يحلّل الصورة وفق مفهومه لها في ربطها بالصياغة الفنية، ولا ينظر إليها من خلال ألفاظها المفردة، ويرى أن الناس يرجعون جمال هذه الصورة إلى الاستعارة دون سواها، ولم ينظروا إلى الصورة من خلال جمال النظم. فالإسناد الوارد في الصورة هو مصدر جمالها وحسنها، فلو قيل «واشتعل شيب الرأس» ما بقي للصورة هذا الحسن والجمال، ويعلّل الجرجاني سرّ الجمال في إسناد الاشتعال للرأس بأنه «يفيد مع لمعان الشيب في الرأس الذي هو أصل المعنى الشمول، وأنه قد شاع فيه وأخذه من نواحيه … » «37».
فالجرجاني يركّز على أن الصورة هي في النظم أو الصياغة، ليثبت أنّ الإعجاز في القرآن يرجع إلى نظمه وصياغته، وأنّ الاستعارة الواردة في الآية هي من عناصر تشكيل الصورة. فليس هناك مصطلحان للصورة عند الجرجاني في كتابيه، وإنما هو مصطلح واحد، وضّحه في كتابه الدلائل ثم خصّص كتابه الأسرار لتوضيح عناصر التصوير وأدواته.
ولولا سيطرة قضية الألفاظ والمعاني عليه لتوصّل إلى قضايا نقدية أخرى متعلقة بالصورة، ولكنّ هذه القضية صرفته عن كثير مما كان وشيكا أن يصل إليه كما يقول سيد قطب عنه «38».
وقد حاول الزمخشري (ت 538 هـ) أن يسير على طريقة الجرجاني في التصوير، فاستخدم مصطلحات عدّة: مثل التصوير والتمثيل والتخييل، وكلّها عنده تبرز المعاني المعقولة في صور حسية.
وقد فسّر المعاني القرآنية والحقائق الدينية، على ضوء التصوير، فوضّح أن التشبيهات «إنما هي الطرق إلى المعاني المحتجبة في الأشياء، حتى تبرزها، وتكشف عنها،
وتصورها للأفهام» «39».
فدور التمثيل هو الكشف عن المعاني الغامضة، والتصوير بمنزلة التشكيل لها يقول:
«لأن التمثيل مما يكشف المعاني، ويوضّحها، لأنه بمنزلة التصوير والتشكيل لها» «40».
وهذه العبارة توهم أن التمثيل غير التصوير عنده، بينما هما مصطلحان لمعنى واحد،--------------------------------------------
(37) دلائل الإعجاز: ص 101.
(38) التصوير الفني في القرآن: سيد قطب ص 31.
(39) البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري: الدكتور محمد محمد أبو موسى. ص 403.
(40) المصدر السابق: ص 404.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
وهو تشكيل المعاني على هيئة مخصوصة. فالزمخشري يستخدم هذه المصطلحات المتعددة للصورة، لكي يحيط بوظائف الصورة في التشخيص والتجسيد والتخييل.
ويبيّن الزمخشري قيمة الصورة في نقل المعاني الذهنية في صور حسية. فقوله تعالى: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لقمان: 22 يقول الزمخشري معلقا على هذا التصوير الحسي: «وهذا تمثيل للمعلوم بالنظر، والاستدلال بالمشاهد المحسوس، حتى يتصوره السامع، كأنه ينظر إليه بعينيه، فيحكم اعتقاده، والتيقن به» «41».
والمعاني عنده نوعان: المعاني المحققة، والمعاني المفروضة المتخيلة، فالمعاني المحققة هي التي لها وجود خارجي حسي، وتقوم الصورة بدورها في إبراز هذين النوعين من المعاني، فقوله تعالى مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ البقرة: 261 هو نموذج للمعاني المحققة، التي قامت الصورة الفنية بتوضيحها فهي «تصوير للأضعاف كأنها ماثلة بين عيني الناظر» «42».
والمعاني المتخيلة أو المفروضة كقوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ الأحزاب: 72 المقصود بها «تصوير عظم الأمانة، وصعوبة أمرها، وثقل محملها، والوفاء بها» «43».
فالزمخشري يسير في تفسيره «الكشاف» على ضوء مفهومه للتمثيل والتصوير، ويرجع بلاغة القرآن إلى أسلوبه التصويري في نقل المعاني المحققة والمتخيلة، ويلح في تحليله للصورة القرآنية، على الجانب البصري فيها ويتشابه في هذا مع الرماني وأبي هلال العسكري، ولكن الصورة القرآنية أوسع وأشمل من التقديم البصري، وحصرها فيه، تضيق لقدراتها المتنوعة والفنية «44».
وجاء ابن الأثير (ت 637 هـ) فألحّ أيضا على الجانب البصري في الصورة، وأطلق هذا المصطلح على كل مرئي مشاهد من التشبيهات، كقوله تعالى مثلا:--------------------------------------------
(41) البلاغة القرآنية: ص 434.
(42) الكشاف: الزمخشري 1/ 340.
(43) المصدر السابق: 3/ 277.
(44) الصورة الفنية في التراث البلاغي والنقدي: ص 297 - 298.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ الصافات: 48 - 49، وهذا التشبيه- عنده- من قبيل تشبيه صورة حسية بصورة حسية، وهناك أيضا تشبيه معنى بصورة كقوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً النور: 39.
وهذا عنده من أجود أنواع التشبيه، لأنه يعبر عن المعاني الذهنية بالصور المرئية المشاهدة «45».
ويرى حازم القرطاجني (ت 684 هـ) أن الصورة الفنية هي استعادة لمدرك حسي بعد غيابه.
فالمعاني تدرك من العالم المحسوس، وتكوّن لها صورا ذهنية، ثم تأتي الصورة الفنية، فتستشير هذه الصور الذهنية، بعد غياب المدرك الحسي عنها. يقول حازم: «إن المعاني هي الصور الحاصلة في الأذهان عن الأشياء الموجودة في الأعيان، فكل شيء له وجود خارج الذهن، فإنه إذا أدرك، حصلت له صورة في الذهن تطابق ما أدركه منه، فإذا عبر عن تلك الصورة الذهنية الحاصلة عن الإدراك، أقام اللفظ المعبر به هيئة تلك الصور الذهنية في أفهام السامعين وأذهانهم» «46».
ولكنّ مفهوم الصورة أخذ يضيق ويتحجّر على يد البلاغيين المتأخرين مثل السكاكي، والخطيب القزويني وشرّاح التلخيص، فأطلقوا مصطلح الصورة على بعض التشبيهات والاستعارات المركبة.
