وجاء في تمام النبوءة الحديث عن البيت الأخير لله، والذي هو أعظم مجداً من البيت الأول، ثم يقول: " في هذا المكان أعطي السلام "، وقد استخدمت الترجمة العبرية لفظة "شالوم " والتي من الممكن أن تعني الإسلام، فالسلام والإسلام مشتقان من لفظة واحدة. (1)
وقوله: " في هذا المكان أعطي السلام "، قد تتحدث عن عقد الأمان الذي عم تلك الأرض والذي أعطاه عمر بن الخطاب لأهل القدس عندما فتحها، فتكون النبوءة عن إعطاء السلام ولم تنسبه إلى المشتهى، ذلك أن الأمر تم بعد وفاته في أتباعه وأصحابه الكرام.
ولا ريب أن البنوءة لا تتحدث عن المسيح، إذ لا تقارب بين ألفاظ النبوءة واسمه، أو بين معانيه وما عهد عنه عليه السلام، إذ لم يستتب الأمن في القدس حال بعثته، بل بشر اليهود بخراب هيكلهم بعد حين، كما كان رسولاً إلى بني إسرائيل فحسب، وليس لكل الأمم، والقادم هو مشتهى الأمم جميعاً، وليس خاصاً ببيت يعقوب كما جاء في وصف المسيح مراراً.
وهذا الاستعمال لكلمة " السلام " بمعنى " الإسلام " يراه عبد الأحد داود لازماً في موضع آخر من الكتاب المقدس، فقد جاء في إنجيل لوقا أن الملائكة ترنموا عند ميلاد المسيح قائلين: " المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة " (لوقا 2/ 14).
ويتساءل القس السابق عبد الأحد داود أي سلام حلَّ على الأرض بعد ميلاد المسيح، فقد تتابع القتل والحروب ما تزال تطحن، وإلى قيام الساعة، ولذلك فإن--------------------------------------------
(1) ومثل هذا في القرآن في قوله: {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة} (البقرة: 208).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
الترجمة الصحيحة لكلمة "إيرينا " اليونانية في العبرانية: " شالوم "، وهي في العربية " الإسلام " كما " السلام ".
وإن أصر النصارى على تفسير كلمة " إيرينا " بالسلام، فقد جعلوا من عيسى مناقضاً لنفسه، إذ قال: " جئت لألقي ناراً على الأرض … أتظنون أني جئت لأعطي سلاماً على الأرض. كلا أقول لكم، بل انقساماً … " (لوقا 12/ 49 - 51)، وفي متى: " لا تظنوا أني جئت لألقي سلاماً على الأرض، ما جئت لألقي سلاماً، بل سيفاً " (متى 10/ 34).
وتبعاً لهذا يرى عبد الأحد داود أن صانعي السلام هم المسلمون، وذلك في قول المسيح: "طوبى لصانعي السلام، لأنهم يدعون أبناء الله " (متى 5/ 9)، فيرى أن الترجمة الدقيقة هي " طوبى للمسلمين "، وليس صانعي السلام الخيالي، الذي لم ولن يوجد على الأرض.
كما لا يستطيع أحد ينتمي إلى فرق النصارى المختلفة والمتباغضة طوال تاريخ النصرانية، لا يستطيع أن يقول بأن السلام قد تحقق في نفوس المؤمنين، إذ الأحقاد المتطاولة بينهم تكذب ذلك كله.
وجاء في تمام الأنشودة المزعومة للملائكة: " وبالناس المسرة "، واستخدم النص اليوناني كلمة "يودكيا " وهي كلمة مشتقة من الفعل اليوناني " دوكيو "، ومعناها كما في القاموس الإغريقي: "لطيف، محسن، دمث … " ومن معانيها أيضاً السرور - المحبة - الرضا - الرغبة، الشهرة …
فكل هذه الإطلاقات تصح في ترجمة كلمة " يودوكيا " التي يصح أيضاً أن تترجم في العبرانية إلى (محماد، ما حامود) المشتقة من الفعل " حمد " ومعناه: المرغوب فيه جداً، أو البهيج، أو الرائع أو المحبوب أو اللطيف، وهذا كله يتفق مع المعاني التي تفيدها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
كلمة محمد وأحمد، واللتان تقاربان في الاشتقاق كلمتي (حمدا ومحماد) العبرانيتين، ومثل هذا التقارب يدل على أن لهما أساس واحد مشترك كما هو الحال في كثير من كلمات اللغات السامية.
وينبه الأب السابق عبد الأحد داود إلى وجود هذا النص في إنجيل لوقا اليوناني، في الوقت الذي كانت فيه العبارات سريانية حين مقالها، ولا يمكن - حتى مع بذل الجهد وفرض الأمانة في الترجمة - أن تترجم كلمة ما من لغة إلى أخرى، وتفيد نفس المعاني الأصلية للكلمة. ومع ضياع الأصول لا يمكن التحقق من دقة هذه الترجمة.
