذ – وإن لم يقصد ذلك – سدًّا للذريعة) (1) اهـ.
ومن الأمثلة أيضاً على النهي عن بعض أنواع التبرك سدًّا لذريعة الوقوع في الشرك: التبرك الممنوع بالأشجار والأحجار وبعض البقع، وتعظيمها، فإن هذا التبرك قد يؤدي إلى الشرك مع مرور الزمان.
ولقد كان من أسباب عبادة الأوثان والأحجار عند العرب أن الواحد منهم كان إذا أراد سفراً حمل معه حجراً من حجارة البيت تبركاً به وتعظيماً، حتى صاروا إلى عبادة الأحجار والجمادات.
جاء في كتاب (الأصنام) لابن الكلبي (أن إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام لما سكن مكة، وولد بها أولاد كثير حتى ملأوا مكة … ضاقت عليهم مكة، ووقعت بينهم الحروب والعداوات، وأخرج بعضهم بعضاً، فتفسحوا في البلاد … وكان الذي سلخ بهم إلى عبادة الأوثان والحجارة أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتمل معه حجراً من حجارة الحرم، تعظيماً للحرم وصبابة بمكة، فحيثما حلوا وضعوه، وطافوا به كطوافهم بالكعبة، تيمناً منهم بها، وصبابة بالحرم وحباً له، وهم بعد يعظمون الكعبة ومكة، ويحجون ويعتمرون على إرث إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.
ثم سلخ ذلك بهم إلى أن عبدوا ما استحبوا، ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره، فعبدوا الأوثان، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم قبلهم … ) (2).
ثانياً: الابتداع:
التبرك الممنوع ابتداع في الدين، ليس عليه دليل من كتاب الله تعالى ولا من سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولم يفعله السلف الصالح رحمهم الله تعالى، وهو مخالف للتبرك المشروع الذي دلت عليه الأدلة الشرعية.
فالتبرك الممنوع كله إذاً من أصنام البدع المحدثة المذمومة، إلا أن بدعيته تتفاوت وتختلف باختلاف صوره وكيفيته، فإن منه ما يصل إلى حد الشرك … ومنه ما يكون أدنى من ذلك.
والأمثلة على صور التبرك الممنوع المبتدعة كثيرة جداً،. ....
ومن نماذج ذلك على سبيل الإجمال ما يأتي:-
- شد الرحال إلى زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء والصالحين.
- التبرك بقبور الأنبياء والصالحين، كأداء العبادات عندهم، مثل الصلاة والدعاء والطواف، وكتقبيل القبور والتمسح بها، وحمل شيء من ترابها والعكوف عندها.
- قصد مواضع صلاة أو جلوس النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة أو الدعاء، مما لم يفعله صلى الله عليه وسلم على وجه التعبد.--------------------------------------------
(1) ((اقتضاء الصراط المستقيم)) (2/ 674).
(2) ((الأصنام)) لابن الكلبي (ص: 6).

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 205)

