Arabic source text

📘 ওয়াযীফাতুস সূরাতিল ফাননিয়্যাহ ফিল কুরআন (আবদুস সালাম আহমদ আল-রাগিব)

📘 وظيفة الصورة الفنية في القرآن (عبد السلام أحمد الراغب)

📘 ওয়াযীফাতুস সূরাতিল ফাননিয়্যাহ ফিল কুরআন (আবদুস সালাম আহমদ আল-রাগিব)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
لأن المترجمين لكتب أرسطو، ترجموا كلمة «فنطاسيا» مرة بالتخيّل ومرة بالتوهّم «11».
حتى إن عبد القاهر الجرجاني قسم المعاني إلى عقلية وتخييلية، ووازن بينهما، واعتبر التخييلي مناقضا للحقيقي، وفضّل المعنى الحقيقي لأنه مدار الأحاديث النبوية وكلام الصحابة «12».
ولكن الجرجاني أحسّ بالحرج والاضطراب أمام استعارات القرآن الكريم التي تعتمد التخييل، لذلك رأى أن سبيل الاستعارة هي «سبيل الكلام المحذوف، في أنك إذا رجعت إلى أصله وجدت قائله وهو يثبت أمرا عقليا صحيحا ويدعي دعوى لها سنح في العقل» «13».
ولكن الاستعارة ووجوه البلاغة من مجاز وتشبيه تعتمد الخيال في عرض الحقيقة للإيحاء بها كما يقول الدكتور غنيمي هلال: «فوجوه البلاغة المختلفة هي من وسائل الإيحاء بالحقيقة عن طريق الخيال» «14».
ويبدو أن الزمخشري كان أكثر فهما ودقة لمصطلح «التخييل» إذ استبعد منه كل دلالة على التوهم والخداع والكذب، ونظر إليه على أنه «تمثيل للمعاني المجردة، وطريقة من طرائق تجسيم المعنوي، وتصويره للحس» «15».
فالتخييل طريقة فنية في التعبير، وقد ركّز حازم القرطاجني على أهميته ووظيفته في التعبير، وركّز على دوره في التأثير بالمتلقي، وتوجيه سلوكه، فهو عنده يهدف إلى التأثير النفسي «16».
لذلك لم يتحرج سيد قطب من تخصيص فصل له بعنوان «التخييل الحسي» في كتابه «التصوير الفني في القرآن» «17»، لأنه يرى التخييل طريقة فنية في التعبير، واعتبره قاعدة التصوير الأساسية في القرآن الكريم.
فالصورة القرآنية تثير خيال المتلقي، ليستقبل المعنى عن طريق الحس والوجدان والفكر--------------------------------------------
(11) الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي: ص 77.
(12) المصدر السابق: ص 81.
(13) المصدر السابق: ص 82 عن أسرار البلاغة: 253.
(14) النقد الأدبي الحديث: ص 235.
(15) الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي: ص 83.
(16) المصدر السابق: ص 87.
(17) التصوير الفني في القرآن: ص 71.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)

والشعور، إنها صورة فنية تثير المشاعر والانفعالات، كما تثير الخيال ليتابع أجزاء الصورة، ويتأملها، ويكونها في ذهن المتلقي.
ففي قوله تعالى: «مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ … » إبراهيم: 18.
يتخيل القارئ الرماد المتراكم الذي تذروه الريح في يوم عاصف، وتكاد كل لفظة في الآية تساعد على اكتمال التخييل الحسي في الصورة المرسومة.
وقد يتخذ التخييل الحسي ألوانا من التشخيص والتجسيم أو الحركات السريعة المتوقعة يقول الله تعالى: «وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ» الحج: 31.
إنّ هذه الصورة تدفع الخيال لمتابعة الحركات السريعة، لسقوط هذا المشرك من السماء، وفي لمح البصر تخطفه الطير، أو ترميه الريح في مكان سحيق، بعيد عن الأنظار، ويترك للخيال أن يتأمل صورة خطف الطير له، وصورة تمزيقه قطعا، أو يتابع حركة سقوطه في مكان سحيق بعيد …
والمكوّن الرابع: هو العاطفة فهي التي تمدّ الصورة بنسخ الحياة والتأثير، وبدونها تصبح باردة جافة. لهذا اعتبرها الدكتور محمد زكي العشماوي هي كل شيء في الصورة: «والصورة بدون عاطفة فارغة» «18».
فالتلاحم بين الصورة والعاطفة قوي واضح، فأي صورة فنية تثير في المتلقي استجابة شعورية، تختلف درجتها باختلاف الصورة وتأثيرها فيه لأن «القوى المحركة للعواطف محصورة بالصورة» كما يقول ريتشاردز «19».
ولكنّ العاطفة ترتبط بالمكوّنات الأخرى للصورة، لتثير مشاعر المتلقي، وتحرره من الزمان والمكان معا ليعيش آفاق الصورة الشعورية والنفسية، وهذا ما عبر عنه «باوند» بقوله: «الصورة هي التي تعرض مركبا عقليا وعاطفيا في لحظة من الزمن» «20».--------------------------------------------
(18) فلسفة الجمال في الفكر المعاصر: د. محمد زكي العشماوي ص 95.
(19) الصورة بين البلاغة والنقد: ص 28.
(20) الصورة الفنية في النقد الشعري: ص 194 ولغة الشعر العربي الحديث: الدكتور السعيد الورقي ص 103.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)

فالصورة على قول باوند توحّد الأفكار والعواطف معا في مكان وزمان معينين، ولكن الصورة المعروضة في المكان والزمان لا تبقى في إطارها لدى المتلقي، وإنما تمنحه شعورا عاليا، يتخلص فيه من حدود الزمان والمكان للصورة في تشكيلها الأولي، لينتقل إلى حالة شعورية معادلة للحالة التي تصوّرها الصورة الفنية.
وهذا الإحساس التي تولده الصورة في المتلقي هو «الإحساس بالنمو المفاجئ الذي نجده ونحن في حضرة روائع الفن العظيمة» «21». فقوة الصورة تكمن في قدرتها «على التأثير الانفعالي» «22».
ويبدو أن تأثر المتلقي بالصورة يرجع بالإضافة إلى كونها حسية، إلى ارتباطها بالعاطفة الإنسانية لذلك فإن الإنسان يشعر بالتجاوب الداخلي مع الصور الفنية المثيرة للعواطف.
لأنه يرى نفسه مصوّرة في الصورة المرسومة، فيرى فيها مشاعره وعالمه الداخلي، فتكشف له أسراره وغوامضه، فتحركه من داخله ليتجاوب ويتأثر بها.
وقد بلغت الصورة القرآنية القمة في التأثير بالمتلقي، لأنها تثير الشعور الديني والشعور الإنساني معا فهي تهزّ أعماق الإنسان، لتوقظه على حقائق الحياة، وحقائق الوجود، عن طريق المشاهد المعروضة، والصور الشاخصة، والنماذج المرسومة، والأحداث الواقعة، والقصص الماضية، ليبلغ التأثر الوجداني مداه، وتتفتح منافذ النفس لاستقبال التأثير عبر الفكر والوجدان، والعقل والشعور معا.
وتنفرد الصورة القرآنية بتصوير حقائق الحياة والكون والإنسان، وما وراء الحياة المنظورة من حياة أبدية في العالم الآخر، وقد بلغت بهذا التصوير لهذه الحقائق قمّة التأثير بالمتلقي، فآمن من آمن بالقرآن، وأعرض عنه المشركون استكبارا، مع إقرارهم بقوة تأثير الصور القرآنية فيهم.
والمكوّن الخامس هو «اللغة» فهي وسيلة نقل الأفكار والعواطف، وقد تميّزت اللغة العربية عن غيرها من اللغات الأخرى بخصائص فنية أهلّتها لتكون لغة للقرآن الكريم، فهي من أكثر اللغات انسجاما مع التعبير الفني، وإثارة الأحاسيس الفنية والإنسانية، وتلاؤما مع--------------------------------------------
(21) لغة الشعر العربي الحديث: ص 104.
(22) الصورة الشعرية في الخطاب البلاغي والنقدي: ص 16.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)

