إنها سنة الانفتاح على خلق الله، والدعاء لهم، وحب الهداية والخير لهم، وتتبع كل طرق التيسير والتبشير ونحو ذلك، لكن كثيرا من المسلمين قلبوا السنن ووظفوها بما يخدم أمزجتهم و … ، فراحوا يطلقون كلمات الزندقة والتفسيق والتكفير، ونظروا للمجتمعات من وراء نظّارات سوداء، وحكموا عليهم أحكاما قاسية ما أنزل الله بها من سلطان، وبذلك خالفوا سنة رسول الله وهم يدّعون حمل سنة رسول الله!!
إذا:
غالبية المسلمين يعيشون فهما غير صحيح عن سنن رسول الله، لذلك كله ابتعدوا عن تفسير رسول الله للقرآن الكريم، ذلكم التفسير الصحيح المسند الجامع المختصر، وراح كل من هبّ ودبّ يخرج تفسيرا، واختلط الحابل بالنابل، وتضخمت كتب التفاسير حتى أصبحت- غالبيتها- تحوي كل شيء إلا التفسير!!
والطامة الكبرى عند ما لجأ بعضهم إلى الإسرائيليات والموضوعات والبدع ونحو ذلك، فحشوا بها تلكم التفاسير، فتاه الناس في هذه الدوامة.
بينما القرآن الكريم، ذلكم الكتاب الذي أنزله الله بلغة العرب، واضحا مبينا، لكن مع هذه التراكمات أصبحت التفاسير بحاجة إلى من يفسرها مرة أخرى، وكأن الهدف هو إظهار الأشياء الصعبة، وإبراز العضلات الفكرية والثقافية، حتى لو كان على حساب القرآن الكريم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!!! ***
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
خاتمة القسم الأول
عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه، فنهتني قريش فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله وإنه بشر يتكلم في الغضب، فذكرت ذلك للرسول فقال: «اكتب فو الذي نفسي بيده ما خرج مني إلا الحق».
ذلك لأن السنة وحي من الله: (ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (2) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى) (1).
لكن الذي حدث هو ما حذّر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك في سنن الترمذي: «يوشك الرجل متكئا على أريكة يحدث بحديث من حديثي فيقول بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرّمناه، ألا وإن ما حرّم رسول الله مثل ما حرّم الله».
وقد أكّد هذا الخط الفاروق عمر رضي الله عنه بقوله: إنه سيأتي أناس يأخذونكم بشبهات القرآن، فخذوهم بالسنة، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله، فالسنة هي التي تفسر القرآن:
فهو المفسّر للقرآن وإنما … نطق النبيّ لنا به عن ربه
علما أن المسلمين لو بقوا على ما كان عليه الرعيل الأول، من تمسّك بكتاب الله، وبكل ما شرحه وفسّره رسول الله، لما آل الأمر إلى ما نحن عليه.--------------------------------------------
(1) النجم: 2 - 4.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
ذلك الرعيل الأول من هذه الأمة سمع من النبي صلى الله عليه وسلم قوله- كما في موطأ الإمام مالك-: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما:
كتاب الله وسنة رسوله، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض».
وبالتالي اقتنع الصحابة الأكارم أن رسول الله لم ينتقل إلى الرفيق الأعلى إلا وقدّم للناس كل ما فيه النفع والخير، وحذّرهم من كل ما يؤدي بهم إلى الضرر والهلاك، مصداق ذلك قوله صلوات الله عليه:
«ما تركت من شيء يقربكم من الجنة إلا أخبرتكم به، ولا شيء يباعدكم عن النار إلا حذرتكم منه».
وجاء من بعدهم فضبطوا مسألة الرواية عن طريق العلم الدقيق المنضبط، وهو علم السند، وكان ذلك ميّزة لم تصل إليها أمة من الأمم:
قد خصّت الأمة بالإسناد … وهو من الدّين بلا ترداد
واليوم، وبعد ما رأينا من الموضوعات والإسرائيليات والبدع التي ألحقت بالتفاسير، لا بدّ لنا من صيحة تحذير، ومن ثورة فكرية، ومن نهضة صادقة، لننفض الغبار والتراكمات عن هذا العلم القيّم، ولا يعني ذلك نسف كتب التفاسير ورفضها جملة وتفصيلا، أبدا، فعلماء التفسير قدّموا خدمات جليلة، وتعبوا تعبا لا مثيل له، لكن المسألة تنحصر بإبعاد ما لا يوافق القرآن والسنة والمنهج الشرعي عن كتب التفاسير، وهو من باب التهذيب ليس إلا.