يقول الخطيب القزويني: «وأما المجاز المركب فهو اللفظ المركب المستعمل فيما شبه بمعناه الأصلي تشبيه التمثيل للمبالغة في التشبيه، أي تشبيه إحدى صورتين منتزعتين من أمرين أو أمور أخرى … ».
وعلّق القزويني على «أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى» بقوله: «شبه صورة تردده في المبايعة بصورة تردد من قام ليذهب في أمر، فتارة يريد الذهاب، فيقدم رجلا، وتارة لا يريد، فيؤخر أخرى» «47».
وهكذا انتهى مفهوم الصورة عند المتأخرين من البلاغيين إلى نوع من المجازات المركبة،--------------------------------------------
(45) المثل السائر: ابن الأثير ص 127.
(46) منهاج البلغاء وسراج الأدباء: حازم القرطاجني. ص 18 - 19.
(47) الإيضاح في علوم البلاغة: الخطيب القزويني. ص 312.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
ولم ينظر هؤلاء إلى طبيعة اللغة العربية المصورة بمفرداتها وتراكيبها، واشتقاقاتها الغنية، التي تثير صورا فنية مؤثرة بل إنهم لم يتابعوا عبد القاهر الجرجاني، والزمخشري فيما توصّلا إليه، من مفهوم للصورة، يعدّ متقدما وذا قيمة إذا وضع في إطار عصرهما.
إنّ مفهوم القدماء للصورة ظلّ مفهوما جزئيا لها، يدور في الإطار الحسي، بعيدا عن النظرة الكلية والشمولية للعمل الأدبي، وحتى كتب الإعجاز، تأثّرت باتجاه النقد العربي القديم، فاهتمت بالصورة المفردة أو الجزئية دون أن تهتم بالصورة الكلية للسياق، أو بالبناء العام للصورة في القرآن كله القائم على نظام العلاقات بين الصور الجزئية والكلية، والصور الحسية والنفسية.
ثم إن وظائف الصورة الفنية عند القدماء جاءت أيضا متسمة بالجزئية نتيجة لمفهوم الصورة عندهم، فهي تهدف إلى الشرح والتوضيح أو التحسين أو التقبيح أو المبالغة أو الإقناع «48».
ولم ينظروا إلى الصورة باعتبارها تحمل رؤية جديدة للواقع أو الحياة.
إن الصورة القرآنية تحمل رؤية جديدة للحياة وتهدف إلى بناء الإنسان، وبناء الحياة على أسس دينية ولا يمكن أن ننظر إلى وظيفتها نظرة جزئية من خلال الصورة المفردة فقط، بل لا بد من نظرة شمولية للأسلوب القرآني كله حتى نفهم سرّ إعجازه، ونفهم وظيفة الصورة ضمن هذا الإطار العام والشامل.
ب- الصورة في النقد الحديث
كثرت الدراسات الأدبية والنقدية حول الصورة في العصر الحديث، تنظيرا وتطبيقا، وافتن الدارسون ببيان أهميتها، وأنواعها، ووظائفها. واختلفت مفاهيمهم حولها، تبعا لاختلاف المذاهب الأدبية.
فمنهم من انطلق من التراث النقدي العربي لإثبات أن تراثنا النقدي، قد استوفى دراسة الصورة من جميع نواحيها «49»، ومنهم من اعتمد في دراستها على المفاهيم الأجنبية، فراح--------------------------------------------
(48) الصورة الفنية في التراث البلاغي والنقدي: ص 364 وما بعدها.
(49) د. كامل حسن البصير في كتابه «بناء الصورة الفنية»، ود. محمد أبو موسى في «التصوير البياني».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
يطبّق النظريات النقدية الأوربية على تراثنا الشعري «50»، ومنهم من جمع بين تراثنا القديم، والنظرة الحديثة لها «51».
وعلى الرغم من كثرة الدراسات العربية والأوربية حول الصورة، فإن النقاد- عربا وأجانب- ما زالوا مختلفين في تحديد مفهومها، ويرجع هذا الاختلاف بينهم إلى تعدد دلالات مصطلح «الصورة» بين دلالة لغوية وذهنية، ونفسية، ورمزية، وبلاغية أو فنية.
وتعدد مناهج دراستها، نتيجة لتعدد هذه الدلالات «52».
وقد لاحظ كثير من النقاد غموض هذا المصطلح، وكثرة الاختلافات فيه، ولكنهم استعملوه، لأنه أفضل من غيره في مجال الدراسات الأدبية والنقدية «53». فهو مصطلح يدلّ على الأنواع البلاغية القديمة، ويضيف إليها مفاهيم عصرية جديدة. يقول الدكتور فائز الداية:
«إنّ ما يدفعنا إلى تخيّر الصورة الفنية هو البحث عن الجدّة، التي تستمد ألقها من الينابيع النقدية الأصيلة، ومن ثم تغدو أهلا لإضافة خطوط عصرية إلى التكوين البلاغي النقدي» «54».
ولكنّ بعض النقاد تحرّجوا من مصطلح الصورة، وفضّلوا مصطلح الاستعارة بديلا عنه.
ومنهم الدكتور مصطفى ناصف الذي يعتبر مصطلح الصورة يرادف الاستعمال الاستعاري، لذلك فإنه يفضّل استعمال مصطلح الاستعارة بدلا من الصورة. يقول ناصف: «لفظ الاستعارة إذا حسن إدراكه قد يكون أهدى من لفظ الصورة» «55».
وهذا الرأي يعدّ تكرارا لرأي الناقد «ريتشاردز» الذي رفض مصطلح الصورة لأنه مضطرب ومضلل، وذلك لارتباطه بدلالات لغوية، ونفسية، ويفضّل مصطلح الاستعارة عليه «56».--------------------------------------------
(50) د. نصرت عبد الرحمن في «الصورة الفنية في الشعر الجاهلي»، ود علي البطل في «الصورة في الشعر العربي»، ود. عبد القادر الربّاعي في «الصورة الفنية في النقد الشعري».
(51) الدكتور أحمد بسام ساعي في «الصورة بين البلاغة والنقد».
(52) مقدمة لدراسة الصورة الفنية: د. نعيم اليافي. ص 41 - 48.
(53) الصورة في التشكيل الشعري: الدكتور سمير علي الدليمي. ص 54 وما بعدها.
(54) جماليات الأسلوب: الدكتور فائز الداية. ص 13.
(55) الصورة الأدبية: د. مصطفى ناصف ص 5.