- التبرك بمكان ولادة النبي صلى الله عليه وسلم، أو بليلة مولده، أو بليلة الإسراء والمعراج، أو ذكرى الهجرة، ونحو ذلك.
- وكذا التبرك بموالد الصالحين، أو من يسمون بالأولياء.
- التبرك المبتدع ببعض الجبال والمواضع.
وكما أن التبرك الممنوع بدعة في حد ذاته فهو أيضاً يجر إلى بدع أخرى.
وأكتفي هنا من الشواهد على ذلك بمثالين فقط.
أحدهما: أن من النتائج السيئة للتبرك الممنوع بقبور الأنبياء والصالحين بناء المساجد عليها، وبناء القباب فوقها، وزخرفة القبور وتشييدها، وكذا بناء المساجد على آثار الأنبياء والصالحين، ونحو ذلك من الأعمال المحدثة في الإسلام.
الثاني: أن التبرك الممنوع بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته قد أدى إلى إحداث عيد المولد النبوي والاحتفال به، ثم تدرج الأمر، فأقيمت الاحتفالات لأعياد أخرى كثيرة مبتدعة، في مواسم متفرقة، كليلة الإسراء والمعراج، وذكرى الهجرة، وغير ذلك من الأعياد المبتدعة التي تفعل باسم الدين، وكأنها من شعائر الإسلام، والتي يزداد عددها مع مرور الأيام.
وهذا هو شأن البدعة، فإن فعل القليل منها يؤدي إلى فعل الكثير من البدع الأخرى.
فلا يجوز التهاون في شأن البدعة مهما صغرت، فإنها تتدرج حتى تكبر وتعظم، ويشتد خطرها وأثرها.
قال الإمام أبو محمد البربهاري رحمه الله محذراً عن ذلك: (واحذر صغار المحدثات من الأمور، فإن صغار البدع تعود حتى تصير كباراً، وكذلك كل بدعة أحدثت من الأمور، فإن صغار البدع تعود حتى تصير كباراً، وكذلك كل بدعة أحدثت في هذه الأمة، كان أولها صغيراً يشبه الحق، فاغتر بذلك من دخل فيها، ثم لم يستطع المخرج منها، فعظمت، وصارت ديناً يدان بها) (1).
وحسبنا في ذم البدع والابتداع قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: ((إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)) (2)، وقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الآخر: ((وشر الأمور محدثاتها)) (3).
ثالثا: اقتراف المعاصي:
إن من آثار التبرك الممنوع انتهاك الحرمات، ووقوع كثير من المفاسد والمنكرات، ومن الأمثلة على ذلك ما يأتي:
1 - ما تتضمنه غالباً أعياد المولد النبوي، وأعياد موالد الأولياء، وكذا الأعياد المبتدعة الأخرى من أنواع المعاصي والمنكرات الظاهرة.
ومنها استعمال الأغاني وآلات اللهو والطرب، وما يتبع ذلك من الرقص.
وإقامة حلقات الذكر على الوجه المحرم شرعاً، مع قلة احترام كتاب الله تعالى.
ومنها اختلاط الرجال بالنساء، وما ينتج عن ذلك من الفتنة.
ومنها إضاعة الأموال وتبذيرها لإقامة الحفلات، والإسراف في إيقاد الشموع في المساجد والطرقات، ونفقات الزينة.
إلى غير ذلك من الأمور المخالفة للشرع، التي تفعل باسم التبرك والاحتفال بليلة مولد النبي صلى الله عليه وسلم ونحوها من المناسبات.
2 - ما يترتب من المفاسد والأضرار على التبرك الممنوع بالقبور واتخاذها مزارات ومشاهد وأعياد متكررة.
ومن ذلك صرف النفقات الباهظة المحرمة على بناء القباب والمزارات وكسوتها بالأقمشة، وتزيينها بالمصابيح، وتحبيس الأوقاف للإنفاق على ذلك، وإضاعة الأموال عن طريق النذور التي تقدم لصالح الأموات ويأكلها السدنة.--------------------------------------------
(1) ((شرح السنة)) لأبي محمد البربهاري (ص: 23).
(2) رواه أبو داود (4607)، والترمذي (2676)، وابن ماجه (42)، وأحمد (4/ 126) (17184). قال الترمذي: هذا حديث صحيح. قال الشوكاني في ((إرشاد الفحول)) (1/ 160)، والألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)): صحيح.
(3) رواه مسلم (867).

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 206)

3 - ما يحصل من مساوئ التبرك الممنوع عند زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، كالجلوس عند القبر النبوي للتلاوة والذكر، ورفع الصوت بالدعاء، وتكرار التلفظ بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وقصد القبر للسلام عليه بعد كل صلاة.
ومع بدعية هذه الأفعال إلا أن لها أيضاً أضراراً على الآخرين، كالتشويش على المصلين، وإحداث الزحام على الزوار.
رابعا: الوقوع في أنواع من الكذب:
إن من الآثار السيئة للتبرك الممنوع لجوء أصحابه إلى الكذب، من أجل الاستدلال على شرعية ما ذهبوا إليه، أو لغرض تعيين موضع التبرك أو محله. ولهذا وقعوا في عدة أنواع من الكذب، تلك الخصلة الذميمة الممقوتة.
ويمكن بيان أنواع الكذب التي وقعوا فيها بسبب التبرك الممنوع فيما يأتي:
الأول: الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم.
لا شك أن أشد أنواع الكذب هو الكذب على الله تعالى، أو على رسوله صلى الله عليه وسلم.
وقد حذر عليه الصلاة والسلام من الكذب عليه بقوله: ((من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)) (1).
ويتنوع الكذب هنا على الرسول صلى الله عليه وسلم: فقد يكون في أقواله، للاستدلال على شرعية التبرك ببعض الأمور، وهذا هو الكثير، وقد يكون الكذب في آثاره صلى الله عليه وسلم.
ومن نماذج الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم في أقواله ما يأتي:
1 - إيراد الأخبار الموضوعة لأجل تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم في القصص التي تقرأ ليلة المولد النبوي.
2 - الأحاديث الموضوعة في فضل زيارة قبره صلى الله عليه وسلم.
3 - وضع الأحاديث في فضائل القبور كحديث: ((إذا أعيتكم الأمور فعليكم بالقبور)).
4 - الأحاديث المكذوبة في فضل الصخرة بالقدس.
5 - أحاديث فضل الجامع الأموي بدمشق ومضاعفة الصلاة فيه.
أما الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم في آثاره فإن المقصود به ما قد ينسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم كذباً – لا سيما في العصر الحاضر – من آثاره الحسية، للتبرك بها، كشعراته مثلاً.
وكذا دعوى وجود أثر موطئ قدم النبي صلى الله عليه وسلم على بعض الأحجار، حتى يتبرك بها، وقد حققت عدم صحة ذلك.
الثاني: الكذب على غير الرسول صلى الله عليه وسلم، كالكذب على الصحابة رضي الله عنهم، أو التابعين رحمهم الله، وغيرهم من الصالحين.
وهذا الكذب عليهم قد يكون في الأقوال، مثل ما ينسب إليهم من الروايات المكذوبة في ذكر فضائل وبركة بعض الأماكن.
وقد يكون الكذب عليهم في الأفعال، كادعاء حصول البركة عند بعض القبور، مثل ادعاء أن الشافعي كان يدعو عند قبر أبي حنيفة إذا نزلت به شدة فيستجاب له.
الثالث: الكذب في تعيين موضع التبرك.
ويكثر هذا النوع في تعيين مواضع قبور بعض الصالحين من الصحابة وغيرهم.
ولعل خير مثال على ذلك هو تعدد أسماء المدن التي يقال إن رأس الحسين بن علي رضي الله عنهما موجود فيها، فقد بلغ عددها ثمانية أسماء.
الرابع: ادعاء بركة بعض المواضع دون مستند شرعي.
ومن النماذج على ذلك: زعمهم أن دار خديجة رضي الله عنها بمكة أفضل المواضع بعد المسجد الحرام، وأن الدعاء يستجاب فيها.
ومنها كثرة ادعاء استجابة الدعاء عند بعض المقابر أو الجبال أو المساجد المحدثة المبنية على آثار الأنبياء والصالحين …
خامساً: تحريف النصوص:
… إن أصحاب التبرك الممنوع، من أجل الاستدلال على شرعية ما ذهبوا إليه يلجؤن أحياناً إلى الكذب، فهم لهذا أيضاً يذهبون إلى تحريف معاني النصوص الشرعية، وتحميلها ما لا تحتمل.
وأغلب ما يوجد من هذا التحريف هو تحريفهم النصوص التي يريدون الاستدلال بها.
ومن الأمثلة على ذلك ما يأتي:--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (1291)، ومسلم في مقدمة صحيحه (3).

