الباب الثالث الوظائف البعيدة للصّورة الفنّيّة في القرآن الكريم
الفصل الأول: الوظيفة الفنّيّة.
الفصل الثاني: الوظيفة النّفسيّة.
الفصل الثالث: الوظيفة العقليّة.
الفصل الرابع: الوظيفة الدينيّة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 375)
- بين يدي الباب:
ترتبط هذه الوظائف، بالوظائف القريبة، وتتلاحم معها، ضمن نظام العلاقات بين وظائف الصورة الفنية في القرآن الكريم، لإيضاح الحقائق الدينية أو الرؤية الإسلامية المتكاملة للكون والحياة والإنسان.
وهو ما عبّر عنه الجرجاني ب «معنى المعنى»، إذ ندرك من الصور المعروضة معنى، ثم يوصلنا هذا المعنى، إلى معنى آخر، وهو ما نعني به الوظائف البعيدة.
وقد عبّر العقاد عنها بالمعاني المجردة، المستخلصة من الصور المجازية. كما بيّنا سابقا في الباب الثاني.
ويتّضح في الوظائف البعيدة، منهج القرآن الكريم في بناء الإنسان الذي هو هدف الخطاب في النص القرآني وهذا المنهج التربوي لبناء الإنسان فكرا وسلوكا وشعورا، يعتمد على التصوير الفني الذي هو القاعدة الأساسية في الأسلوب القرآني.
وتعتبر الوظيفة الدينية هي المحور الذي تدور من حوله الوظائف القريبة، والبعيدة للصورة الفنية في القرآن الكريم، وقد أكسبت هذه الوظيفة النص القرآني. وحدة وترابطا وانسجاما وتأثيرا.
فهي تشدّ جميع الوظائف إليها بنظام العلاقات التصويرية والتعبيرية والفكرية، وتتجمّع جميع الصور بأنواعها، ووظائفها، لتحقيق هذا الغرض الديني.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 377)
الفصل الأول الوظيفة الفنيّة
تتميز الصورة الفنية في القرآن الكريم، بأسلوبها، وموضوعها، ومواد تشكيلها، ووظائفها.
فهي صورة «مكثّفة» للأفكار الدينية، ولكن هذا التكثيف للأفكار الدينية، لم يؤثر في بنائها الفني بل إن بناءها الفني يعدّ الوسيلة المفضّلة، للتعبير عن الأغراض الدينية المتعددة.
وبذلك تجمع الصورة القرآنية بين الوظيفة الفنية، والوظيفة الدينية، في نسيج موحّد، مقصود في التعبير القرآني، لأنّ الله سبحانه أراد من خلال البناء الفني للقرآن، أن يحقّق غرضا دينيا، وهو إعجازه للبشر، فكما أنّ الإعجاز الإلهي ملحوظ في الكون والحياة والإنسان، فهو، أيضا ظاهرة مقروءة في كلامه، وهو القرآن الكريم.
فوظائف الصورة القرآنية، متداخلة، تعتمد على العلاقات، والروابط فيما بينها، لتشكيل بناء تصويري واحد، وإن تعددت فيه الأنظمة، والعلاقات التي تربط بين لبناته،
فهذا مما يزيد في صفاته الجمالية أو الفنية.
وتبدو الصورة القرآنية بتشكيلاتها ووظائفها، بنية واحدة، قائمة على أنظمة وقوانين متعددة هي التي تعطيها شكلها المكتمل في النهاية.
هذا النظام الدقيق المتناسق بين أجزاء الصورة، ووظائفها، يشبه نظام الكون في بنائه، وتناسقه، فهو يرجع إلى أجزاء مكوّنة له، وهذه الأجزاء محكومة بنظام القوانين والعلاقات، المتناسقة، التي تتآزر فيما بينها، لإعطاء هذا البناء شكله النهائي.
كالوردة الجميلة، ترجع إلى مجموعة من الأنظمة المكوّنة لها، والتي تعاونت، فيما بينها، لإعطائها هذا الشكل الجميل والمؤثر في النفس، ففيها- مثلا- اللون والرائحة، والشكل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 379)
المتناسق بين أجزائها، وفيها الحياة السارية في خلاياها، كل ذلك يكسبها شكلا مكتملا، يحدث الأثر الجمالي في النفس الإنسانية.
والصورة في القرآن الكريم، تعتمد النظام نفسه في بنائها المكتمل، وفي أداء وظيفتها الدينية في النهاية، لأنّ القرآن كلام الله، وهو الذي بنى الكون والحياة والإنسان، وفق أنظمة متعددة، أو قوانين متناسقة، كذلك الصورة في بنائها ووظيفتها، تعتمد نظام العلاقات أو القوانين المكوّنة لها.
فتبدأ من العلاقات الجزئية للحروف المكوّنة للكلمات، ثم تتسع في علاقات الكلمات في الجمل، ثم في نظام الجمل واتساقها مع المعنى والسياق العام، حتى نصل إلى البناء النهائي للصورة تشكيلا ووظيفة.
وما يقال عن الإعجاز في الكون والحياة والإنسان، الكامن في نظام العلاقات والروابط، لتحقيق الوظائف، يقال أيضا عن الصورة الفنية في القرآن الكريم.
ولكنّ عناصر البناء في الصورة الفنية، غير عناصر البناء في الكون والحياة والإنسان، وإن كان النظام المتّبع هو النظام نفسه، لأن المصدر واحد فيها جميعا، وهو الله سبحانه وتعالى.
وقد ساعدت «اللغة العربية» في بناء الصورة الفنية في القرآن الكريم، لأنها لغة تصويرية، في طبيعتها، وهي من أكثر اللغات انسجاما مع تصوير الحالات النفسية والذهنية، والمواقف الإنسانية، والمقاييس الجمالية. فهي بحروفها وألفاظها، وتراكيبها كنز مذخور، للتعبير الفني أو التصوير الجمالي.
لهذا اعتبرها عباس محمود العقاد لغة فنية لأنها «في جملتها فن منظوم منسّق الأوزان والأصوات» «1» فحروف الأبجدية المعروفة، قد استوفت المخارج الصوتية كلّها «فليس هناك مخرج صوتي واحد ناقص في الحروف العربية» «2»، وهي أوفر عددا في أصوات المخارج من غيرها من لغات العالم «التي لا تلتبس ولا تتكرّر بمجرد الضغط عليها» «3».--------------------------------------------
(1) اللغة الشاعرة: ص 8.