المعايير الجمالية، ويظهر ذلك في تركيب حروفها ومفرداتها وعباراتها، فهي لغة التصوير الفني أو «لغة المجاز» «23» على رأي العقاد والمجاز هو أداة التصوير الفني.
فالألفاظ ليست جامدة بل هي ألفاظ حية، لها ظلالها، وإيحاءاتها، وقد هيّأ التعبير القرآني للألفاظ نظاما ونسقا وجوا ملائما على أحسن ما يكون، فسمح للألفاظ بأن تشعّ وتوحي بالظلال والصور، وتتناسق مع الجو النفسي أو الشعوري العام الذي يرسمه، يقول الله تعالى: «يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا» الطور: 13.
فالدعّ هو الدفع بالظهور، والمدفوع في النار يصدر صوتا قريبا من جرس العين الساكنة، لذلك فإن الصورة اختارت في تشكيلها اللغوي هذا الحرف بالذات، لتكون الصورة المرعبة توحي بهيئة مخصوصة وهي الدفع في الظهور رغم إرادتهم، كما تجسّم حالتهم النفسية وما هم عليه من خوف وفزع.
فاللغة العربية لغة تصويرية، يظهر ذلك في الاستعمالات المجازية، والاستعمالات الحقيقية، فحين نقول: «تمايل الرجل» فإن هذا التعبير الحقيقي، يرسم صورة لرجل يترنّح يمينا وشمالا، وهذه الصورة مركبة من عبارة حقيقية، لا مجازية.
فالصورة بمفهومها الجديد تساعد على استثمار اللغة، واستخراج خصائصها بوصفها مادة بنائية، تهدف من تركيب الكلمات والعبارات إلى بعث الصور الموحية عن طريق التعبير المجازي أو الحقيقي، بحيث تعود للكلمات قوة معانيها التصويرية «24» وقد لاحظ العقاد أن كثيرا من الألفاظ العربية ما زالت تحتفظ بمعناها الحقيقي مع شيوع معناها المجازي، وهذا الاقتران بين المعاني المجردة للألفاظ والمعاني المحسوسة كثير في اللغة العربية كما يقول العقاد «25».
فمثلا كلمة «زكاة» تعني الزيادة والنمو، كما تعني الحسن واللياقة «26»، وقد تناول القرآن هذه المادة اللغوية، واستثمرها في الدلالة على معنى جديد، فأصبح المعنيان يتجاوران في ذهن المتلقي، يثيران فيه صور النماء الحسية والمعنوية معا، وهي صور غنية ومتنوّعة.--------------------------------------------
(23) اللغة الشاعرة: ص 26.
(24) لغة الشعر العربي الحديث: ص 70.
(25) اللغة الشاعرة: ص 26 - 31.
(26) المعجم الوسيط: مادة زكو.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)

تتجاوز الحياة الدنيوية إلى صور النماء والزيادة في الآخرة، فالألفاظ في الصورة القرآنية تشعّ بالظلال التي تثير الخيال وتمتعه، والمقصود بها تلك الظلال «التي يخلعها وراء المعاني» «27»، ليبقى التخيل في متعة التأمل.
وظلال الألفاظ ترجع إلى ما وراء الشعور، إلى تلك الصور المختزنة في الذاكرة والتي صاحبت الألفاظ في تاريخها الطويل، كذلك ترجع ظلالها إلى السياق الذي وضعت فيه.
وظلال الألفاظ هي متعة الخيال، لأن الظلّ يلقى في الخيال كما يلقى الجرس الموسيقى في الأذن ولكنّ هذه الظلال للألفاظ لا يدركها إلّا «الحس البصير حينما يوجه إليها انتباهه، وحينما يستدعي صورة مدلولها الحسية» «28».
إن الصورة القرآنية بلغت قمة الإعجاز في تشكيلها للغة، وتطويعها لأغراضها الدينية والفنية، وقد تجلّى ذلك في اللفظ الفصيح العذب، والمعنى المترابط، والنسق الموحي
المصوّر، والإيقاع الموسيقى المتناسق مع جوّ الصورة ومعناها.
والمكوّن السادس هو «الإيقاع» وهو مرتبط ببقية المكونات الأخرى، وللإيقاع دوره في تشكيل الصورة وتأثيرها في المتلقي.
والإيقاع في الصورة القرآنية مكوّن واضح لها، فقد يكون الإيقاع فيها شديدا ملحوظا، أو هادئا لينا، وقد يكون سريعا خاطفا أو بطيئا متأنيا، حسب المعنى أو السياق العام.
ففي سورة «الضحى» مثلا يسير الإيقاع هادئا ليّنا ليتناسق مع الصورة الفنية المرسومة من الإطار الهادئ في الضحى الطالع، والليل الساجي، وصورة اليتم والرضى في السورة كلها.
ولكن الإيقاع في سورة «العاديات» يشتد ويقوى ويسرع، ويتضح ذلك في صورة الخيول العادية والضابحة والمغيرة بسرعة، وفي صورة بعثرة القبور، وتحصيل ما في الصدور.
وفي سورة «الفلق» نلاحظ الإيقاع الثقيل الشديد، وهو واضح في صورة النفاثات في العقد، وصورة الحاسد والحسد …
ويتكون الإيقاع من أمور عدة، من مخارج الحروف، وصفاتها، وحركاتها، وتتابعها بنسق معين، أو تفرّقها، ومن الكلمات، فالجمل، والعبارات، أي أن جرس الحروف أولا يكوّن جرس--------------------------------------------
(27) النقد الأدبي: سيد قطب ص 70.
(28) التصوير الفني في القرآن: ص 95.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)