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 207)

1 - استدلالهم على استحباب طلب الاستغفار من الرسول صلى الله عليه وسلم عند قبره بعموم قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيمًا [النساء: 64].
2 - استدلالهم على مشروعية التبرك بالمواضع التي صلى فيها الرسول صلى الله عليه وسلم بحديث صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم في بيت عتبان بن مالك رضي الله عنه.
3 - استدلالهم على جواز اتخاذ المساجد على القبور بقوله تعالى في قصة أصحاب الكهف: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [الكهف: 21].
وقد يوجد التحريف من قبلهم عن طريق تحريف النصوص المعارضة لهم.
مثال ذلك تحريفهم نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ قبره عيداً بقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تجعلوا قبري عيداً)) (1).
فقالوا: هذا أمر بملازمة قبره، والعكوف عنده، واعتياد قصده وانتيابه، ونهي أن يجعل بمنزلة العيد الذي يكون من الحول إلى الحول، بل يقصد كل ساعة وكل وقت (2).
وهذا تحريف للمعاني، ومناقضة لما قصده الرسول صلى الله عليه وسلم، وقلب للحقائق (3).
سادساً: إضاعة السنن:
من المفاسد في الدين التي يشتمل عليها التبرك الممنوع إضاعة السنن. وهذا من خصائص البدع (ذلك أن القلوب إذا اشتغلت بالبدع أعرضت عن السنن) (4).
ولهذا جاء في الحديث ((ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة)) (5).
ولا شك أن السنن تموت إذا أحييت البدع (لأن الباطل إذا عمل به لزم ترك العمل بالحق، كما في العكس، لأن المحل الواحد لا يشتغل إلا بأحد الضدين) (6).
ثم إن من لم يعطل الفرائض والسنن فستضعف عنايته بها على الأقل، بسبب تعلقه بالبدع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية عند سياقه مفاسد البدع: (ومنها أن الخاصة والعامة تنقص بسببها عنايتهم بالفرائض والسنن، ورغبتهم فيها، فتجد الرجل يجتهد فيها ويخلص وينيب، ويفعل فيها ما لا يفعله في الفرائض والسنن، حتى كأنه يفعل هذه عبادة، ويفعل الفرائض والسنن عادة ووظيفة، وهذا عكس الدين، فيفوته بذلك ما في الفرائض والسنن من المغفرة، والرحمة، والرقة، والطهارة، والخشوع، وإجابة الدعوة، وحلاوة المناجاة، إلى غير ذلك من الفوائد، إن لم يفته هذا كله فلابد أن يفوته كماله) (7).
هذا ومن الأمثلة على ما يؤدي إليه التبرك الممنوع من إضاعة الواجبات والسنن ما يأتي:
1 - التبرك بقبور الأنبياء والصالحين، والعكوف عندها ومجاورتها، ونحو ذلك من المظاهر المبتدعة يشغل عن كثير من الفرائض والواجبات، والسنن المشروعة في الدين.--------------------------------------------
(1) رواه أبو داود (2042)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (3/ 491) (4162). من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. والحديث سكت عنه أبو داود، وصحح إسناده عبدالحق الإشبيلي في ((الأحكام الصغرى)) (892) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، والنووي في ((الأذكار)) (154).
(2) ((إغاثة اللهفان)) لابن القيم (1/ 192).
(3) ((إغاثة اللهفان)) لابن القيم (1/ 192، 193).
(4) ((اقتضاء الصراط المستقيم)) (2/ 740).
(5) رواه أحمد (4/ 105) (17011) ، مرفوعا من حديث غضيف بن الحارث. قال الهيثمي ((مجمع الزوائد)) (1/ 193): فيه أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم وهو منكر الحديث. وقال الشوكاني في ((نيل الأوطار)) (3/ 333): في إسناده ابن أبي مريم وهو ضعيف وبقية وهو مدلس.
(6) ((الاعتصام)) للشاطبي (1/ 114).
(7) ((الاقتضاء)) (2/ 611)، وانظر هذا المرجع (2/ 741).