(56) مقدمة لدراسة الصورة الفنية: الدكتور نعيم اليافي. ص 48.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
ويرى الدكتور نعيم اليافي أنّ مصطلح الاستعارة يثير مشكلات أكبر من مصطلح الصورة، ويرى أنّ الصورة أعم وأشمل من الاستعارة، لأنها تشمل جميع الأنواع البلاغية وتضيف إضافات جديدة «57».
وقد استفاد مصطلح الصورة من الدراسات في علم النفس والجمال والنقد في إثراء مدلوله.
ولكن ما الصورة؟ وما طبيعتها؟
اختلف النقاد المعاصرون في تعريفها، بحسب دلالاتها المختلفة. فبعض النقاد يعرّفها على ضوء علم النفس فيرى «برأي» أن الصورة «التذكر الواعي لمدرك حسي سابق» «58».
وعلى ضوء هذا التعريف، تقوم الصورة باسترجاع الصور المختزنة في الذهن، بعد غياب المنبه الحسي، وتعتبر الحواس هي مادة الصورة، والمكوّنة لها، فالحواس تلتقط الموضوع الخارجي، وتختزنه في الذهن، ثم تأتي الصورة الفنية، فتستثير بها خيال المتلقي، الذي اختزن الصور الذهنية في ذاكرته.
وقد قسمت الصورة بحسب الحواس المكوّنة لها، إلى صور بصرية، وسمعية، وشمية، وذوقية، ولمسية.
لكن الصورة لا تكون حسية دائما، فقد تكون صورة نفسية بكاملها. يقول ميدلتون موري عن الصورة بأنها «قد تكون بصرية وقد تكون سمعية» أو «قد تكون بكاملها سيكولوجية» «59».
لذلك جعلها الناقد ريتشاردز هي القوة المحركة للعواطف، يقول: «إن القوى المحركة للعواطف محصورة في الصورة» «60».
وقد تحمّس الناقد عز الدين إسماعيل إلى هذا الاتجاه النفسي في دراسة الصورة، وفهمها، فعرّفها بقوله: «الصورة تركيبة عقلية تنتمي في جوهرها إلى عالم الفكرة أكثر من انتمائها إلى عالم الواقع» «61».--------------------------------------------
(57) مقدمة لدراسة الصورة الفنية: ص 49.
(58) المصدر السابق: ص 43.
(59) نظرية الأدب: رينيه ويليك وأوستن وارين. ص 195.
(60) الصورة بين البلاغة والنقد: ص 28.
(61) التفسير النفسي للأدب: د. عز الدين إسماعيل. ص 66.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
ويتحدث عن طبيعة الصورة، ويعتبر الشعور هو الصورة، مردّدا قول هويلي: «إن الشعور ليس شيئا يضاف إلى الصور الحسية، وإنما الشعور هو الصورة، أي أنها الشعور المستقر في الذاكرة … » «62».
وهذا الفهم للصورة فيه غموض وإبهام، إذ كيف تكون الصورة هي الشعور، ثم بعد ذلك يمكن دراستها فنيا كما أنّ هذا الفهم للصورة على أساس علم النفس، يتجاهل العناصر الأخرى المكوّنة للصورة، فالصورة ليست شعورا فحسب، وإنما هي أيضا تتكوّن من الفكر والواقع وغيرهما.
وبعض النقاد، يعتبر «الذهن» أساس الصورة. يقول أندريه بروتون: «إن الصورة إبداع خالص للذهن» «63».
والدكتور عبد القادر الربّاعي يربط الصورة بالنشاط الذهني أو العقلي أو العقلي سواء في مفهومها العام أم في مفهومها التفصيلي، ففي مفهومها العام هي «أية هيئة تثيرها الكلمات الشعرية بالذهن» «64»، وفي مفهومها التفصيلي يجعلها «تركيبة عقلية تحدث بالتناسب أو بالمقارنة» «65».
وهذا التعريف أيضا يجعل العقل هو المكوّن لها، ويتجاهل بقية المكوّنات الأخرى مثل العاطفة والإحساس والفكر والواقع واللغة.
وقد أحسّ الدكتور نعيم اليافي بالقصور في تعريف الصورة، فحاول أن يجمع بين التعريفين السابقين لها، لأنه لاحظ أن الشعور وحده أو العقل وحده لا يمكن أن يرجع إليه تكوين الصورة، لهذا قال في تعريفها إنها «وحدة تركيبية، يلتمسها الشاعر في كل مكان، ويخلقها بجميع حواسه، وبكل قواه الذهنية والشعورية» «66».
ولكنه أيضا وقع بما وقع فيه غيره من النقص والقصور في تعريف الصورة، لأنّ هناك عنصرا آخر في تشكيلها وهو «اللغة».--------------------------------------------
(62) التفسير النفسي للأدب: ص 71.
(63) الصورة الشعرية في الخطاب البلاغي والنقدي: الولي محمد. ص 16.
(64) الصورة الفنية في النقد الشعري: ص 85.
(65) المصدر السابق: ص 86.
(66) مقدمة لدراسة الصورة الفنية: ص 49.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
لذا نجد نقادا آخرين ربطوا تعريفها ب «اللغة»، فهي عندهم تشكيل لغوي، يشبه اللوحة الفنية المرسومة، ولكن قوام الصورة الكلمات يقول الناقد «سي دي لويس» عن الصورة إنها «رسم قوامه الكلمات» «67».
ولكنّ هذا الناقد أحسّ بنقص تعريفه، واتجاهه نحو شكل الصورة دون مضمونها، فأضاف إلى تعريفه فيما بعد قوله: «هي رسم قوامه الكلمات المشحونة بالإحساس والعاطفة» «68». وبهذا التعريف الأخير يرتبط الشكل اللغوي، للصورة بمضمونها العاطفي.
والدكتور علي البطل يرى أيضا أن الصورة تشكيل لغوي، ويضيف إلى هذا التشكيل مكوّنات أخرى للصورة، مثل الخيال والحواس والعقل يقول: «فالصورة تشكيل لغوي، يكوّنها خيال الفنان من معطيات متعددة، يقف العالم المحسوس في مقدمتها، فأغلب الصور مستمدة من الحواس، إلى جانب ما لا يمكن إغفاله من الصور النفسية والعقلية، وإن كانت لا تأتي بكثرة الصور الحسية» «69».
واللغة- وحدها- لا تكفي لتشكيل الصورة لكونها لغة وإنما من تفاعلات اللغة وعلاقاتها بالسياق، فالسياق اللغوي هو الذي يمنح الصورة إيحاءاتها وظلالها وتأثيرها.