والترجمة الصحيحة للترنيمة كما يرى عبد الأحد داود هي: " الحمد لله في الأعالي، وعلى الأرض إسلام، وللناس أحمد ". (1)--------------------------------------------
(1) انظر: محمد في الكتاب المقدس، عبد الأحد داود، ص (147 - 165)، الإنجيل والصليب، عبد الأحد داود، ص (33 - 55)، البشارة بنبي الإسلام في التوراة والإنجيل، أحمد حجازي السقا (2/ 370 - 372).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
البشارة بإيلياء
ومن الأسماء التي رمز الكتاب المقدس بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم " إيلياء " وهي وفق حساب الجمّل اليهودي تساوي 53. (1)
وهو أيضاً اسم لنبي عظيم أرسله الله عز وجل إلى بني إسرائيل، وكان ذلك في القرن التاسع قبل الميلاد، وهو الذي يسميه القرآن إلياس.
وفي آخر أسفار التوراة العبرانية يتحدث النبي ملاخي في سفره القصير عن عصيان بني إسرائيل وعن إيليا أو إيلياء القادم الجديد، وهو غير إلياس الذي كان قد توفي منذ سبعة قرون، فيقول ملاخي بأن الله يقول: " هأنذا أرسل ملاكي، فيهيء الطريق أمامي، ويأتي بغتة إلى هيكله السيدُ الذي تطلبونه، وملاك العهد الذي تسرون به، هو ذا يأتي، قال رب الجنود.
من يحتمل يوم مجيئه، ومن يثبت عند ظهوره، لأنه مثل نار الممحص، ومثل أشنان القصار … (ملاخي 3/ 1 - 2).
فالنص في سفر النبي ملاخي يتحدث عن اثنين، أحدهما الذي يهيئ الطريق أمام القادم من عند الرب.
والثاني هو الذي يأتي بغتة إلى الهيكل، ويسميه: السيد، وملاك العهد. وهو الذي يطلبه بنو إسرائيل وينتظرونه.
وفي آخر سفره يقول ملاخي، وحديثه مازال متصلاً عن هذا القادم وعن تبديل بني إسرائيل وكفرهم فيقول: " اذكروا شريعة موسى عبدي التي أمرته بها في حوريب--------------------------------------------
(1) (أ=1، ي=10، ل=30)، وهو ما تساويه كلمة أحمد (أ=1، ح=8، م=40، د=4).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
على كل إسرائيل الفرائض والأحكام. هأنذا أرسل إليكم إيّليا النبي قبل مجيء يوم الرب اليوم العظيم والمخوف، فيرد قلب الآباء على الأبناء وقلب الأبناء على آبائهم، لئلا آتي وأضرب الأرض بلعن " (ملاخي 4/ 4 - 5).
فقد سمى ملاخي النبي القادم إيليا بعد أن ذكرهم بوصية موسى على جبل حوريب والتي ذكر فيها موسى النبي القادم مثله من بين إخوة بني إسرائيل، قال المفسر صاحب "تحفة الجيل": " إن إيلياء الرسول المذكور في آخر سفر ملاخي هو ملغوز، وهذا هو حبر العالم الذي يأتي في آخر الزمان ". (1)
ويرى النصارى أن النبي الذي يمهد الطريق هو يوحنا المعمدان المسمى بإيليا في النص يقول مرقس: " كما هو مكتوب في الأنبياء ها أنا أرسل ملاكي الذي يهيئ طريقك قدامك .. كان يوحنا المعمدان يعمد في البرية … وكان يكرز قائلاً: يأتي بعدي من أقوى مني، الذي لست أهلاً أن أنحني وأحل سيور حذائه، أنا عمدتكم بالماء، وأما هو فسيعمدكم بالروح القدس، وفي تلك الأيام جاء يسوع .. " (مرقس 1/ 2 - 9)، وهو ما نقله لوقا عن لسان المسيح: " بل ماذا خرجتم لتنظروا، أنبياً؟ نعم أقول لكم: وأفضل من نبي، هذا هو الذي كتب عنه: ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيئ طريقك قدامك، لأني أقول لكم: إنه بين المولودين من النساء ليس نبي أعظم من يوحنا المعمدان، ولكن الأصغر في ملكوت الله أعظم منه" (لوقا 7/ 26).
فالممهِد للطريق- حسب رأي النصارى- هو يوحنا المعمدان، والممهد له المنتظر هو عيسى عليه السلام.