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 208)

حتى لقد أصبح العكوف عند بعضهم في المسجد المبني على القبر أحب إليه من العكوف في المسجد الحرام، بل حرمة ذلك المسجد المبني على القبر الذي حرمه الله ورسوله أعظم عندهم من حرمة بيوت الله التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه (1).
وبلغ الأمر ببعض الغلاة إلى تفضيل زيارة المشاهد التي على القبور على حج البيت الحرام، وإلى اعتقاد أن السفر لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من حج البيت (2).
2 - قصد المساجد المحدثة المبتدعة، وتتبع آثار الأنبياء والصالحين وبعض الجبال والمواضع، في مكة والمدينة وبلاد الشام وغيرها، لأداء العبادات فيها تبركاً، كالصلاة والدعاء – وفي ذلك تعطيل لأداء العبادة المفروضة أو المسنونة في المساجد الثلاثة الفاضلة، وسائر المساجد الأخرى التي شرعت العبادة فيها.
3 - إقامة الأعياد والاحتفالات المبتدعة للموالد وغيرها، التي تستنزف الجهود والأوقات، وتشغل عن ذكر الله وعن الصلاة، وعن كثير من الواجبات والسنن.
سابعاً: التغرير بالجهال، وإضلال الأجيال:
من الآثار السيئة للتبرك الممنوع أنه يؤدي إلى التغرير بالجهال وإضلالهم. فمن المعلوم أن هذا التبرك يحتوي على مظاهر بارزة جذابة.
ومن أكثر تلك المظاهر: الأبنية المقامة على بعض القبور، كالمساجد والقباب والمشاهدات والمزارات، وما يجري فيها وما حولها من مظاهر التبرك المبتدعة المختلفة.
ومنها أيضاً مظاهر الأعياد والاحتفالات المبتدعة، التي تقام في المساجد، أو القبور، أو الطرقات، واجتماع الناس فيها.
فإن الجاهل إذا رأى هذه المظاهر المحسوسة والمشاهد الملموسة، أو مر بها، سيتأثر بلا شك، ويغتر بذلك، لاسيما مع كثرة أهلها الذين يزاولونها ويعتنون بها.
فهذا التبرك الممنوع – بمظاهره البراقة – سبب من أسباب فتنة الناس به، وجرهم إليه، ولاسيما الجهال والعوام، وهو بهذا يؤدي إلى إضلال كثير من الأجيال المتعاقبة للمسلمين، الذين يرون تلك المظاهر والمشاهد المتكررة، التي تقام باسم الدين، ويدعو إليها من ينتسب إليه، إضافة إلى تحسين الشيطان للبدع في نفوس الناس وتزيينها لهم. التبرك أنواعه وأحكامه لناصر بن عبد الرحمن بن محمد الجديع – بتصرف – ص: 483--------------------------------------------
(1) ((الاقتضاء)) (2/ 739).
(2) ((الاقتضاء)) (2/ 739).

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 209)