ويبدو أن الدكتور البطل يعتبر التشكيل اللغوي كل شيء في الصورة، فهو مقياس جمالها، على الرغم من ملاحظته لدور الحواس والعقل والنفس في تشكيلها. يقول: «إن مصدر جمال الصورة لا يكون بما فيها من المجاز وإنما ينبع من كونها صورة فحسب» «70».
وهو في هذا المقياس الجمالي متأثر ب «جان برتليمي» الذي يقول: «إن الصورة كمبدإ هي مصدر جمال الصورة» «71».
ويقيد الدكتور عبد الإله الصائغ التشكيل اللغوي للصورة، بالتشكيل الجمالي لها يقول:
«أما الصورة الفنية فهي تشكيل جمالي، تستحضر فيه لغة الإبداع الهيئة الحسية أو الشعورية للأجسام أو المعاني بصياغة جديدة، تمليها قدرة الشاعر، وتجربته، وفق تعادلية فنية بين--------------------------------------------
(67) الصورة الشعرية: سي دي لويس. ص 21.
(68) المصدر السابق: ص 23.
(69) الصورة في الشعر العربي: ص 30.
(70) المصدر السابق: نفس الصفحة.
(71) بحث في علم الجمال: جان برتليمي. ص 177.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
طرفين هما المجاز والحقيقة دون أن يستبد طرف بآخر» «72».
وهذا يعني أن الصورة ليست مجرد تشكيل لغوي بل هي تشكيل لغوي خاص، يقصد به التصوير والتأثير. هذه التعريفات المختلفة للصورة، يمكن التوفيق بينها، بحيث تبدو متكاملة، وليست متعارضة. أو هي مراحل متصلة في بناء الصورة وليست منفصلة حتى ينسب الفضل لأحدها دون الآخر.
فالإنسان يشاهد الأشياء، وينفعل بها، ويدركها إدراكا حسيا. ثم ينشأ التصور عن الإدراك الحسي والتصور هو «استحضار صور المدركات الحسية عند غيبتها عن الحواس من غير تصرف فيها بزيادة أو نقص أو تغيير أو تبديل» «73». وهنا يتدخل الذهن في اختزان هذه الصور المسماة بالصور الذهنية.
ثم الصورة الفنية هي «إبراز هذه الصور إلى الخارج بشكل فني» «74».
فمرحلة التصور تقع بين الصورة الذهنية والصورة الفنية، وأداة التصوير الفكر فقط، أما أدوات الصورة فكثيرة منها الفكر والشعور واللغة … فالصورة الفنية بأدواتها التصويرية المتعددة، تحرّك الصور الذهنية في مخيلة المتلقي، وهكذا تجتمع كل العناصر المكوّنة للصورة متآلفة ومتعاونة بعد أن بدت في تعريفات النقاد متباعدة متخالفة.
وعلى ضوء هذا المفهوم للصورة، فقد اتسعت الصورة في النقد الحديث لتشمل كل تقديم حسي، يقول ناصف: «تستعمل كلمة صورة- عادة- للدلالة على كل ما له صلة بالتعبير الحسي» «75» حتى أصبحت الصورة تعني «أي إدراك حسي مسترجع» «76».
فلم تعد الصورة- بهذا المفهوم الجديد لها- محصورة في الأنواع البلاغية بل «قد تخلو الصورة- بالمعنى الحديث- من المجاز أصلا فتكون عبارات حقيقية الاستعمال ومع ذلك فهي تشكّل صورة دالة على خيال خصب» «77».--------------------------------------------
(72) الصورة الفنية معيارا نقديا: الدكتور عبد الإله الصائغ: ص 159.
(73) في النقد الأدبي: د. عبد العزيز عتيق 68.
(74) نظرية التصوير الفني عند سيد قطب: د. صلاح الخالدي. ص 87.
(75) الصورة الأدبية: ص 3.
(76) مقدمة لدراسة الصورة الفنية: ص 71.
(77) الصورة في الشعر العربي: ص 25.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
ويرى الدكتور عبد الفتاح صالح نافع أننا «نجد كثيرا من الصور الجميلة الخصبة جاءت من استخدام عبارات حقيقية لا مجاز فيها … » «78».
فالعبارات الحقيقية ضمن السياق، قد توحي بدلالات متنوعة، تكون أبلغ من المجاز في موقعها، وضمن سياقها الواردة فيه، يقول الدكتور غنيمي هلال بهذا المعنى: «من وسائل التصوير والإثارة ما لا يدخل في الوجوه البلاغية التي ذكروها بحال» «79»، ويقول في موضع آخر: «فقد تكون العبارات حقيقية الاستعمال وتكون مع ذلك دقيقة التصوير، دالة على خيال خصب» «80».
لهذا فإن الدكتور صلاح فضل يعتبر الوصف صورة، تقوم على التقديم الحسي فقط دون أن تعتمد على المجاز فقد علّق على أبيات ذي الرمة:
عشية ما لي حيلة غير أنني … بلقط الحصى والخط في الترب مولع
بقوله: «فليس ثمة تشبيه ولا استعارة، ولا مجاز آخر، وبالرغم من ذلك ينجح الشاعر في تقديم تمثيل حسي نتردد في وصفه بأنه خيالي، إذ يمكن له أن يعتمد على تجربة واقعة، ويصفها بدقة، مما يجعل دور الخيال قاصرا على استحضارها وتمثيلها دون تكوينها الأصلي» «81».
فالخيال في الصورة الوصفية يقتصر دوره على الاستحضار والتمثيل، لا البناء والتشكيل للصورة.
ويبدو أن طبيعة اللغة العربية التصويرية، تساعد على التوسّع في مفهوم الصورة، فقد سمّاها العقاد «اللغة الشاعرة» لأنها «بنيت على نسق الشعر في أصوله الفنية والموسيقية، فهي في جملتها فن منظوم منسّق الأوزان والأصوات … » «82».
فهي بهذا المقياس «لغة معبرة مصوّرة، تقوم عباراتها بالدلالة على معانيها دلالة شعرية فنية موحية» «83»، فالتعبير الفني المتناسق بألفاظه وعباراته- ولو كان تعبيرا حقيقيا--------------------------------------------
(78) الصورة في شعر بشار بن برد: د عبد الفتاح نافع. ص 58 - 59.
(79) النقد الأدبي الحديث: د. محمد غنيمي هلال. ص 250.
(80) النقد الأدبي الحديث: ص 457.
(81) علم الأسلوب مبادئه وإجراءاته: د. صلاح فضل ص 236.