(2) المصدر السابق: ص 9 - 10.
(3) المصدر السابق: ص 9.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 380)
فاللغة العربية- بهذه الاعتبارات وغيرها- كما يقول العقاد: «لغة إنسانية ناطقة يستخدم فيها جهاز النطق الحي أحسن استخدام، يهدي إليه الافتنان في الإيقاع الموسيقى، وليس هنا أداة صوتية ناقصة، تحس بها الأبجدية العربية» «4».
وقد قسمت هذه الحروف الأبجدية، حسب مخارجها الصوتية، وأعطيت صفات للتمييز فيما بينها، حسب الأصوات المنبعثة منها.
وقد روعي في ترتيب حروفها حسب المخارج الصوتية، التناسب الموسيقى الفني، فيما بين الحروف المتقاربة فهي حروف متناسبة في مخرجها، وجرسها وشكلها ونسقها، مثل الباء والتاء والثاء ومثل الحاء والخاء، والدال والذال، وهكذا في بقية الحروف كما يرى العقاد «5».
بالإضافة إلى هذا التقسيم الصوتي للحروف الأبجدية، هناك تقسيم صوتي آخر، يراعي صفات الحروف الصوتية، وما تصدره من إيقاعات موسيقية مختلفة، يمكن أن نسميها «موسيقى الحروف»، فهناك حروف الاستعلاء، وحروف الصفير، والتفشّي، والإصمات، أو حروف الإطباق أو الاستفال أو الهمس.
ولكلّ خاصية من هذه الحروف صوت تصدره، وينتج عن هذا التنويع في أصوات الحروف نغمات موسيقية أو إيقاعات لها تأثيرها في النفس.
هذه الروابط الفنية أو الخصائص للحروف، ميزة اللغة العربية، التي اختارها الله لغة لكتابه العزيز، قبل أن تؤلّف من مجموعها الكلمات الحاملة للمعاني، وقبل أن تنظم الكلمات ضمن روابط السياق الأخرى.
وبهذا يتّضح أن روابط البناء الكلي للصورة، تبدأ أولا من المادة الأولية وهي «الحروف»، ولا يتوقف بناء الصورة على طبيعة الحروف أو خصائصها، وإنما أيضا على العلاقة فيما بينها في تأليف الكلمات، لتحقيق الانسجام والتناسق بينها.
وحين ترتبط الحروف بعضها ببعض، وتتآلف في الكلمة محقّقة الانسجام الكامل، فإن هذا الانسجام يعدّ اللبنة الأولى في بناء الصورة المنسجمة والموحية بالمعنى.--------------------------------------------
(4) اللغة الشاعرة: ص 10
(5) المصدر نفسه: 10 - 11.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 381)
وقد تحدّث النقاد القدامى عن فكرة «انسجام الحروف في الكلمات»، ووضعوا لها القواعد أو المقاييس التي تحقّق الانسجام فيما بينها.
ويعدّ «الرمّاني» أول من تحدّث عن فكرة «التلاؤم» في الحروف في الأسلوب القرآني.
موضّحا أثر ذلك في النفس.
والتلاؤم بين الحروف، هو نقيض التنافر، وهو على مراتب، والقرآن الكريم في أعلاها يقول الرمّاني في ذلك: «والمتلائم في الطبقة العليا القرآن كلّه، وذلك بيّن لمن تأمله» «6».
ويعلّل الرمّاني التلاؤم بين الحروف بقوله: «والسبب في التلاؤم، تعديل الحروف في التأليف، فكلّما كان أعدل، كان أشدّ تلاؤما، وأمّا التنافر، فالسبب فيه ما ذكره الخليل من البعد الشديد أو القرب الشديد … وكلاهما صعب على اللسان، والسهولة من ذلك في الاعتدال، ولذلك وقع في الكلام الإدغام والإبدال والفائدة في التلاؤم حسن الكلام في السمع، وسهولته في اللفظ، وتقبل المعنى له في النفس لما يرد عليها من حسن الصورة، وطريق الدلالة» «7».
فالتلاؤم- عنده- يرجع إلى التقارب أو التباعد في مخارج الحروف، ولكن بشرط الاعتدال في الحالتين، فليس قربا شديدا في المخارج، ولا تباعدا شديدا أيضا، فإذا تحقق هذا الاعتدال فإنّ التلاؤم يلاحظ في سهولة مخارج الحروف، وهذا ما نراه في الأسلوب القرآني فليس فيه لفظة مستكرهة أو ثقيلة، أو متنافرة الحروف.
ولكنّ الرمّاني لم يورد شواهد من القرآن على ما يقول، لأنه- على ما يبدو- يرى أن القرآن كلّه شاهد أو دليل على صحة قوله، فلا حاجة إلى إيراد الأمثلة، للشيء الواضح في رسالة صغيرة عن الإعجاز في القرآن.
ويبقى للرمّاني فضل الحديث عن التلاؤم بين الحروف، وبيان تأثيره في الأذن والنفس معا، على الرغم من أنه لم يدعم رأيه بالشواهد التي تقويه.
وقد امتدح الناقد محمد زغلول سلام رأي الرمّاني هذا قائلا: «وملاحظة الرمّاني لصلة الجمال اللفظي بسهولة حركة اللسان جديدة بالإشارة، إذ خرج الرماني عن حدود--------------------------------------------
(6) النكت: ص 88.
(7) المصدر السابق: ص 88 أيضا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 382)
الأقوال إلى التجربة والملاحظة وقديما ذكر اللغويون اللفظ الوحشي، واللفظ الوعر، ولم يذكروا سببا للوحشية ولا للوعورة، وجاء الرماني ليعلّل سبب التنافر والتلاؤم، وسلامة اللفظ، ورقته، وطلاوته، ولعلّه قد استعان بدراسة الخليل ليوضّح صلة حركات اللسان بجمال اللفظ، وتمتّ هذه الملاحظة إلى ما ظهر في علم الجمال حديثا من قولهم بأن الجمال يرجع في ناحية من نواحيه إلى رشاقة الحركات والاقتصاد في الجهد العضلي» «8».