الكلمات، ثم الكلمات في الجمل، تكوّن جرس العبارات، ومنها يتكوّن الإيقاع العام للصورة كما سأوضح ذلك في الوظيفة الفنية، إن شاء الله.
فاللغة العربية إذن لغة تصويرية تجمع الكثير من النواحي الوجدانية والإيقاعية والتصويرية.
ولا حرج من استعمال مصطلح «الإيقاع الموسيقى» في دراسة الأسلوب الفني في القرآن، لأن القرآن جاء بلغة العرب، ويجري وفق أساليبهم في التعبير، فهو معجز ببيانه الفني، والإيقاع جزء من الأسلوب الفني.
وقد نلاحظ أن هذه المقوّمات للصورة، قد تشترك مع مقومات الصورة الأدبية عموما في الأصول التي تتشكل منها، ولكنّ مقومات الصورة القرآنية مختلفة تماما بعد ذلك عن مقومات الصورة الأدبية.
لأن الصورة القرآنية تعتمد في تشكيلها على قاعدة دينية، وتنطلق منها في عملية التشكيل، وهذه القاعدة الدينية لمواد الصورة ملحوظة في الصورة القرآنية تشكيلا ووظيفة أيضا.
ثم إن بقية مواد الصورة تنطلق من هذه القاعدة الدينية، وتطوف في أجوائها، ولا تتعداها إلى غيرها. فالفكر في الصورة القرآنية، ديني، والعاطفة دينية والخيال يطوف في أجواء دينية، ولا يتعدى هذه الأجواء، واللغة تؤدي معاني دينية، والصورة بموادها المشكّلة تهدف إلى تحقيق وظيفة دينية. فمقومات الصورة القرآنية مترابطة، متعاونة، تخضع للفكرة الدينية التي هي محورها الذي تدور من حوله.
فقانون الترابط بين مقوّمات الصورة القرآنية هو إحدى ميّزات الصورة القرآنية، حيث نرى هذا الترابط لا يتوقف عند مقومات الصورة فقط، بل إنه يرتبط أيضا بأنواع الصور في القرآن، ويتناسق معها. لإبراز هذه الخصوصية المميّزة للصورة القرآنية عن الصورة الأدبية، فهذه المقومات للصورة التي تعتمد على أساس ديني، تنعكس في أنواع الصور القرآنية، فتبرز فيها الصور القرآنية ذات الطابع الديني الواضح المعالم والسمات، وهذا أمر ينسجم مع طبيعة النص القرآني، باعتباره كتابا منزلا من عند الله، يهدف إلى تحقيق أغراض دينية عن طريق الصورة الفنية.
وبذلك يتلاحم الغرض الفني بالغرض الديني، لتحقيق الإعجاز في التصوير القرآني.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)

‌‌الفصل الثالث أنواع الصور في القرآن الكريم
الصورة القرآنية متميزة بمواد تشكيلها، كما هي متميّزة أيضا بأنواعها، ووظائفها. وبين موادها وأنواعها علاقة وارتباط، وقانون عام، يطبع كليهما بالطابع الديني الذي يميّز الصورة القرآنية.
ويمكن أن نرجع الصورة القرآنية إلى نوعين أساسيين هما: الصورة المفردة أو الصورة البلاغية، وصورة النسق، ومن هذين النوعين تتفرع بقية الصور الأخرى. وأعني بالصورة المفردة، الصورة البلاغية المعروفة المكوّنة من التشبيه أو الاستعارة أو الكناية أو المجاز، وهذه الصورة مرتبطة بالجملة الواحدة غالبا، وهناك الصورة المرتبطة بالنسق أو السياق، وهي أعمّ من الأولى وأشمل، وبين الصورتين علاقة تفاعل وارتباط، فالصورة المفردة، تحكمها علاقات داخلية، تربط بين أجزائها لبناء تشكيلها أولا، كما تحكمها علاقات أخرى تربطها بالسياق القرآني، ومن ثم البناء العام للصورة الكلية.
لذلك يمكن الوقوف عند الصورة المفردة أو البلاغية، لدراسة مكوّناتها، ومن ثمّ دراسة هذه الصورة البلاغية في علاقاتها مع الصور الأخرى، في نمو وامتداد، وصعود حتى تكوّن «صورة المشهد» ثم صورة «اللوحة» أو الصورة المركّبة من عدّة صور، ثم تتابع الصورة المركبة، في امتدادها ونموها وصعودها، لكي تكوّن «الصورة الكلّية»
ضمن علاقات وأنساق فنية، وهذه الصورة الكلية، مكوّنة من السورة كلّها، فكلّ سورة في القرآن، تكوّن صورة «كلية» لها ملامحها الواضحة، وسماتها البارزة عن غيرها، ثم إنّ الصورة الكلية مرتبطة ب «الصورة المركزية» التي هي مصدر الصور كلّها، فمنها انبعثت وتناثرت بنظام وترتيب،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)

فتوزّعت هنا وهناك في النص القرآني، ولكنها تعود ثانية إلى مصدرها الذي انبثقت منه ضمن نظام العلاقات والروابط بين الصور.
وهكذا يتم الانتقال من الصورة الجزئية، إلى الصورة الكلية، ومن الصورة المحدودة، إلى الصورة المطلقة وتعتبر «الصورة المركزية» التي تدور حول الألوهية هي أساس الصور الأخرى فبأمره سبحانه وجدت صور الحياة والكون والإنسان، لذا فإن الصورة المركزية هي مصدر قوة بقية الصور، فهي حاضرة في جميع الصور القرآنية، قد تكون ظاهرة للعيان، بصورة مباشرة، وقد تكون مضمرة، ولكنها مدركة عند تأمل أجزاء الصور وعلاقاتها وإيحاءاتها.
ووظيفة الصور تكمن في توضيح الصورة المركزية، وإبرازها، وبيان قوتها، وجمالها، وجلالها، وقد تبدو أحيانا بعض الصور الجزئية شاردة، بعيدة عن الصورة المركزية، ولكن السياق يبرز الصورة المركزية وهي تمسك بالصورة الشاردة لتعيدها إلى سياقها المتفاعل مع الصور الأخرى، وبذلك ندرك قوة الروابط أو العلاقات في الصورة القرآنية، هذه الروابط التي تبدأ بالصورة المفردة وتفاعلها ونموها ضمن نظام العلاقات التصويرية، لتبلغ قمتها في «الصورة المركزية» وهذه العلاقات ملحوظة في حركة النمو الصاعد للصور القرآنية، وحركة الهبوط أيضا والتلاشي، حين تفنى جميع الصور والأشكال، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام.
وبذلك ندرك جمال الصورة القرآنية، وقوة تأثيرها في النفوس، لأنها صورة تعتمد على الإيحاء القوي النافذ عبر حركة نامية صاعدة، تمضي بالمتلقي من المحسوس إلى المجرد ومن المحدود إلى المطلق ومن الجزئي إلى الكلي، وهذا الانتقال عبر هذه الدوائر يحرك عقل الإنسان ووجدانه، ويعمّق وعيه بواقعه من خلال هذه الطاقة الإيحائية للصورة المركزية، وقوة تأثيرها في الإنسان المخلوق. إن جمال الصورة القرآنية، يرجع إلى هذا التناسق بين أجزاء الصورة المفردة. وتناسق الصورة المفردة مع النسق العام، ثم في تناسق هذا البناء الفني القائم على التصوير في الأسلوب القرآني.
حيث تصبح الصورة المركزية هي أوضح صورة، يهدف القرآن إلى التعريف بها فكل خطوط الصور وفروعها، تتركّز في خدمتها لتكون أكثر إيحاء وتأثيرا في توجيه المتلقي