(82) اللغة الشاعرة: عباس محمود العقاد. ص 8.
(83) نظرية التصوير الفني عند سيد قطب: ص 30.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
لا مجاز فيه- تصوير فني.
يقول الدكتور علي إبراهيم أبو زيد: «فكأن في كل تعبير أدبي تصويرا فنيا، ينبعث من مقدرة الشاعر على تركيب عباراته، وتنسيق كلماته، وعلى قدرته في استنباط الإيحاء الفني الكامل في باطن الألفاظ وفي علاقاتها بعضها مع البعض، فيكسو التعبير جمالا فنيا» «84».
ولكن الدكتور الولي محمد، يرفض التوسع في مفهوم الصورة، ويميّز بين الصورة الفنية والوصف، ويرى أن الصورة تخضع الشيء الملموس للتحويل بواسطة اللغة بينما لا نرى في الوصف أي تحويل للموصوف كما في الصورة. لذلك يعتبر الصورة شيئا زائدا على المعنى المراد توصيله، فإذا كانت غير زائدة، فهي ليست صورة برأيه «85».
ويذكرنا هذا المفهوم للصورة برأي البلاغيين القدماء الذين اعتبروا الصورة شيئا زائدا على المعنى الأصلي بقصد التوضيح والبيان.
فالصورة عند المعاصرين، تعددت مفاهيمها بتعدد فروع المعرفة كعلم النفس والفلسفة والنقد الأدبي. وكل ناقد يدرسها حسب مفهومه لها والذي يتفق مع مذهبه الأدبي، وفلسفته الخاصة.
وتجاوزت الصورة المفهوم الجزئي لها القائم على البيت الواحد أو الجملة الواحدة، وأصبحت تشمل القصيدة كلها.
فالصور الجزئية، مرتبطة بغيرها من الصور الأخرى، تتناسق معها، وتدور في إطار الصورة الكلية للقصيدة كلها. فالصور الجزئية تنمو وتتصاعد في القصيدة، حتى تستوفى الفكرة من جميع نواحيها. وبهذا المفهوم أصبحت الصورة أكثر تنوعا وشمولا من نظرة القدماء لها.
ولكن النقاد المعاصرين قصروا دراساتهم على الصورة الشعرية، واستمدوا من النقد الأوربي، مقاييسهم في الحكم عليها غالبا. ولم يلتفت أحد منهم إلى الصورة الفنية في القرآن سوى سيد قطب الذي ألّف كتابه المشهور «التصوير الفني في القرآن» وقد مضى--------------------------------------------
(84) الصورة الفنية في شعر دعبل: د. علي أبو زيد ص 241.
(85) الصورة في الخطاب البلاغي والنقدي: ص 19: 20.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
على صدور كتابه نصف قرن تقريبا، وفي هذه الفترة، لم يصدر كتاب آخر حول الصورة القرآنية «86».
ويلاحظ أن النقاد المعاصرين، تجاهلوا الصورة القرآنية في تنظيرهم للصورة، ولم يأخذوا بعين الاعتبار ظواهر التصوير الفني في القرآن الكريم، وما فيه من إيقاع موسيقي، وتشخيص، وتجسيم، لتقريب الحقائق الدينية.
إنّ الصورة القرآنية صورة متميزة مؤثرة، وقد كشف القدماء جزءا بسيطا من جمالها دون أن يحيطوا بها. وكان من المفروض أن يتوقف المعاصرون عندها، حتى تكتمل دراساتهم حول الصورة الفنية في نقدنا المعاصر، ولكنهم لم يفعلوا ذلك، فجاءت دراساتهم للصورة قاصرة على الشعر وغير مكتملة.
إن القرآن الكريم قد استنفد الطاقات التصويرية للغة العربية في التعبير عن أغراضه الدينية، فجاءت صوره حية متحركة شاخصة، كما جاءت متنوّعة مشحونة بالمشاعر والانفعالات.
وقد استطاع سيد قطب في كتابه (التصوير) أن يسبق النقاد المعاصرين إلى دراسة الصورة الفنية عموما، ودراسة الصورة القرآنية خصوصا. إذا عرفنا أنه أصدر كتابه عام 1945 م، وكان قبل ذلك يكتب مقالاته في مجلة المقتطف عن التصوير الفني في القرآن قبل إصدار كتابه بست سنوات «87».
والصورة عنده- كما يلاحظ في تحليله للآيات القرآنية- هي كل تقديم حسي للمعنى، سواء أكان هذا التقديم الحسي يعتمد الأنواع البلاغية القديمة أم يتجاوزها إلى غيرها من العبارات الحقيقية التي تثير مخيلة المتلقي وإن لم تكن قائمة على المجاز.
بهذا المفهوم، وجد سيد قطب أن أسلوب القرآن كلّه تصويري ما عدا آيات التشريع، وهذا الأسلوب التصويري هو سرّ إعجازه، فقد كان هذا الأسلوب المصوّر، مؤثرا في المؤمنين والكافرين على السواء «88».--------------------------------------------
(86) أصدر الدكتور عبد القادر حسين كتابه «القرآن والصورة البيانية» في هذه الفترة، ولكنه قصر الصورة على الأبحاث البلاغية القديمة. دون أن يستفيد من الدراسات الحديثة للصورة، فهو يكرّر أقوال البلاغيين القدماء حول الصورة البلاغية بأنواعها المعروفة.
(87) نظرية التصوير الفني عند سيد قطب: ص 123 - 125.
(88) التصوير الفني في القرآن: سيد قطب. ص 17.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
وإذا كان التصوير قاعدة الأسلوب القرآني، فلا بد من دراسته على منهج جديد، لبيان الأصول العامة لهذا التصوير الفني، منهج يتجاوز دراسات القدماء، ولا يتجاهلها، لأنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى الخصائص العامة للجمال الفني سواء في القرآن أم في الأدب، لأنهم كانوا ينظرون إلى النصّ كأجزاء منفصلة، حتى غدا البيت الواحد، وحدة مستقلة عندهم، فلم ينظروا إلى العمل الفني نظرة كلية شاملة، ليدركوا العلاقة بين الصور الجزئية والصور الكلية، كذلك لم يركزوا على التأثير النفسي للصورة.
وقد أدرك سيد قطب نوعين من الصور في القرآن، صور محسوسة، وصور متخيلة، فالصور المحسوسة هي المستمدة من عالم الحواس، والصور المتخيلة هي التي يقوم الخيال بتأملها ومتابعة أشكالها الفنية. وكما جعل «التصوير» قاعدة التعبير في القرآن، فإنه يجعل «التخييل الحسي» قاعدة التصوير.