والذي يضبط المسألة ما قال تعالى: (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) (1) وقوله أيضا: (فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) (2).--------------------------------------------
(1) الأحزاب: 36.
(2) النساء: 59.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)
فإن وفّقنا لبيان بعض هذه الإسرائيليات فهذا من فضل الله، وإلا فنسأل الله العفو والغفران، مردّدين مع ذلكم الشاعر قوله الرائع الجميل:
أيا من أتى ذنبا وقارف ذلة … ومن يرتجي الرحمن من الله والقربا
تعاهد صلاة الله في كل ساعة … على خير مبعوث وأكرم من نبّا
فتكفيك همّا أيّ همّ تخافه … وتكفيك ذنبا جئت أعظم به ذنبا
ومن لم يكن يفعل فإن دعاءه … يجد قبل أن يرقى إلى ربه حجبا
عليك صلاة الله ما لاح بارق … وما طاف بالبيت الحجيج وما لبّا
(رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) (1).
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين …--------------------------------------------
(1) البقرة: 286.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
القسم الثاني تفسير القرآن الكريم في عهد الصّحابة الأكارم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
الباب الأول مع الصحابة الكرام
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
الفصل الأول ما هي الحاجة إلى تفسير القرآن؟!
قال العلّامة اللغوي مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي:
(الفسر: الإبانة، وكشف المغطّى، كالتفسير، والفعل كضرب ونصر، ونظر الطبيب إلى الماء، كالتفسرة، أو هي البول، كما يستدل به على المرضى، أو هي مولّدة.
ثعلب: (التفسير والتأويل واحد) أو هو كشف المراد عن المشكل، والتأويل ردّ أحد المحتملين إلى ما يطابق الظاهر … ) (1).
والدليل الواضح على أن معنى التفسير هو: الإيضاح والتبيين، قول الله تعالى: (وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً) (2).
وأما تعريف التفسير في الاصطلاح:
فله تعريفات كثيرة، منها ما نسبه الإمام السيوطي إلى المفسّر أبي حيّان الأندلسي (ت: 754 هـ) أنه قال: (علم يبحث فيه عن كيفية النّطق بألفاظ القرآن، ومدلولاتها، وأحكامها الإفرادية والتركيبية، ومعانيها التي تحمل عليها حال التركيب، وغير ذلك كمعرفة: النسخ، وسبب النزول، وما به من توضيح المقام كالقصة والمثل) (3).--------------------------------------------
(1) القاموس المحيط: مادة (فسر): 1/ 636.
(2) الفرقان: 33.
(3) الإتقان: 2/ 1191.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)
وأما شرف التفسير:
(فلا يخفى، قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً) (1) قال:
المعرفة بالقرآن، ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدّمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله.
وبالتالي أجمع العلماء على أن التفسير من فروض الكفايات، وأجلّ العلوم الثلاثة الشرعية.
قال الأصبهاني: أشرف صناعة يتعاطاها الإنسان تفسير القرآن، بيان ذلك أن شرف الصناعة إما بشرف موضوعها مثل الصياغة، فإنها أشرف من الدّباغة، لأن موضوع الصياغة الذهب والفضة، وهما أشرف من موضوع الدباغة الذي هو جلد الميتة.
وإما بشرف غرضها، مثل صناعة الطبّ، فإنها أشرف من صناعة الكناسة، لأن غرض الطب إفادة الصحة، وغرض الكناسة تنظيف المستراح.
وإما لشدة الحاجة إليها كالفقه، فإن الحاجة إليه أشدّ من الحاجة إلى الطب، إذ ما من واقعة في الكون في أحد من الخلق إلا وهي مفتقرة إلى الفقه، لأن به انتظام صلاح أحوال الدنيا والدّين، بخلاف الطب، فإنه يحتاج إليه بعض الناس في بعض الأوقات.
إذا عرف ذلك، فصناعة التفسير قد حازت الشرف من الجهات الثلاث.
أما من جهة الموضوع: فلأن موضوعه كلام الله تعالى الذي هو ينبوع كل حكمة، ومعدن كل فضيلة، فيه نبأ ما قبلكم وخبر--------------------------------------------
(1) البقرة: 269
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)
ما بعدكم، وحكم ما بينكم، لا يخلق على كثرة الردّ، ولا تنقضي عجائبه.