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)

شعوريا وعقليا وسلوكيا.
ويتضح من هذا العرض، أن الحكم على الصورة القرآنية من خلال الصورة البلاغية فقط يعد ناقصا أو قاصرا، لأن هذه الصورة الجزئية مرتبطة بالبناء التصويري العام في الأسلوب القرآني، تستمد منه حيويتها، وقوتها، فالعلاقة بينها وبين الصور الأخرى علاقة تفاعل، وتبادل للتأثر والتأثير. ولكن ظروف البحث، تقتضي بأن أفصل بين نوعي الصور القرآنية، لتسهيل الدراسة، والوقوف على طبيعة كلّ منهما على حدة، وأبدأ بالصورة المفردة أو البلاغية.

‌‌أ- الصورة المفردة:
وهي الصورة البلاغية القديمة. وقد قام البلاغيون بجهد كبير في دراستها، ووضع القواعد لها، وقد توقفت دراساتهم البلاغية، عند جزئية صغيرة فيها، تدور حول محورين هما: المشبّه والمشبّه به، فاهتدوا إلى بعض العلاقات اللغوية التي يمكن أن تقوم بين هذين المحورين الأساسيين، وتوصّلوا إلى مجموعة من الأسماء التي حاولوا أن يحصروا «الصورة» فيها، فكان هناك التشبيه والاستعارة والكناية والمجاز بنوعيه المرسل والعقلي وبعض فنون البديع المعنوي.
ومعظم الدراسات البلاغية القديمة، تدرس الصورة المفردة. مجردة عن سياقها، فتبين خصائصها ووظائفها معزولة عن الصورة العامة للنص، وهذه الدراسات مفيدة لفهم طبيعة الصورة الجزئية، ولكن الاقتصار عليها، وحصر الجهود فيها، وجعلها معيارا للجمال، يضرّ بالفهم الكلي للنص القرآني، ويضعف من إدراك فكرته التي جاءت الصورة تعبّر عنها في لحمة متماسكة ونسيج فني موحّد.
إن إهمال دراسة السياق أو العلاقات القائمة بين الصور يضعف من قيمة الصورة، وقد لاحظ ذلك عبد القاهر الجرجاني حين حاول ربط الصورة بالنسق في نظرية النظم، وهو ما يقوم به النقد الحديث من دراسة الصورة من خلال مفهوم النسق ضمن العلاقات المتعددة التي يقوم عليها النص.
وليس معنى هذا أني أقلّل من جهود البلاغيين، أو أدعو إلى نبذها ودفنها، وإنما أريد أن

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)

أوضّح أنهم قاموا بوضع الأسس والقواعد لعلم البلاغة، وفق ظروف عصرهم، وما فيه من أذواق ومقاييس.
وجهودهم في هذا الميدان كبيرة، ويبقى علينا أن نتابع الخط الذي سلكوه، ونتدارك التقصير الذي وقعوا فيه، فنحاول إنقاذ البلاغة العربية من قواعد السكاكي والقزويني، تلك القواعد الصارمة الجافة، التي أفقدتها روحها وبهاءها وتأثيرها وجعلتها علما جافا، بعد أن كانت فنا قائما، ولا بدّ الآن من إعادتها من جديد إلى إطار الفن، لتصبح «فنون البلاغة» بدلا من «علوم البلاغة».
وإذا كان البلاغيون قد وفقوا، عند الصورة الجزئية، فيجب علينا أن نتابع السير، ولا نتوقف في فهم الصورة، عند تلك الحدود الجزئية، بل نربط الصورة الجزئية بالنسق، فننظر إليها من خلال البناء التصويري العام، فتبدو فيه الصورة الجزئية لبنة من لبناته، تؤدي وظيفتها ضمن البناء العام أو الصورة الكلية.
كما نربط الصورة بالشعور أو النفس، وبالفكرة، لأن الصورة الخالية منهما، صورة جافة باردة أو صورة مزركشة شكلية.
فنحن ننطلق من البلاغة القديمة، ولكننا لا نتوقف عند حدودها، لأن الدراسات النقدية والبلاغية في تقدم مستمر في الكشف عن خصائص فن القول، والأسلوب
التصويري المؤثر.
بهذه النظرة الموضوعية، ننطلق في تقدير جهود البلاغيين القدماء، ونفهم البلاغة القديمة، ولا نجري وراء المتعصبين ضدها ممن تغذّوا بالأفكار الأوربية، ويريدون منّا أن ننسى تلك الجهود العظيمة، ونلقي بالبلاغة القديمة وراء ظهورنا، لأنها بزعمهم تثير مشاكل عدة مثل المشابهة، والبناء المنطقي، والرؤية الثنائية، والجمود «1».
فالتشبيه- في رأي الدكتور نعيم اليافي- «قد جرّ على الفن الكثير من المساوئ أكثر مما جلب إليه الحسنات» «2»، لأنه برأيه «أقرب إلى التعبير الإشاري المباشر منه إلى التعبير المصور» و «أقرب إلى التعبير النثري»، ولأنه أيضا «يبقي اللغة في المستوى العادي» و «أبنية--------------------------------------------
(1) مقدمة لدراسة الصورة الفنية: ص 53 - 66.
(2) تطور الصورة الفنية في الشعر الحديث: د. نعيم الباقي ص 54.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)