ويعتبرون الأول إيليا لقول متى على لسان المسيح في سياق حديثه عن يوحنا--------------------------------------------
(1) انظر: الفارق بين المخلوق والخالق، عبد الرحمن باجي البغدادي، ص (654).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
المعمدان: " ماذا خرجتم لتنظروا. أنبياً؟ نعم أقول لكم وأفضل من نبي، فإن هذا هو الذي كتب عنه: ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيئ طريقك قدامك. الحق أقول لكم: لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان، ولكن الأصغر في ملكوت السماوات أعظم منه … لأن جميع الأنبياء والناموس إلى يوحنا تنبئوا. وإن أردتم أن تقبلوا فهذا هو إيليا المزمع أن يأتي، من له أذنان للسمع فليسمع " (متى 11/ 9 - 15).
ويذكر متى أيضاً بأن المسيح قال: " إن إيليا يأتي أولاً ويرد كل شيء، ولكني أقول لكم: إن إيليا قد جاء ولم يعرفوه … حينئذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان " (متى 17/ 10 - 13).
وهكذا يرى النصارى أن المبشِر الممهد للطريق هو يوحنا (إيليا)، والمبشَر به هو المسيح. والصحيح أن إيليا رمز للنبي القادم، وليس للنبي الممهد لطريقه.
وقبل أن نلج لفهم حقيقة هذه النبوءة نرى لزاماً أن ننبه ببعض ما تعرضت له هذه النصوص من تحريف، ففي ملاخي " ملاك العهد "، وهو في الترجمات القديمة: "رسول الختان"، وفي الترجمة الحديثة يقول: "أرسل ملاكي"، وفي القديمة: " أرسل رسولي "، وفي بعض الطبعات: " يأتي السيد " وفي بعضها: " الولي "، وفي أخرى: " إيليا ".
وفي نصوص الأناجيل تحريف للاقتباس من ملاخي الذي استعمل ضمير المتكلم " الطريق أمامي"، وفي الأناجيل أصبح الضمير راجعاً على المسيح " يهيئ طريقك قدامك ".
كما نرى يد التحريف قد طالت كلام المسيح والمعمدان حين زعم الإنجيليون أن المسيح اعتبر المعمدان هو الممهد لدعوته "هذا هو الذي كتب عنه: ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيئ طريقك قدامك " (لوقا 7/ 26)، وأنه سماه إيليا المنتظر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
"ولكني أقول لكم: إن إيليا قد جاء ولم يعرفوه … حينئذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان " (متى 17/ 12 - 13).
ومن التحريف قولهم أن المعمدان أخبر أن القوي الذي بشر بقدومه بعده هو المسيح "ولكن في وسطكم قائم الذي لستم تعرفونه، هو الذي يأتي بعدي الذي صار قدامي، الذي لست بمستحق أن أحل سيور حذائه .. وفي الغد نظر يوحنا يسوع مقبلاً إليه فقال: هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم، هذا هو الذي قلت عنه: يأتي بعدي رجل صار قدامي، لأنه كان قبلي" (يوحنا 1/ 26 - 40).
ودعوانا التحريف ليس مردها عدم اتفاق هذه النصوص مع المسألة التي نحن بصدد إثباتها، بل مرده أن يوحنا المعمدان أنكر أن يكون هو النبي إيليا الممهد بين يدي السيد القادم، فقد نفى هو ذلك عن نفسه لما جاءه رسل اليهود من الكهنة واللاويين " ليسألوه من أنت؟ فاعترف ولم ينكر، وأقر: إني لست أنا المسيح.
فسألوه إذاً ماذا؟ إيليا أنت؟ فقال: لست أنا. النبي أنت؟ فأجاب: لا " (يوحنا 1/ 19 - 21)، فهذا نص صريح ينكر فيه يوحنا أنه إيليا الممهد للطريق، كما هو ليس المسيح المنتظر أو النبي القادم.
ويلزم من قول المعمدان تكذيب المسيح في قوله بأن إيليا قد جاء أو أن يكون المعمدان كاذباً حين أنكر أنه إيليا، أو يلزم القول بأن التلاميذ لم يفهموا كلام المسيح، وهذا الأخير هو الأولى، فقد أخطأ متى حين قال: " حينئذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان "، لقد ظنوا أنهم فهموا، بينما الحقيقة أنهم لم يفهموا، لقد كان يحدثهم عن نفسه، فهو النبي القادم الذي يهيئ الطريق للقادم المنتظر " هأنذا أرسل ملاكي، فيهيء الطريق أمامي، ويأتي بغتة إلى هيكله السيدُ الذي تطلبونه، وملاك العهد الذي تسرون به، هو ذا يأتي، قال رب الجنود".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
ثم إن صفات إيليا لا تنطبق على المعمدان، لأنه يأتي بعد المسيح، فقد قال المسيح عنه: " إيليا المزمع أن يأتي" والمسيح والمعمدان متعاصران.
وعندما يأتي إيليا فإنه " يرد كل شيء "، و " فيرد قلب الآباء على الأبناء، وقلب الأبناء على آبائهم "، ومثل هذا لم ينقل عن المعمدان الذي عاش في الصحراء، طعامه الجراد والعسل، ولباسه وبر الإبل، وغاية ما صنعه تعميد من جاءه تائباً. (انظر متى 3/ 1 - 5).