وقد اتّخذ ابن سنان الخفاجي من تباعد مخارج الحروف مقياسا فنيا لمعرفة فصاحة اللفظة، وسهولة نطقها، ويقارنها بأثر الألوان في العين، وحسن منظرها، فكلّما تباعدت الألوان، كانت أحسن منظرا من الألوان المتقاربة وكذلك تباعد مخارج الحروف هو المقياس في فصاحة الكلمة وحسنها يقول: «الأول أن يكون تأليف اللفظة من حروف متباعدة المخارج وعلة هذا واضحة، وهي أن الحروف التي هي أصوات تجري في السمع مجرى الألوان من البصر، ولا شكّ أن الألوان المتباينة، إذا جمعت كانت في المنظر أحسن من الألوان المتقاربة» «9».
فابن سنان يعتمد في ترتيب الحروف على مخارج نطقها، ويطبق نظرته على ضوء ذلك، ابتداء من الحلق حتى الشفة، ولكنه لم يطبّق هذه النظرة على اللفظة القرآنية، واكتفى بتلاؤمها وسهولتها، كما فعل الرمّاني.
ويرى شوقي ضيف أن ابن سنان قد استفاد في نظرته هذه من علم التجويد يقول:
«وأكبر الظنّ أنه انتفع في ذلك كلّه مما كتبه علماء تجويد القرآن من مباحث قيّمة» «10».
وقد ردّ ابن الأثير على ابن سنان نظرته تلك إلى الألفاظ، فرأى أن حاسة السمع هي المقياس في جمال اللفظة إذ نرى كلمات متقاربة في مخارجها، ولكنها حسنة رائعة في الآذان، كالجيم والياء والشين، فهي حروف متقاربة المخارج، وتسمّى ثلاثتها «الشجرية»، وإذا تألفت في الكلمة كان وقعها حسنا ومحمودا مثل لفظة «جيشان» «11».
ويبدو أن هناك علاقات أخرى بين الحروف غير مخارجها، وهي «صفات الحروف» من--------------------------------------------
(8) أثر القرآن في تطور النقد العربي: د. محمد زغلول سلام. ص 241 - 242.
(9) سر الفصاحة: ابن سنان. ص 66.
(10) البلاغة تطور وتاريخ: د. شوقي ضيف ص 152.
(11) المثل السائر: 1/ 152.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 383)
شدة ورخاوة، وجهر وهمس وغير ذلك.
فحرف الياء حرف ليّن رخو، وحرف الجيم شديد، وحرف الجيم أيضا مجهور، والشين مهموس، واختلاف صفات الحروف هي التي جعلت «كلمة جيش» سهلة النطق، عذبة
الوقع على الأذن.
فالتلاؤم لا يرجع إلى مخارج الحروف فقط، وإنما يرجع إلى صفاتها أيضا، كما يرى ذلك مصطفى صادق الرافعي في العصر الحديث.
فقد تحدّث الرافعي عن إعجاز النظم الموسيقى في القرآن، وأرجع ذلك «لترتيب حروفه باعتبار من أصواتها ومخارجها، ومناسبة بعض ذلك لبعضه، مناسبة طبيعية في الهمس والجهر، والشدة، والرخاوة، والتفخيم، والترقيق، والتغشي، والتكرير» «12».
فتشكيل الصورة، يبدأ من إقامة الروابط والعلاقات، بين مخارج الحروف وصفاتها، لإكسابها صفة السهولة والعذوبة والفصاحة.
ثم هناك أيضا «حركات الحروف» التي لها قيمة في إحكام الروابط بين الحروف، لتوظيفها في أداء المعنى.
وثقل الحروف ذوات المخارج الواحدة أو المتقاربة، إذا فصلت بحرف أو بحركة، فإنّها تخفّ بذلك، ويزول ثقلها في النطق، يقول إبراهيم أنيس في ذلك: «لمعرفة ثقل الحروف في تواليها يجب أن نذكر دائما أن المجاورة بين الحرفين، يجب أن تكون مباشرة، فلا يفصل بينهما بحرف أو بحركة» «13».
فحركات الحروف إضافة إلى صفاتها، ومخارجها، كلها روابط وعلاقات ملحوظة في بناء الكلمة، ثم بناء الصورة، فنحن لا نجد في العربية كلمة متطابقة في مخارجها، وصفاتها، وحركاتها.
وهذا التنويع في بناء الحروف، يحقّق وحدة صوتية متناغمة ومنسجمة للكلمة، ويكسبها قيمة جمالية.
فالانسجام أو التناسق بين الحروف في الكلمة القرآنية، يرجع إلى مخارجها، وصفاتها، وحركاتها المتنوّعة، ومن مجموع هذه العلاقات الصوتية، تتكوّن النغمة الموسيقية للكلمة،--------------------------------------------
(12) إعجاز القرآن: مصطفى صادق الرافعي. ص 215.
(13) موسيقى الشعر: د. إبراهيم أنيس. ص 28.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 384)
أو الإيقاع الموسيقى لها. وهذا الإيقاع الموسيقى للكلمة، مرتبط بالمعنى.
وقد بلغ القرآن الكريم، حدّ الإعجاز، في الإيقاع الموسيقى للكلمات، ودلالته على المعنى الديني، وارتباطه بالصورة الفنية المرسومة. يقول الرافعي عن أصوات الحروف «إنّما تنزل منزلة النبرات الموسيقية المرسلة في جملتها كيف اتفقت، فلا بد لها مع ذلك من نوع في التركيب، وجهة من التأليف، حتى يمازج بعضها بعضا ويتألف منها شيء مع شيء، فتتداخل خواصها، وتجتمع صفاتها ويكون منها اللحن الموسيقى، ولا يكون إلا من الترتيب الصوتي الذي يثير بعضه بعضا على نسب معلومة، ترجع إلى درجات الصوت، ومخارجه وأبعاده» «14».
وترتبط موسيقى الحروف بما فيها من علاقات متشابكة، مخارجها، وصفاتها وحركاتها، بنظام تكوين الكلمة المفردة، وهو نظام أكبر من نظام تآلف الحروف، وانسجامها.