وأما من جهة الغرض، فلأن الغرض منه هو الاعتصام بالعروة الوثقى، والوصول إلى السعادة الحقيقية التي لا تفنى.
وأما من جهة شدّة الحاجة، فلأن كل كمال ديني أو دنيوي، عاجليّ أو آجلي، مفتقر إلى العلوم الشرعية والمعارف الدينية، وهي متوقفة على العلم بكتاب الله تعالى) (1).
لكن السؤال المطروح: ما هي الحاجة إلى التفسير؟ خاصة وأن الله أنزل القرآن الكريم واضحا بيّنا؟!
يقول الحافظ جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى:
(إن القرآن إنما نزل بلسان عربي في زمن أفصح العرب، وكانوا يعلمون ظواهره وأحكامه، أما دقائق باطنه، فإنما كان يظهر لهم بعد البحث والنظر، مع سؤالهم النبي صلى الله عليه وسلم في الأكثر، كسؤالهم لما نزل قوله تعالى: (وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ) (2).
فقالوا: وأيّنا لم يظلم نفسه؟!
ففسّره النبي صلى الله عليه وسلم، واستدل عليه بقوله تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (3).
وكسؤال عائشة رضي الله عنها عن الحساب، فقال صلوات الله عليه: «ذلك العرض» (4).--------------------------------------------
(1) الإتقان في علوم القرآن: 4/ 171 - 173 (باختصار وتصرف).
(2) الأنعام: 82.
(3) لقمان: 13.
(4) صحيح البخاري: رقمه (103)، صحيح مسلم: (2876).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)
وكقصة عديّ بن حاتم في الخيط الأبيض والأسود (1) وغير ذلك، ممن سألوا عن آحاد منه، ونحن محتاجون إلى ما كانوا يحتاجون إليه وزيادة على ذلك مما لم يحتاجوا إليه من أحكام الظواهر، لقصورنا عن مدارك أحكام اللغة بغير تعلّم، فنحن أشد الناس احتياجا إلى التفسير، ومعلوم أن تفسيره بعضه يكون من قبل بسط الألفاظ الوجيزة، وكشف معانيها، وبعضه من قبل ترجيح بعض الاحتمالات على بعض .. ) (2).
إذا:
لا بدّ من تفرّغ بعض العلماء لتقديم تفاسير مناسبة لكل زمان، حيث يستدلّ الناس من خلالها على كنوز الحكمة وذخائرها، لا أن يهتمّ المسلمون فقط بتنميق المصحف وزركشته و .. ما إلى هنالك؟
فالله أنزله وسيلة هداية، وسبيل تذكر واعتبار، وطريق فوز ونجاح … وهذا هو السرّ وراء تقدّم السلف الصالح، وهو ذاته السرّ الكامن وراء تخلف الخلق!! …--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري: رقمه (1817)، صحيح مسلم: (1090).
(2) الإتقان: 4/ 170 - 171.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 164)
الفصل الثاني ماذا تعني الصّحبة؟
ذهب علماء الحديث في تعريف الصحابي مذهبا مختلفا عن أهل الفقه والأصول، فعرّف ابن كثير رحمه الله الصحابي بقوله:
(هو من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حال إسلام الرّائي، وإن لم تطل صحبته له، وإن لم يرو عنه شيئا) (1).
وجاء تفصيل ذلك أكثر بقولهم: هو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم يقظة، مؤمنا به، بعد بعثته، حال حياته، ومات على الإيمان.
وزاد أهل الفقه والأصول على تعريف أهل الحديث بقولهم:
(وطالت صحبته، وكثر لقاؤه به، على سبيل التبع له، والأخذ عنه، وإن لم يرو عنه شيئا).
ويتفرّع عن مسألة الصحبة عدّة نقاط، أهمها:
أ- عدالة الصحابة:
عرّف الحافظ السيوطي العدالة بقوله: (هي ملكة- أي: هيئة راسخة في النفس- تمنع من اقتراف كبيرة، أو صغيرة دالّة على الخسّة، أو مباح يخلّ بالمروءة) (2).
لكن مسألة العدالة بين أخذ وردّ:--------------------------------------------
(1) الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث: 2/ 491.
(2) الأشباه والنظائر في قواعد فروع الشافعية: 413 - 414.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 165)
فالمعتزلة يرون: (أن الصحابة كلهم عدول إلا من قاتل أمير المؤمنين عليا كرّم الله وجهه ولم يتب عن هذا الصنع) (1).