ولا يمكن التسليم بأن المعمدان كان تمهيداً للمسيح، إذ كيف يقال ذلك، والمعمدان قبيل مقتله - حسب الأناجيل - لا يعرف حقيقة المسيح، ويرسل تلاميذه ليسألوا المسيح " أنت هو الآتي أم ننتظر غيرك؟ " (متى 11/ 3).
فكيف يقال بأنه أرسل بين يديه، وهو لم يعرف حقيقته؟ ثم ماذا صنع يوحنا بين يدي مقدم المسيح؟ هل صنع شيئاً يتعلق بالمهمة التي تزعمها الأناجيل له؟
لم يرد عنه سوى البشارة بالملكوت كما بشر به المسيح بعده. (انظر متى 3/ 1) كما كان يعمد الذين يأتونه معترفين بخطاياهم. (انظر متى 3/ 6)، وهذا الذي صنعه المسيح أيضاً، وهو ما يؤكد أن دعوتهما واحدة، ألا وهي البشارة بالنبي صلى الله عليه وسلم نبي الملكوت، كما قال: " فقال لهم: إنه ينبغي لي أن أبشر المدن الأخر أيضاً بملكوت الله، لأني لهذا قد أرسلت" (لوقا 4/ 34)، فقد أرسل للبشارة بالملكوت القادم، فهو ممهد ومبشر بين يديه.
والحق أن المعمدان وعيسى صاحبا دعوة واحدة، أي كلاهما بعث مبشراً بالنبي الخاتم، فهما المبشِران بالنبي الخاتم، والذي أسماه متى بملكوت السماوات، فقد بشر باقتراب عصره النبي يوحنا المعمدان، " جاء يوحنا المعمدان يكرز في برية اليهودية قائلاً: توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات " (متى 3/ 1 - 2).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
وبعد وفاة يوحنا المعمدان جدد يسوع البشارة بالملكوت، " ابتدأ يسوع يكرز ويقول: توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات " (متى 4/ 17)، " وكان يسوع يطوف كل الجليل يعلم في مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت " (متى 4/ 23).
وأمر تلاميذه بأن يبشروا باقتراب الملكوت فقال: " اكرزوا قائلين: إنه قد اقترب ملكوت السماوات " (متى 10/ 7)، لقد كانت دعوتهما واحدة، وهي البشارة والتمهيد للنبي القادم.
وكما لم يتحقق في المعمدان صفات الممهد للنبي القادم، فإن الصفات التي ذكرها يوحنا المعمدان للآتي بعده لم تتحقق في المسيح، فقد قال المعمدان: " أنا أعمدكم بماء التوبة، ولكن الذي يأتي بعدي هو أقوى مني، الذي لست أهلاً أن أحمل حذاءه، هو سيعمدكم بالروح القدس ونار، الذي رفشه في يده، وسينقي بيدره، ويجمع قمحه إلى المخزن، وأما التبن فيحرقه بنار لا تطفأ، حينئذٍ جاء يسوع من الجليل إلى الأردن إلى يوحنا ليعتمد منه " (متى 3/ 11 - 13).
فالقادم المبشر به سيعمد بالروح القدس والنار، أما المسيح عليه السلام فلم يعمد أحداً طوال حياته، وإن كان شاع بين الناس أنه يعمد، لكنه لم يفعل ذلك حقيقة، وإن صنعه تلاميذه باسمه "فلما علم الرب أن الفريسيين سمعوا أن يسوع يصيّر ويعمد تلاميذ أكثر من يوحنا، مع أن يسوع نفسه لم يكن يعمد بل تلاميذه" (يوحنا 4/ 1 - 2).
وذكر المعمدان أن الآتي بعده يعمد بالروح والنار، أي يملك سلطان الدين والدنيا لتغيير المنكر والحفز على التوبة، فهو لا يتوقف عن حدود الطهارة الظاهرية للجسد بالاغتسال بالماء، بل يهتم بطهارة الباطن، ووسيلته ما يأتي به روح القدس (جبريل) من وحي وبلاغ وبيان، كما قام بتطهير كثير من الأرض من الوثنية بالنار.
ومثل هذه المعمودية لم يفعلها المسيح الذي عمد تلاميذه بالماء، وكانت بشارته
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
استمراراً لمعمودية المعمدان، وهي البشارة بالتوبة ومغفرة الخطايا فإن المسيح دعا - بعد حادثة الصلب والقيامة - كل واحد من تلاميذه "أن يُكرز باسمه بالتوبة ومغفرة الخطايا" (لوقا 24/ 47)، فلم تختلف معموديته عليه السلام عن معمودية المعمدان في شيء. (انظر يوحنا 3/ 22 - 23).