ونظام المفردات في العربية، متميّز عن سائر اللغات في العالم، يضاف إلى ما قلناه عن ميزة العربية في حروفها وتفوّقها بها على سائر اللغات، من حيث استيفاؤها لجهاز النطق الإنساني، ونظام الصفات الصوتية، ونظام الحركات في تكوين حروفها، وهذا يدلّ على غناها في التوقيعات الصوتية، أو النغمات الموسيقية الصادرة عنها.
وما يقال عن تكوين الحروف، يقال أيضا عن تكوين الكلمات، لأن الناحية الموسيقية في مفردات العربية ظاهرة «كظهورها في الحروف المتفرقة أو أظهر، لأنها تضيف الموسيقية في القواعد والموسيقية في المعاني إلى الموسيقية الملحوظة في مجرد النطق أو السماع بغير معنى يتم به التخاطب بين المتكلمين» «15».
وتعتمد المفردات العربية في تركيبها الفني على «الوزن»، فهو قوام التفرقة بين أقسام الكلام في اللغة العربية، فالفرق بين الكلمة ومشتقاتها هو فرق بين أفعال وأسماء وصفات، وأفراد وجموع، وهو كلّه قائم على الفرق بين وزن ووزن، وقياس صوتي، وقياس مثله، إنه يتوقف على اختلاف الحركات والنبرات أي على اختلاف النغمة الموسيقية في الأداء، كما يقول العقاد «16».--------------------------------------------
(14) إعجاز القرآن: ص 213 - 214.
(15) اللغة الشاعرة: ص 11.
(16) المصدر السابق: ص 12.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 385)
وهذه السمة الفنية في العربية، بلغت حدّا معجزا في القرآن الكريم، من حيث، جودة مفرداته، وجمال تصويره وعذوبة إيقاعه، ودقّة معانيه.
يقول الله تعالى: يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا الطور: 13.
فالدعّ هو الدفع بالظهور، والمدفوع في النار، يصدر صوتا قريبا من جرس العين الساكنة، فيما يشبه الصراخ والعويل، لذلك فإنّ الصورة هنا تبنى من صوت الحرف أولا، للدلالة على تلك الصورة المرعبة بهيئتها، وصوتها، وحالة المدفوع النفسية.
فجرس الكلمة، رسم لنا هذه الصورة الحسية والنفسية، بكل ما فيها من هيئة وحركة وصوت، ثم إنّ تكرار جرس الكلمة في السياق، ولّد إيقاعا موسيقيا شديدا، يتناسق، مع شدّة يوم القيامة وأهواله.
ونموذج آخر للتركيب الفني للكلمات القرآنية، وما فيه من إيحاءات غنيّة، منبعثة من وزن الكلمة، وحركاتها .. قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ التوبة: 38.
فلفظة اثَّاقَلْتُمْ توحي بالثقل من خلال وزنها على عكس كلمة «تثاقلتم» فهي توحي بالخفّة، لاختلاف الوزن بين الكلمتين.
وقد استثمر القرآن الكريم، هذه الخاصيّة في اللغة العربية، في رسم صورة المتثاقل عن الجهاد، وشدّة الروابط الأرضية التي تقعده، وتقيّد من حركته، وتمنعه من الخروج للجهاد، فكان هذا الاعتماد على كلمة اثَّاقَلْتُمْ الموحية بالشدة، وثقل الروابط الدنيوية المانعة من الجهاد، كما أنّها ترسم بجرسها صورة المتثاقل، والحركة المتدرّجة له في القعود، حتى ينتهي إلى التشبث بالحياة بقوة وعنف، كما يوحي بذلك المقطع الأخير من الكلمة «تم».
ويضاف إلى ما ذكرناه من خصائص فنية للغة العربية، أنها تحتفظ بالدلالة الحسية للفظ مع الدلالة المجازية، وهذا يكسب اللفظ ثروة فنية، وقدرة على الإيحاء بالمعنى الحسي والمجازي معا «17».
وكثير من صور القرآن، تعتمد على مفردات منقولة من حالة حسية إلى حالة معنوية، حتى تلمس الحس والخيال معا كقوله تعالى: سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ--------------------------------------------
(17) اللغة الشاعرة: 13 - 14.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 386)
بِما كانُوا يَصْدِفُونَ الأنعام: 157.
والصدف- في الأصل- ميل في الحافر أو الخفّ في الفرس أو البعير، يجعله يميل في سيره ولا يستقيم «18».
والقرآن الكريم يستخدم هذا اللفظ بدلالته الحسية الأصلية، ودلالته المنقول إليها، لكي يصوّر حال الذين يعرضون عن الحق، ويصدفون عنه، لآفة أصابتهم، فجعلتهم يسيرون في الحياة بانحراف وميل.
فهذه اللفظة، ترسم صورة لأولئك المنحرفين عن الحق، فيها الهيئة والحركة، من خلال اقترانها في الذهن بمعناها الحسي.
و «الصّعر» - في الأصل اللغوي- داء في البعير، يلوي عنقه منه، ثم انتقلت اللفظة من دلالتها الحسية إلى دلالة معنوية، وهي الميل بالوجه تهاونا وكبرا «19».
ويستثمر القرآن الكريم هذه اللفظة بدلالتها الحسية والمعنوية معا، في التحذير من صورة المتكبر المتعالي على الناس بحركة وجهه، وهيئة سيره، ونبرة صوته.
ومثل ذلك لفظ «حبط» من حبطت الناقة إذا رعت نباتا ساما، فأكثرت منه، فانتفخت بطنها، فماتت بسبب هذا الداء، ثم انتقل اللفظ من دلالته الحسية إلى دلالته المعنوية فيقال: حبط عمله إذا بطل «20».
وقد استخدمت هذه اللفظة في تصوير أعمال الكافرين، التي كبرت وانتفخت، وظنّ أصحابها أنّ أعمالهم العظيمة تفيدهم، وما دروا أن هذه الضخامة في الأعمال هي مجرد انتفاخ كاذب يؤدّي إلى الهلاك، لأنه لا يقوم على الإيمان.