فالحس والخيال هما العنصران المكوّنان للصورة، وهذا ما يفهم من قوله: «يعبّر بالصورة المحسّة المتخيلة» «89».
ويبدو أن الحس والخيال يتعاونان على رسم الصورة الفنية في القرآن، فتثير بذلك الحسّ والخيال لدى المتلقي فقوله تعالى: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً مريم: 4 صورة تثير في الخيال حركة تخيلية سريعة هي حركة الاشتعال التي تتناول الرأس في لحظة، وهي حركة تلمس الحس والخيال معا «90».
وأحيانا تكون الصورة «متخيلة»، كقوله تعالى: حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ الأعراف: 40 فصورة الجمل هنا وهو يحاول الدخول في ثقب الإبرة صورة متخيّلة، يتخيل الذهن محاولات الجمل اليائسة المتكررة دون فائدة «91».
وأحيانا يكون التخييل بالتشخيص، وأحيانا بالتجسيم الفني. ويتوسّع سيد قطب في مفهوم الصورة لتشمل التعبيرات الحقيقية أيضا والألفاظ المصورة، فالصورة باللفظ ترسم «تارة بجرسه الذي يلقيه في الأذن، وتارة بظله الذي يلقيه في الخيال، وتارة بالجرس--------------------------------------------
(89) التصوير الفني في القرآن: ص 71.
(90) المصدر السابق: ص 33.
(91) المصدر السابق: ص 38.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
والظل معا» «92».
فقوله تعالى: وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ النساء: 72 فكلمة لَيُبَطِّئَنَّ ترسم صورة التباطؤ بجرسها دون الاعتماد على الأنواع البلاغية القديمة، فهي لفظة حقيقية، ولكنها ترسم صورة من إيقاعها الموسيقى، وتعثر اللسان في نطق حروفها حتى كأنه يشدّها شدّا، وهذا الجرس الموسيقى الثقيل للكلمة يتناسق مع تصوير الحركة النفسية المصاحبة لحركة التثاقل والتعثر لهؤلاء المقصودين بالتصوير «93».
ويلاحظ أيضا تلاحم الشكل بالمضمون في الصورة القرآنية حيث «يتناسق فيها التعبير مع الحالة المراد تصويرها، فيساعد على إكمال معالم الصورة الحسية أو المعنوية» «94».
ويقرن الصورة الجزئية بالصورة الكلية، وتناسق الصورة مع السياق الواردة فيه في أثناء حديثه عن «التناسق الفني» ويرى تناسق الصورة القرآنية مع إطارها وإيقاعها والجوّ العام للسياق. كما تحدث عن الصورة في المشهد، والصورة في اللوحة المرسومة «95». وكأنه يهدف إلى بيان الصورة الكلية المكونة من صور جزئية متحدة بعضها ببعض، وليست منفصلة كما فهمها القدماء، فهو يتحدث عن الصورة بمفهومها الحديث قبل أن تكتمل دراستها عند النقاد المعاصرين، فهو زائد من روّاد التنظير للصورة، لأنه لا يحصر الصورة القرآنية في مفهوم الجملة، كما فهمها القدماء، وإنما يتوسع فيها، مستفيدا من ثقافته الأدبية والنقدية الواسعة، في خدمة التصوير القرآني لبيان سماته وطرقه وأدواته، وسرّ إعجازه.--------------------------------------------
(92) التصوير الفني: ص 91.
(93) المصدر السابق: ص 91.
(94) المصدر السابق: ص 90.
(95) المصدر السابق: ص 87 وما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
الفصل الثاني مقوّمات الصورة الفنية في القرآن الكريم
إنّ الصورة الفنية في القرآن الكريم متميّزة بطبيعتها ووظيفتها، كما هي متميّزة بمواد تشكيلها أو مقوّماتها، ومقوّمات الصورة القرآنية تشكّل وحدة متماسكة لا تنفصل فيها بعض أجزائها عن بعض، بل هي نسيج واحد، تتلاحم فيه المقوّمات أو الأجزاء، ليؤدي كل جزء منها دوره في تشكيل الصورة ضمن النسق المعجز.
وحين نفصل بين هذه المقوّمات هنا، فليس هدفنا تجزئة الصورة، وتقطيعها، أو تفضيل عنصر على آخر، وإنما الهدف هو تسهيل الدراسة النظرية لمعرفة طبيعة الصورة الفنية في القرآن، ومعرفة الوشائج القوية، التي تربط بين هذه المقوّمات للصورة.
وأهم هذه المقوّمات للصورة القرآنية هو «الفكر الديني» فهو المكوّن الأساسي لها، والمحور الثابت الذي تدور بقية المقومات الأخرى من حوله، وضمن إطاره. حتى غدا هذا الفكر من أهمّ ما يميّز الصورة القرآنية عن غيرها من أنواع الصور الأدبية.
والفكر الإسلامي معروض في الصور القرآنية بشكل منظم ومتكامل، ضمن أنساق تعبيرية مصورة، تبرز ملامحه وصفاته، فالله هو الخالق لكل شيء، والمخلوق بصفاته البشرية محتاج إلى خالقه.
وتقوم الصورة بتحديد علاقة المخلوق بخالقه، فترسم حدودها ومجالاتها، ابتداء من المعرفة الإنسانية التي مصدرها الله سبحانه، فالإنسان خلق لا يعلم شيئا، ولكن الله سبحانه زوّده بأدوات المعرفة وأسبابها، ليكون هذا الإنسان متميّزا عن بقية المخلوقات وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
وَالْأَفْئِدَةَ النحل: 78. ووَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ النساء: 113.
وتقرن الصورة الحديث عن معرفة الإنسان بعلم الله، فالمعرفة الإنسانية ناقصة، والمعرفة الإلهية مطلقة وكاملة وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ الأنفال: 60.
والأشياء لها وجود خارجي. مستقل عن إدراك الإنسان ومعرفته، فهي مخلوقة لله سواء أأدركها الإنسان أم لم يدركها. وهذه المخلوقات الخارجية قسمان: مخلوقات عالم الشهادة وهي تشمل كل ما يحيط بالإنسان في عالم الطبيعة، من نبات وجماد، وحيوان، وإنسان.
وهذه المخلوقات واقعة تحت إدراك الإنسان، يدركها بحواسه المعروفة، وهناك مخلوقات غيبية، لا تقع تحت حواس الإنسان وإدراكه.