واستمر تلاميذه بعده يعمدون بالماء كما كان المعمدان يعمد، ولما جاء بولس إلى جاء إلى أفسس، فإذ وجد تلاميذ قال لهم: هل قبلتم الروح القدس لما آمنتم. قالوا له: ولا سمعنا أنه يوجد الروح القدس. فقال لهم: فبماذا اعتمدتم؟ فقالوا: بمعمودية يوحنا. فقال بولس: إن يوحنا عمد بمعمودية التوبة قائلاً للشعب أن يؤمنوا بالذي يأتي بعده، أي بالمسيح يسوع، فلما سمعوا اعتمدوا باسم الرب يسوع" (أعمال 19/ 1 - 5)، ولو كان للمسيح عليه السلام تعميد يخالف ما عليه تعميد المعمدان عليه السلام لعرف بين التلاميذ وشاع.
كما وصف المعمدان النبي القادم بعده بأنه " أقوى مني"، وليس في دعوة المسيح أو حياته الشخصية ما يشير إلى هذه القوة، فكلاهما لم يبعث بشرع جديد، كما لم يملك على قومه، ولم يكن لأي منهما نفوذ أو سلطان، بل تزعم النصارى - باطلاً - أن كلاً منهما مات مقتولاً! فأين القوة التي ذكرها المعمدان؟
كما لم يحقق المسيح قول المعمدان عن النبي الآتي: "رفشه في يده، وسينقي بيدره، ويجمع قمحه إلى المخزن، وأما التبن فيحرقه بنار لا تطفأ " وهذه كناية يفسرها الدكتور وليم أدي بقوله: " كناية عن نهاية العمل كله، ويمكن أن يكون القصد من هذا التشبيه: الإشارة إلى تأديب الله للناس وقصاصه لهم في هذه الحياة"، بل هو كناية أبعد من ذلك، إذ تبين سلطانه الذي ينقي الأصل الذي أنزله الله على أنبيائه مما علق فيه، فيحذف الترهات الدخيلة ويزيفها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
وعليه فالآتي المبشر به هو محمد صلى الله عليه وسلم، وهو فقط الذي أتى إلى أرض القدس والهيكل بغتة يوم أسري به إلى بيت المقدس، بينما نشأ المسيح ويوحنا في ربوع الهيكل.
وهو النبي الذي سمته بعض الترجمات برسول الختان، إذ كان قد دعا إليه ونبه إلى أنه من سنن الهدى، والتزمه المسلمون بعده.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
الأصغر في ملكوت الله
وثمة بشارة أخرى جاءت على لسان المسيح تبشر بالمسيح المنتظر صلى الله عليه وسلم، وتؤكد أنه أعظم الأنبياء، وأنه النبي المسمى إيليّا، وأنه الذي تقاطرت النبوات على البشارة به، يقول المسيح: " الحق الحق أقول لكم: لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان، ولكن الأصغر في ملكوت السماوات أعظم منه .. لأن جميع الأنبياء والناموس إلى يوحنا تنبؤوا، وإن أردتم أن تقبلوا فهذا هو إيليا المزمع أن يأتي، من له أذنان للسمع فليسمع " (متى 11/ 11 - 15)، فالأصغر في ملكوت السماوات هو إيلياء المزمع أن يأتي، الذي تنبأ به الأنبياء، نبياً تلو نبي، وكان آخرهم يوحنا المعمدان.
فمن هو إيليّا، الأصغر في ملكوت السماوات؟ إنه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي صغر بتأخره في الزمان عن سائر الأنبياء، لكنه فاقهم جميعاً باكتمال رسالته ورضا الله بدينه ديناً خاتماً إلى قيام الساعة، فإن لم يكن محمداً صلى الله عليه وسلم فمن ذا يكون؟
ولا يمكن لنصراني أن يدعي بأن عيسى هو آخر الرسل والأنبياء لإيمانهم برسالة تلاميذه بل وغيرهم كبولس، كما لم تكمل رسالته عليه السلام بدليل التعديل والنسخ الذي أجراه الحواريون عليها في المجمع الأورشليمي الأول بزعم التيسير على المتنصرين، فأبطلوا الختان، وأحلوا بعض محرمات التوراة.
وعليه فلا تصدق على المسيح عليه السلام كلمة " الأصغر "، لأنه ليس آخر الأنبياء، كما أنه لم يصرح ولا يفهم أنه كان يتحدث عن نفسه حين قال: " ولكن الأصغر في ملكوت السماوات أعظم منه .. لأن جميع الأنبياء والناموس إلى يوحنا تنبؤوا، وإن أردتم أن تقبلوا فهذا هو إيليّا المزمع أن يأتي، من له أذنان للسمع فليسمع " (متى 11/ 11 - 15).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
وهذا الأصغر إنما يأتي في ملكوت السماوات التي لم تكن قد قامت يومذاك، وهو مزمع أن يأتي ولما يأت بعد، إنه محمد صلى الله عليه وسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)
المسيح يبشر بالبارقليط
لكن أعظم بشارات العهد الجديد بالنبي الخاتم هي نبوءات المسيح عليه السلام عن مجيء البارقليط إلى هذا العالم.