وكلمة لِباسٌ التي استخدمت في تصوير العلاقة بين الرجل والمرأة في قوله تعالى:
هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ .. البقرة: 187 هي في دلالتها الحسية تدل على الثوب الذي يستر الجسم، ثم تطورت دلالة اللفظة، لتحمل دلالات مجازية أخرى كقولهم: «لبّس الحقّ بالباطل، والتبس عليه الأمر، ولابست فلانا حتى عرفت دخلته أي خالطته والتبست عليه الأمور، وفي أمره--------------------------------------------
(18) انظر القاموس المحيط: مادة صدف.
(19) القاموس المحيط: مادة صعر
(20) القاموس المحيط: مادة حبط.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 387)
لبس ولبسة بالضم إذا لم يكن واضحا، وفيه ملتبس: مستمتع وفلان قد لبس الناس أي عاش معهم .. ولكل زمان لبسة أي حالة يلبس عليها من شدة أو رخاء ولبست فلانا على ما فيه أي احتملته وقبلته .. ولبست على كذا أذني إذا سكتّ عليه ولم تتكلم وتصاممت عنه، ويقال لباس التقوى الحياء» «21».
واستخدام هذه اللفظة في القرآن الكريم، توحي بالمعنى الحسي والمعنى المجازي معا، فهي تدل على طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة من جانبها المادي، وجانبها المعنوي أيضا بما فيها من عشرة وستر، واستمتاع ومعايشة على الشدة والرخاء والاحتمال والحياء، وغير ذلك، وكلّها معان تحتملها لفظة لغوية واحدة.
كذلك نلاحظ دقّة اختيار الألفاظ في بناء الصورة، للدلالة على المواقف والحالات والمعاني. كقوله تعالى مثلا: وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ، وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ
هَيْتَ لَكَ
يوسف: 23، فالفعل «راود» من الفعل الثلاثي «راد يرود» وهو بمعنى الذهاب والمجيء المتكرر، و «الرود» الطلب ومنه الإرادة التي هي المشيئة «22».
وقد اعتمد تصوير الموقف بين يوسف وامرأة العزيز على هذا الفعل بكل ما يحمله من دلالات متنوعة، يغني الصورة بالإيحاءات الثريّة، منها إرادة امرأة العزيز، وتصميمها على تنفيذ طلبها- فراحت تكرّر الطلب، من يوسف وتلحّ عليه في الذهاب والإياب.
ثم الفعل غَلَّقَتِ بجرسه الشديد، يوحي بإحكام إغلاق الأبواب، بشدّة وعنف، لاستكمال بناء الصورة والإيحاء بحالة المرأة المحمومة، وكأننا نسمع صدى الأبواب المغلقة من جرس اللفظة «غلّقت» ثم تلاشي الصدى بعد ذلك في أنحاء المكان، وهذا لا يكون فيما لو قال «أغلقت» لأنّ أغلقت أخفّ وقعا من غلّقت، كما أنّ فعل «أغلقت» يوحي بالهدوء والاستقرار، بينما الموقف أو الحالة توحي بالهيجان والاضطراب.
ثم يأتي التعبير ب هَيْتَ لَكَ ليكمل تصوير المشهد بكلّ ما فيه من حركات وأصوات ونعومة وإغراء كنعومة هذا التعبير هَيْتَ لَكَ ورقّته.
وبذلك يكتمل بناء الصورة من خلال مادتها اللغوية المتنوّعة في دلالتها، والمتنوّعة في--------------------------------------------
(21) راجع أساس البلاغة: للزمخشري. مادة لبس.
(22) القاموس المحيط: مادة رود.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 388)
إيقاعاتها للدلالة على المعاني والحالات النفسية والمواقف.
فالدقّة في اختيار المفردات بأشكالها المحسوسة، ودلالاتها الفنية، تمتع الخيال والأبصار، والأسماع، وتدخل إلى النفس من منافذ شتّى، وهذا هو الإعجاز في التعبير القرآني، يبدأ من تكوين الحروف فالكلمات، فالجمل، فالسياق، فالنص كلّه، على نحو مترابط ومتناسق، كلّ حلقة فيه مرتبطة بالأخرى، ضمن نظام العلاقات والروابط حتى نصل إلى بناء الصورة الكلية، ثم الصورة المركزية التي عندها، يكون، قد وصلت الصورة إلى ذروة البناء أو قمّة التصميم الفني المعماري.
والقرآن الكريم يرسم بجرس الكلمات صورة فنية، لها إيحاؤها وتأثيرها في النفس، على ضوء ما ذكرناه من نظام الحروف من حيث المخارج والصفات والحركات. كقوله تعالى:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً النور: 43.
فكلمة يُزْجِي بجرسها الموسيقى، ترسم حركة السحاب البطيئة في السماء، وما فيها من امتدادات رخية متطاولة، بخلاف ما لو استعمل كلمة «دفع أو ساق».
فكلمة يُزْجِي تبدأ بالياء وتختم بها أيضا، والياء حرف لين رخو، كما أن الزاي حرف من حروف الصفير والهمس، والجيم من حروف الشدة والجهر، ولكن ترتيبها في الكلمة، بين الزاي والياء، وحركة الكسر عليها خفّفت من شدّتها، وجعلتها متناسقة مع ما قبلها وما بعدها.
فهذه الكلمة بتنويع حروفها من حيث المخارج والصفات، وتنويع حركاتها، وتأليفها من مقطعين «يز- وجي». جعل إيقاعها رخيا ممتدا كرخاوة حركة السحاب، وامتداده في السماء.
وفي قوله تعالى: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها … الشمس: 11.
فكلمة «بطغواها» بإيقاعها الموسيقى، ترسم الطغيان الذي قد بلغ منتهاه، وذلك من خلال تأليف الكلمة من ثلاثة مقاطع «طغ- وا- ها» وهي مقاطع تجعل الكلمة، تملأ الفم عند النطق بها. بالإضافة إلى أنّ تعدّد المقاطع فيها، يزيد من مدة عرض الصورة.