والصورة القرآنية تستمد من العالمين المشهود وغير المشهود، مواد تشكيلها أو مقوّمات بنائها الفني وقد حضّ الله سبحانه الإنسان على التأمل في العالم المحسوس، وزوّده بالعقل لإدراكه، وفهم أسراره حتى يصل في النهاية إلى الخالق الذي أبدع هذا الكون، ولكن هذا الربط بين الموجودات الحسية والعقل البشري لا يعني أن نقيم التلازم التام بينهما فنعتبر الإدراك البشري هو المعيار لكل موجود، فهناك موجودات لا يدركها عقل الإنسان، مثل ماهية الذات الإلهية، وصفاتها، ولكنّ العقل يقرّ بوجودها وإن لم يدرك الماهيات «1».
فالصورة القرآنية تركّز على الجوانب المفيدة للمعروفة الإنسانية. وتهمل ذكر المعرفة التي لا تفيد الإنسان في حياته فهي تصوّر لنا آثار الله في مخلوقاته، وبديع صنعه، ولا تتحدث عن ماهية الخالق، وتكتفي بأنه ليس كمثله شيء، لتبقى صورته مطلقة في ذهن الإنسان، كذلك في تصوير الملائكة والجن، تعرض للجوانب التي تخص الإنسان
وتفيده في حياته. مع تصحيح تصوّره عن هذه المخلوقات الغيبية.
ويشعر الإنسان- وهو يتابع صور القرآن، ويتأمل عرضها لعالم الشهادة، وعالم الغيب، بانجذاب إليها وتفاعل معها، لأنها صور تغذّي عقله بالمعرفة الحقّة، من مصدرها الأصيل، وتقدم له تفسيرا عن حياته التي يجهل مصدرها ونهايتها، وغايتها، وتفسيرا عن الكون والوجود والإنسان، على نحو منظم ومتناسق، بحيث يشعر الإنسان بوحدة كونية رائعة، من خلال وحدة المصدر الذي انبثق منه هذا الوجود، وهو الله سبحانه الخالق، ووحدة المصير--------------------------------------------
(1) مصادر المعرفة في الفكر الديني والفلسفي: د. عبد الرحمن بن زيد الزنيدي. ص 89.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
والنهاية، حيث يرجع الإنسان إلى خالقه للحساب والجزاء.
ولكن الصورة لا تغلّب الجانب الفكري على الجانب الفني، بحيث يبدو الفكر جافا وباردا، وكذلك لا تغلّب الجانب الفني على الفكري حتى لا تبدو الصورة فارغة جوفاء. بل نجد القرآن الكريم يتّخذ الصورة الفنية وسيلة للتعبير عن الأغراض الدينية أو الفكر الإسلامي.
والفكر باعتباره مكوّنا للصورة القرآنية يقوّي من تأثيرها في المتلقي، وقد لاحظ النقاد أهمية الفكر في تشكيل الصورة الأدبية عموما. فعبد القاهر الجرجاني أدرك منذ القديم أهمية الفكر في تشكيل الصورة، ودور الصورة في إبرازه، وتوضيحه والتأثير في المتلقي، يقول الجرجاني: «إن شئت أرتك المعاني اللطيفة التي هي من خبايا العقل كأنها قد جسّمت حتى رأتها العيون … » «2»، «ومن المركوز في الطبع أن الشيء إذا نيل بعد الطلب له أو الاشتياق إليه، ومعاناة الحنين نحوه كان نيله أحلى … » «3».
ثم إنّ هذا الفكر في الصورة القرآنية متصل بالواقع، ولا ينفصل عنه، فهو يعرف الإنسان بالواقع المحيط به، ويكشف له عن حقيقته، ويوضّح له دوره في هذا الواقع المعاش، وحتى حين تعرض الصورة القرآنية عالم الغيب أو الآخرة، فإن الانتقال من الحياة الدنيا إلى الحياة الأبدية في الآخرة يتمّ بشكل منطقي متدرّج، وذلك بربط عالم الغيب المستور، بعالم الشهادة، حتى يتدرّج العقل في إدراك هذه النقلة، من عالم محسوس إلى عالم غير محسوس، من خلال تقديم الأدلة والبراهين على ذلك.
بهذه الصورة نفهم العلاقة الوثيقة بين الفكر والواقع، ضمن الصورة الفنية وخارجها في القرآن، فالفكر داخل الصورة ينسجم مع الواقع خارج الصورة ولا ينفصل عنه، لأن الموجودات الخارجية في الواقع المعاش ترجع في الأساس، كما يرجع الإنسان والحياة وكل شيء إلى مصدر واحد، وهو الله سبحانه الذي أوجد العالمين المشهود وغير المشهود، وبذلك يكون التواصل بين الصورة القرآنية والمتلقي أكثر فاعلية وتأثيرا من الصور الأدبية. لأن الصور الأدبية الأخرى تفقد هذه الخاصية التي تميّز الصورة القرآنية.--------------------------------------------
(2) أسرار البلاغة: ص 33
(3) المصدر السابق: ص 118.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
وهي خاصيّة الربانية والإيجابية مع الواقع والحياة بالإضافة إلى التوازن القائم بين الدنيا والآخرة أو بين عالم الشهادة وعالم الغيب، وهذا التوازن قائم في حسّ المؤمن كما هو قائم في الصورة القرآنية بين الفكر والصورة أو بين الغرض الديني والغرض الفني.
والمكون الثاني للصورة هو «الواقع»، وقد يكون الواقع أحداثا تقع وقت نزول القرآن، وقد يكون قصصا تروى، ونماذج ترسم بدقة وعناية. والصورة القرآنية في هذا كلّه تعبّر عن الحقيقة، ولا تبعد عنها، لأن الذي أوجد الأشياء هو الله سبحانه، وهو أعلم بما خلق، وهو الذي يخبرنا عن حقائق الأشياء، ليزوّد الإنسان بالمعرفة الصحيحة من خلال إثارته وجدانيا بالصور المرسومة. وبهذا تجمع الصورة القرآنية بين الحقيقة والفن، أو بين الصدق الفني والصدق الواقعي، وليس هناك انفصال بينهما في الصورة القرآنية كما هو معروف في الصورة الأدبية عند الشعراء.
فالصورة القرآنية تمتاز بالصدق الواقعي، لأن الله هو الذي يخبرنا عن الواقع الذي خلقه، وهو أعلم بما خلق، فليس في الصورة القرآنية تلفيق واختراع كما عند الشعراء بل الحقيقة الواقعية المصوّرة بالبيان المشرق. والصدق الفني يكمن في «جمال العرض، وتنسيق الأداء، وبراعة الإخراج» «4»، أو هو «إبداع في العرض، وجمال في التنسيق، وقوة في الأداء» «5».