وينفرد يوحنا في إنجيله بذكر هذه البشارات المتوالية من المسيح بهذا النبي المنتظر، حيث يقول المسيح موصياً تلاميذه: " إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر، ليمكث معكم إلى الأبد، روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله، لأنه لا يراه ولا يعرفه، وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم، ويكون فيكم … إن أحبني أحد يحفظ كلامي، ويحبه أبي وإليه نأتي، وعنده نصنع منزلاً.
الذي لا يحبني لا يحفظ كلامي، والكلام الذي تسمعونه ليس لي، بل للآب الذي أرسلني، بهذا كلمتكم وأنا عندكم، وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم كل شيء، ويذكركم بكل ما قلته لكم … . قلت لكم الآن قبل أن يكون، حتى متى كان تؤمنون، لا أتكلم أيضاً معكم كثيراً، لأن رئيس هذا العالم يأتي، وليس له فيّ شيء " (يوحنا 14/ 15 - 30).
وفي الإصحاح الذي يليه يعظ المسيح عليه السلام تلاميذه طالباً منهم حفظ وصاياه، ثم يقول: " متى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب، روح الحق الذي من عند الآب ينبثق، فهو يشهد لي، وتشهدون أنتم أيضاً لأنكم معي في الابتداء.
قد كلمتكم بهذا لكي لا تعثروا، سيخرجونكم من المجامع، بل تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة لله … قد ملأ الحزن قلوبكم، لكني أقول لكم الحق: إنه خير لكم أن أنطلق، لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي، ولكن إن ذهبت أرسله إليكم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)
ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية وعلى بر وعلى دينونة، أما على خطية فلأنهم لا يؤمنون بي، وأما على بر فلأني ذاهب إلى أبي ولا ترونني أيضاً، وأما على دينونة فلأن رئيس هذا العالم قد دين.
إن لي أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن، وأما متى جاء ذاك، روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية، ذاك يمجدني، لأنه يأخذ مما لي ويخبركم" (يوحنا 15/ 26 - 16/ 14).
ففي هذه النصوص يتحدث المسيح عليه السلام عن صفات الآتي بعده، فمن هو هذا الآتي؟
البارقليط عند النصارى
يجيب النصارى بأن الآتي هو روح القدس الذي نزل على التلاميذ يوم الخمسين ليعزيهم في فقدهم للسيد المسيح، وهناك " صار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة، وملأ كل البيت حيث كانوا جالسين، وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار، واستقرت على كل واحد منهم، وامتلأ الجميع من الروح القدس، وابتدءوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا " (أعمال 2/ 1 - 4).
ولا تذكر أسفار العهد الجديد شيئاً - سوى ما سبق - عن هذا الذي حصل يوم الخمسين من قيامة المسيح.
يقول الأنبا أثناسيوس في تفسيره لإنجيل يوحنا: " البارقليط هو روح الله القدوس نفسه المعزي، البارقليط: المعزي " الروح القدس الذي يرسله الأب باسمي " (يوحنا 14/ 26)، وهو الذي نزل عليهم يوم الخمسين (أعمال 2/ 1 - 4) فامتلأوا به وخرجوا للتبشير، وهو مع الكنيسة وفي المؤمنين، وهو هبة ملازمة للإيمان والعماد ". (1)--------------------------------------------
(1) تفسير إنجيل يوحنا، الأنبا أثناسيوس، ص (118).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)
ويقول معجم اللاهوت الكتابي: " لفظ بارقليط، (باليونانية parakletos) لفظ مأخوذ من كتابات القديس يوحنا، وهو يعبّر ليس عن طبيعة شخص، بل عن وظيفته .. فهو من يلعب دور المساعد الإيجابي، والمحامي، والمؤيد، ويقوم بهذه المهمة يسوع المسيح الذي هو "شفيع لنا عند الآب وهو كفارة عن خطايانا" في السماء (يوحنا (1) 2/ 1)، كما يقوم بها أيضاً الروح القدس الذي يحقق حضور يسوع فعلياً من حيث هو الشاهد والمدافع عنه بين المؤمنين". (1)
البارقليط عند المسلمين
ويعتقد المسلمون أن ما جاء في يوحنا عن المعزي رئيس هذا العالم الآتي، إنما هو بشارة من المسيح بنبينا صلى الله عليه وسلم، وذلك يظهر من أمور:
منها أن لفظة " المعزي " لفظة حديثة استبدلتها التراجم الجديدة للعهد الجديد، فيما كانت التراجم العربية القديمة (1820م، 1831م، 1844م) تضع الكلمة اليونانية (البارقليط) كما هي، وهو ما تصنعه كثير من التراجم العالمية.