ولفظ فَدَمْدَمَ في قوله تعالى: فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها الشمس: 15 فيه إيقاع شديد يناسب جوّ التدمير لقوم ثمود. اللفظة مؤلّفة من مقطعين «دم/ دم» أو من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 389)
مقطع متكرر، للإيحاء بجوّ التدمير، بما فيه من أحداث متكررة حتى يتحقّق التدمير الكامل في النهاية.
وتطويل المقاطع في بعض المفردات القرآنية، أو كثرة حروفها، تكون مقصودة أحيانا لاستيفاء المعنى المصوّر، وذلك باستنفاد ما في الكلمة من طاقات تعبيرية وتصويرية دالّة على المعنى.
والتطويل في المفردة الواحدة، يزيد من زمن عرض الصورة أمام العيون، ويزيد أيضا من تأثيرها في النفوس.
فطول الكلمة مقطعا وحروفا، يوسّع من دائرة الصورة مكانا وزمانا، يقول جان برتيليمي في هذا المعنى: «وقد عرّف أو غسطين الموسيقى بأنها علم الحركة، والحركة تضمّ الزمن إن هي ضمّت فكرة العدد» «23».
ويقول أيضا: «فالموسيقى فن تجميع النغمات بطريقة تبعث السرور إلى الأذن» «24».
فالطول والقصر يرتبط بالمعنى المراد تصويره أو بالحالة أو الموقف. كقوله تعالى:
أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ هود: 28، وقوله أيضا: فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ الحجر: 22، وقوله أيضا: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ الأعراف: 182، وأيضا:
فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ البقرة: 137، وأيضا لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ النور: 55، وقد قام الرافعي بتحليل هذه الظاهرة في المفردات القرآنية تحليلا صوتيا ضمن نظام العلاقات
بين الحروف مخرجا وصفة وحركة. فكلمة لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ مؤلفة من عشرة حروف ولكنّها رشيقة عذبة، وقد جاءت عذوبتها، من تنوع مخارج الحروف، ومن نظم حركاتها، فإنها بذلك صارت في النطق كأنّها أربع كلمات إذ تنطق على أربعة مقاطع. وكلمة فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ مؤلّفة من تسعة أحرف، وهي ثلاثة مقاطع وقد تكرّرت فيها الياء والكاف، وتوسّط بين الكافين هذا المدّ الذي هو سرّ الفصاحة في الكلمة كلّها، وبهذا اكتسبت هذه الألفاظ الطويلة في بنائها حلاوة وعذوبة وخفّة كما يقول الرافعي «25».--------------------------------------------
(23) بحث في علم الجمال: ص 353.
(24) المصدر السابق: نفس الصفحة.
(25) إعجاز القرآن: 229.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 390)
وإذا انتقلنا من البناء الشكلي للكلمة إلى مضمونها، فإنّنا نلاحظ أن هذا التكوين الصوتي طولا وقصرا مرتبط بالمعاني والأغراض المراد تصويرها.
فقوله: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ كلمة سَنَسْتَدْرِجُهُمْ توحي بجرسها الصوتي الطويل المقاطع بطول غفلتهم وعدم إيمانهم. وفي كلمة أَنُلْزِمُكُمُوها إيحاء بالإكراه والثقل المناسب لمعنى رفضهم الآيات، وعدم تقبلهم لها، ونطق الكلمة يرسم هذا الاستكراه للآيات، واستثقال الكافرين لها. كما هو مستكره ثقيل في جرس اللفظ نفسه. بالإضافة إلى ما في الكلمة من اختزال للمفعولين في لفظ واحد وهما الكفار والآيات.
وهكذا يمكن أن نتلمّس المعاني من خلال بناء المفردات المطوّلة، والمفردات القصيرة، من حيث تنويع حروفها، وتنويع صفاتها وحركاتها أيضا.
فالمفردات القرآنية مرتبطة بالمعاني الدينية، لذلك فهي تطول أحيانا وتقصر، وأحيانا ترقّ وتشفّ، وأحيانا تشتد وتعنف. كقوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ، فكلمة نهر بجرسها الموسيقى ترسم ظلال اليسر والنعمة والطمأنينة. واللفظ ناعم هادئ، ملائم لهذه المعاني المرسومة من إيقاعه أيضا في ذلك المكان الآمن الهادئ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ.
وقد يشتدّ إيقاع اللفظ ويقوى، للإيحاء بالمعنى الشديد، كالتعبير عن يوم القيامة ب «الحاقّة والصاخّة والطامّة وغير ذلك». وكلّها ألفاظ شديدة الوقع على الأذن، قوية الجرس، تناسب أهوال القيامة وشدائدها. وقوة الجرس وشدّته، ملحوظة في بناء الكلمة المعتمد على حرف ممدود بالألف «حا- صا- طا» ثم إيقاع المدّ على حرف مشدّد، بعد هذا الارتفاع في حركة المدّ، فهذا الوقوع على الحرف المشدّد يزيد من شدة الإيقاع وقوته ثم وجود التاء في نهاية اللفظ، والتي تنطق هاء ساكنة عند الوقف توحي بانتهاء الشدّة عند السكون الملحوظ في نهاية اللفظة «الحاقّة- الصاخّة- الطامّة».
وهذا يعني أن الجرس اللفظي يرتبط أيضا بحركات الحروف، ومدودها بالإضافة إلى ما ذكرناه حول مخارجها وصفاتها.
فمن مجموع هذه العلاقات المتشابكة والمتآزرة في اللفظ الواحد، ويتألّف الجرس اللفظي، بالإضافة إلى الجرس الداخلي للكلمة المرتبط بدلالتها على المعنى.
وقد انتبه «يحيى العلوي» في كتابه «الطراز» إلى ورود كلمات في القرآن بصيغ الجمع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 391)
دون المفرد مثل أكواب وألباب، وأصواف. ولكنه لم يعلّل هذه الظاهرة تعليلا علميا على ضوء الجمال الصوتي للتعبير القرآني «26».
وقد حاول مصطفى صادق الرافعي أن يقوم بتحليل هذه الظاهرة الصوتية في التعبير القرآني.