أما الشيعة فلهم رأي آخر، مفاده: (إن الصحابة قد ارتدّوا جميعا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة- أي زيادة على آل البيت- وهؤلاء الثلاثة هم: سلمان الفارسي، والمقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري.
ثم ذكر أن أربعة آخرين قد لحقوا بهم، وهم: عمار بن ياسر، وأبو سلمان الأنصاري، وحذيفة بن اليمان، وأبو عمرة، فصاروا سبعة) (2).
وأما أهل السنّة والجماعة فيرون:
(أن الصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة لما أثنى الله عليهم في كتابه العزيز، وبما نطقت به السنة النبوية في المدح لهم في جميع أخلاقهم وأفعالهم، وما بذلوه من الأموال والأرواح بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، رغبة فيما عند الله من الثواب الجزيل، والجزاء الجميل) (3).
ب- موقفنا مما جرى بين الصحابة من مشاجرات واقتتال!!
رحم الله عمر بن عبد العزيز الذي سئل عن ذلك، فقال: تلك دماء طهّر الله يديّ منها، أفلا أطهّر منها لساني؟!
ثم قال: مثل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل العيون، ودواء العيون ترك مسّها (4).
ورحم الله جعفر الصادق حينما قال في ذلك:--------------------------------------------
(1) فواتح الرحموت لابن عبد الشكور: 2/ 56.
(2) الاختصاص: 17.
(3) الباعث الحثيث: 2/ 498.
(4) الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به، للباقلاني: 69 - 70.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 166)
أقول ما قاله الله تعالى: (عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى) (1).
ج- حكم سبّ أحد الصحابة!!
ذهب بعض العلماء- وعلى رأسهم ابن تيمية، والنووي، ومالك، و … - إلى أن من سبّ الصحابة، يتّهم بالفسق والضلال، ويعزّر و … ، لكن لا يوصله ذلك إلى الكفر.
وذهب البعض الآخر- وعلى رأسهم القرطبي، والرازي، والسرخسي، والحميدي و … - إلى أن من سبّ صحابة الرسول صلوات الله عليه، أو انتقص في عدالتهم، أو جاهر ببغضهم، يكفر، ويحلّ قتله؛ إلا أن يتوب!!
وذلك لأن اتهامهم بذلك يخالف المنهج القرآني والنبوي، مصداق ذلك قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (2).
ومصداق ذلك قول النبي صلوات الله عليه: «لا تسبّوا أصحابي، فو الذي نفسي بيده، لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه» (3).
وقوله صلوات الله عليه: «إن الله اختارني، واختار لي أصحابا، جعل لي منهم وزراء وأنصارا وأصهارا، فمن سبّهم فعليه لعنة الله--------------------------------------------
(1) طه: 52.
(2) التوبة: 100.
(3) صحيح البخاري: 7/ 21، صحيح مسلم: رقمه (2540).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 167)
والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا» (1).
د- هل هم متفاوتون في الفضل؟!
ذكر القرآن الكريم التفاضل بين أنبياء الله تعالى، وذلك في قوله تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) (2).
وذكر مسألة تفضيل الزمان بعضه على بعض، قال تعالى: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) (3).
وكذلك المكان، قال تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (96) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً) (4).
ونبّه البيان الإلهي إلى أن التفضيل يجب أن لا يؤدي إلى الحسد ونحو ذلك.
قال تعالى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً) (5).
وهناك خلاف بين العلماء في مسألة أفضلية الصحابة الكرام:
فالرأي الأول يتلخّص (بالإمساك عن الخوض في ذلك، وتفويض الأمر إلى الله سبحانه وتعالى وإلى ذلك ذهب الآلوسي وابن أبي الحديد ....
والرأي الثاني: (يجوز الخوض في بيان الأفضل من الصحابة--------------------------------------------
(1) أخرجه الطبراني (مجمع الزوائد: 10/ 17).
(2) البقرة: 253.
(3) القدر: 3.
(4) آل عمران: 96 - 97.
(5) النساء: 54.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 168)
الكرام)، فأهل السنة يرون أن ترتيب الخلفاء الراشدين في الفضل كترتيبهم في الإمامة … (1).
هـ- ما هي أهم سمات الصحابة؟!