لا تكاد تختلف». والسبب في ذلك يرجع برأيه إلى طبيعة التشبيه ذاته، لأنه يقوم على الفصل بين المركبين المشبه والمشبه به، وإقامة المشابهة والعلاقة الذهنية بينهما «3». وهذه نظرة فيها مغالاة، لأن التشبيه أسلوب من أساليب البيان، استخدمه القرآن الكريم، وإذا كان البلاغيون قد قصّروا في فهمه، فلا يعني هذا نسفه من أساسه، والهجوم عليه.
ويأخذ الدكتور مصطفى ناصف على العرب مغالاتهم في تقدير التشبيه، وإعلاء مكانته، ويرجع هذه الفتنة بالتشبيه إلى المنهج العربي المحافظ الذي يحفل بالروعة والجلال.
كذلك يأخذ على النقاد العرب اهتمامهم بالجانب التقديري فيه، دون البحث في قيمته، وانصرافهم إلى وضع القواعد الصارمة، والتقسيمات العقلية التي تسوّي بين الدلالة الأدبية، والتعريفات المنطقية. ويرجع مصطفى ناصف نظرية التشبيه عند العرب إلى نظرية الفن القائمة على «التجريد» لذلك اهتم البلاغيون والنقاد بالتناظر والتقابل في التشبيه، بدافع التجريد المعروف في الزخارف الإسلامية والذي يكره الفراغ في الفن «4».
ولكن الدكتور ناصف- على الرغم من هجومه على نظرية التشبيه عند العرب- كان منصفا في نظرته إلى الصورة القرآنية فقد أرجع قصور البلاغيين القدماء وضيق فهمهم للتشبيه إلى عدم استفادة العرب من الأسلوب القرآني في نظرتهم إلى التشبيه. فهم «لم يستلهموا روح القرآن في التصوير، ولو فعلوا، لأنكروا تعدد التشبيه وقلبه، والبعد والغرابة، والاستطراف، والمفاضلة بين البليغ وغير البليغ» «5».
فالتفاوت كبير جدا بين «الصورة القرآنية» وأذواق البلاغيين والنقاد، الذين ظلّوا في إطار الصورة الجزئية الحسية، ولم يرتقوا في قواعدهم إلى آفاق الصورة القرآنية التي تجمع بين الحسية والنفسية، والجزئية والكلية …
والسبب- في رأي الدكتور عصام قصبجي- يرجع إلى «أن صلة النقاد بتقاليد الشعر الجاهلي كانت أعمق من صلتهم بالتصوير القرآني» «6».
فعلى الرغم من أن القرآن الكريم كان مصدر العلوم الإسلامية، إلا أن النقد والنقاد--------------------------------------------
(3) تطور الصورة الفنية في الشعر الحديث: ص 52.
(4) الصورة الأدبية: ص من 46 - 71.
(5) المصدر السابق: ص 72.
(6) نظرية المحاكاة في النقد العربي القديم: د. عصام قصبجي. ص 100.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)

كانوا يضعون مقاييسهم النقدية بعيدا عن روح الأسلوب القرآني، لذلك كانت العناية بالظواهر الحسية، في الصورة، والعلاقات العقلية، والقواعد الصارمة، التي انتهت إليها البلاغة القديمة.
فقد نظر القدماء إلى التشبيه من خلال العلاقة بين المشبه والمشبه به، والتناسب الظاهري بينهما، وليس التناسب النفسي، واشترطوا التمايز بين الطرفين. ورفضوا فكرة التفاعل بينهما، وحرصوا على وضع الحدود والقواعد بينهما حتى لا يتم هذا الامتزاج أو هذا التفاعل. فقد رأى قدامة بن جعفر أن الشيء لا يشبه غيره من جميع الوجوه إذ لو «تشابها من جميع الوجوه ولم يقع بينهما تغاير البتة، اتحدا، فصار الاثنان واحدا» «7»، ويكرر أبو هلال العسكري، فكرة قدامة هذه لأنه «لو أشبه الشيء الشيء من جميع جهاته لكان هو هو» «8»، لذلك راح القدماء يكرسون جهودهم في البحث عن التناسب المنطقي بين طرفي التشبيه، والصفات المشتركة بينهما فإذا كان المشبه يشبه المشبه به في أكثر صفاته، اعتبر هذا التشبيه حسنا وجيدا. يقول ابن سنان: «الأحسن من التشبيه أن يكون أحد الشيئين يشبه الآخر في أكثر صفاته ومعانيه، وبالضدّ حتى يكون رديء التشبيه ما قلّ مشبهه بالمشبه به» «9».
فنظرة القدماء للتشبيه. تركّز على المشابهة بين الطرفين، والتطابق الخارجي بينهما، دون البحث عن القيمة النفسية للأشياء كما يقول جابر عصفور «10».
حتى إن المطابقة الخارجية بين طرفي التشبيه، أصبحت معيارا على صدق التشبيه وحسنه، بحيث لو عكس التشبيه، ظل التشبيه صحيحا. يقول ابن طباطبا: «فأحسن التشبيهات ما إذا عكس لم ينتقض، بل يكون كل شبه بصاحبه مثل صاحبه، ويكون صاحبه مثله مشتبها به صورة ومعنى» «11».
وقد طبق ابن ناقيا البغدادي هذا المعيار على التشبيه الوارد في قوله تعالى:--------------------------------------------
(7) الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي: ص 192 عن نقد الشعر لقدامة ص 108.
(8) كتاب الصناعتين: ص 262.
(9) سر الفصاحة: ابن سنان الخفاجي ص 237.
(10) الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي: ص 193.
(11) عيار الشعر: ابن طباطبا ص 11.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)

وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ الرحمن: 24، وقال عنه بأنه حسن، لأنه يصح على العكس وقلب المشبه بالمشبه به «12».
وقد نجد اختلافا قليلا عند الرّماني، في فهمه للتشبيه، لأنه اعتمد على القرآن الكريم في استشهاده له. فهو يتحدث عن التشبيه الحسي، والتشبيه النفسي، ويقصد بالتشبيه النفسي، ما كان طرفاه معنويين، وبالحسي ما كان طرفاه حسيين، لكنه لم يتعرض للتشبيه الذي يكون أحد طرفيه حسيا والآخر عقليا، لأنه كان مشغولا في رسالته الصغيرة حول الإعجاز بوضع القواعد الأساسية عن التوغل في الجزئيات الدقيقة.
ويربط التشبيه ببقية أجزاء الكلام، ويركّز على وجه الشبه في إخراج الأغمض إلى الأوضح يقول الرماني: «والتشبيه البليغ إخراج الأغمض إلى الأظهر بأداة تشبيه مع حسن التأليف» «13».
فهو يلاحظ ارتباط التشبيه، ببقية أجزاء الأسلوب، وهذا رأي له قيمته النقدية، لأنه يعد بذور فكرة النظم التي بلورها الجرجاني فيما بعد.
كما أن الرماني يركّز على وجه الشبه في تحليله للشواهد القرآنية، ويدرك الدلالة النفسية للتشبيه أحيانا. ففي قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً النور: 39 يعلق الرماني على التشبيه بقوله: «ولو قيل يحسبه الرائي ماء ثم يظهر أنه خلاف ما قدر لكان بليغا، وأبلغ منه لفظ القرآن لأن الظمآن أشد حرصا عليه، وتعلق قلب به» «14».
وقد توسّع عبد القاهر الجرجاني في شرح التشبيه فقسمه إلى نوعين: ما يدرك بدون تأويل، لوضوحه وسهولة إدراكه، كتشبيه الخد بالورد، وما يدرك بتأويل كتشبيه الحجة بالشمس ويفرق بين التشبيه والتمثيل، فيرى أن التمثيل هو ما يدرك بتأويل، وهو درجات أيضا، فمنه ما يقرب إدراكه، ويسهل فهمه مثل حجة كالشمس، ومنه ما يحتاج إلى التأمل لإدراكه كقولهم ألفاظ كالماء، ومنه ما يدق ويغمض ويحتاج إلى التفكير لإدراكه لخفائه، وهو--------------------------------------------
(12) الجمان في تشبيهات القرآن: ابن ناقيا البغدادي ص 315.
(13) النكت في إعجاز القرآن: ص 75.
(14) المصدر السابق: ص 75.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)