‌‌أولاً: معنى اتخاذ القبور مساجد
الذي يمكن أن يفهم من هذا الاتخاذ، إنما هو ثلاثة معانٍ:
الأول: الصلاة على القبور، بمعنى: السجود عليها.
الثاني: السجود إليها واستقبالها بالصلاة والدعاء.
الثالث: بناء المساجد عليها، وقصد الصلاة فيها.
أقوال العلماء في معنى الاتخاذ المذكور:
وبكل واحدٍ من هذه المعاني قال طائفة من العلماء، وجاءت بها نصوص صريحة عن سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم.
أما الأول: فقال ابن حجر الهيتمي: واتخاذ القبر مسجداً معناه الصلاة عليه، أو إليه (1).
فهذا نصٌ منه على أنه يفهم الاتخاذ المذكور شاملاً لمعنيين، أحدهما: الصلاة على القبر.
وقال الصنعاني: واتخاذ القبور مساجد أعمّ من أن يكون بمعنى الصلاة إليها، أو بمعنى الصلاة عليها (2).
… يعني أنه يعمّ المعنيين كليهما، ويحتمل أنه أراد المعاني الثلاثة، وهو الذي فهمه الإمام الشافعي رحمه الله، وسيأتي نص كلامه في ذلك، ويشهد للمعنى الأول أحاديث:
الأول: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يبنى على القبور، أو يقعد عليها، أو يصلى عليها)) (3).
الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تصلوا إلى قبر ولا تصلوا على قبر)) (4).
الثالث: عن أنس رضي الله عنه: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة إلى القبور)) (5).
الرابع: عن عمرو بن دينار - وسئل عن الصلاة وسط القبور - قال: ذكر لي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((كانت بنو إسرائيل اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد فلعنهم الله تعالى)) (6).
وأما المعنى الثاني: فقال المناوي في (فيض القدير) - حيث شرح الحديث الثالث المتقدم -: أي اتخذوها جهة قبلتهم، مع اعتقادهم الباطل، وأن اتخاذها مساجد لازم لاتخاذ المساجد عليها كعكسه، وهذا بيّن به سبب لعنهم لما فيه من المغالاة في التعظيم. قال القاضي - يعني: البيضاوي -: لما كانت اليهود يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيماً لشأنهم، ويجعلونها قبلة، ويتوجهون في الصلاة نحوها، فاتخذوها أوثاناً لعنهم الله، ومنع المسلمين عن مثل ذلك ونهاهم عنه …
... وهذا معنى قد جاء النهي الصريح عنه فقال صلى الله عليه وسلم: ((لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها)) (7).
قال الشيخ علي القاري - معللاً النهي -: لما فيه من التعظيم البالغ كأنه من مرتبة المعبود، ولو كان هذا التعظيم حقيقة للقبر أو لصاحبه لكفر المعظِّم، فالتشبه به مكروه، وينبغي أن تكون كراهة تحريم، وفي معناه بل أولى منه الجنازة الموضوعة - يعني قبلة المصلين - وهو مما ابتلي به أهل مكة حيث يضعون الجنازة عند الكعبة ثم يستقبلون إليها (8) ....--------------------------------------------
(1) ((الزواجر عن اقتراف الكبائر)) (1/ 121).
(2) ((سبل السلام)) (1/ 214).
(3) رواه ابن ماجه مختصرا (1270)، وأبو يعلى في مسنده (2/ 297). قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (3/ 64): رواه أبو يعلى ورجاله ثقات. وقال الألباني في ((تحذير الساجد)) (ص29): إسناده صحيح.
(4) رواه الطبراني (11/ 376). من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (2/ 27): رواه الطبراني في ((الكبير)) وفيه عبدالله بن كيسان المروزي: ضعّفه أبو حاتم، ووثّقه ابن حبان. وقال الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) (1016): الحديث صحيح.
(5) رواه ابن حبان (6/ 93). وقال الألباني في ((صحيح الجامع)) (6893): صحيح.
(6) رواه عبدالرزاق (1/ 406) (1591). وقال الألباني في ((تحذير الساجد)) (29): وهو مرسل صحيح الإسناد.
(7) رواه مسلم (972). من حديث أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه.
(8) انظر: ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) (2/ 372).

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 210)