هناك طائفة من السمات والخصائص جعلت الصحابة الكرام يتبوءون هذه المكانة المرموقة، وقد ذكر العلامة وحيد الدين خان نماذج منها، وذلك بقوله:
1 - لقد أحبّ الصحابة الدّين أكثر من كل شيء.
2 - عرفوا الرسول صلى الله عليه وسلم قبل شهادة التاريخ له.
3 - آمنوا في عهد الصّراع: حيث عانوا الأمرّين!
4 - أنفقوا أموالهم في سبيل دين لم يظهر شأنه بعد.
5 - آثروه على أنفسهم حتى في السيادة.
6 - عرفوا حدودهم.
7 - تساموا عن الحقد والبغض.
8 - نصروا الدين أكثر مما بايعوا عليه.
9 - التركيز على الهدف والابتعاد عن الاختلاف.
10 - اقتنعوا بالجلوس في مقعد خلفي.
11 - أعطوا الأمور قدرها وحقها.
12 - ارتقوا ارتقاء الشجرة … (2).
ز- أفضلية الصحابة في القرآن والسنّة:
في كثير من آيات الكتاب العزيز- وفي أكثر من اثنتي عشرة سورة---------------------------------------------
(1) الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي: 118 - 119.
(2) للتوسع يراجع كتاب: قضية البعث الإسلامي لوحيد الدين خان: 52 - 164
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 169)
حديث مستفيض عن فضائل الصحابة، من ذلك قوله تعالى:
(الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) (1).
وفي كثير من الأحاديث النبوية حديث مستفيض عن فضائل الصحابة الكرام، من ذلك قول النبي صلوات الله عليه: «ليبلّغ الحاضر الغائب، الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبهم فبحبّي أحبّهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله، يوشك أن يأخذه، ومن يأخذه الله فيوشك أن لا يفلته» (2).
ورحم الله الشاعر حينما قال فيهم:
هم صحابة خير الخلق أيّدهم … ربّ السماء بتوفيق وإيثار
فحبّهم واجب يشفي السقيم به … فمن أحبهم ينجو من النار (3)
…--------------------------------------------
(1) آل عمران: 172 - 174.
(2) سنن الترمذي: رقمه (3861).
(3) للتوسع يراجع كتاب: فضائل الصحابة في ميزان الشريعة الإسلامية، للمؤلف:
169 - 190.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 170)
الفصل الثالث الإسرائيليات في تفسير الصحابة!!
ساق البيان الإلهي طائفة من أخبار الأمم الماضية، وذلك من باب العبرة والذكرى، مصداق ذلك قوله تعالى- وذلك بعد سرد قصة يوسف عليه السلام: (لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (1).
لكن أنّى للأمة الأمية- أمة العرب- أن تستطيع معرفة ذلك، وهم أبعد ما يكونون عن الحضارة والعلم والتاريخ.
مما أدّى إلى أن يلجئوا- مضطرّين- إلى أهل الكتاب ليستفسروا منهم عن تفصيلات حكايات الأمم الماضية، وخاصة الذين أسلموا منهم.
وبالطبع فذاك أمر مسموح به في الميزان الشرعي، مصداق ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمّدا فليتبوأ مقعده من النار».
لكن هل السماح بالأخذ عنهم هو سماح مطلق؟ أم أنه سماح مقيّد ومنضبط؟!
بعض الحاقدين على الإسلام- وخاصة المستشرقين منهم- صوّروا--------------------------------------------
(1) يوسف: 111.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 171)
الصحابة تصويرا يدل على أنهم يتصفون بالغفلة والسذاجة، بحيث إنهم يصدّقون كل ما يرد عن (كعب الأحبار، ووهب بن منبه) وغيرهما، لكن الحقيقة هي أنهم كانوا يصدّقونهم في الأمور التي تتّفق مع الإسلام، ويسقطون كل ما يخالف الإسلام، ويتوقّفون عند كل ما يحتمل الصدق والكذب، ولا يسألون عن الشبهات .. ، وخاصة ما يتعلق بالعقيدة.
ولذلك لم يرد مطلقا أن الصحابة سألوا واحدا من أهل الكتاب عن طول سفينة نوح عليه السلام! أو عن اسم كلب أهل الكهف! أو عن صفة الغلام الذي قتله الخضر! ولا عن تفصيلات حكاية بقرة بني إسرائيل و … !!
فتلك من القضايا التي لا تقدّم ولا تؤخر، وليست من الأوليات، إنما هي من الأمور التي إن عرفها الإنسان فلا ضير، وإن لم يعرفها ولم يسأل عنها فلا ضير أبدا.