وفي تفسير كلمة " بارقليط " اليوناني نقول: إن هذا اللفظ اليوناني الأصل، لا يخلو من أحد حالين، الأول أنه "باراكلي توس". فيكون حسب قول النصارى بمعنى: المعزي والمعين والوكيل.
والثاني أنه " بيروكلوتوس "، فيكون قريباً من معنى: محمد وأحمد.
ويقول أسقف بني سويف الأنبا أثناسيوس في تفسيره لإنجيل يوحنا: " إن لفظ بارقليط إذا حرف نطقه قليلاً يصير "بيركليت"، ومعناه: الحمد أو الشكر، وهو--------------------------------------------
(1) معجم اللاهوت الكتابي (مادة بارقليط)، وانظر: تفسير إنجيل يوحنا، الأنبا أثناسيوس، ص (205).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
قريب من لفظ أحمد". (1)
ويسأل عبد الوهاب النجار الدكتور كارلو نيلنو - الحاصل على الدكتوراه في آداب اليهود اليونانية القديمة - عن معنى كلمة " بيركلوتس " فيقول: " الذي له حمد كثير ".
ومما يؤكد خطأ الترجمة أن اللفظة اليونانية (بيركلوتس) اسم لا صفة، فقد كان من عادة اليونانيين زيادة السين في آخر الأسماء، وهو ما لا يصنعونه في الصفات.
ويرى عبد الأحد داود أن تفسير الكنيسة للبارقليط بأنه " شخص يدعى للمساعدة أو شفيع أو محام أو وسيط " غير صحيح، فإن كلمة بارقليط اليونانية لا تفيد أياً من هذه المعاني، فالمعزي في اليونانية يدعى (باراكالون أو باريجوريتس)، والمحامي تعريب للفظة (سانجرس)، وأما الوسيط أو الشفيع فتستعمل له لفظة " ميديتيا "، وعليه فعزوف الكنيسة عن معنى الحمد إلى أي من هذه المعاني إنما هو نوع من التحريف.
ويوافقه القس الدكتور سمبسون، فيقول: "الاسم المعزي ليس ترجمة دقيقة جداً" (2).
ويعترف به معجم اللاهوت الكتابي، حين كتب مؤلفوه: " ومعنى "المعزي" - المشتق على الأرجح من أصل لغوي خاطئ - غير وارد في العهد الجديد". (3)
ومما سبق يتضح أن ثمة خلافاً بين المسلمين والنصارى في الأصل اليوناني لكلمة " بارقليط " حيث يعتقد المسلمون أن أصلها " بيركلوتوس " وأن ثمة تحريفاً قام به النصارى لإخفاء دلالة الكلمة على اسم النبي صلى الله عليه وسلم أحمد: الذي له حمد كثير.--------------------------------------------
(1) تفسير إنجيل يوحنا، الأنبا أثناسيوس، ص (117).
(2) الروح القدس أو قوة في الأعالي (2/ 206).
(3) معجم اللاهوت الكتابي (مادة بارقليط).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
ومثل هذا التحريف لا يستغرب وقوعه في كتب القوم، ففيها من الطوام مما يجعل تحريف كلمة " البيرقليط " من السهل الهين.
كما أن وقوع التصحيف والتغير في الأسماء كثير عند الترجمة بين اللغات وفي الطبعات، فاسم "بارباس" في الترجمة البروتستانتية هو في نسخة الكاثوليك " بارابا "، وكذا (المسيا، ماشيح) و (شيلون، شيلوه) وسوى ذلك، وكلمة " البارقليط " مترجمة عن السريانية لغة المسيح الأصلية فلا يبعد أن يقع مثل هذا التحوير حين الترجمة.
ولجلاء التحريف في هذه الفقرة فإن أدوين جونس في كتابه " نشأة الديانة المسيحية " يعترف بأن معنى البارقليط: محمد، لكنه يطمس اعترافه بكذبة وطامّة لا تنطلي على أهل العلم والتحقيق، فيقول بأن المسيحيين أدخلوا هذا الاسم في إنجيل يوحنا جهلاً منهم بعد ظهور الإسلام وتأثرهم بالثقافة الدينية للمسلمين.
وأما المستشرق النمساوي المتعصب لويس سبرنجر (تـ 1893م) في كتابه عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم فيحل المسألة بطريقة - لا ريب أنها - ستدهش القارئ وتثير عجبه، فيزعم أن اسم النبي الحقيقي هو قثم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم تسمى باسم محمد في المدينة المنورة، بعد اختلاطه بالنصارى، وقد التقطه من خلال قراءته لنبوءات الأناجيل عن البارقليط (المنحمنا بالسريانية).