ونحو الحديث السابق ما روى ثابت البناني عن أنس رضي الله عنه قال: كنت أصلي قريباً من قبر، فرآني عمر بن الخطاب، فقال: القبر القبر؛ فرفعت بصري إلى السماء وأنا أحسبه يقول: القمر! (1).
وأما المعنى الثالث: فقد قال به الإمام البخاري، فإنه ترجم للحديث الأول بقوله: (باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور) (2).
فقد أشار بذلك إلى أن النهي عن اتخاذ القبور مسجداً يلزم منه النهي عن بناء المساجد عليه، وهذا أمر واضح، وقد صرح به المناوي آنفاً، وقال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث: قال الكرماني: مفاد الحديث منع اتخاذ القبر مسجداً، ومدلول الترجمة اتخاذ المسجد على القبر، ومفهومها متغاير، ويجاب بأنهما متلازمان، وإن تغاير المفهوم (3).
وهذا المعنى هو الذي أشارت إليه السيدة عائشة رضي الله عنها بقولها في آخر الحديث الأول: فلولا ذاك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً (4).
إذ المعنى فلولا ذاك اللعن الذي استحقه اليهود والنصارى بسبب اتخاذهم القبور مساجد المستلزم البناء عليها، لجعل قبره صلى الله عليه وسلم في أرض بارزة مكشوفة، ولكن الصحابة رضي الله عنهم لم يفعلوا ذلك خشية أن يبنى عليه مسجد من بعض من يأتي بعدهم فتشملهم اللعنة.
ويؤيد هذا ما روى ابن سعد بسند صحيح عن الحسن وهو (البصري) قال: ائتمروا أن يدفنوه صلى الله عليه وسلم في المسجد، فقالت عائشة رضي الله عنها: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان واضعاً رأسه في حجري إذ قال: ((قاتل الله أقواماً اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))، واجتمع رأيهم أن يدفنوه حيث قبض في بيت عائشة رضي الله عنها (5).
… هذه الرواية - على إرسالها - تدل على أمرين اثنين:
أحدهما: أن السيدة عائشة فهمت من الاتخاذ المذكور في الحديث أنه يشمل المسجد الذي قد يدخل فيه القبر، فبالأحرى أن يشمل المسجد الذي بني على القبر.
الثاني: أن الصحابة أقرّوها على هذا الفهم، ولذلك رجعوا إلى رأيها فدفنوه صلى الله عليه وسلم في بيتها.
فهذا يدل على أنه لا فرق بين بناء المسجد على القبر، أو إدخال القبر في المسجد، فالكل حرام لأن المحذور واحد، ولذلك قال الحافظ العراقي: فلو بنى مسجداً يقصد أن يدفن في بعضه دخل في اللعنة، بل يحرم الدفن في المسجد، وإن شرط أن يدفن فيه لم يصح الشرط لمخالفة وقفه مسجداً (6).
… وفي هذا إشارة إلى أن المسجد والقبر لا يجتمعان في دين الإسلام …
ويشهد لهذا المعنى الحديث الخامس المتقدم بلفظ: ((أولئك قوم إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً … أولئك شرار الخلق … )) (7).
فهو نص صريح في تحريم بناء المسجد على قبور الأنبياء والصالحين؛ لأنه صرح أنه من أسباب كونهم من شرار الخلق عند الله تعالى.
ويؤيده حديث جابر رضي الله عنه قال: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه)) (8).--------------------------------------------
(1) رواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم قبل حديث (427)، ورواه موصولاً عبدالرزاق في ((المصنف)) (1/ 404) (1581) وزاد: ((إنما أقول القبر: لا تصل إليه)). وقال الألباني في ((النصيحة)) (143): أخرجه البخاري في صحيحه تعليقاً، وهو صحيح. وانظر: ((تغليق التعليق)) (2/ 228 - 230) ففيه زيادة فائدة.
(2) انظر: ((صحيح البخاري)) باب رقم (61).
(3) انظر: ((فتح الباري)) (3/ 201).
(4) رواه مسلم (529).
(5) رواه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (2/ 241). وقال الألباني في ((تحذير الساجد)) - كما في (متن الموسوعة) -: سنده صحيح.
(6) انظر: ((فيض القدير)) للمناوي (5/ 274).
(7) رواه البخاري (427)، ومسلم (528). من حديث عائشة رضي الله عنها.
(8) رواه مسلم (970).

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 211)