وهذه ميزة الصورة القرآنية إذ أنها تعرض الحقيقة الواقعة بأسلوب فني مؤثر، دون أن تحيد عن الحقيقة أو تبتعد عنها وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً النساء: 87.
وقد تعوّد كثير من الأدباء والشعراء أن يهتموا بالصدق الفني دون الصدق الواقعي، فركّزوا في أعمالهم الأدبية على النواحي الفنية بهدف التأثير في القراء، سواء أجاء هذا التأثير من صور حقيقية أم من صور ملفّقة، ظنّا منهم أن الاقتراب من الصدق الواقعي قد يضعف قصصهم ومشاهدهم، ويفقدها قيمتها التأثيرية، حتى زعم الدكتور محمد أحمد خلف الله في كتابه «الفن القصصي في القرآن الكريم» أن قصص القرآن وصوره ونماذجه من قبيل الصدق الفني، وليس لها دلالات واقعية «6».--------------------------------------------
(4) التصوير الفني في القرآن الكريم: ص 255.
(5) المصدر السابق: ص 259.
(6) انظر الفن القصصي في القرآن الكريم: ص 137 - 138.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
وهذه فكرة باطلة، لأنها تشكّك في القصص القرآني، وأخباره، وتعتبرها من قبيل العرض الفني، وهي تدلّ على تأثّر صاحبها بالمفاهيم الأدبية في دراسته للأسلوب القرآني، وفاته أن يدرك خصوصية النص القرآني، وتميّز أسلوبه.
إن الصورة القرآنية لا تبتعد عن الصدق الواقعي من أجل تحقيق أغراض فنية ممتعة، كما زعم محمد أحمد خلف الله، لأن القرآن ليس كتاب إمتاع فني، بل هو كتاب هداية للبشر، متميّز بأسلوبه الفني المعجز.
وهذا يعني أن الصدق الفني يتمثّل في العرض الجميل للحقائق الواقعة، وهو بهذا يعطينا نموذجا لعرض الحقيقة الواقعة بأسلوب فني دون الإخلال بها أو الابتعاد عنها.
ويتمثل الصدق الواقعي في كثرة الصور القرآنية المستمدة من عناصر الواقع، مثل السراب، والحجارة، والحمر المستنفرة، والعنكبوت، والخشب المسندة، والحمار، والكلب، والمهاد، والأوتاد، والعرجون، والصم، والبكم، والعمي، والرماد، والريح، والبحار، والأمطار، والسحاب، والنبات، واللؤلؤ والمرجان، وأعجاز النخل، والهشيم، والغثاء، والرميم، والجراد، والفراش، والعهن، والجبال، والجمال، والليل، والنهار، والنجوم، والسماء، والأرض، والظلّ والحرور … إلخ».
حتى إن صور النعيم والعذاب يوم القيامة، تستمد عناصرها من الواقع المألوف لدى الإنسان. فالواقعية إذا هي السمة البارزة في الصورة القرآنية، أما قوله تعالى إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ الصافات: 65. فهذه الصورة للشياطين كانت راسخة في أذهان الناس لمنتهى القبح والشر، فجاءت الصورة القرآنية تعتمد عليها في تشكيل صورة مفزعة، وبذلك تكون واقعيتها في رصيدها النفسي في الطباع والنفوس وإن لم يروها في العالم المحسوس «7».
كما أن الصورة القرآنية تنقل لنا الأحداث الواقعة وقت نزول القرآن، بكل تفصيلاتها تصويرا حيا فيه اللمسات الفنية والنفسية، والتوجيهية. لأن القرآن جاء لبناء واقع جديد، وفق تصوّر إسلامي، وبناء هذا الواقع يقتضي هدم الواقع الجاهلي بكل أشكاله وصوره وأفكاره، وذلك--------------------------------------------
(7) انظر الحيوان للجاحظ: 6/ 212 - 213. وانظر الكشاف للزمخشري: 3/ 342.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
بتصوير ما فيه من هبوط ودنس وبؤس للإنسان، ثم تصوير الواقع الإسلامي البديل، بكل آفاقه ومراميه.
فالصورة القرآنية تتفاعل مع الواقع لتحقيق الهدم والبناء في الوقت نفسه، هدم الوثنية، وبناء صرح الإسلام، فهي صورة فنية تطرح بديلا عن واقع الجاهلية، وتقدّم نموذجا حيا للواقع الجديد، ومن خلال التفاعل الإيجابي بين الفكر الإسلامي والواقع، تبرز الصورة الفنية في القرآن متميّزة بتشكيلها الفني القائم على رؤية إسلامية واضحة للحياة والكون والإنسان.
كما تبرز الواقعية في مواد الصورة الحسية، والأحداث الواقعة، والقصص الماضية …
والمكوّن الثالث هو «الخيال» وهو قوة تجمع بين الأشياء المتباعدة في نسق فني، يقرّب الأشياء المتباعدة ويصهرها في «الصورة» التي يحل فيها الانسجام بين الأشياء المتباعدة، والتوافق بين الأشياء المتنافرة.
ويرجع أرسطو الخيال إلى الإحساس فيرى أن «المحسوس قد تغيب صورته عن الحس المشترك وتبقى صورته المتخيلة» «8»، وقد انتقل مفهوم أرسطو للخيال، وعلاقته بالإدراك الحسي إلى الفلاسفة المسلمين.
فالفارابي يرى أن انطباع المحسوسات كانطباع نقش الخاتم على الشمع، فالإدراك يناسب الانتقاش وحفظ صور المحسوسات وظيفة الخيال «9».
وابن سينا يشرح علاقة التخيل بالإحساس بقوله: «الشيء قد يكون محسوسا عند ما يشاهد ثم يكون متخيلا عند غيبته بتمثل صورته في الباطن» «10».
وبناء على هذا فإن الخيال يستمد مادته من الواقع المحسوس، ولكنه لا يبقى في حدود الواقع الحسي بل يمتد إلى علاقات جديدة، في الصورة الفنية الموحية. التي تثير خيال المتلقي، وتدفعه إلى استحضار الصور الذهنية المختزنة في الذاكرة للواقع الحسي.
ومصطلح «التخييل» انتقل من الفلسفة إلى البلاغة والنقد، فسيء الظن به عند العرب،--------------------------------------------
(8) الخيال مفهوماته ووظائفه: الدكتور عاطف جوده نصر ص 10.
(9) المصدر السابق: ص 13.
(10) المصدر السابق: ص 13.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)