مقصور في إدراكه على خاصة الناس «15».
ويركّز الجرجاني على الجانب العقلي في التشبيه من خلال تقسيمه له إلى ما يدرك بتأول، وما يدرك بدون تأول، وتفضيله «التمثيل» على التشبيه، لأنه يحتاج إلى جهد وتفكير عقلي لإدراكه، ويتضح ذلك أيضا في تعليله لجمال التشبيه القائم على الجمع بين المتباعدات، لأن الأشياء المشتركة في الجنس والنوع، تستغني بثبوت المشابهة فيها، أما الجمع بين المختلقات فإنه يقوم على مشابهة لها أصل في العقل ولكنها خفيفة لا يدركها إلا الخاصة «16».
لهذا اعتبر «التفصيلات» في التشبيه، تدل على العمق، وإدراك العلاقات الدقيقة، ومعرفة النادر الذي لا يدرك إلا من قبل الخاصة. يقول الجرجاني: «وجملة القول إنك متى زدت في التشبيه على مراعاة وصف واحد أو جهة واحدة، فقد دخلت في التفصيل والتركيب، وفتحت باب التفصيل، ثم تختلف المنازل في الفضل بحسب الصورة في استفادك قوة الاستقصاء، أو رضاك بالعفو دون الجهد» «17».
ويرجع الجرجاني إعجاب المتلقي بالتشبيه إلى الجمع بين المتباعدات فيه، لأنها تحدث في نفسه الدهشة والاستغراب والإعجاب يقول: «إذا استقريت التشبيهات وجدت التباعد بين الشيئين كلما كان أشد، كانت إلى النفوس أعجب، وكانت النفوس لها أطرب، وكان مكانها إلى أن تحدث الأريحية أقرب» «18».
ولكن إعجاب المتلقي بالتشبيه لا يرجع إلى الجمع بين المتباعدات فقط كما ذهب الجرجاني، وإنما يرجع إلى شعوره بالمعرفة الجديدة التي تزيده خبرة، وفهما لحقائق الأشياء أيضا.
وهكذا يجري القدماء في التشبيه وراء التطابق الشكلي، دون أن يتجاوزوه إلى التناسب النفسي فجاء إعجابهم ببيت ابن المعتر:
انظر إليه كزورق من فضة … قد أثقلته حمولة من عنبر
منسجما مع نظرتهم الشكلية الحسية للتشبيه، فالتطابق في هذا البيت تطابق شكلي،--------------------------------------------
(15) أسرار البلاغة: ص 70 - 75 بتصرف.
(16) المصدر السابق: ص 108 - 109.
(17) المصدر السابق: ص 156.
(18) المصدر السابق: ص 109.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)

وقد وفّق الشاعر فيه، ولكنه لم يوفّق في التطابق النفسي، لأن صورة الهلال في السماء تثير مشاعر إنسانية تختلف عن المشاعر التي تثيرها صورة الزورق الفضي المثقل بالعنبر التي تعبر عن حياة ابن المعتز المترفة.
إن القواعد التي وضعها القدماء للتشبيه ضرورية ولكنها غير كافية، ضرورية لتحقيق الانسجام والتناسق بين عناصر الشكل الأدبي، وغير كافية، لأنها لا بدّ أن ترتبط بالشعور الذي يمنحها الحيوية والقوة وهذا ما تحققه الصورة القرآنية التي جمعت بين التناسق الشكلي، وبين التناسق النفسي، بحيث لا يمكن الفصل فيها بين الشكل والمضمون، أو بين العقل والشعور.
ولو أن النقاد والبلاغيين القدماء استفادوا من طريقة القرآن التصويرية ما وقفوا عند التناسب الشكلي فقط في الصورة التشبيهية بل ربطوا بين الشكل والمضمون، ولم يفصلوا بينهما.
يقول الدكتور مصطفى ناصف بهذا المعنى: «والمحقّق أن براعة المجاز القرآني لم تصوّر تصويرا مشرفا في عصر من العصور، وأن القرآن لم يتذوق تذوقا خالصا، ولو فعلوا لما قالوا: إن التشبيه الأدبي يقوم على المشاركة بين الأشياء في ظواهرها، وألوانها، وأقدارها … » «19».
وإذا تأملنا الصورة التشبيهية في القرآن، نلاحظ أنها تستمد عناصرها من عالم الإنسان والنبات والحيوان والجمال، فالمشبه به هو «السراب، والماء، والبحر، والظلمات، والرماد، والحجارة، والعهن، والجراد، والفراش، والهباء المنثور، والوردة، والمهل، وأعجاز النخل، والهشيم المحتظر، والعصف المأكول، والرميم، والغثاء، والمهاد، والأوتاد، والعرجون القديم، والنور، والصم، والبكم، والعمي، والحمار، والكلب، واللؤلؤ، والبنيان المرصوص، والريح، والسنبلة … إلخ».
وهذه الصور محسوسة، وعناصرها باقية على مر الأزمان، وهي متجددة ومتنوعة، وحيّة في النفوس، تتفاعل معها وتتأثر، وهي قريبة مدركة، كذلك فإن المشبه متنوع في الصورة فهو الحياة الدنيا، والأرض والسماء، والشمس، والقمر، والموج، والجبال، والأصنام،--------------------------------------------
(19) الصورة الأدبية: ص 86.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)