إذا:
الحاكم للمسألة، والقول الفصل فيها هو حكم الشريعة الإسلامية، دليل ذلك قول الرسول صلوات الله عليه: «لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم، وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون».
لكن- كما هي العادة- فقد أخذ ذلك بعض المستشرقين، ومن ثمّ سلّطوا عليه المجاهر المكبّرة، فاتّهموا الصحابة الكرام تهما لا تليق، واعتبروا أن كثيرا مما رواه الصحابة مكذوب وما إلى هنا لك، وذلك لأن مصدره أهل الكتاب.
من ذلك قول محمود أبو ريّة: (وتلقّى الصحابة ومن تبعهم كل ما يلقيه هؤلاء الدهاة- يقصد عبد الله بن سلام وكعب الأحبار ووهب بن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 172)
منبه- بغير نقد أو تمحيص، معتبرين أنه صحيح لا ريب فيه) (1).
ثم يقول: (وكان من أثر وثوق الصحابة بمسلمة أهل الكتاب واغترارهم بهم أن صدّقوهم فيما يقولون، ويروون عنهم ما يفترون … ، وكان أبو هريرة- رضي الله عنه أكثر الصحابة وثوقا بهم وأخذا عنهم وانقيادا لهم) (2).
وأجمل ما يردّ على الافتراءات أن الكتب المعتمدة والصحيحة قد نقلت لنا طائفة من الأمور التي تدلّ- وبكل وضوح- على أن الصحابة الكرام كانوا يناقشون أهل الكتاب، فإذا وجدوا صحة وتثبتا في المسألة، أخذوا بها، وإذا وجدوا فيها خطأ ومخالفة لأمور الشريعة ردوا عليهم خطأهم، وبينوا الصواب في ذلك.
مصداق ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة فقال: «فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلّي يسأل الله تعالى شيئا إلا أعطاه إياه» (3).
ودار نقاش بين أبي هريرة وبين كعب الأحبار، فقال كعب: إنها في جمعة واحدة من السنة، فردّ عليه أبو هريرة وقال: بل هي- ساعة الإجابة- في كل جمعة.
فعاد كعب إلى التوراة، فرأى أنه قد أخطأ بذلك، وأن الصواب مع قول أبي هريرة، فعاد إلى قوله.
مثال آخر: رواه ابن جرير عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن--------------------------------------------
(1) أضواء على السنّة المحمدية: 110.
(2) أضواء على السنة المحمدية: 125 - 126.
(3) صحيح البخاري: 2/ 13.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 173)
عباس رضي الله عنهما أنه قال: المفدّى إسماعيل، وزعمت اليهود أنه إسحاق، وكذبت اليهود!! (1).
مثال آخر: رواه ابن كثير أن ابن عباس بلغه أن نوفا البكالي- وهو ربيب كعب يزعم أن موسى صاحب الخضر غير موسى بن عمران عليه السلام، فقال ابن عباس: كذب عدو الله!! (2).
وروى ابن كثير أن معاوية بن أبي سفيان قال لكعب منكرا: أنت تقول أن ذا القرنين كان يربط خيله بالثريا؟!
وعلّق ابن كثير ذلك بقوله: وهذا الذي أنكره معاوية على كعب هو الصواب، والحقّ مع معاوية في ذلك الإنكار!! (3).
وروى البخاري في صحيحه عن معاوية بن أبي سفيان أنه ذكر كعبا، وقال: إنه كان أصدق هؤلاء المحدثين عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب!.
… وغالبية ما يروى من إسرائيليات عن الصحابة معزوّ إلى (4):
أ- عبد الله بن عباس رضي الله عنهما:
روي له (1660) حديثا، أما في التفسير فقد روي له كثير في ذلك، بل لقد جمع العلامة اللغوي مجد الدين الفيروزآبادي (ت:
817 هـ) ذلك كله في تفسير كامل، وطبع تحت اسم (تنوير المقباس من تفسير ابن عباس)، لكن معظم طرق ذاك التفسير لم تثبت ولم تصحّ نسبتها إليه رضي الله عنه.--------------------------------------------
(1) جامع البيان عن تأويل القرآن: 23/ 53.
(2) تفسير القرآن العظيم: 3/ 192.
(3) تفسير القرآن العظيم: 3/ 101.
(4) للتوسع يراجع: الإسرائيليات للدكتور رمزي نعناعة: 123 - 139.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 174)