فإنه بعمومه يشمل بناء المسجد على القبر، كما يشمل بناء القبة عليه، بل الأول أولى بالنهي، كما لا يخفى.
فثبت أن هذا المعنى صحيح أيضاً يدل عليه لفظ (الاتخاذ)، وتؤيده الأدلة الأخرى.
أما شمول الأحاديث للنهي عن الصلاة في المساجد المبنيّة على القبور فدلالتها على ذلك أوضح، وذلك لأن النهي عن بناء المساجد على القبور يستلزم النهي عن الصلاة فيها، من باب أن النهي عن الوسيلة يستلزم النهي عن المقصود بها والتوسل بها إليه، مثاله: إذا نهى الشارع عن بيع الخمر، فالنهي عن شربه داخل في ذلك، كما لا يخفى، بل النهي عنه من باب أولى.
ومن البيّن جداً أن النهي عن بناء المساجد على القبور ليس مقصوداً بالذات، كما أن الأمر ببناء المساجد في الدور والمحلات ليس مقصوداً بالذات، بل ذلك كله من أجل الصلاة فيها، سلباً أو إيجاباً، يوضح ذلك المثال الآتي: لو أن رجلاً بنى مسجداً في مكان قفر غير مأهول، ولا يأتيه أحد للصلاة فيه،
فليس لهذا الرجل أيّ أجر في بنائه لهذا المسجد، بل هو عندي آثم لإضاعة المال، ووضعه الشيء في غير محله!
فإذا أمر الشارع ببناء المساجد فهو يأمر ضمناً بالصلاة فيها، لأنها هي المقصودة بالبناء، وكذلك إذا نهى عن بناء المساجد على القبور، فهو ينهى ضمناً عن الصلاة فيها؛ لأنها هي المقصودة بالبناء أيضاً، وهذا بيّن لا يخفى على العاقل إن شاء الله تعالى.
ترجيح شمول الحديث للمعاني كلها وقول الشافعي بذلك:
وجملة القول: أن الاتخاذ المذكور في الأحاديث المتقدمة يشمل كل هذه المعاني الثلاثة، فهو من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، وقد قال بذلك الإمام الشافعي رحمه الله، ففي كتابه (الأم) ما نصه:
وأكره أن يُبنى على القبر مسجد وأن يُسوّى، أو يُصلّى عليه، وهو غير مُسوّى - يعني: أنه ظاهر معروف - أو يُصلى إليه، قال: وإن صلى إليه أجزأه وقد أساء، أخبرنا مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) (1). قال: وأكره هذا للسنة والآثار، وأنه كره - والله تعالى أعلم - أن يُعظّمه أحد من المسلمين، يعني يتخذ قبره مسجداً، ولم تؤمن في ذلك الفتنة والضلال على ما يأتي بعده (2).
فقد استدل بالحديث على المعاني الثلاثة التي ذكرها في سياق كلامه، فهو دليل واضح على أنه يفهم الحديث على عمومه، وكذلك صنع المحقق الشيخ على القارئ نقلاً عن بعض أئمة الحنفية فقال في (مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح): سبب لعنهم: إما لأنهم كانوا يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيماً لهم، وذلك هو الشرك الجلي، وإما لأنهم كانوا يتخذون الصلاة لله تعالى في مدافن الأنبياء والسجود على مقابرهم والتوجه إلى قبورهم حالة الصلاة نظراً منهم بذلك إلى عبادة الله والمبالغة في تعظيم الأنبياء، وذلك هو الشرك الخفي لتضمنه ما يرجع إلى تعظيم مخلوق فيما لم يؤذن له، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أمته عن ذلك إما لمشابهة ذلك الفعل سنة اليهود، أو لتضمّنه الشرك الخفي. كذا قاله بعض الشراح من أئمتنا، ويؤيده ما جاء في رواية: ((يُحذِّر ما صنعوا)) (3) (4).
… والسبب الأول الذي ذكره وهو السجود لقبور الأنبياء تعظيماً لهم وإن كان غير مستبعد حصوله من اليهود والنصارى، فإنه غير متبادر من قوله صلى الله عليه وسلم: ((اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) فإن ظاهره أنهم اتخذوها مساجد لعبادة الله فيها على المعاني السابقة تبركاً بمن دُفن فيها من الأنبياء، وإن كان هذا أدى بهم - كما يؤدي بغيرهم - إلى وقوعهم في الشرك الجلي، ذكره الشيخ القارئ. تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد لمحمد ناصر الدين الألباني - ص28--------------------------------------------
(1) رواه مالك في ((الموطأ)) (2/ 892) مرسلاً. من حديث عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه. ورواه موصولاً البخاري (437)، ومسلم (530) بدون لفظة: (النصارى)، وأحمد (2/ 285) (7818) واللفظ له. من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال شعيب الأرناؤوط محقق المسند: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
(2) ((الأم)) (ص246).
(3) رواه البخاري (435، 436)، ومسلم (531). من حديث عائشة وابن عباس رضي الله عنهم.
(4) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) (1/ 45).

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 212)

‌‌ثانياً: أدلة تحريم هذا الاتخاذ وحكمه ومذاهب العلماء فيه
1 - عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)). قالت: فلولا ذاك أبرز (1) قبره غير أنه خُشي أن يتخذ مسجداً (2) …
2 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) (3).
3 و4 - عن عائشة وابن عباس رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حضرته الوفاة جعل يلقي على وجهه طرف خميصة له، فإذا اغتم كشفها عن وجهه وهو يقول: ((لعنة الله على اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) تقول عائشة: ((يُحذِّر مثل الذي صنعوا)) (4).
قال الحافظ ابن حجر: وكأنه صلى الله عليه وسلم علم أنه مرتحل من ذلك المرض، فخاف أن يعظم قبره كما فعل من مضى، فلعن اليهود والنصارى إشارة إلى ذمّ من يفعل فعلهم …
5 - عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما كان مرض النبي صلى الله عليه وسلم تذاكر بعض نسائه كنيسة بأرض الحبشة يقال لها: مارية - وقد كانت أم سلمة وأم حبيبة قد أتتا أرض الحبشة - فذكرن من حسنها وتصاويرها قالت: فرفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه فقال: ((أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، ثم صوروا تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة)) (5)
قال الحافظ ابن رجب في (فتح الباري): هذا الحديث يدلّ على تحريم بناء المساجد على قبور الصالحين، وتصوير صورهم فيها، كما يفعله النصارى، ولا ريب أن كل واحد منهما محرم على انفراد، فتصوير صور الآدميين محرم، وبناء القبور على المساجد بانفراده محرم، كما دلت عليه نصوص أُخر، يأتي ذكر بعضها. قال: والتصاوير التي في الكنيسة التي ذكرتها أم حبيبة وأم سلمة كانت على الحيطان ونحوها، ولم يكن لها ظل، فتصوير الصور على مثال صور الأنبياء والصالحين للتبرك بها، والاستشفاع بها يحرم في دين الإسلام، وهو من جنس عبادة الأوثان، وهو الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أهله شرار الخلق عند الله يوم القيامة، وتصوير الصور للتآنس برؤيتها أو للتنزه بذلك، والتلهي محرم، وهو من الكبائر وفاعله من أشد الناس عذاباً يوم القيامة، فإنه ظالم ممثل بأفعال الله التي لا يقدر على فعلها غيره، والله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11] لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله سبحانه وتعالى (6) …
... ولا فرق في التحريم بين التصوير اليدوي والتصوير الآلي والفوتوغرافي، بل التفريق بينهما جمود وظاهرية عصرية …
6 - عن جندب بن عبدالله البجلي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمسٍ وهو يقول: ((قد كان لي فيكم إخوة وأصدقاء، وإني أبرأ إلى الله أن يكون لي فيكم خليل، وإن الله عز وجل قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً، لاتخذت أبا بكرٍ خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك)) (7).--------------------------------------------
(1) قال الألباني: أي كشف قبره صلى الله عليه وسلم ولم يتخذ عليه الحائل، والمراد دفن خارج بيته، كذا في ((فتح الباري)).
(2) رواه البخاري (1390)، ومسلم (529).
(3) رواه البخاري (437)، ومسلم (530).
(4) رواه البخاري (435، 436)، ومسلم (531).
(5) رواه البخاري (427)، ومسلم (528).
(6) ((فتح الباري)) لابن رجب (3/ 197، 198).
(7) رواه مسلم (532).