وأحوال الكافرين، وأعمالهم … إلخ.
ونضرب بعض الأمثلة من القرآن الكريم، لندرك التناسب الظاهري والتناسب النفسي معا في الصورة التشبيهية والتي كان يمكن للبلاغيين القدماء أن يستفيدوا منها في أثناء وضعهم للقواعد البلاغية، ولو فعلوا ذلك لتغيرت النظرة إلى البلاغة القديمة، وبقيت فنا قائما، ومعيارا نقديا لتقويم الأعمال الناجحة.
يقول الله تعالى: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ يس: 39.
فهذه الصورة التشبيهية، يلاحظ فيها التناسب الشكلي والتناسب النفسي معا، فتشبيه القمر في آخر الشهر بالعرجون القديم، غنيّ بالدلالات النفسية، والإيحاءات الشعورية، وليس مقصورا على المشابهة أو المطابقة في الشكل فحسب كما يرى القدماء، وإنما هناك التناسب النفسي بين المشبه والمشبه به أيضا. من ذلك أن العرجون القديم لا يلتفت إليه، كذلك القمر في آخر الشهر، ومنها أن كلا من القمر والعرجون القديم كان محط الاهتمام والأنظار في الماضي، العرجون لثمره، والقمر لضيائه، ومنها هذه النهاية لكل منهما، في الأفول والزوال والفناء بعد رحلة طويلة من العطاء والتعلّق بهما.
فصورة القمر تثير في النفس المشاعر نفسها التي يثيرها العرجون القديم، من حيث النمو والتحوّل، ثم الزوال والعدم والتناسب في الشكل ملحوظ في هذا النمو والتحوّل بين طرفي التشبيه، كما أن التناسب النفسي ملحوظ أيضا في نمو المشاعر الإنسانية وتطورها، بحسب كل مرحلة لهما، وتبقى هناك وراء هذه الصورة الحسية، دلالة دينية. تلقي بها هذه الصورة في مخيلة القارئ. وهي أن صورة الإنسان في هذه الحياة تشبه هذه الصورة الحسية، في الكون والنبات في نموّها وتحوّلها من الضياء والعطاء إلى الأفول والزوال.
ولا يقتصر التناسب الشكلي والنفسي في الصورة القرآنية على التشبيه المفرد. كما تقدم، وإنما هو سمة بارزة في أنواع التشبيه الأخرى، والصورة القرآنية عموما.
يقول الله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى، فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ، وَما كانُوا مُهْتَدِينَ، مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ، أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ، يَكادُ الْبَرْقُ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)

يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ البقرة: 16 - 20.
ففي هذه الآيات تشبيهان مركبان أو تمثيليان، ففي التشبيه الأول، يصور القرآن المنافقين وحيرتهم واضطرابهم وقلق نفوسهم، فقد كانوا في ظلمة الكفر فآمنوا ظاهرا، فأوقدت لهم نار، فأضاءت ولكنهم سرعان ما عادوا إلى ظلمات التخبط والكفر، فالتناسب في الصورة واضح بين ظلمة الظاهر، وظلمة باطن النفوس، فأسند ذهاب النور إلى الله، ليفيد معنى الإزالة الكاملة للضياء، ثم جمع «الظلمات» ثم قال لا يُبْصِرُونَ وذلك لتأكيد معنى كثافة الظلمات الظاهرية لتناسب ظلمات نفوسهم القاتمة.
وفي التشبيه الثاني يصورهم بمن أحاط بهم صيّب من السماء، شديد كثيف، تحجب كثافته الرؤية، ثم فيه رعد، وبرق، يثيران الهول والفزع، فيحاولون إدخال أصابعهم كلها في آذانهم للهروب من صوت الرعود القاصفة، والصواعق النازلة. ثم يصوّر اضطرابهم وقلقهم من خلال رصد حركتهم السريعة كلما لمع البرق والتناسب الظاهري والنفسي ملحوظ في عناصر التشبيه، كما هو واضح في البناء والتركيب فكلمة (صيب) تفيد شدة الانصباب، كانصباب الهول فوق رءوسهم، وتصويرهم يحاولون إدخال الأصابع في آذانهم يعبر عن حالة نفسية خائفة مرتجفة. وفي قوله كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ تصوير لحالتهم النفسية التي تنتهز الفرصة للإفلات من الهول المرعب. والتعبير ب قامُوا في قوله وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا أدق في التصوير من وقفوا لأن قامُوا توحي بالرغبة في الإفلات والهروب والبقاء في حالة الاستعداد الدائم، انتظارا للفرصة كما أنها ملائمة لجوّ السياق المتحرك على عكس وقفوا فهي توحي بالجمود والثبات، والسياق كله حركة ملحوظة في انصباب الصيّب، ولمعان البرق، وحركة الأصابع في الآذان، ومحاولة الإفلات والهروب، بالإضافة إلى الحركة في داخل النفوس الخائفة في مثل هذا المشهد المخيف.
وأحيانا يكون التناسب النفسي هو الرابط بين طرفي التشبيه، زيادة في تحريك الخيال، كقوله تعالى: إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ، طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ الصافات: 64 - 65، فصورة الشجرة النابتة في أصل الجحيم صورة غريبة غير محسوسة، تناسبها صورة رءوس الشياطين.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)

فالتناسب هنا بين الطرفين غير مدرك بالحواس، لأننا لا نعرف شيئا عن هذه الشجرة الغريبة التي تنبت في أصل الجحيم، وطلعها كأنه رءوس الشياطين، إنها شجرة مختلفة عن الأشجار الأخرى المعروفة، فهي شجرة غريبة ومنفّرة، فناسبتها صورة رءوس الشياطين الغريبة والمنفرة أيضا. ورءوس الشياطين غير مدركة بالحواس ولكن ما ترسب في النفس من كراهيتها، والنفور منها عند الناس، جعلها صالحة للتشبيه بها فالتناسب هنا بين الطرفين، تناسب نفسي، يستمد معينه من التخيل، والأثر النفسي الذي تتركه الصورة قوي الإيحاء، عميق الدلالة. وهذه الصورة ليست شكلية حسية، وإنما هي تخييلية ذات أثر نفسي. لهذا فهي تفتح آفاقا واسعة لخيال المتلقي، ليتصور ماهية الشجرة الغربية، ولا يهدأ خياله من تصورها حتى يبدأ بتصور «رءوس الشياطين» فيتحقق الغرض من التصوير في التخويف من عذاب الله.
والقرآن الكريم مصدر ثري، للصورة الفنية التي تجمع بين التناسب الشكلي والتناسب النفسي معا، وهو مثال يحتذى في التصوير والتأثير، ولكن النقاد لم يستفيدوا منه في هذا المجال «لأنهم لم يجدوا في تقسيماتهم المنطقية التعميمية ما يصلح لخصوصيات القرآن الرفيعة، فظلت هذه الخصوصيات بمنأى عن أيديهم، وعن قواعدهم الصارمة» «20».
وإذا انتقلنا إلى الاستعارة، نجد أنها تعتمد على المشابهة أيضا، ولكن المشابهة فيها لا تقوم على ثنائية ملحوظة كما في التشبيه، وإنما تعتمد على التفاعل القوي بين طرفي التشبيه إلى درجة الصهر في مركب جديد، نطلق عليه اسم «الاستعارة».
لذلك يكون الخيال في الاستعارة نشيطا وكبيرا، وبخاصة في الاستعارة المكنية التي يكون فيها الانصهار أكبر من الاستعارة التصريحية، لأن «المكنية» تعتمد على التشخيص أو التجسيم بينما التصريحية تقوم على الاستبدال من لفظ لآخر.
ولكنّ القدماء نظروا إليها من خلال العلاقة بين «الحقيقة والمجاز» «21»، فجاءت تعريفاتهم لها مشتركة في مفهومي «النقل والعلاقة أو المشابهة» «22»، فدارت أبحاثهم حولها من خلال--------------------------------------------
(20) الصورة بين البلاغة والنقد: ص 21.
(21) انظر آراء العلماء في المجاز في كتاب «المجاز في البلاغة العربية: الدكتور مهدي صالح السامرائي. ص 143 - 163.
(22) معجم المصطلحات البلاغية وتطورها: الدكتور أحمد مطلوب ج 1 ص 138 - 141.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)