فورود كلمة «الألباب» بصيغة الجمع دون كلمة «اللبّ» المفردة «لأن لفظ الباء شديد مجتمع، ولا يفضي إلى هذه الشدة إلا من اللام الشديدة المسترخية، فلمّا لم يكن ثمّ فصل بين الحرفين، يتهيّأ منه هذا الانتقال على نسبة بين الرخاوة والشدة، تحسن اللفظة مهما كانت حركة الإعراب فيها نصبا أو رفعا أو جرا، فأسقطها من نظمه بتة على سعة ما بين أوله وآخره ولو حسنت على وجه من تلك الوجوه لجاء بها حسنة رائعة، وهذا على أن فيه لفظة (الجبّ) وهي في وزنها ونطقها، لولا حسن الائتلاف بين الجيم والباء من هذه الشدّة في الجيم المضمومة» «27».
ومثل ذلك لفظة «الكوب» لم تستعمل إلا في صيغة الجمع «أكواب» وعكس ذلك لفظة «الأرض» التي لم تذكر مجموعة في القرآن الكريم. وحين اقتضى السياق القرآني جمعها أخرجها على صورة رائعة معجزة تحقّق الغرض من الجمع بدون ذكر لفظ «الأرضين» وذلك في قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ الطلاق: 12، لأنّ الإيقاع الموسيقى يختلّ ويضطرب بذكر لفظ الجمع «28».
وسيد قطب يربط الإيقاع الموسيقى للألفاظ بالحالة النفسية، أو المعنى المراد تصويره، فليست حركات الكلمة، ومدودها، مجرد إيقاع موسيقي، يتردّد صداه في التعبير القرآني دون غرض أو فائدة معنوية، بل إنه يقوم بوظيفة أساسية في جلاء المعنى، وتوضيحه عبر هذه المؤثرات الصوتية، ففي قوله تعالى: وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ فاطر: 34.
يقول سيد قطب: «فالجو كلّه يسر وراحة ونعيم، والألفاظ مختارة لتتّسق بجرسها--------------------------------------------
(26) الطراز: 3/ 47 - 48.
(27) إعجاز القرآن: ص 232.
(28) المصدر السابق: ص 233.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 392)
وإيقاعها مع هذا الجوّ الحاني حتى «الحزن» بالتسهيل والتخفيف .. والإيقاع الموسيقى للتعبير هادئ ناعم رتيب» «29».
وفي قوله تعالى: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا، تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا .. مريم: 88 - 90.
يقول أيضا: «إنّ جرس الألفاظ وإيقاع العبارات ليشارك ظلال المشهد في رسم الجو، جوّ الغضب والغيرة والانتفاض» «30».
وعلى هذا النهج، يسير سيد قطب في تحليل النصوص القرآنية في كتبه، مستخدما مصطلح الجرس والإيقاع في الحديث عن الجانب الصوتي في المدود والحركات، وفي الألفاظ عموما.
وهو يربط الإيقاع الموسيقى للألفاظ بالمعنى المراد، والحالة النفسية، والجوّ العام للسياق، وهذا منهج سليم، لأن الإيقاع الموسيقى في القرآن لم يقصد لذاته، لمجرد التنغيم. والإطراب بهذه النبرات الصوتية المنغّمة بل هو وسيلة لتصوير المعاني الدينية.
ويضيف العقاد إلى ما ذكرناه «الحركة الإعرابية» التي تكسب المفردة القرآنية، قيمة فنية، لأن الحركات الإعرابية، تزيد من وضوح النغمات الموسيقية للمفردات أيضا. يقول العقاد: «فإن هذه الحركات والعلامات تجري مجرى الأصوات الموسيقية، وتستقرّ في مواضعها المقدورة، على حسب الحركة والسكون في مقاييس النغم والإيقاع .. ولها بعد ذلك مزية تجعلها قابلة للتقديم والتأخير .. لأنّ علامات الإعراب، تدلّ على معناها كيفما كان موقعها من الجملة المنظومة» «31».
وبهذا تنتقل المفردات من الروابط الخاصة بها، إلى الروابط السياقية أيضا، فيرتبط إيقاعها المنفرد بالإيقاع السياقي المنسّق في التعبير كلّه، فتتمّ به العلاقة بين الإيقاع الكامل للمعنى التام المراد تصويره، فيتناسق الإيقاع بنغماته أو توقيعاته مع المعنى بكلّ جزيئاته.
فالألفاظ وحدها على الرغم من تنوّع علاقاتها البنائية، لا تكفي لتصوير المعنى، ما لم--------------------------------------------
(29) في ظلال القرآن: 5/ 2944 - 2945.
(30) المصدر نفسه 4/ 2320 - 2321.
(31) اللغة الشاعرة: 16.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 393)
توضع في السياق الملائم لها. وقد بسط عبد القاهر الجرجاني ذلك في نظرية «النظم» التي أشرنا إليها في الباب الأول.
والسياق هذا الذي يمنح القوة للألفاظ، ويظهر كنوزها المشعّة بالصور والظلال والإيقاع العام.
ف «حين تتجمّع الكلمات في الجمل، وفي العبارات، تكتسب جرسا موسيقيا آخر، زيادة على ما كان لها من موسيقى فردية» «32».
كما أنّ الألفاظ: «لا تستطيع أن تعطي دلالتها كاملة إلا في هذا النسق، وتستمد العبارة دلالتها في العمل الأدبي من مفردات الدلالة اللغوية للألفاظ، ومن الدلالة المعنوية الناشئة عن اجتماع الألفاظ، وترتيبها في نسق معيّن، ثم من الإيقاع الموسيقى الناشئ من مجموعة إيقاعات الألفاظ متناغما بعضها مع بعض ثم من الصور والظلال التي تشعّها الألفاظ متناسقة في العبارة» «33».
ويمتدّ نظام العلاقات السياقية، ليشمل نظام «الفواصل» القرآنية، فهي تعتمد على «التنويع» ولا تأتي على نسق واحد. فمنها الطويلة، والمتوسطة، ومنها القصيرة، كما أن رويّها يختلف في السور القرآنية وحتى في السورة الواحدة غالبا، لتبتعد الفاصلة القرآنية عن مظنّة السجع المعتمد على النظام الموحّد في حركة حرفه الأخير.