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 213)

7 - عن الحارث النجراني قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمسٍ وهو يقول: ((ألا وإنَّ من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك)) (1).
8 - عن أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه الذي مات فيه: ((أدخلوا عليَّ أصحابي فدخلوا عليه وهو متقنع ببردة معافريّ، فكشف القناع فقال: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) (2).
9 - عن أبي عبيدة بن الجراح قال: آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم: ((أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب، واعلموا أن شرار الناس الذي اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) (3).
10 - عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لعن الله (وفي روايةٍ: قاتل الله) اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) (4).
11 - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم لا تجعل قبري وثناً، لعن الله قوماً اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) (5).
12 - عن عبدالله بن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن من شرار الناس من تدركه الساعة وهم أحياء، ومن يتخذ القبور مساجد)) (6).
13 - عن علي بن أبي طالب قال: ((لقيني العباس فقال: يا علي انطلق بنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإن كان لنا من الأمر شيء وإلا أوصى بنا الناس، فدخلنا عليه، وهو مغمى عليه، فرفع رأسه فقال: لعن الله اليهود اتخذوا قبور الأنبياء مساجد)). زاد في رواية: ((ثم قالها الثالثة)). فلما رأينا ما به خرجنا ولم نسأله عن شيءٍ (7) …--------------------------------------------
(1) رواه ابن أبي شيبة (2/ 150) (7546). قال الألباني في ((تحذير الساجد)): وإسناده صحيح على شرط مسلم.
(2) رواه أحمد (5/ 203) (21822)، والطبراني (1/ 164). قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (2/ 30): رواه أحمد والطبراني في ((الكبير))، ورجاله موثقون. وقال الشوكاني في ((نيل الأوطار)) (2/ 139): إسناده جيد. وقال الألباني في ((تحذير الساجد)): سنده حسن في الشواهد.
(3) رواه أحمد (1/ 195) (1691) و (1/ 196) (1699)، والدارمي (2/ 305)، والبيهقي (9/ 208)، وأبو يعلى (2/ 177). قال الذهبي في ((المهذب)) (7/ 3775): إسناده صالح. وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (5/ 328): [روي] بإسنادين ورجال طريقين منها ثقات متصل إسنادهما. وقال أحمد شاكر في ((المسند)) (3/ 146): إسناده صحيح. وقال الألباني في ((تحذير الساجد)): سنده صحيح.
(4) رواه أحمد (5/ 184) (21644) و (5/ 186) (21667)، والطبراني (5/ 150). قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (2/ 30): رواه الطبراني في ((الكبير)) ورجاله موثقون. وقال الألباني في ((تحذير الساجد)): صحيح بشواهده المتقدمة.
(5) رواه أحمد (2/ 246) (7352)، وأبو يعلى (12/ 33)، والحميدي (2/ 445). قال أحمد شاكر في ((المسند)) (13/ 88): إسناده صحيح. وقال الألباني في ((تحذير الساجد)): سنده صحيح. وقال شعيب الأرناؤوط محقق ((المسند)): إسناده قوي.
(6) الشطر الأول من الحديث رواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم (7067)، والحديث رواه موصولاً أحمد (1/ 405) (3844)، وابن حبان (15/ 260)، والطبراني (10/ 188)، وأبو يعلى (9/ 216). قال أحمد شاكر في ((المسند)) (5/ 324): إسناده صحيح. وقال الألباني في ((تحذير الساجد)): صحيح.
(7) رواه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (4/ 28)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (42/ 426). وقال الألباني في ((تحذير الساجد)): هذا إسناد حسن لولا أنني لم أعرف أبا بكر هذا، ولم يورده الدولابي، وأبو أحمد الحاكم في ((الكنى)).

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 214)