وقد أيده عدد من المستشرقين منهم المستشرق الفرنسي اليهودي هرتويغ درنبرغ Hartwig Derenbourg ( تـ 1908م)، والمستشرق الألماني المتعصب ثيودور نولدكه (تـ 1930م) صاحب كتاب "تاريخ القرآن"، والمستشرق الإيطالي الأمير ليون كايتاني في كتابه الشهير حوليات الإسلام ( nnalli dell' Islam) . (1)--------------------------------------------
(1) انظر تاريخ العرب في الإسلام، جواد علي، ص (97 - 98).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)
البارقليط بشر نبي، وليس روح القدس
وأياً كان المعنى للبارقليط: أحمد أو المعزي فإن الأوصاف والمقدمات التي ذكرها المسيح للبارقليط تمنع أن يكون المقصود به روح القدس، وتؤكد أنه كائن بشري يعطيه الله النبوة. وذلك واضح من خلال التأمل في نصوص يوحنا عن البارقليط.
- فإن يوحنا استعمل في حديثه عن البارقليط أفعالاً حسية (الكلام، والسمع، والتوبيخ) في قوله: " كل ما يسمع يتكلم به " وهذه الصفات لا تنطبق على الألسنة النارية التي هبت على التلاميذ يوم الخمسين، إذ لم ينقل أن الألسنة النارية تكلمت يومذاك بشيء، وأما الروح فغاية ما يصنعه إنما هو الإلهام القلبي، وأما الكلام فهو صفة بشرية، لا روحية.
وقد فهم أوائل النصارى قول يوحنا بأنه بشارة بكائن بشري، وادعى مونتنوس في القرن الثاني (187م) أنه البارقليط القادم، ومثله صنع ماني في القرن الرابع فادعى أنه البارقليط، وتشبه بالمسيح فاختار اثنا عشر تلميذاً وسبعون أسقفاً أرسلهم إلى بلاد المشرق، ولو كان فهمهم للبارقليط أنه الأقنوم الثالث لما تجرؤوا على هذه الدعوى. (1)
- ومن صفات الآتي أنه يجيء بعد ذهاب المسيح من الدنيا، فالمسيح وذلك الرسول المعزي لا يجتمعان في الدنيا، وهذا ما يؤكد مرة أخرى أن المعزى لا يمكن أن يكون الروح القدس الذي أيد المسيح طيلة حياته، بينما المعزي لا يأتي الدنيا والمسيح فيها " إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي".
وروح القدس سابق في الوجود على المسيح، وموجود في التلاميذ من قبل ذهاب--------------------------------------------
(1) انظر: الجواب الفسيح لما لفقه عبد المسيح، خير الدين الألوسي (1/ 286 - 291)، محمد في الكتاب المقدس، عبد الأحد داود، ص (224 - 225)، البشارة بنبي الإسلام في التوراة والإنجيل، أحمد حجازي السقا (2/ 276 - 278).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)
المسيح، فقد كان شاهداً عند خلق السماوات والأرض. (انظر التكوين 1/ 2)، وكان مع بني إسرائيل طويلاً "أين الذي جعل في وسطهم روح قدسه" (إشعيا 63/ 11).
وكان لروح القدس دور في ولادة عيسى، حيث أن أمه " وجدت حبلى من الروح القدس " (متى 1/ 18)، فدل ذلك على وجوده، كما اجتمعا سوياً يوم تعميد المسيح، حين "نزل عليه الروح القدس بهيئة جسمية مثل حمامة" (لوقا 3/ 22)، وأعطاه المسيح للتلاميذ قبل ذهابه حين قال لهم: " ولما قال هذا نفخ، وقال لهم: اقبلوا الروح القدس" (يوحنا 20/ 22)، وحسب الرهبانية اليسوعية: "ونفخ فيهم، وقال: خذوا الروح القدس".
وهكذا فالروح القدس موجود مع المسيح وقبله، وقد أعطي للتلاميذ، وأما المعزي أو الروح القدس القادم، فهو " إن لم أنطلق لا يأتيكم "، فهو ليس الروح القدس الذي يتحدث عنه المسيحيون.
- ومما يدل على بشرية الروح القدس أنه من نفس نوع المسيح، والمسيح كان بشراً، وهو يقول عنه: "وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر"، وهنا يستخدم النص اليوناني كلمة ( allon) وهي تستخدم للدلالة على الآخر من نفس النوع، فيما تستخدم كلمة ( hetenos) للدلالة على آخر من نوع مغاير. وإذا قلنا إن المقصود من ذلك رسول آخر أصبح كلامنا معقولاً، ونفتقد هذه المعقولية إذا قلنا: إن المقصود هو روح القدس الآخر، لأن روح القدس واحد وغير متعدد.
- ثم إن الآتي عرضة للتكذيب من قبل اليهود والتلاميذ، لذا فإن المسيح يكثر من الوصية بالإيمان به وأتباعه، فيقول لهم: " إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي "، ويقول: " قلت لكم قبل أن يكون، حتى إذا كان تؤمنوا "، ويؤكد على صدقه فيقول: " لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)