والفاصلة في القرآن، كالقافية في الشعر، لها دورها الإيقاعي في نهاية كل آية، ولكنّ وظيفتها ليست إيقاعية فنية فحسب، وإنما هي مناسبة للمعنى، تزيد في وضوحه وجلائه، وهي ملائمة للسياق، كما أنّها تحكم المعنى في نهاية السياق، وتقوّيه من خلال إيقاعها الموسيقى الخاص.
وقد أكّد الرمّاني قديما على الفارق بين الفاصلة والسجع بقوله: «الفواصل حروف متشاكلة في المقاطع، توجب حسن إفهام المعاني، والفواصل بلاغة، والأسجاع عيب، وذلك لأنّ الفواصل تابعة للمعاني، وأمّا الأسجاع فالمعاني تابعة لها» «34».--------------------------------------------
(32) الأصول الفنية للأدب: عبد الحميد حسن. ص 40.
(33) النقد الأدبي أصوله ومقوماته: سيد قطب ص 41.
(34) النكت: ثلاث رسائل في الإعجاز. ص 89 - 90.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 394)
فهي تابعة للمعاني، ومرتبطة بها، لهذا أكسبت النص القرآني قوة موسيقية مؤثّرة، عبر النغم الموسيقى في نظمه وإيقاعه ثم في نهاية آياته، مع ارتباط الإيقاع الموسيقى بالمعنى العام الذي لا ينفك عنه بل هو وسيلة من وسائل إيضاحه وإبرازه، ومتمم له، في تأثيره في النفوس.
لأن الإيقاع الموسيقى يدخل إلى النفس عبر الحس السمعي، فيعمّق الإحساس بالمعنى.
كما أنّ الذهن منفذ من منافذ المعنى، ولكنّه ليس المنفذ الوحيد له، فالإيقاع يشترك مع الذهن في توصيل المعنى ويزيد عليه في قوة التأثير في النفس.
لذلك كان للقرآن الكريم هذا الجمال الصوتي المؤثّر الذي جعله كما يقول ابن قتيبة:
«متلوّا لا يملّ على طول التلاوة، ومسموعا لا تمجّه الآذان، وغضّا لا يخلق من كثرة الترداد» «35».
وهذا ما توصّل إليه علماء الجمال اليوم في الإحساس الصوتي بالجمال، لأنّ الجمال الصوتي يعتمد «على انسجام الأنغام في تردد رتيب، لا تملّه الآذان، غير نشاز، فتنفر منه الآذان، وتتأذى به، متسق مع ما ينبعث في النفس من هزّات داخلية، فيتمّ التوافق بين النغم الخارجي والداخلي» «36».
وقد حرص العلماء منذ القديم، على تسمية نهاية الآيات بالفواصل، تمييزا لها عن الأسجاع، كما لاحظنا ذلك في قول الرمّاني المتقدم.
والدافع إلى ذلك، هو تنزيه القرآن الكريم عن سجع الكهان، وعمّا علق بتاريخ السجع من التكلف والتقعّر.
ولكن «الفرّاء» لم يجد حرجا من القول بوجود السجع في القرآن.
فقد رأى أنّ السجع هو السبب في حذف الضمير من كلمة «قلى» الواردة في سورة الضحى، لكي ينسجم مع بقية نهايات الآيات. يقول الفرّاء في تعليل حذف الكاف: «يريد ما قلاك، فألغيت الكاف، كما تقول أعطيتك، وأحسنت، ومعناه وأحسنت إليك، فتكتفي بالكاف من إعادة الأخرى، ولأنّ رءوس الآيات بالياء فاجتمع فيه ذلك» «37».--------------------------------------------
(35) أثر القرآن في تطور النقد العربي: ص 243.
(36) المصدر السابق: 244.
(37) معاني القرآن: الفرّاء ص 3/ 271.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 395)
ويبدو أن حذف الكاف في «قلى» ليس من أجل التناسب الشكلي فقط بين رءوس الآيات، كما قال الفرّاء، وإنما هناك تناسب معنوي أيضا، وهو كراهية إيقاع فعل الكراهية على الضمير العائد على الرسول صلى الله عليه وسلم، تشريفا لقدره، وبيانا لمنزلته عند الله سبحانه.
وقد حاولت الدكتورة عائشة عبد الرحمن في تفسيرها البياني أن تردّ على الفرّاء، الذي أرجع السجع في القرآن للإيقاع الشكلي، فتناولت بعض السور القصار بالدراسة والتحليل، لإثبات التناسب المعنوي في الفواصل القرآنية.
ففي تفسيرها البياني لسورة «الهمزة» وقفت تعلّل، استعمال كلمة «الأفئدة» بدلا من القلوب الواردة في قوله تعالى: نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ الهمزة: 6 - 7.
قرأت أن كلمة الْأَفْئِدَةِ لم تستعمل هنا مراعاة لنسق الفاصلة فحسب، وإنما لتخليص الأفئدة من حس العضوية، التي تدخل على دلالة لفظ القلوب، فيما ألف العرب من لغتهم، ولا يزال استعمال القلب بمعناه العضوي جاريا في اللغة دون استعمال الفؤاد بهذا المعنى «38».
فاستعمال «الأفئدة» يوحي بتجاوز العذاب الحسي إلى العذاب النفسي، وهذا تصوير منتهى العذاب وبذلك تحقق الفاصلة التناسب المعنوي في تصوير العذاب إلى جانب التناسب الموسيقى للإيقاع.
والزمخشري منذ القديم لاحظ تناسق الفاصلة القرآنية مع السياق المعنوي، وفسّرها على ضوء المعنى السابق لها.
ففي تفسيره لقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ الأنعام: 97 - 98.
يقول الزمخشري: «فإن قلت: لم قيل (يعلمون) مع ذكر النجوم، ويفقهون مع ذكر إنشاء بني آدم؟ قلت: كان إنشاء الإنس من نفس واحدة، وتصريفهم بين أحوال مختلفة، ألطف وأدق صنعة وتدبيرا، فكان ذكر الفقه الذي هو استعمال فطنة، وتدقيق نظر مطابقا له» «39».--------------------------------------------
(38) التفسير البياني: د. عائشة عبد الرحمن. 2/ 181.
(39) الكشاف: 2/ 39.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 396)