هذين المفهومين، ومن خلال الأعراف اللغوية القائمة، والتناسب المنطقي. ولم يدركوا ما في الاستعارة من تداخل وتفاعل وصهر وإعادة تشكيل للمعنى «23»، باستثناء الجرجاني الذي نظر إليها من خلال مفهوم «الادّعاء» وليس من مفهوم النقل اللفظي، فقد رأى صعوبة تصور نقل الكلمة من معناها الأصلي، ونحن نقصد معناها في الوقت نفسه، لذلك استبعد «النقل» من مفهوم الاستعارة، وأكّد مفهوم «الادّعاء» فيها. يقول الجرجاني عن الاستعارة:
«إنما هي ادّعاء معنى الاسم للشيء لا نقل الاسم عن الشيء» «24».
فالجرجاني يرى أن الاستعارة تترجم المعنى، وليست تفاعلا لتشكيل المعنى الجديد، لذا حرص على التمايز والادعاء بين طرفي العلاقة والتناسب والمشابهة فنظر إليها كما نظر إلى التشبيه من خلال المنطق العقلي. وإذا كان التشبيه يقوم على القياس والمشابهة بين حدين واضحين، فإن الاستعارة تتجاوز هذه المشابهة لادعاء دخول المشبه في المشبه به، «فتضع اللفظ بحيث تخيل أن معك نفس الأسد والبحر والنور كي تقوي أمر المشابهة وتشدده» «25»، فالاستعارة- عنده- ليس نقلا للفظ عن معناه
الأصلي، وإنما تخييل بأنه قد صار إلى غير جنسه، ولكن عبد القاهر رأى أن ادعاء دخول المشبه في المشبه به لا يقصد بهذا الادعاء أن المشبه يشبه المشبه به في كل شيء، وإنما في صفة معينة، وهذا يعني أن الجرجاني، عاد من جديد إلى رأي البلاغيين في نقل اللفظ عمّا وضع له في الأصل «26».
فنظرة القدماء للاستعارة ظلّت تقوم على مفهوم «النقل» وثنائية المنقول منه والمنقول إليه، ولم ينظر إلى طرفي الاستعارة على أساس التفاعل بينهما، بحيث يقوم كلا الطرفين، بدورهما في الاستعمال الاستعاري.
فالمستعار والمستعار له يجتمعان في لفظ الاستعارة، ولا يترك أو ينسى واحد لحساب الآخر عند الدكتور مصطفى ناصف الذي يرى أن الاستعارة وليدة التفاعل بين المستعار والمستعار له، لتوليد المعاني «27».--------------------------------------------
(23) الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي: ص 225 - 240.
(24) دلائل الإعجاز: ص 437.
(25) أسرار البلاغة: ص 210.
(26) المصدر نفسه: 47 - 48.
(27) الصورة الأدبية: ص 142.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)

ويوضّح طبيعة التفاعل بين الطرفين بقوله: «إن الاستعارة عبارة عن فكرتين اثنتين، عن شيئين مختلفين تعملان خلال كلمة أو عبارة واحدة، تساندهما معا، ومعنى هذه الكلمة أو العبارة هو الناتج عن تفاعلهما» «28».
لذلك يصعب استخراج طرفي الاستعارة لما بينهما من تفاعل مستمر. وقد أدرك الزمخشري من قبل هذه الصعوبة فاختار مصطلح «التخييل» لكي يبقى على التفاعل المستمر بين طرفي الاستعارة «29».
كذلك فإن الدكتور ناصف يرى صعوبة تحليل الاستعارة على أساس الطرفين المختلفين، لأن الطرفين فيها يتفاعلان حتى غدت «الاستعارة هي الحقيقة وأصبح تحليلها غير ممكن» «30».
من هنا ندرك أن تقسيم الاستعارة إلى تقسيمات عقلية، أو تحليلها إلى أجزاء مكونة لها، أو إجرائها على طريقة القدماء من خلال الرؤية الثنائية للعلاقة بين الحقيقة والمجاز، كل ذلك يفقدها حيويتها وتأثيرها ويجردها من سياقها، وفاعليتها، ويجعلها جزئية مفككة، وهي في حقيقتها وحدة منسجمة، يتفاعل فيها المستعار والمستعار له، لتوليد المعنى المراد، فهي طريقة فنية مثيرة للخيال، والفكر والشعور وقد تميّزت استعارات القرآن بأنها تمزج بين حدّي الاستعارة، لتشكيل المعنى الجديد، كما أنها متنوعة تجري على ألوان مختلفة لاستفاد ما في اللغة من طاقة تصويرية. وقد يكون الاستعمال الاستعاري في القرآن، قريبا من الإدراك، لقرب الاستعمال الحقيقي للكلمة من الاستعمال المجازي. كقوله تعالى:
وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً الأعراف: 168، والتقطيع في الآية هو التفريق، ولكن المعنيين متقاربان، يتفاعلان في الاستعمال الاستعاري للإيحاء بتقطيع الرواب الاجتماعية، التي كانت متلاحمة ومتماسكة، وتقطيع الروابط النفسية المصاحبة لتلك الروابط الاجتماعية.
وكأن التقطيع هنا لإفادة استئصال الروابط الاجتماعية والنفسية المصاحبة لها.
وقد يستعمل القرآن الكريم لفظ «مزّق» بدلا من قطّع، للإيحاء بالتمزيق الحسي أو المادي،--------------------------------------------
(28) نظرية المعنى في النقد العربي: د. مصطفى ناصف ص 86.
(29) الصورة الأدبية: ص 87 - 88.
(30) المصدر السابق: 133.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)